Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:71–77

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:71–77

23:71Page 346

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١

But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.

﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ عُطِفَ هَذا الشَّرْطُ الِامْتِناعِيُّ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] زِيادَةً في التَّشْنِيعِ عَلى أهْوائِهِمْ فَإنَّها مُفْضِيَةٌ إلى فَسادِ العالَمِ ومَن فِيهِ وكَفى بِذَلِكَ فَظاعَةً وشَناعَةً.

صفحة ٩٢

والحَقُّ هُنا هو الحَقُّ المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهو الشَّيْءُ المُوافِقُ لِلْوُجُودِ الواقِعِيِّ ولِحَقائِقِ الأشْياءِ. وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ أنَّ كَراهَةَ أكْثَرِهِمْ لِلْحَقِّ ناشِئَةٌ عَنْ كَوْنِ الحَقِّ مُخالِفًا أهْواءَهم فَسُجِّلَ عَلَيْهِمْ أنَّهم أهْلُ هَوًى. والهَوى شَهْوَةٌ ومَحَبَّةٌ لِما يُلائِمُ غَرَضَ صاحِبِهِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وإنَّما يَجْرِي الهَوى عَلى شَهْوَةِ دَواعِي النُّفُوسِ أعْنِي شَهَواتِ الأفْعالِ غَيْرَ الَّتِي تَقْتَضِيها الجِبِلَّةُ، فَشَهْوَةُ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَحْوِهِما مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ الجِبِلَّةُ لَيْسَتْ مِنَ الهَوى وإنَّما الهَوى شَهْوَةُ ما لا تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ كَشَهْوَةِ الظُّلْمِ وإهانَةِ النّاسِ، أوْ شَهْوَةِ ما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ لَكِنْ يُشْتَهى عَلى كَيْفِيَّةٍ وحالَةٍ لا تَقْتَضِيها الجِبِلَّةُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِن فَسادٍ وضُرٍّ مِثْلَ شَهْوَةِ الطَّعامِ المَغْصُوبِ وشَهْوَةِ الزِّنا، فَمَرْجِعُ مَعْنى الهَوى إلى المُشْتَهى الَّذِي لا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ.

والِاتِّباعُ: مَجازٌ شائِعٌ في المُوافَقَةِ، أيْ: لَوْ وافَقَ الحَقُّ ما يَشْتَهُونَهُ. ومَعْنى مُوافَقَةِ الحَقِّ الأهْواءَ أنْ تَكُونَ ماهِيَةُ الحَقِّ مُوافِقَةً لِأهْواءِ النُّفُوسِ. فَإنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ لَها تَقَرُّرٌ في الخارِجِ سَواءٌ كانَتْ مُوافِقَةً لِما يَشْتَهِيهِ النّاسُ أمْ لَمْ تَكُنْ مُوافِقَةً لَهُ: فَمِنها الحَقائِقُ الوُجُودِيَّةُ وهي الأصْلُ فَهي مُتَقَرِّرَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ مِثْلَ كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وكَوْنِهِ لا يَلِدُ وكَوْنِ البَعْثِ واقِعًا لِلْجَزاءِ، فَكَوْنُها حَقًّا هو عَيْنُ تَقَرُّرِها في الخارِجِ.

ومِنها الحَقائِقُ المَعْنَوِيَّةُ المَوْجُودَةُ في الِاعْتِبارِ فَهي مُتَقَرِّرَةٌ في الِاعْتِباراتِ. وكَوْنُها حَقًّا هو كَوْنُها جارِيَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ نِظامُ العالَمِ مِثْلَ كَوْنِ الوَأْدِ ظُلْمًا، وكَوْنِ القَتْلِ عُدْوانًا، وكَوْنِ القِمارِ أخْذَ مالٍ بِلا حَقٍّ لِآخِذِهِ في أخْذِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ في أضْدادِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وفَسَدَ مَن فِيهِنَّ، أيْ: مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ النّاسِ.

ووَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ وفَسادِ النّاسِ وبَيْنَ كَوْنِ الحَقِّ جارِيًا عَلى أهْواءِ المُشْرِكِينَ في الحَقائِقِ هو أنَّ أهْواءَهم شَتّى؛ فَمِنها

صفحة ٩٣

المُتَّفِقُ، وأكْثَرُها مُخْتَلِفٌ، وأكْثَرُ اتِّفاقِ أهْوائِهِمْ حاصِلٌ بِالشِّرْكِ، فَلَوْ كانَ الحَقُّ الثّابِتُ في الواقِعِ مُوافِقًا لِمَزاعِمِهِمْ لاخْتَلَّتْ أُصُولُ انْتِظامِ العَوالِمِ.

فَإنَّ مَبْدَأ الحَقائِقِ هو حَقِيقَةُ الخالِقِ تَعالى، فَلَوْ كانَتِ الحَقِيقَةُ هي تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لَفَسَدَتِ العَوالِمُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وذَلِكَ أصْلُ الحَقِّ وقِوامُهُ وانْتِقاضُهُ انْتِقاضٌ لِنِظامِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] الآيَةَ، فَمِن هَواهُمُ الباطِلِ أنْ جَعَلُوا مِن كَمالِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.

ثُمَّ نَنْتَقِلُ بِالبَحْثِ إلى بَقِيَّةِ حَقائِقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الحَقِّ لَوْ فُرِضَ أنْ يَكُونَ الثّابِتُ نَقِيضَ ذَلِكَ لَتَسَرَّبَ الفَسادُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ. فَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ لَكانَ الثّابِتُ أنْ لا جَزاءَ عَلى العَمَلِ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ أحَدٌ خَيْرًا إذْ لا رَجاءَ في ثَوابٍ. ولَمْ يَتْرُكْ أحَدٌ شَرًّا إذْ لا خَوْفَ مِن عِقابٍ، فَيَغْمُرُ الشَّرُّ الخَيْرَ والباطِلُ الحَقَّ وذَلِكَ فَسادٌ لِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . وكَذا لَوْ كانَ الحَقُّ حُسْنَ الِاعْتِداءِ، والباطِلُ قُبْحَ العَدْلِ لارْتَمى النّاسُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالإهْلاكِ جُهْدَ المُسْتَطاعِ فَهَلَكَ الضَّرْعُ والزَّرْعُ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وهَكَذا الحالُ في أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ. ويَزِيدُ أمْرُها فَسادًا بِأنْ يَتَّبِعَ الحَقُّ كُلَّ ساعَةٍ هَوًى مُخالِفًا لِلْهَوى الَّذِي اتَّبَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَقِرُّ نِظامٌ ولا قانُونٌ.

وهَذا المَعْنى ناظِرٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨] .

صفحة ٩٤

والظّاهِرُ أنَّ (مَن) في قَوْلِهِ: ومَن فِيهِنَّ صادِقَةٌ عَلى العُقَلاءِ مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ. فَفَسادُ البَشَرِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى أهْواءِ المُشْرِكِينَ ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْناهُ.

وأمّا فَسادُ المَلائِكَةِ فَلِأنَّ مِن أهْواءِ المُشْرِكِينَ زَعْمَهم أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَلَوْ كانَ الواقِعُ أنَّ حَقِيقَةَ المَلائِكَةِ بُنُوَّةُ اللَّهِ لَأفْضى ذَلِكَ إلى أنَّهم آلِهَةٌ؛ لِأنَّ المُتَوَلِّدَ مِن جِنْسٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِما تَوَلَّدَ هو مِنهُ إذِ الوَلَدُ نُسْخَةٌ مِن أبِيهِ فَلَزِمَ عَلَيْهِ ما يَلْزَمُ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن فُصُولِ حَقِيقَةِ المَلائِكَةِ أنَّهم مُسَخَّرُونَ لِطاعَةِ اللَّهِ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ لَفَسَدَتْ حَقائِقُهم فَأفْسَدُوا ما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِإصْلاحِهِ وبِالعَكْسِ فَتَنْتَقِضُ المَصالِحُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) صادِقًا عَلى المَخْلُوقاتِ كُلِّها عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ في اسْتِعْمالِ (مَن) . ووَجْهُ المُلازَمَةِ يَنْتَظِمُ بِالأصالَةِ مَعَ وجْهِ المُلازَمَةِ بَيْنَ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ وبَيْنَ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يَسْرِي إلى اخْتِلافِ مَواهِي المَوْجُوداتِ فَتُصْبِحُ غَيْرَ صالِحَةٍ لِما خُلِقَتْ عَلَيْهِ، فَيَفْسَدُ العالَمُ. وقَدْ كانَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ المُتَأخِّرِينَ فَرَضَ بَحْثًا في إمْكانِ فَناءِ العالَمِ وفَرَضَ أسْبابًا إنْ وُجِدَ واحِدٌ مِنها في هَذا العالَمِ، وعَدَّ مِن جُمْلَتِها أنْ تَحْدُثَ حَوادِثُ جَوِّيَّةٌ تُفْسِدُ عُقُولَ البَشَرِ كُلِّهِمْ فَيَتَألَّبُونَ عَلى إهْلاكِ العالَمِ فَلَوْ أجْرى اللَّهُ النِّظامَ عَلى مُقْتَضى الأهْواءِ مِن مُخالَفَةِ الحَقِّ لِما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ كَما يَشْتَهُونَ لَعادَ ذَلِكَ بِالفَسادِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ فَكانُوا مَشْمُولِينَ لِذَلِكَ الفَسادِ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَناهِيكَ بِأفْنِ آراءٍ لا تُمَيِّزُ بَيْنَ الضُّرِّ والنّافِعِ لِأنْفُسِهِما. وكَفى بِذَلِكَ شَناعَةً لِكَراهِيَتِهِمُ الحَقَّ وإبْطالًا لِزَعْمِهِمْ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ تَصَرُّفاتُ مَجْنُونٍ.

* * *

﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ الفَرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: بَلْ لَمْ يَتَّبِعِ الحَقُّ أهْواءَهم فَأبْلَغْنا إلَيْهِمُ الحَقَّ عَلى وجْهِهِ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو ذِكْرٌ لَهم

صفحة ٩٥

يُوقِظُ عُقُولَهم مِن سُباتِها. كَأنَّهُ يُذَكِّرُ عُقُولَهُمُ الحَقَّ الَّذِي نَسِيَتْهُ بِتَقادُمِ الزَّمانِ عَلى ضَلالاتِ آبائِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم فَصارَتْ أهْواءً لَهم ألِفُوها فَلَمْ يَقْبَلُوا انْزِياحًا عَنْها وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ بِأنَّهُ خالَفَها، فَجُعِلَ إبْلاغُ الحَقِّ لَهم بِالأدِلَّةِ بِمَنزِلَةِ تَذْكِيرِ النّاسِي شَيْئًا طالَ عَهْدُهُ بِهِ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في كِتابِهِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: فَإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ قالَ تَعالى: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢] .

وعُدِّيَ فِعْلُ (أتَيْناهم) بِالباءِ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإرْسالِ والتَّوْجِيهِ.

والذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّذْكِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْكَلامِ الَّذِي يُذَكِّرُ سامِعِيهِ بِما غُفِلَ عَنْهُ وهو شَأْنُ الكُتُبِ الرَّبّانِيَّةِ. وإضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ لَفْظِيَّةٌ مِنَ الإضافَةِ إلى مَفْعُولِ المَصْدَرِ.

والفاءُ لِتَفْرِيعِ إعْراضِهِمْ عَلى الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلَيْهِمْ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى الإرْسالِ إلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ إعْراضُهم عَنْهُ. والمَعْنى: أرْسَلْنا إلَيْهِمُ القُرْآنَ لِيُذَكِّرَهم.

وقِيلَ: إضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَعْنَوِيَّةٌ، أيِ: الذِّكْرُ الَّذِي سَألُوهُ حِينَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] فَيَكُونُ الذِّكْرُ عَلى هَذا مَصْدَرًا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: ما يَتَذَكَّرُونَ بِهِ. والفاءُ عَلى هَذا الوَجْهِ فاءٌ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَها قَدْ أعْطَيْناهم كِتابًا فَأعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِهِمُ الَّذِي سَألُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] أيْ: مِن رُسُلٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ﴾ [الصافات: ١٦٩]، وقَوْلُ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُـراسَـانَ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] .

والتَّعْبِيرُ عَنْ إعْراضِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ إعْراضِهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِمْ لِيَكُونَ إعْراضُهم عَنْهُ مَحَلَّ عَجَبٍ.

23:72Page 346

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.

صفحة ٩٦

﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾

(أمْ) عاطِفَةٌ عَلى ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهي لِلِانْتِقالِ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ عَنْ دَواعِي إعْراضِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ.

والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ هُنا إنْكارِيٌّ، أيْ: ما تَسْألُهم خَرْجًا فَيَعْتَذِرُوا بِالإعْراضِ عَنْكَ لِأجَلِهِ شُحًّا بِأمْوالِهِمْ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُ سَألْتُكم أجْرًا فَقَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْكم فَماذا يَمْنَعُكم مِنَ اتِّباعِي. وقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] كُلُّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ. وأصْرَحُ مِنهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] .

وهَذا الِانْتِقالُ كانَ إلى غَرَضِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ مُوجَبُ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ جائِيًا مِن قِبَلِهِ وتَسَبُّبِهِ بَعْدَ أنْ كانَتْ الِاسْتِفْهاماتُ السّابِقَةُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةً بِمُوجِباتِ الإعْراضِ الجائِيَةِ مِن قِبَلِهِمْ، فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ إنْكارِيٌّ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَصْدُرَ عَنِ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ إعْراضَ المُخاطَبِينَ عَنْ دَعْوَتِهِ فانْحَصَرَتْ تَبِعَةُ الإعْراضِ فِيهِمْ.

والخَرْجُ: العَطاءُ المُعَيَّنُ عَلى الذَّواتِ أوْ عَلى الأرَضِينَ كالإتاوَةِ، وأمّا الخَراجُ فَقِيلَ: هو مُرادِفُ الخَرْجِ وهو ظاهِرُ كَلامِ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ. وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُما بِأنَّ الخَرْجَ الإتاوَةُ عَلى الذَّواتِ، والخَراجَ الإتاوَةُ عَلى الأرَضِينَ.

وقِيلَ: الخَرْجُ: ما تَبَرَّعَ بِهِ المُعْطِي. والخَراجُ: ما لَزِمَهُ أداؤُهُ. وفي الكَشّافِ: والوَجْهُ أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ يُرِيدُ أنَّ الخَرْجَ أعَمُّ كَما أصْلَحَ عِبارَتَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ في نَقْلِ الطِّيبِيِّ كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ وخَرْجُ الكُرْدَةِ

صفحة ٩٧

زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ (﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾) يَعْنِي: أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ اهـ.

وهَذا الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في اللُّغَةِ عَدَمُ التَّرادُفِ.

هَذا وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (﴿أمْ تَسْألُهم خَراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾) . فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَتَوْجِيهُها عَلى اعْتِبارِ تَرادُفِ الكَلِمَتَيْنِ أنَّها جَرَتْ عَلى التَّفَنُّنِ في الكَلامِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ اللَّفْظِ في غَيْرِ المَقامِ المُقْتَضِي إعادَةَ اللَّفْظَيْنِ مَعَ قُرْبِ اللَّفْظَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] فَإنَّ لَفْظَ أجْرٍ أُعِيدَ بَعْدَ ثَلاثَةِ ألْفاظٍ.

وأمّا عَلى اعْتِبارِ الفَرْقِ الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَتَوْجِيهُها بِاشْتِمالِها عَلى التَّفَنُّنِ وعَلى مُحَسِّنِ المُبالَغَةِ.

وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وخَلَفٍ فَتَوْجِيهُها عَلى طَرِيقَةِ التَّرادُفِ أنَّهُما ورَدَتا عَلى اخْتِيارِ المُتَكَلِّمِ في الِاسْتِعْمالِ مَعَ حُسْنِ المُزاوَجَةِ بِتَماثُلِ اللَّفْظَيْنِ. ولا تُوَجَّهانِ عَلى طَرِيقَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ألْزَمَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ (أيْ: قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] إلى هُنا) وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِي بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ

صفحة ٩٨

مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ اهـ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ تَكْمِيلًا لِلْغَرَضِ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ والتَّعْرِيفِ بِسِعَةِ فَضْلِهِ. ويُفِيدُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ .

23:73–74Page 346

وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣

And indeed, you invite them to a straight path.

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤

But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.

﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾

أُعْقِبَ تَنْزِيهُ الرَّسُولِ عَمّا افْتَرُوهُ عَلَيْهِ بِتَنْزِيهِ الإسْلامِ عَمّا سَمَّوْهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ والتَّنْزِيهِ بِإثْباتِ ضِدِّ ذَلِكَ وهو أنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ: طَرِيقٌ لا التِواءَ فِيهِ ولا عَقَباتٍ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ. وإطْلاقُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوصِّلٌ إلى ما يَتَطَلَّبُهُ كُلُّ عاقِلٍ مِنَ النَّجاةِ وحُصُولِ الخَيْرِ، فَكَما أنَّ السّائِرَ إلى طَلْبَتِهِ لا يَبْلُغُها إلّا بِطَرِيقٍ، ولا يَكُونُ بُلُوغُهُ مَضْمُونًا مَيْسُورًا إلّا إذا كانَ الطَّرِيقُ مُسْتَقِيمًا فالنَّبِيءُ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ دَعاهم إلى السَّيْرِ في طَرِيقٍ مُوصِلٍ بِلا عَناءٍ.

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنْكِرِينَ عَلى ما دَعاهم إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ .

وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ . والتَّعْبِيرُ فِيهِ بِالمَوْصُولِ، وصِلَتُهُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ حَيْثُ عُدِلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: وإنَّهم عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ. والغَرَضُ مِنهُ ما تُنَبِّئُ بِهِ الصِّلَةُ مِن سَبَبِ تَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ.

وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] في سُورَةِ الحِجْرِ.

صفحة ٩٩

والتَّعْرِيفُ في (الصِّراطِ) أيْ: هم ناكِبُونَ عَنِ الصِّراطِ مِن حَيْثُ هو، حَيْثُ لَمْ يَتَطَلَّبُوا طَرِيقَ نَجاةٍ فَهم ناكِبُونَ عَنِ الطَّرِيقِ بَلْهَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ لِلْعَهْدِ بِالصِّراطِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَ الجِنْسِ أتَمُّ في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ بِقَرِينَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ الَّتِي هي غايَةُ العامِلِ مِن عَمَلِهِ فَهم إذَنْ ناكِبُونَ عَنْ كُلِّ صِراطٍ مُوصِلٍ إذْ لا هِمَّةَ لَهم في الوُصُولِ.

والنّاكِبُ: العادِلُ عَنْ شَيْءٍ، المُعْرِضُ عَنْهُ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وفَرِحَ. وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَنكَبِ وهو جانِبُ الكَتِفِ؛ لِأنَّ العادِلَ عَنْ شَيْءٍ يُوَلِّي وجْهَهُ عَنْهُ بِجانِبِهِ.

23:75Page 347

۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥

And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.

﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ بِاسْتِدْلالٍ عَلَيْهِمْ وتَنْدِيمٍ وقَطْعٍ لِمَعاذِيرِهِمْ، أيْ: لَيْسُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتَجابَ اللَّهُ جُؤارَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ لَعادُوا إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الغَمْرَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَهم لا تَتَخَلَّفُ عَنْهم. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] .

و(لَوْ) هُنا داخِلَةٌ عَلى الفِعْلِ الماضِي المُرادِ مِنهُ: الِاسْتِقْبالُ بِقَرِينَةِ المَقامِ إذِ المَقامُ لِلْإنْذارِ والتَّأْيِيسِ مِنَ الإغاثَةِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ المَوْعُودِ بِهِ، ولَيْسَ مَقامَ اعْتِذارٍ مِنَ اللَّهِ عَنْ عَدَمِ اسْتِجابَتِهِ لَهم أوْ عَنْ إمْساكِ رَحْمَتِهِ عَنْهم لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ مَقامَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وأمّا مَجِيءُ هَذا الفِعْلِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ فَذَلِكَ مُراعاةً لِما شاعَ في الكَلامِ مِن مُقارَنَةِ (لَوْ) لِصِيغَةِ الحاضِرِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى الِامْتِناعِ في الماضِي ولِذَلِكَ كانَ الأصْلُ عَدَمَ جَزْمِ الفِعْلِ بَعْدَها.

صفحة ١٠٠

واللَّجاجُ بِفَتْحِ اللّامِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى الخِصامِ وعَدَمُ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ، يُقالُ: لَجَّ يَلِجُّ ويَلَجُّ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها في المُضارِعِ عَلى اخْتِلافِ حَرَكَةِ العَيْنِ في الماضِي.

والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالَةِ. (وفي طُغْيانِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْمَهُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، المُرادُ مِنها مَعْنى السَّبَبِيَّةِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

23:76–77Page 347

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦

And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧

Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.

﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾

اسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] بِسابِقِ إصْرارِهِمْ عَلى الشِّرْكِ والإعْراضِ عَنِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ وعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِأنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ هو جَزاءُ شِرْكِهِمْ.

والجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ بِحاجَةٍ إلى الِاسْتِظْهارِ عَلَيْهِ. ولَكِنَّهُ لَما كانَ مُتَعَلِّقًا بِالمُشْرِكِينَ وكانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ أسْماعَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ كَلامُ مَن لا شَكَّ في صِدْقِهِ، كانَ المَقامُ مَحْفُوفًا بِما يَقْتَضِي الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ بِشَواهِدِ أحْوالِهِمْ فِيما مَضى؛ ولِذَلِكَ وقَعَ قَبْلَهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ووَقَعَ بَعْدَهُ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] . والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (بِالعَذابِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: بِالعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ. ومَصَبُّ الحالِ هو ما عُطِفَ عَلى جُمْلَتِها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾، فَلا تَتَوَهَّمَنَّ أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ

صفحة ١٠١

العَذابِ هُنا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَذابٌ آخَرُ غَيْرُ المَذْكُورِ آنِفًا مُسْتَنِدًا إلى أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ الأوَّلِ لا طائِلَ تَحْتَها. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . والمَعْنى فَلَمْ يَكُنْ حَظُّهم حِينَ أخَذْناهم بِالعَذابِ إلّا العَوِيلَ والجُوارَ دُونَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.

وقِيلَ: هَذا عَذابٌ آخَرُ سابِقٌ لِلْعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا فَيَتَرَكَّبُ هَذا عَلى التَّفاسِيرِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الأوَّلِ أوْ عَذابُ الجُوعِ الثّانِي بِالنِّسْبَةِ لِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ.

والِاسْتِكانَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَخْضَعُ يَقْطَعُ الحَرَكَةَ أمامَ مَن خَضَعَ لَهُ، فَهو افْتِعالٌ مِنَ السُّكُونِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ السُّكُونِ وقُوَّتِهِ. وألِفُهُ ألِفُ الِافْتِعالِ مِثْلُ الِاضْطِرابِ، والتّاءُ زائِدَةٌ كَزِيادَتِها في اسْتِعاذَةٍ.

وقِيلَ: الألِفُ لِلْإشْباعِ، أيْ: زِيدَتْ في الِاشْتِقاقِ فَلازَمَتِ الكَلِمَةَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الإشْباعِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ المُسْتَعْمِلُونَ شُذُوذًا كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

يَنْباعُ مِن ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ

أيْ: يَنْبُعُ. وأشارَ في الكَشّافِ إلى الِاسْتِشْهادِ عَلى الإشْباعِ في نَحْوِهِ إلى قَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ:

وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَـزاحِ

أرادَ: بِمُنْتَزَحٍ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ.

ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (اسْتَكانُوا) اسْتِفْعالًا مِنَ الكَوْنِ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ مادَّتِهِ فَإنَّ مَعْنى الكَوْنِ فِيهِ غَيْرُ وجِيهٍ، وجِهَةِ صِيغَتِهِ؛ لِأنَّ حَمْلَ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ غَيْرُ واضِحٍ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في (يَتَضَرَّعُونَ) لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ انْتِفاءِ تَضَرُّعِهِمْ. والتَّضَرُّعُ: الدُّعاءُ بِتَذَلُّلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في سُورَةِ

صفحة ١٠٢

الأنْعامِ. والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ كالقَوْلِ في ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] .

و(إذا) مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ مِثْلُ (إذا) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ.

وفَتْحُ البابِ تَمْثِيلٌ لِمُفاجَأتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ حَسَبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] .

شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إصابَتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ بِهَيْئَةِ ناسٍ في بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِمْ فَفُتِحَ عَلَيْهِمْ بابُ البَيْتِ مِن عَدُوٍّ مَكْرُوهٍ، أوْ تَقُولُ: شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِهَيْئَةِ فَتْحِ بابٍ اخْتُزِنَ فِيهِ العَذابُ فَلَمّا فُتِحَ البابُ انْهالَ العَذابُ عَلَيْهِمْ. وهَذا كَما مُثِّلَ بِقَوْلِهِ: وفارَ التَّنُّورُ وقَوْلِهِمْ: طَفَحَتِ الكَأْسُ بِأعْمالِ فُلانٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] وقَوْلِ عَلْقَمَةَ:

فَحَقٌّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ

ومِنهُ قَوْلُ الكُتّابِ: فُتِحَ بابُ كَذا عَلى مِصْراعَيْهِ، تَمْثِيلًا لِكَثْرَةِ ذَلِكَ وأفاضَ عَلَيْهِ سِجِلًّا مِنَ الإحْسانِ، وقَوْلُ أبِي تَمّامٍ:

مِن شاعِرٍ وقَفَ الكَلامُ بِبابِـهِ ∗∗∗ واكْتَنَّ في كَنَفَيْ ذَراهُ المَنطِقُ

ووَصَفَ (بابًا) بِكَوْنِهِ (﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾) دُونَ أنْ يُضافَ بابٌ إلى عَذابٍ فَيُقالُ: بابُ عَذابٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣]؛ لِأنَّ (ذا عَذابٍ) يُفِيدُ مِن شِدَّةِ انْتِسابِ العَذابِ إلى البابِ ما لا تُفِيدُهُ إضافَةُ بابٍ إلى عَذابٍ، ولِيَتَأتّى بِذَلِكَ وصْفُ (عَذابٍ) بِـ (شَدِيدٍ) بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] فَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِهِ بِـ (شَدِيدٍ) بِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ (صَبَّ) الدّالِّ عَلى الوَفْرَةِ.

صفحة ١٠٣

والمُرادُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ: عَذابٌ مُسْتَقْبَلٌ. والأرْجَحُ: أنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ.

وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البابُ حَقِيقَةً وهو بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] .

والإبْلاسُ: شِدَّةُ اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ. يُقالُ: أبْلَسَ، إذا ذَلَّ ويَئِسَ مِنَ التَّخَلُّصِ، وهو مُلازِمٌ لِلْهَمْزَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا. فالظّاهِرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَلاسِ كَسَحابٍ وهو المِسْحُ، وأنَّ أصْلَ أبْلَسَ صارَ ذا بَلاسٍ. وكانَ شِعارَ مَن زَهِدُوا في النَّعِيمِ. يُقالُ: لَبِسَ المُسُوحَ، إذا تَرَهَّبَ.

وهُنا انْتَهَتِ الجُمَلُ المُعْتَرِضَةُ المُبْتَدَأةُ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском