Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:16–22
24:16Page 351
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ١٢] إلَخْ. وأُعِيدَتْ (لَوْلا) وشَرْطُها وجَوابُها لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ (قُلْتُمْ) الَّذِي في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى (قُلْتُمْ) الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها لِقَصْدِ أنْ يَكُونَ صَرِيحًا في عَطْفِ الجُمَلِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهو (إذْ سَمِعْتُمُوهُ) عَلى عامِلِهِ وهو ﴿قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا﴾ كَتَقْدِيمِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ١٢] إلَخْ وهو الِاهْتِمامُ بِمَدْلُولِ الظَّرْفِ.
صفحة ١٨٠
وضَمِيرُ (سَمِعْتُمُوهُ) عائِدٌ إلى الإفْكِ مِثْلُ الضَّمائِرِ المُماثِلَةِ لَهُ في الآياتِ السّابِقَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى الإفْكِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلاقِ الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِهِ المُنافِقُونَ والضُّعَفاءُ، فالإشارَةُ إلى ما هو حاضِرٌ في كُلِّ مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ سَماعِ الإفْكِ.
ومَعْنى ﴿قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا﴾ أنْ يَقُولُوا لِلَّذِينِ أخْبَرُوهم بِهَذا الخَبَرِ الآفِكِ، أيْ: قُلْتُمْ لَهم زَجْرًا ومَوْعِظَةً.
وضَمِيرُ (لَنا) مُرادٌ بِهِ القائِلُونَ والمُخاطَبُونَ. فَأمّا المُخاطَبُونَ فَلِأنَّهم تَكَلَّمُوا بِهِ حِينَ حَدَّثُوهم بِخَبَرِ الإفْكِ. والمَعْنى: ما يَكُونُ لَكم أنْ تَتَكَلَّمُوا بِهَذا. وأمّا المُتَكَلِّمُونَ فَلْتُنَزِّهْهم أنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ البُهْتانُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ.
وإنَّما قالَ: ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكَلامَ في هَذا وكَيْنُونَةَ الخَوْضِ فِيهِ حَقِيقٌ بِالِانْتِفاءِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَكَ: ما يَكُونُ لِي أنْ أفْعَلَ، أشَدُّ في نَفْيِ الفِعْلِ عَنْكَ مِن قَوْلِكَ: لَيْسَ لِي أنْ أفْعَلَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وهَذا مَسُوقٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى تَناقُلِهِمُ الخَبَرَ الكاذِبَ وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَقُولَ القائِلُ في نَفْسِهِ: ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا، ويَقُولُ ذَلِكَ لِمَن يُجالِسُهُ ويَسْمَعُهُ مِنهُ. فَهَذا زِيادَةٌ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى السُّكُوتِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] .
و(سُبْحانَكَ) جُمْلَةُ إنْشاءٍ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ وجُمْلَةِ ﴿هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ . و(سُبْحانَكَ) مَصْدَرٌ وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، أيْ نُسَبِّحُ سُبْحانًا لَكَ. وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّعَجُّبِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وقَوْلِهِ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]
صفحة ١٨١
فِي سُورَةِ يُوسُفَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ هُنا لِإعْلانِ المُتَكَلِّمِ البَراءَةَ مِن شَيْءٍ بِتَمْثِيلِ حالِ نَفْسِهِ بِحالِ مَن يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما يَقُولُ فَيَبْتَدِئُ بِخِطابِ اللَّهِ بِتَعْظِيمِهِ ثُمَّ بِقَوْلِ: ﴿هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ تَبَرُّؤًا مِن لازِمِ ذَلِكَ وهو مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الشَّيْءِ والتَّعَجُّبِ مِن وُقُوعِهِ.
وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: (سُبْحانَكَ) لِلْإشْعارِ بِأنَّ اللَّهَ غاضِبٌ عَلى مَن يَخُوضُ في ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَجَّهُوا لِلَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ لِمَن خاضُوا فِيهِ وبِالِاحْتِرازِ مِنَ المُشارَكَةِ فِيهِ لِمَن لَمْ يَخُوضُوا فِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ فَهي داخِلَةٌ في تَوْبِيخِ المَقُولِ لَهم.
ووَصْفُ البُهْتانِ بِأنَّهُ (عَظِيمٌ) مَعْناهُ أنَّهُ عَظِيمٌ في وُقُوعِهِ، أيْ بالِغٌ في كُنْهِ البُهْتانِ مَبْلَغًا قَوِيًّا.
وإنَّما كانَ عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى مُنْكَراتٍ كَثِيرَةٍ وهي: الكَذِبُ، وكَوْنُ الكَذِبِ بِطَعْنٍ في سَلامَةِ العَرْضِ، وكَوْنُهُ يُسَبِّبُ إحَنًا عَظِيمَةً بَيْنَ المُفْتَرِينَ والمُفْتَرى عَلَيْهِمْ مِن خِيرَةِ النّاسِ وانْتِمائِهِمْ إلى أخْيَرِ النّاسِ مِن أزْواجٍ وآباءٍ وقُراباتٍ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ اجْتِراءٌ عَلى مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ ومَقامِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
والبُهْتانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الكُفْرانِ والغُفْرانِ. والبُهْتانُ: الخَبَرُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ السّامِعَ؛ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
24:17–18Page 351
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ما في خَبَرِ الإفْكِ مِن تَبِعاتٍ لَحِقَ بِسَبَبِها لِلَّذِينِ جاءُوا بِهِ والَّذِينَ تَقَبَّلُوهُ عَدِيدُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وافْتِضاحٌ لِلَّذِينِ رَوَّجُوهُ
صفحة ١٨٢
وخَيْبَةٌ مُخْتَلَقَةٌ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ، وانْتِفاعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وبَيَّنَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنَّهُ لا يُحْسَبُ شَرًّا لَهم بَلْ هو خَيْرٌ لَهم، وأنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ ما اكْتَسَبُوا بِهِ إلّا إثْمًا، وما لَحِقَ المُسْلِمِينَ بِهِ ضُرٌّ، ونَعى عَلى المُؤْمِنِينَ تَهاوُنَهم وغَفْلَتَهم عَنْ سُوءِ نِيَّةِ مُخْتَلِقِيهِ، وكَيْفَ ذَهَلُوا عَنْ ظَنِّ الخَيْرِ بِمَن لا يَعْلَمُونَ مِنها إلّا خَيْرًا فَلَمْ يُفَنِّدُوا الخَبَرَ، وأنَّهُمُ اقْتَحَمُوا بِذَلِكَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلَحاقِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَيْفَ حَسِبُوهُ أمْرًا هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، ولَوْ تَأمَّلُوا لَعَلِمُوا عِظَمَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وسُكُوتُهم عَنْ تَغْيِيرِ هَذا؛ أعْقَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِتَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ مِنَ المُجازَفَةِ في التَّلَقِّي، ومِنَ الِانْدِفاعِ وراءَ كُلِّ ساعٍ دُونَ تَثَبُّتٍ في مَواطِئِ الأقْدامِ، ودُونَ تَبَصُّرٍ في عَواقِبِ الإقْدامِ.
والوَعْظُ: الكَلامُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ تَجَنُّبُ المُخاطَبِ بِهِ أمْرًا قَبِيحًا. وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
وفِعْلُ (يَعِظُكم) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِنَفْسِهِ، فالمَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (أنْ تَعُودُوا) لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِفِعْلِ (يَعِظُكم) إلّا بِتَقْدِيرِ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بِتَضْمِينِ فِعْلِ الوَعْظِ مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، أوْ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ، فَلَكَ أنْ تُضَمِّنَ فِعْلَ (يَعِظُكم) مَعْنى التَّحْذِيرِ. فالتَّقْدِيرُ: يُحَذِّرُكم مِنَ العَوْدِ لِمِثْلِهِ، أوْ يُقَدَّرُ: يَعِظُكُمُ اللَّهُ في العَوْدِ لِمِثْلِهِ، أوْ يُقَدَّرُ حَرْفُ نَفْيٍ، أيْ أنْ لا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ، وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ كَثِيرٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ يَكُونُ في الكَلامِ إيجازٌ.
والأبَدُ: الزَّمانُ المُسْتَقْبَلُ كُلُّهُ، والغالِبُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلنَّفْيِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لَهم يَبْعَثُ حِرْصَهم عَلى أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ؛ لِأنَّهم حَرِيصُونَ عَلى إثْباتِ إيمانِهِمْ، فالشَّرْطُ في مِثْلِ هَذا لا يَقْصِدُ بِالتَّعْلِيقِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى: إنْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَعُودُوا لِمِثْلِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ احْتِمالُ حُصُولِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ مُجْتَنَبًا كانَ في ذِكْرِ الشَّرْطِ بَعْثٌ عَلى الِامْتِثالِ، فَلَوْ تَكَلَّمَ أحَدٌ في الإفْكِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ مُعْتَقِدًا وُقُوعَهُ
صفحة ١٨٣
فَمُقْتَضى الشَّرْطِ أنَّهُ يَكُونُ كافِرًا وبِذَلِكَ قالَ مالِكٌ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ هِشامُ بْنُ عَمّارٍ: (سَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: مَن سَبَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ أُدِّبَ ومَن سَبَّ عائِشَةَ قُتِلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَمَن سَبٍّ عائِشَةَ فَقَدْ خالَفَ القُرْآنَ ومَن خالَفَ القُرْآنَ قُتِلَ) اهـ. يُرِيدُ بِالمُخالَفَةِ إنْكارَ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا وهو يَرى أنَّ المُرادَ بِالعَوْدِ لِمِثْلِهِ في قَضِيَّةِ الإفْكِ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَرَّأها بِنُصُوصٍ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وتَواتَرَ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ عائِشَةَ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ. وأمّا السَّبُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو مُساوٍ لِسَبِّ غَيْرِها مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ يَجْعَلُها لَكم واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المَقْصُودِ. والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ النّازِلَةُ في عُقُوبَةِ القَذْفِ ومَوْعِظَةِ الغافِلِينَ عَنِ المُحَرَّماتِ.
ومُناسَبَةُ التَّذْكِيرِ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ ظاهِرَةٌ.
24:19Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ١٨٤
لَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ما خاضُوا بِهِ مِنَ الإفْكِ عَلى جَمِيعِ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ أعْقَبَ تَحْذِيرَهم بِالوَعِيدِ عَلى ما عَسى أنْ يَصْدُرَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ بِالوَعِيدِ عَلى مَحَبَّةِ شُيُوعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ؛ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، واسْمُ المَوْصُولِ يَعُمُّ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَيَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، فَهو تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإخْبارٌ عَنِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ.
وجَعَلَ الوَعِيدَ عَلى المَحَبَّةِ لِشُيُوعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَحَبَّةَ ذَلِكَ تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ؛ لِأنَّ مَحَبَّةَ ذَلِكَ دالَّةٌ عَلى خُبْثِ النِّيَّةِ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ. ومِن شَأْنِ تِلْكَ الطَّوِيَّةِ أنْ لا يَلْبَثَ صاحِبُها إلّا يَسِيرًا حَتّى يَصْدُرَ عَنْهُ ما هو مُحَبَّبٌ لَهُ أوْ يُسَرَّ بِصُدُورِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِ، فالمَحَبَّةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّهَيُّؤِ لِإبْرازِ ما يُحِبُّ وُقُوعَهُ. وجِيءَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. وأصْلُ الكِنايَةِ أنْ تَجْمَعَ بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ ولازَمِهِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَنْشَأ عَنْ تِلْكَ المَحَبَّةِ عَذابُ الدُّنْيا وهو حَدُّ القَذْفِ وعَذابُ الآخِرَةِ وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ النَّوايا الخَبِيثَةُ. وتِلْكَ المَحَبَّةُ شَيْءٌ غَيْرُ الهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ وغَيْرُ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُما خاطِرانِ يُمْكِنُ أنْ يَنْكُفَ عَنْهُما صاحِبُهُما، وأمّا المَحَبَّةُ المُسْتَمِرَّةُ فَهي رَغْبَةٌ في حُصُولِ المَحْبُوبِ. وهَذا نَظِيرُ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِ طَعامِ المِسْكِينِ. فالوَعِيدُ هُنا عَلى مَحَبَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى قَوْلِهِ: (أنْ تَشِيعَ)؛ لِأنَّ (أنْ) تُخْلِصُ المُضارِعَ لِلْمُسْتَقْبَلِ. وأمّا المَحَبَّةُ الماضِيَةُ فَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] .
ومَعْنى (أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ) أنْ يَشِيعَ خَبَرُها؛ لِأنَّ الشُّيُوعَ مِن صِفاتِ الأخْبارِ والأحادِيثِ كالفُشُوِّ وهو: اشْتِهارُ التَّحَدُّثِ بِها. فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ: أنْ يَشِيعَ خَبَرُها إذِ الفاحِشَةُ هي الفَعْلَةُ البالِغَةُ حَدًّا عَظِيمًا في الشَّناعَةِ.
وشاعَ إطْلاقُ الفاحِشَةِ عَلى الزِّنى ونَحْوِهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] في سُورَةِ النِّساءِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الفاحِشَةِ بِمَعْنى الأمْرِ
صفحة ١٨٥
المُنْكَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ الفَحْشاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومِن أدَبِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ أنْ لا يُحِبَّ لِإخْوانِهِ المُؤْمِنِينَ إلّا ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، فَكَما أنَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يَشِيعَ عَنْ نَفْسِهِ خَبَرُ سُوءٍ كَذَلِكَ عَلَيْهِ أنْ لا يُحِبَّ إشاعَةَ السُّوءِ عَنْ إخْوانِهِ المُؤْمِنِينَ. ولِشُيُوعِ أخْبارِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِالصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ مَفْسَدَةٌ أخْلاقِيَّةٌ فَإنَّ مِمّا يَزَعُ النّاسَ عَنِ المَفاسِدِ تَهَيُّبُهم وُقُوعَها وتَجَهُّمُهم وكَراهَتُهم سُوءَ سُمْعَتِها وذَلِكَ مِمّا يَصْرِفُ تَفْكِيرَهم عَنْ تَذَكُّرِها بَلْهَ الإقْدامُ عَلَيْها رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى تُنْسى وتَنْمَحِيَ صُوَرُها مِنَ النُّفُوسِ، فَإذا انْتَشَرَ بَيْنَ الأُمَّةِ الحَدِيثُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الفَواحِشِ تَذَكَّرَتْها الخَواطِرُ وخَفَّ وقْعُ خَبَرِها عَلى الأسْماعِ فَدَبَّ بِذَلِكَ إلى النُّفُوسِ التَّهاوُنُ بِوُقُوعِها وخِفَّةُ وقْعِها عَلى الأسْماعِ فَلا تَلْبَثُ النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ أنْ تُقْدِمَ عَلى اقْتِرافِها، وبِمِقْدارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها وتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْها تَصِيرُ مُتَداوَلَةً. هَذا إلى ما في إشاعَةِ الفاحِشَةِ مِن لِحاقِ الأذى والضُّرِّ بِالنّاسِ ضُرًّا مُتَفاوِتَ المِقْدارِ عَلى تَفاوُتِ الأخْبارِ في الصِّدْقِ والكَذِبِ.
ولِهَذا دَلَّ هَذا الأدَبُ الجَلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ فَيَعِظُكم لِتَجْتَنِبُوا وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَتَحْسَبُونَ التَّحَدُّثَ بِذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضُرٌّ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] .
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ ثالِثُ مَرَّةٍ كَرَّرَ فِيها ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ . وحَذَفَ في الأوَّلِ والثّالِثِ جَوابَ (لَوْلا) لِتَذْهَبَ النَّفْسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في تَقْدِيرِهِ بِحَسَبَ المَقامِ.
صفحة ١٨٦
٣٣١ وقَدْ ذَكَرَ في المَرَّةِ الأُولى وصْفَ اللَّهِ بِأنَّهُ تَوّابٌ حَكِيمٌ لِلْمُناسَبَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَكَرَ هُنا بِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ؛ لِأنَّ هَذا التَّنْبِيهَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّذْيِيلُ فِيهِ انْتِشالٌ لِلْأُمَّةِ مِنِ اضْطِرابٍ عَظِيمٍ في أخْلاقِها وآدابِها وانْفِصامِ عُرى وحْدَتِها فَأنْقَذَها مِن ذَلِكَ رَأْفَةً ورَحْمَةً لِآحادِها وجَماعَتِها وحِفْظًا لِأواصِرِها.
وذَكَرَ وصْفَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ هُنا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إنْقاذُهُ إيّاهم مِن سُوءِ مَحَبَّةِ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا تِلْكَ المَحَبَّةُ الَّتِي انْطَوَتْ عَلَيْها ضَمائِرُ المُنافِقِينَ كانَ إنْقاذُ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّخَلُّقِ بِها رَأْفَةً بِهِمْ مِنَ العَذابِ ورَحْمَةً لَهم بِثَوابِ المَتابِ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي مُنْتَهى الآياتِ العَشْرِ الَّتِي نَزَلَتْ في أصْحابِ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَلاها حِينَ نُزُولِها وهو في بَيْتِهِ.
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطْواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكى مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ العَشْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ووُقُوعُهُ عَقِبَ الآياتِ العَشْرِ الَّتِي في قَضِيَّةِ الإفْكِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الآياتُ مِنَ المَناهِي وظُنُونِ السُّوءِ ومَحَبَّةِ شُيُوعِ الفاحِشَةِ كُلُّهُ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ، فَشَبَّهَ حالَ فاعِلِها في كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِهَيْئَةِ الشَّيْطانِ يَمْشِي والعامِلُ بِأمْرِهِ يَتَّبِعُ خُطى ذَلِكَ الشَّيْطانِ. فَفي قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ حالَةٍ مَحْسُوسَةٍ بِحالَةٍ مُفَعْوِلَةٍ إذْ لا يَعْرِفُ السّامِعُونَ لِلشَّيْطانِ خُطُواتٍ حَتّى يُنْهَوْا عَلى اتِّباعِها.
صفحة ١٨٧
وفِيهِ تَشْبِيهُ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ بِالمَشْيِ. و(خُطُواتِ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِّ الخاءِ. قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والبَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الطّاءِ كَما هي في المُفْرَدِ فَهو جَمْعُ سَلامَةٍ. وقَرَأهُ مَن عَداهم بِضَمِّ الطّاءِ؛ لِأنَّ تَحْرِيكَ العَيْنِ السّاكِنَةِ أوْ الواقِعَةِ بَعْدَ فاءِ الِاسْمِ المَضْمُومَةِ أوِ المَكْسُورَةِ جائِزٌ كَثِيرٌ.
والخُطْوَةُ بِضَمِّ الخاءِ: اسْمٌ لِنَقْلِ الماشِي إحْدى قَدَمَيْهِ الَّتِي كانَتْ مُتَأخِّرَةً عَنِ القَدَمِ الأُخْرى وجَعَلَها مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، ولِذَلِكَ وقَعَ فِعْلُ (يَتِّبِعُ) مَجْزُومًا بِاتِّفاقِ القُرّاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والرّابِطُ هو مَفْعُولُ (يَأْمُرُ) المَحْذُوفُ لِقَصْدِ العُمُومِ، فَإنَّ عُمُومَهُ يَشْمَلُ فاعِلَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الرَّبْطُ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ. وضَمِيرا (فَإنَّهُ يَأْمُرُ) عائِدانِ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى: ومَن يَتِّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ يَفْعَلُ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ؛ أيْ: بِفِعْلِهِما، فَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ يَقَعْ في الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ؛ لِأنَّهُ مِن أفْرادِ العُمُومِ.
والفَحْشاءُ: كُلُّ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ قَبِيحٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُنْكَرُ: ما تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ويُنْكِرُهُ أهْلُ الخَبَرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٢٠] الآيَةَ، أيْ لَوْلا فَضْلُهُ بِأنْ هَداكم إلى الخَيْرِ ورَحْمَتُهُ بِالمَغْفِرَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ما كانَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ زاكِيًا؛ لِأنَّ فِتْنَةَ الشَّيْطانِ عَظِيمَةٌ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها النّاسُ لَوْلا إرْشادُ الدِّينِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
صفحة ١٨٨
و(زَكى) بِتَخْفِيفِ الكافِ عَلى المَشْهُورِ مِنَ القِراءاتِ. وقَدْ كُتِبَ (زَكى) في المُصْحَفِ بِألْفِ فِيٍ صُورَةِ الياءِ. وكانَ شَأْنُهُ أنْ يُكْتَبَ بِالألِفِ الخالِصَةِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُمالٍ ولا أصْلُهُ ياءٌ فَإنَّهُ واوِيُّ اللّامِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ قَدْ لا يَجْرِي عَلى القِياسِ. ولا تُعَدُّ قِراءَتُهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ مُخالِفَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ؛ لِأنَّ المُخالِفَةَ المُضْعِفَةَ لِلْقِراءَةِ هي المُخالَفَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى اخْتِلافِ النُّطْقِ بِحُرُوفِ الكَلِمَةِ، وأمّا مِثْلُ هَذا فَمِمّا يَرْجِعُ إلى الأداءِ، والرِّوايَةُ تَعْصِمُ مِنَ الخَطَأِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ سَمِيعٌ لِمَن يُشِيعُ الفاحِشَةَ، عَلِيمٌ بِما في نَفْسِهِ مِن مَحَبَّةِ إشاعَتِها، وسَمِيعٌ لِمَن يُنْكِرُ عَلى ذَلِكَ، عَلِيمٌ لِما في نَفْسِهِ مِن كَراهَةِ ذَلِكَ، فَيُجازِي كُلًّا عَلى عَمَلِهِ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ فِيهِ لِيَكُونَ التَّذْيِيلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١]) عَطْفَ خاصٍّ عَلى عامٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَخْفى أنَّهُ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ أنْ يَأْتِيَ بِوَسْوَسَةٍ في صُورَةِ خَواطِرِ الخَيْرِ إذا عُلِمَ أنَّ المُوَسْوَسَ إلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ يَتَوَخَّوْنَ البِرَّ والطّاعَةَ، وأنَّهُ مِمَّنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَرْوِيجُ وسْوَسَتِهِ إذا كانَتْ مَكْشُوفَةً.
وإنَّ مِن ذُيُولِ قِصَّةِ الإفْكِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ المُطَّلِبِيِّ إذْ كانَ ابْنَ خالَةَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وكانَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ فَلَمّا عَلِمَ بِخَوْضِهِ في قَضِيَّةِ الإفْكِ أقْسَمَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلَيْهِ. ولَمّا تابَ مِسْطَحٌ وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَزَلْ أبُو بَكْرٍ واجِدًا في نَفْسِهِ عَلى مِسْطَحٍ
صفحة ١٨٩
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فالمُرادُ مِن أُولِي الفَضْلِ ابْتِداءً أبُو بَكْرٍ، والمُرادُ مِن أُولِي القُرْبى ابْتِداءً مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وتَعُمُّ الآيَةُ غَيْرَهُما مِمَّنْ شارَكُوا في قَضِيَّةِ الإفْكِ وغَيْرَهم مِمَّنْ يَشْمَلُهُ عُمُومُ لَفْظِها فَقَدْ كانَ لِمِسْطَحٍ عائِلَةٌ تَنالُهم نَفَقَةُ أبِي بَكْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ قَطَعُوا مَنافِعَهم عَنْ كُلِّ مَن قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللَّهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ في شَأْنِ عائِشَةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في جَمِيعِهِمْ.
ولَمّا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى أُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. ورَجَعَ إلى مِسْطَحٍ وأهْلِهِ ما كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَفَّرَ أبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ. رَواهُ عَنْ عائِشَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولا يَأْتَلِ) . والايْتِلاءُ افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ وهي الحَلِفُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الألِيَّةِ في الحَلِفِ عَلى امْتِناعٍ، يُقالُ: آلى وائْتَلى. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (ولا يَتَألَّ) مِن تَألّى تَفْعَلُ مِنَ الألِيَّةِ.
والفَضْلُ: أصْلُهُ الزِّيادَةُ فَهو ضِدُّ النَّقْصِ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الزِّيادَةِ في الخَيْرِ والكَمالِ الدِّينِيِّ وهو المُرادُ هُنا. ويُطْلَقُ عَلى زِيادَةِ المالِ فَوْقَ حاجَةِ صاحِبِهِ، ولَيْسَ مُرادًا هُنا؛ لِأنَّ عَطْفَ (والسَّعَةِ) عَلَيْهِ يُبْعِدُ ذَلِكَ. والمَعْنِيُّ مِن أُولِي الفَضْلِ ابْتِداءً أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
والسَّعَةُ: الغِنى. والأوْصافُ في قَوْلِهِ: ﴿أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُقْتَضِيَةٌ المُواساةَ بِانْفِرادِها، فالحَلِفُ عَلى تَرْكِ مُواساةِ واحِدٍ مِنهم سَدٌّ لِبابٍ عَظِيمٍ مِنَ المَعْرُوفِ وناهِيكَ بِمَن جَمَعَ الأوْصافَ كُلَّها مِثْلُ مِسْطَحٍ الَّذِي نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (ألا تُحِبُّونَ) إنْكارِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْضِيضِ عَلى السَّعْيِ فِيما بِهِ المَغْفِرَةُ، وذَلِكَ العَفْوُ والصَّفْحُ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ . وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَدْ تَعارَضَ عَنْ أبِي بَكْرٍ سَبَبُ
صفحة ١٩٠
المَعْرُوفِ وسَبَبُ البِرِّ في اليَمِينِ وتَجَهَّمَ الحِنْثَ، وأنَّهُ أخَذَ بِجانِبِ البِرِّ في يَمِينِهِ، وتَرَكَ جانِبَ ما يَفُوتُهُ مِن ثَوابِ الإنْفاقِ ومُواساةِ القَرابَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وكَأنَّهُ قَدَّمَ جانِبَ التَّأثُّمِ عَلى جانِبِ طَلَبِ الثَّوابِ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ يَأْخُذُ بِتَرْجِيحِ جانِبِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ لِلْيَمِينِ مَخْرَجًا وهو الكَفّارَةُ.
وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ كَفّارَةَ اليَمِينِ كانَتْ مَشْرُوعَةً مِن قَبْلِ هَذِهِ القِصَّةِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَهابُونَ الإقْدامَ عَلى الحِنْثِ كَما جاءَ في خَبَرِ عائِشَةَ: أنْ لا تُكَلِّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ بَلَغَها قَوْلُهُ: إنَّهُ يَحْجُرُ عَلَيْها لِكَثْرَةِ إنْفاقِها المالَ. وهو في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ الأدَبِ بابِ الهُجْرانِ.
وعَطْفُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ زِيادَةٌ في التَّرْغِيبِ في العَفْوِ والصَّفْحِ وتَطْمِينًا لِنَفْسِ أبِي بَكْرٍ في حِنْثِهِ وتَنْبِيهًا عَلى الأمْرِ بِالتَّخَلُّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences