Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:91–98
23:91–92Page 348
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
أُتْبِعَ الِاسْتِدْلالُ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ. وقُدِّمَتِ النَّتِيجَةُ عَلى القِياسِ لِتُجْعَلَ هي المَطْلُوبَ، فَإنَّ النَّتِيجَةَ والمَطْلُوبَ مُتَّحِدانِ في المَعْنى مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ، فَهي بِاعْتِبارِ حُصُولِها عَقِبَ القِياسِ تُسَمّى نَتِيجَةً، وبِاعْتِبارِ كَوْنِها دَعْوى مُقامٌ عَلَيْها الدَّلِيلُ وهو القِياسُ تُسَمّى مَطْلُوبًا كَما في عِلْمِ المَنطِقِ. ولِتَقْدِيمِها نُكْتَةٌ، أنَّ هَذا المَطْلُوبَ واضِحُ النُّهُوضِ لا يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ إلّا لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ هو المَطْلُوبُ وقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ هو الدَّلِيلُ. وتَقْدِيمُ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الدَّلِيلِ أغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالنَّتِيجَةِ عَقِبَ الدَّلِيلِ. وذُكِرَ نَفْيُ الوَلَدِ اسْتِقْصاءً لِلرَّدِّ عَلى مُخْتَلَفِ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ فَإنَّ مِنهم مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ ارْتَقى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَعَبَدُوا المَلائِكَةَ وقالُوا: هم بَناتُ اللَّهِ.
وإنَّما قُدِّمَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ أصْنامٍ لا عَبَدَةُ المَلائِكَةِ نَظَرًا إلى أنَّ شُبْهَةَ عَبَدَةِ المَلائِكَةِ أقْوى مِن شُبْهَةِ عَبَدَةِ
صفحة ١١٤
الأصْنامِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ غَيْرُ مُشاهَدِينَ فَلَيْسَتْ دَلائِلُ الحُدُوثِ بادِيَةً عَلَيْهِمْ كالأصْنامِ، ولِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ أقْرَبُ لِلتَّمْوِيهِ مِنَ الَّذِينَ زَعَمُوا الحِجارَةَ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] الآيَةَ.
و(إذَنْ) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ قَبْلَها مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. والكَلامُ المُجابُ هُنا هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ فالجَوابُ ضِدُّ ذَلِكَ النَّفْيِ. وإذْ قَدْ كانَ هَذا الضِّدُّ أمْرًا مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ تَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ شَرْطٌ عَلى وجْهِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والحَرْفُ المُعَدُّ لِمِثْلِ هَذا الشَّرْطِ هو (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةُ، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ.
وبَقاءُ اللّامِ في صَدْرِ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَ (إذَنْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ شَرْطُ (لَوْ)؛ لِأنَّ اللّامَ تَلْزَمُ جَوابَ (لَوْ)، ولِأنَّ غالِبَ مَواقِعِ (إذَنْ) أنْ تَكُونَ جَوابَ (لَوْ) فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُ الشَّرْطِ هُنا لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى امْتِناعِ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ.
وإنَّما لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلى امْتِناعِ أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ما بَعْدَهُ مُغْنٍ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ أعَمُّ مِنهُ وانْتِفاءُ الأعَمِّ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الأخَصِّ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَكانَ الأوْلادُ آلِهَةً؛ لِأنَّ ولَدَ كُلِّ مَوْجُودٍ إنَّما يَتَكَوَّنُ عَلى مِثْلِ ماهِيَّةِ أصْلِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أيْ: لَهُ.
والذِّهابُ في قَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالمَذْهُوبِ بِهِ وعَدَمِ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. وبَيانُ انْتِظامِ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ لاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الآلِهَةُ سَواءً في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ كَمالاتٌ
صفحة ١١٥
تامَّةٌ فَكانَ كُلُّ إلَهٍ خالِقًا لِمَخْلُوقاتٍ لِثُبُوتِ المَوْجُوداتِ الحادِثَةِ وهي مَخْلُوقَةٌ، فَلا جائِزَ أنْ تَتَوارَدَ الآلِهَةُ عَلى مَخْلُوقٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ: إمّا لِعَجْزٍ عَنِ الِانْفِرادِ بِخَلْقِ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ وهَذا لا يُنافِي الإلَهِيَّةَ، وإمّا تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ وهو مُحالٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ إلَهٍ بِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. ولْنَفْرِضَ أنْ تَكُونَ مَخْلُوقاتُ كُلِّ إلَهٍ مُساوِيَةً لِمَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ بِناءً عَلى أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنَ المَخْلُوقاتِ يَعْلَمُها الإلَهُ الخالِقُ لَها؛ فَتَعَيَّنَ أنْ لا تَكُونَ لِلْإلَهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ طائِفَةً مِنَ المَخْلُوقاتِ رُبُوبِيَّةً عَلى ما لَمْ يَخْلُقْهُ وهَذا يُفْضِي إلى نَقْصٍ في كُلٍّ مِنَ الآلِهَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الكَمالَ لا النَّقْصَ. ولا جَرَمَ أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ سَتَكُونُ بَعْدَ خَلْقِها مُعَرَّضَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ بِحَسَبِ ما يَحُفُّ بِها عَنْ عَوارِضِ الوُجُودِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْها المَخْلُوقاتُ كَما هو مُشاهَدٌ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ. ولا مَناصَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ خالِقَ المَخْلُوقاتِ أوْدَعَ فِيها خَصائِصَ مُلازِمَةً لَها كَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَتِلْكَ المَخْلُوقاتُ مَظاهِرٌ لِخَصائِصِها لا مَحالَةَ فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفَوُّقَ مَخْلُوقاتِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى مَخْلُوقاتِ بَعْضٍ آخَرَ بِعَوارِضَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ والمُقارَناتِ لازِمَةً لِذَلِكَ، لا جَرَمَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلُّهُ لازِمَيْنِ باطِلَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ كُلُّ إلَهٍ مُخْتَصًّا بِمَخْلُوقاتِهِ فَلا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ مِنَ الآلِهَةِ ولا يَتَصَرَّفُ هو في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ كُلَّ إلَهٍ مِنَ الآلِهَةِ عاجِزٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ. وهَذا يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ العَجْزَ نَقْصٌ والنَّقْصُ يُنافِي حَقِيقِيَّةَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا دَلِيلٌ بُرْهانِيٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى اسْتِحالَةِ ضِدِّها. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ .
وثانِي اللّازِمَيْنِ أنْ تَصِيرَ مَخْلُوقاتُ بَعْضِ الآلِهَةِ أوْفَرَ أوْ أقْوى مِن مَخْلُوقاتِ إلَهٍ آخَرَ بِعَوارِضَ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِن آثارِ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ وآثارِ الأقْطارِ والحَوادِثِ كَما هو المُشاهَدُ في اخْتِلافِ أحْوالِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى اعْتِزازِ الإلَهِ الَّذِي تَفَوَّقَتْ مَخْلُوقاتُهُ عَلى الإلَهِ
صفحة ١١٦
الَّذِي تَنْحَطُّ مَخْلُوقاتُهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَصِيرَ بَعْضُ تِلْكَ الآلِهَةِ أقْوى مِن بَعْضٍ وهو مُنافٍ لِلْمُساواةِ في الإلَهِيَّةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ .
وهَذا الثّانِي بِناءً عَلى المُعْتادِ مِن لَوازِمِ الإلَهِيَّةِ في أنْظارِ المُفَكِّرِينَ، وإلّا فَيَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ عَلى أنْ لا يَخْلُقُوا مَخْلُوقاتٍ قابِلَةٍ لِلتَّفاوُتِ بِأنْ لا يَخْلُقُوا إلّا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا مَثَلًا: إلّا أنَّ هَذا يُنافِي الواقِعَ في المَخْلُوقاتِ.
ويَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ أيْضًا عَلى أنْ لا يَعْتَزَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِسَبَبِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِ كُلٍّ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ بِناءً عَلى ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَماثِلَةِ الَّتِي تَعْصِمُهم عَنْ صُدُورِ ما يُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ المَجْدِ الإلَهِيِّ؛ إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا يَخْلُو مِنَ المُصانَعَةِ وهي مُشْعِرَةٌ بِضَعْفِ المَقْدِرَةِ. فَبِذَلِكَ كانَ الِاسْتِدْلالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بُرْهانِيًّا، وهو مِثْلُ الِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلّا أنَّ هَذا بُنِيَ عَلى بَعْضِ لُزُومِ النَّقْصِ في ذاتِ الآلِهَةِ وهو ما لا يُجَوِّزُهُ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ، والآخَرُ بُنِيَ عَلى لُزُومِ اخْتِلالِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وهو ما تُبْطِلُهُ المُشاهَدَةُ.
أمّا الدَّلِيلُ البُرْهانِيُّ الخالِصُ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ بِالذّاتِ فَلَهُ مُقَدِّماتٌ أُخْرى قَدْ وفّى أيِمَّةُ عِلْمِ الكَلامِ بَسْطَها بِما لا رَواجَ بَعْدَهُ لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ. وقَدْ أشارَ إلى طَرِيقَةٍ مِنها المُحَقِّقُ عُمَرُ القَزْوِينِيُّ في هَذا المَوْضِعِ مِن حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ ولَكِنَّهُ انْفَرَدَ بِادِّعاءٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ كَما ادَّعى. وقَدْ ساقَهُ الشِّهابُ الآلُوسِيُّ فَإنْ شِئْتَ فَتَأمَّلْهُ.
ولَمّا اقْتَضى هَذا الدَّلِيلُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ عُقِّبَ الدَّلِيلُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أقْوالِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ
صفحة ١١٧
الدَّلِيلِ. وما يَصِفُونَهُ بِهِ هو ما اخْتَصُّوا بِوَصْفِهِمُ اللَّهَ بِهِ مِنَ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ ومِن تَعَذُّرِ البَعْثِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو الَّذِي جَرى فِيهِ غَرَضُ الكَلامِ.
وإنَّما أتْبَعَ الِاسْتِدْلالَ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ المُرادِ بِهِ عُمُومَ العِلْمِ وإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما أفادَتْهُ لامُ التَّعْرِيفِ في (﴿الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾) مِنَ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: عالِمُ كُلِّ مَغِيبٍ وكُلِّ ظاهِرٍ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِقْلالَ كُلِّ إلَهٍ بِما خَلَقَ قَدْ لا يُفْضِي إلى عُلُوِّ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، لِجَوازِ أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الآلِهَةِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِهِ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ فَلا يَحْصُلُ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِاشْتِغالِ كُلِّ إلَهٍ بِمَلَكُوتِهِ. ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ الإلَهَ إذا جازَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خالِقٍ لِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي خَلَقَها غَيْرُهُ لِئَلّا تَتَداخَلَ القُدَرُ في مَقْدُوراتٍ واحِدَةٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ عالِمٍ بِما خَلَقَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ صِفاتِ العِلْمِ لا تَتَداخَلُ، فَإذا عَلِمَ أحَدُ الآلِهَةِ مِقْدارَ مَلَكُوتِ شُرَكائِهِ فالعالِمُ بِأشَدِّيَّةِ مَلَكُوتِهِ يَعْلُو عَلى مَن هو دُونَهُ في المَلَكُوتِ، فَظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مِن تَمامِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَنْهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ (عالِمُ الغَيْبِ) بِرَفْعِ (عالِمُ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو مِنَ الحَذْفِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أخْبارٌ أوْ صِفاتٌ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِجَرِّ (عالِمِ) عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: فَتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ، أيْ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ مُشارِكًا في وصْفِهِ العَظِيمِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ
23:93–95Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾
صفحة ١١٨
آذَنَتِ الأياتُ السّابِقَةُ بِأقْصى ضَلالِ المُشْرِكِينَ وانْتِفاءِ عُذْرِهِمْ فِيما دانُوا بِهِ اللَّهَ تَعالى وبِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وأنَّهم سَواءٌ في ذَلِكَ مَعَ الأُمَمِ الَّتِي عَجَّلَ اللَّهُ لَها العَذابَ في الدُّنْيا، وادَّخَرَ لَها عَذابًا آخَرَ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ نِذارَةً لَهم بِمِثْلِهِ وتَهْدِيدًا بِما سَيَقُولُونَهُ، وكانَ مَثارًا لِخَشْيَةِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَحِلَّ العَذابُ بِقَوْمِهِ في حَياتِهِ والخَوْفِ مِن هَوْلِهِ فَلَقَّنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَسْألَ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ العَذابِ. وفي هَذا التَّلْقِينِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنَجِّيهِمْ مِنَ العَذابِ بِحِكْمَتِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُرِي نَبِيَّهُ حُلُولَ العَذابِ بِمُكَذِّبِيهِ كَما هو شَأْنُ تَلْقِينِ الدُّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآيَةَ.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، فالوَعِيدُ المَذْكُورُ هُنا وعِيدٌ بِعِقابٍ في الدُّنْيا كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
وذُكِرَ في هَذا الدُّعاءِ لَفْظُ (رَبِّ) مُكَرَّرًا تَمْهِيدًا لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الرَّأْفَةَ بِالمَرْبُوبِ. وأُدْخِلَ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ (ما) الزّائِدَةُ لِلتَّوْكِيدِ فاقْتَرَنَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ. ونَظِيرُهُ في تَكْرِيرِ المُؤَكَّداتِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ قَوْلُ الأعْشى:
إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ
أيْ: فاعْلَمِي حَقًّا أنّا نَحْفى تارَةً ونَنْتَعِلُ أُخْرى لِأجْلِ ذَلِكَ، أيْ: لِأجْلِ إخْفاءِ الخُطى لا لِأجْلِ وِجْدانِ نَعْلٍ مَرَّةً وفُقْدانِها أُخْرى كَحالِ أهْلِ الخَصاصَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في آخِرِ الأعْرافِ. والمَعْنى: إذا كانَ ما يُوعَدُونَ حاصِلًا في حَياتِي فَأنا أدْعُوكم أنْ لا تَجْعَلُونِي فِيهِمْ حِينَئِذٍ.
صفحة ١١٩
واسْتِعْمالُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْألَ الكَوْنَ في مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فالظَّرْفِيَّةُ هُنا حَقِيقِيَّةٌ، أيْ: بَيْنَهم.
والخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في إيجادِ الرَّجاءِ بِحُصُولِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ نُرِيَكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ في مَنجاةٍ مِن أنْ يَلْحَقَهُ ما يُوعَدُونَ بِهِ وأنَّهُ سَيَراهُ مَرْأى عَيْنٍ دُونَ كَوْنٍ فِيهِ. وقَدْ يَبْدُو أنَّ هَذا وعْدٌ غَرِيبٌ؛ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ العَذابُ سَماوِيًّا، فَإذا نَجّى اللَّهُ مِنهُ بَعْضَ رُسُلِهِ مِثْلَ لُوطٍ فَإنَّهُ يُبْعِدُهُ عَنْ مَوْضِعِ العَذابِ، ولَكِنْ كانَ عَذابُ هَؤُلاءِ غَيْرَ سَماوِيٍّ فَتَحَقَّقَ في مَصْرَعِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَرْأى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ وناداهم بِأسْمائِهِمْ واحِدًا واحِدًا وقالَ لَهم: «لَقَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» . وبِهَذا القَصْدِ يَظْهَرُ مَوْقِعَيْ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ (إنَّ) واللّامِ مِن إصابَةِ مَحَزِّ الإعْجازِ.
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
لَمّا أنْبَأ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يُلْمِحُ لَهُ بِأنَّهُ مُنْجِزٌ وعِيدَهُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَعَلِمَ الرَّسُولُ والمُسْلِمُونَ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِأنْ يَدْفَعَ مُكَذِّبِيهِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وأنْ لا يَضِيقَ بِتَكْذِيبِهِمْ صَدْرُهُ فَلِذَلِكَ دَفَعَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ كَما هو أدَبُ الإسْلامِ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ .
وقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ اللَّهِ يُعامِلُ أصْحابَ الإساءَةِ لِرَسُولِهِ بِما هم أحِقّاءُ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ لِأنَّ الَّذِي هو أعْلَمُ بِالأحْوالِ يَجْرِي عَمَلُهُ عَلى مُناسِبِ تِلْكَ الأحْوالِ بِالعَدْلِ وفي هَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ١٢٠
وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَصِفُونَ) وتَقْدِيرُهُ: بِما يَصِفُونَكَ، أيْ: مِمّا يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ، وذَلِكَ تَعَهُّدٌ بِأنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم فَرُبَّ أحَدٌ يَبْدُو مِنهُ السُّوءُ يَنْطَوِي ضَمِيرُهُ عَلى بَعْضِ الخَيْرِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَحْدُبُ عَلى النَّبِيءِ في نَفْسِهِ، ورُبَّ أحَدٌ هو بِعَكْسِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] .
و(الَّتِي هي أحْسَنُ) مُرادٌ بِها: الحَسَنَةُ الكامِلَةُ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] .
والتَّخَلُّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُفَوِّضَ أمْرَ المُعْتَدِينَ عَلَيْهِ إلى اللَّهِ فَهو يَتَوَلّى الِانْتِصارَ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ إنْ قابَلَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ كانَ انْتِصارُ اللَّهِ أشَفى لِصَدْرِهِ وأرْسَخَ في نَصْرِهِ، وماذا تَبْلُغُ قُدْرَةُ المَخْلُوقِ تِجاهَ قُدْرَةِ الخالِقِ، وهو الَّذِي هَزَمَ الأحْزابَ بِلا جُيُوشٍ ولا فَيالِقَ.
وهَكَذا كانَ خُلُقُ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ كانَ لا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ وكانَ يَدْعُو رَبَّهُ. وذُكِرَ في المَدارِكِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غانِمٍ: أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ابْنُ زُرْعَةَ كانَ لَهُ جاهٌ ورِئاسَةٌ وكانَ ابْنُ غانِمٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِوَجْهِ حَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَ ابْنَ غانِمٍ في مَوْضِعٍ خالٍ فَشَتَمَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ ابْنُ غانِمٍ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ فَسَلَّمَ ابْنُ زُرْعَةَ عَلى ابْنِ غانِمٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ غانِمٍ ورَحَّبَ بِهِ ومَضى مَعَهُ إلى مَنزِلِهِ وعَمِلَ لَهُ طَعامًا فَلَمّا أرادَ مُفارَقَتَهُ قالَ لِابْنِ غانِمٍ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اغْفِرْ لِي واجْعَلْنِي في حِلٍّ مِمّا كانَ مِن خِطابِي. فَقالَ لَهُ ابْنُ غانِمٍ: أمّا هَذا فَلَسْتُ أفْعَلُهُ حَتّى أُوقِفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا أنْ يَنالَكَ مِنِّي في الدُّنْيا مَكْرُوهٌ أوْ عُقُوبَةٌ فَلا.
23:97–98Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾
صفحة ١٢١
الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ مُوالِيًا لِلْمَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُفَوِّضَ جَزاءَهم إلى رَبِّهِ أمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن حَيْلُولَةِ الشَّياطِينِ دُونَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ؛ أيِ: التَّعَوُّذُ مِن تَحْرِيكِ الشَّيْطانِ داعِيَةَ الغَضَبِ والِانْتِقامِ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ، فَيَكُونُ (الشَّياطِينِ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ: تَصَرُّفاتِهِمْ بِتَحْرِيكِ القُوى الَّتِي في نَفْسِ الإنْسانِ (أيْ: في غَيْرِ أُمُورِ التَّبْلِيغِ) مِثْلَ تَحْرِيكِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ كَما تَأوَّلَ الغَزالِيُّ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في الحَدِيثِ «ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ» . ويَكُونُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُقْتَضِيًا تَكَفُّلَ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِجابَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أوْ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُرادًا بِهِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى السَّلامَةِ مِنهم. قالَ في الشِّفاءِ: الأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ (أيْ: مُجَمَّعَةٌ) عَلى عِصْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الشَّيْطانِ لا في جِسْمِهِ بِأنْواعِ الأذى، ولا عَلى خاطِرِهِ بِالوَساوِسِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] بِأنْ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَلْجَأ إلَيْهِ بِطَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأذاهم، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الشَّياطِينِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم شَياطِينُ الإنْسِ كَما قالَ تَعالى: (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]) ويَكُونُ هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] فَيَكُونُ المُرادُ: أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ القَوْمِ الظّالِمِينَ أوْ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مِنهم.
والهَمْزُ حَقِيقَتُهُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ والطَّعْنُ بِالإصْبَعِ ونَحْوُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى الأذى بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] .
صفحة ١٢٢
ومَحْمَلُهُ هُنا عِنْدِي عَلى المَعْنى المَجازِيِّ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الشَّياطِينِ. وهَمْزُ شَياطِينِ الجِنِّ ظاهِرٌ، وأمّا هَمْزُ شَياطِينِ الإنْسِ فَقَدْ كانَ مِن أذى المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ لَمْزِهِ والتَّغامُزِ عَلَيْهِ والكَيْدِ لَهُ.
ومَعْنى التَّعَوُّذِ مِن هَمْزِهِمْ: التَّعَوُّذُ مِن آثارِ ذَلِكَ فَإنَّ مِن ذَلِكَ أنْ يَغْمِزُوا بَعْضَ سُفَهائِهِمْ إغْراءً لَهم بِأذاهُ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ إغْرائِهِمْ مَن أتى بِسَلا جَزُورٍ فَألْقاهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو في صَلاتِهِ حَوْلَ الكَعْبَةِ. وهَذا الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الشَّياطِينِ هو الألْيَقُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] كَما سَيَأْتِي.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ فَهو تَعَوُّذٌ مِن قُرْبِهِمْ لِأنَّهم إذا اقْتَرَبُوا مِنهُ لَحِقَهُ أذاهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences