Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:23–28
24:23–25Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾
جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَعْدَ اسْتِئْنافِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] والكُلُّ تَفْصِيلٌ لِلْمَوْعِظَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] فابْتُدِئَ بِوَعِيدِ العَوْدِ إلى مَحَبَّتِهِ ذَلِكَ وثَنّى بِوَعِيدِ العَوْدَةِ إلى إشاعَةِ القالَةِ، فالمُضارِعُ في
صفحة ١٩١
قَوْلِهِ: (يَرْمُونَ) لِلِاسْتِقْبالِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي تُناسِبُها بِالآياتِ النّازِلَةِ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] .
واسْمُ المَوْصُولِ ظاهِرٌ في إرادَةِ جَماعَةٍ وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ ومَن مَعَهُ. و(الغافِلاتِ) هُنَّ اللّاتِي لا عِلْمَ لَهُنَّ بِما رُمِينَ بِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِهِنَّ فِيما رُمِينَ بِهِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّيْءَ لا يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ. فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ كَذِبًا عَلَيْهِنَّ، فَلا تَحْسَبِ المُرادَ الغافِلاتِ عَنْ قَوْلِ النّاسِ فِيهِنَّ. وذَكَرَ وصْفَ (المُؤْمِناتِ) لِتَشْنِيعِ قَذْفِ الَّذِينَ يَقْذِفُوهُنَّ كَذِبًا؛ لِأنَّ وصْفَ الإيمانِ وازِعٌ لَهُنَّ عَنِ الخَنى.
وقَوْلُهُ (لُعِنُوا) إخْبارٌ عَنْ لَعْنِ اللَّهِ إيّاهم بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الإثْمِ وما شُرِعَ لَهم.
واللَّعْنُ: في الدُّنْيا التَّفْسِيقُ، وسَلْبُ أهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ، واسْتِيحاشُ المُؤْمِنِينَ مِنهم، وحَدُّ القَذْفِ. واللَّعْنُ في الآخِرَةِ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
والعَذابُ العَظِيمُ: عَذابُ جَهَنَّمَ فَلا جَدْوى في الإطالَةِ بِذِكْرِ مَسْألَةِ جَوازِ لَعْنِ المُسْلِمِ المُعَيَّنِ هُنا ولا في أنَّ المَقْصُودَ بِها مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ المَجْعُولُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . وذَكَرَ شَهادَةَ ألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ لِلتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ذَلِكَ المَوْقِفَ فَيَتُوبُونَ.
وشَهادَةُ الأعْضاءِ عَلى صاحِبِها مِن أحْوالِ حِسابِ الكُفّارِ.
وتَخْصِيصُ هَذِهِ الأعْضاءِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الشَّهادَةَ تَكُونُ مِن جَمِيعِ الجَسَدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١]؛ لِأنَّ لِهَذِهِ الأعْضاءِ عَمَلًا في رَمْيِ المُحْصَناتِ فَهم يَنْطِقُونَ بِالقَذْفِ ويُشِيرُونَ بِالأيْدِي إلى المَقْذُوفاتِ ويَسْعَوْنَ بِأرْجُلِهِمْ إلى مَجالِسِ النّاسِ لِإبْلاغِ القَذْفِ.
صفحة ١٩٢
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وذَلِكَ وجْهٌ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ تَكْسِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ شَهادَةِ الأعْضاءِ يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ آثارِ تِلْكَ الشَّهادَةِ فَيُجابُ بِأنَّ أثَرَها أنْ يُجازِيَهُمُ اللَّهُ عَلى ما شَهِدَتْ بِهِ أعْضاؤُهم عَلَيْهِمْ. فَدِينُهم جَزاؤُهم كَما في قَوْلِهِ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) .
و(الحَقَّ) نَعْتٌ لِلدِّينِ، أيِ الجَزاءُ العادِلُ الَّذِي لا ظُلْمَ فِيهِ، فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ يَنْكَشِفُ لِلنّاسِ أنَّ اللَّهَ الحَقُّ. ووَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ (الحَقُّ) وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ اتِّصافِهِ بِالحَقِّ، كَقَوْلِ الخَنْساءِ:
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
وصِفَةُ اللَّهِ بِأنَّهُ (الحَقُّ) بِمَعْنَيَيْنِ:
أوَّلُهُما: بِمَعْنى الثّابِتِ الحاقِّ، وذَلِكَ لِأنَّ وُجُودَهُ واجِبٌ فَذاتُهُ حَقٌّ مُتَحَقِّقَةٌ لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْها عَدَمٌ ولا انْتِفاءٌ، فَلا يُقْبَلُ إمْكانُ العَدَمِ. وعَلى هَذا المَعْنى في اسْمِهِ تَعالى (الحَقُّ) اقْتَصَرَ الغَزالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى.
وثانِيهُما: مَعْنى أنَّهُ ذُو الحَقِّ، أيِ العَدْلِ وهو الَّذِي يُناسِبُ وُقُوعَ الوَصْفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (دِينَهُمُ الحَقَّ) . وبِهِ فَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ مَعْنى الحَقِّ هُنا، أيْ وصْفَ اللَّهِ بِالمَصْدَرِ ولَيْسَ مُرادُهُ تَفْسِيرَ الِاسْمِ وهَذا الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ بَرَّجانَ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى والقُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ.
صفحة ١٩٣
و(الحَقُّ) مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى. ولَمّا وُصِفَ بِالمَصْدَرِ زِيدَ وصْفُ المَصْدَرِ بِـ (المُبِينِ) . والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أظْهَرَ عَلى أصْلِ مَعْنى إفادَةِ الهَمْزَةِ التَّعْدِيَةَ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بانَ، أيْ ظَهَرَ عَلى اعْتِبارِ الهَمْزَةِ زائِدَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَهُ وصْفًا لِـ (الحَقُّ) بِمَعْنى العَدْلِ كَما صَرَّحَ بِهِ الكَشّافُ، أيْ الحَقُّ الواضِحُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ وصْفًا لِلَّهِ تَعالى بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ مُبِينٌ وهادٍ. وإلى هَذا نَحا القُرْطُبِيُّ وابْنُ بَرَّجانَ فَقَدْ أثْبَتا في عِدادِ أسْمائِهِ تَعالى اسْمَ (المُبِينِ) .
فَإنْ كانَ وصْفُ اللَّهِ بِـ (الحَقُّ) بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ فالحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالحَقِّ الَّذِي يَصْدُرُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الحاكِمِينَ؛ لِأنَّهُ وإنْ يُصادِفِ المَحَزَّ فَهو مَعَ ذَلِكَ مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ ولِلتَّقْصِيرِ ولِلْخَطَأِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ أوْ لَيْسَ بِمُبِينٍ. وإنْ كانَ الخَبَرُ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ (الحَقُّ) بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ لِلَّهِ تَعالى فالحَصْرُ حَقِيقِيٌّ؛ إذْ لَيْسَ اسْمُ الحَقِّ مُسَمًّى بِهِ غَيْرُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ هو صاحِبُ هَذا الِاسْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] . وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَجْرِي الكَلامُ في وصْفِهِ تَعالى بِـ (المُبِينُ) .
ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ: أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ ذَلِكَ يَوْمَئِذَ بِعِلْمٍ قَطْعِيٍّ لا يَقْبَلُ الخَفاءَ ولا التَّرَدُّدَ وإنْ كانُوا عالِمِينَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ الكَلامَ جارٍ في مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ؛ ولَكِنْ نُزِّلَ عِلْمُهُمُ المُحْتاجُ لِلنَّظَرِ والمُعَرَّضُ لِلْخَفاءِ والغَفْلَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ خُصُوصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولٍ ومَن يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ المُنافِقِينَ المُبْطِنِينَ الكُفْرَ، بَلْهَ الإصْرارَ عَلى ذَنْبِ الإفْكِ؛ إذْ لا تَوْبَةَ لَهم فَهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإفْكِ فِيما بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَرُومُوا الإقْلاعَ عَنْهُ في بَواطِنِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ اخْتِلاقٌ مِنهُمْ؛ لَكِنَّهم لِخُبْثِ طَواياهم يَجْعَلُونَ الشَّكَّ الَّذِي خالَجَ أنْفُسَهم بِمَنزِلَةِ اليَقِينِ، فَهم مَلْعُونُونَ عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخِرَةِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ الحَقُّ المُبِينُ فِيما كَذَّبَهم فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ
صفحة ١٩٤
مُبْطِنِينَ الشِّرْكَ مَعَ اللَّهِ فَجاعِلِينَ الحَقَّ ثابِتًا لِأصْنامِهِمْ، فالقَصْرُ حِينَئِذٍ إضافِيٌّ، أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ دُونَ أصْنامِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (﴿الَّذِينِ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولٍ وحْدَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقَصْدِ إخْفاءِ اسْمِهِ تَعْرِيضًا بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ» .
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
بَعْدَ أنْ بَرَّأ اللَّهُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا قالَ عُصْبَةُ الإفْكِ فَفَضَحَهم بِأنَّهم ما جاءُوا إلّا بِسَيِّئِ الظَّنِّ واخْتِلاقِ القَذْفِ وتَوَعَّدَهم وهَدَّدَهم ثُمَّ تابَ عَلى الَّذِينَ تابُوا أنْحى عَلَيْهِمْ ثانِيَةً بِبَراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أنْ تَكُونَ لَهُ أزْواجٌ خَبِيثاتٌ؛ لِأنَّ عِصْمَتَهُ وكَرامَتَهُ عَلى اللَّهِ يَأْبى اللَّهُ مَعَها أنْ تَكُونَ أزْواجُهُ غَيْرَ طَيِّباتٍ. فَمَكانَةُ الرَّسُولِ ﷺ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى بَراءَةِ زَوْجِهِ وطَهارَةِ أزْواجِهِ كُلِّهِنَّ. وهَذا مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى حالِ الشَّيْءِ بِحالِ مُقارِنِهِ ومُماثِلِهِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ اخْتَلَقُوا الإفْكَ بِأنَّ ما أفَكُوهُ لا يَلِيقُ مِثْلُهُ إلّا بِأزْواجِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ المُخْتَلِقِينَ لِلْإفْكِ.
والِابْتِداءُ بِذِكْرِ (الخَبِيثاتُ)؛ لِأنَّ غَرَضَ الكَلامِ الِاسْتِدْلالُ عَلى بَراءَةِ عائِشَةَ وبَقِيَّةِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلْخَبِيثِينَ) لامُ الِاسْتِحْقاقِ. والخَبِيثاتُ والخَبِيثُونَ والطَّيِّباتُ والطَّيِّبُونَ أوْصافٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفاتٍ مَحْذُوفَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها السِّياقُ. والتَّقْدِيرُ في الجَمِيعِ: الأزْواجُ.
صفحة ١٩٥
وعَطْفُ (والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ) إطْنابٌ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِتَقْرِيرِ هَذا الحُكْمِ ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها عَلى الحُكْمِ، ولِيَكُونَ الِاسْتِدْلالُ عَلى حالِ القَرِينِ بِحالِ مُقارِنِهِ حاصِلًا مِن أيِّ جانِبٍ ابْتَدَأهْ السّامِعُ.
وذِكْرُ ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ إطْنابٌ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُقارَنَةَ دَلِيلٌ عَلى حالِ القَرِينَيْنِ في الخَيْرِ أيْضًا.
وعَطْفُ (والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) كَعَطْفِ (والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ) .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الخَبِيثِ والطَّيِّبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] في سُورَةِ الأنْفالِ وقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلُهُ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وغَلَبَ ضَمِيرُ التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ (مُبَرَّءُونَ) وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، ولِذَلِكَ حُقَّ لَها أنْ تَجْرِيَ مَجْرى المَثَلِ وجُعِلَتْ في آخِرِ القِصَّةِ كالتَّذْيِيلِ.
والمُرادُ بِالخُبْثِ: خُبْثُ الصِّفاتِ الإنْسانِيَّةِ كالفَواحِشِ. وكَذَلِكَ المُرادُ بِالطَّيِّبِ: زَكاءُ الصِّفاتِ الإنْسانِيَّةِ مِنَ الفَضائِلِ المَعْرُوفَةِ في البَشَرِ، فَلَيْسَ الكُفْرُ مِنَ الخُبْثِ ولَكِنَّهُ مِن مْتَمِّماتِهِ. وكَذَلِكَ الإيمانُ مِن مُكَمِّلاتِ الطَّيِّبِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُفْرُ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ ناقِضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] أنَّهُما خانَتا زَوْجَيْهِما بِإبْطانِ الكُفْرِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ مُقابَلَةُ حالِهِما بِحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] .
والعُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنِ الإفْكِ بِاسْمِهِ إلى (ما يَقُولُونَ) إلى أنَّهُ لا يَعْدُو كَوْنَهُ قَوْلًا، أيْ أنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ونَرِثُهُ ما يَقُولُ؛ لِأنَّهُ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ في الآخِرَةِ.
والرِّزْقُ الكَرِيمُ: نَعِيمُ الجَنَّةِ. وتَقَدَّمَ أنَّ الكَرِيمَ هو النَّفِيسُ في جِنْسِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤] في سُورَةِ الأنْفالِ.
صفحة ١٩٦
وبِهَذِهِ الآياتِ انْتَهَتْ زَواجِرُ قِصَّةِ الإفْكِ.
24:27–28Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
ذَكَرْنا أنَّ مِن أكْبَرِ الأغْراضِ في هَذِهِ السُّورَةِ تَشْرِيعُ نِظامِ المُعاشَرَةِ والمُخالَطَةِ العائِلِيَّةِ في التَّجاوُرِ. فَهَذِهِ الآياتُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْكامِ التَّزاوُرِ وتَعْلِيمِ آدابِ الِاسْتِئْذانِ، وتَحْدِيدِ ما يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنهُ كَيْلا يَكُونَ النّاسُ مُخْتَلِفِينَ في كَيْفِيَّتِهِ عَلى تَفاوُتِ اخْتِلافِ مَدارِكِهِمْ في المَقْصُودِ مِنهُ والمُفِيدِ.
وقَدْ كانَ الِاسْتِئْذانُ مَعْرُوفًا في الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ وكانَ يَخْتَلِفُ شَكْلُهُ بِاخْتِلافِ حالِ المُسْتَأْذَنِ عَلَيْهِ مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ فَكانَ غَيْرَ مُتَماثِلٍ. وقَدْ يَتْرُكُهُ أوْ يُقَصِّرُ فِيهِ مَن لا يُهِمُّهُ إلّا قَضاءُ وطْرِهِ وتَعْجِيلُ حاجَتِهِ، ولا يَبْعُدُ بِأنْ يَكُونَ وُلُوجُهُ مُحْرِجًا لِلْمَزُورِ أوْ مُثْقِلًا عَلَيْهِ فَجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ لِتَحْدِيدِ كَيْفِيَّتِهِ وإدْخالِهِ في آدابِ الدِّينِ حَتّى لا يُفَرِّطَ النّاسُ فِيهِ أوْ في بَعْضِهِ بِاخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في الِاحْتِشامِ والأنَفَةِ واخْتِلافِ أوْهامِهِمْ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ أوْ في شِدَّتِها.
وشُرِعَ الِاسْتِئْذانُ لِمَن يَزُورُ أحَدًا في بَيْتِهِ؛ لِأنَّ النّاسَ اتَّخَذُوا البُيُوتَ لِلِاسْتِتارِ مِمّا يُؤْذِي الأبْدانَ مِن حَرٍّ وقَرٍّ ومَطَرٍ وقَتامٍ، ومِمّا يُؤْذِي العِرْضَ والنَّفْسَ مِنِ انْكِشافِ ما لا يُحِبُّ السّاكِنُ اطِّلاعَ النّاسِ عَلَيْهِ، فَإذا كانَ في
صفحة ١٩٧
بَيْتِهِ وجاءَهُ أحَدٌ، فَهو لا يُدْخِلُهُ حَتّى يُصْلِحَ ما في بَيْتِهِ، ولِيَسْتُرَ ما يَجِبُ أنْ يَسْتُرَهُ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ أوْ يَخْرُجُ لَهُ فَيُكَلِّمُهُ مِن خارِجِ البابِ.
ومَعْنى (تَسْتَأْنِسُوا) تَطْلُبُوا الأُنْسَ بِكم، أيْ تَطْلُبُوا أنْ يَأْنَسَ بِكم صاحِبُ البَيْتِ، وأُنْسُهُ بِهِ بِانْتِفاءِ الوَحْشَةِ والكَراهِيَةِ. وهَذا كِنايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنِ الِاسْتِئْذانِ، أيْ أنْ يَسْتَأْذِنَ الدّاخِلُ، أيْ يَطْلُبَ إذْنًا مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَكُونُ مَعَهُ اسْتِيحاشُ رَبِّ المَنزِلِ بِالدّاخِلِ. قالَ ابْنُ وهْبٍ: قالَ مالِكٌ: الِاسْتِئْناسُ - فِيما نَرى واللَّهُ أعْلَمُ - الِاسْتِئْذانُ. يُرِيدُ أنَّهُ المُرادُ كِنايَةً أوْ مُرادَفَةً فَهو مِنَ الأُنْسِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ مالِكٌ هو القَوْلُ الفَصْلُ. ووَقَعَ لِابْنِ القاسِمِ في جامِعِ العَتَبِيَّةِ أنَّ الِاسْتِئْناسَ التَّسْلِيمُ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو بَعِيدٌ.
وقُلْتُ: أرادَ ابْنُ القاسِمِ السَّلامَ بِقَصْدِ الِاسْتِئْذانِ فَيَكُونُ عَطْفُ (وتُسَلِّمُوا) عَطْفَ تَفْسِيرٍ. ولَيْسَ المُرادُ بِالِاسْتِئْناسِ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن آنَسَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ لا يَسْتَقِيمُ هُنا فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ وذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ إذا أذِنَ لَهُ دَلَّ إذْنُهُ عَلى أنَّهُ لا يَكْرَهُ دُخُولَهُ، وإذا كَرِهَ دُخُولَهُ لا يَأْذَنُ لَهُ واللَّهُ مُتَوَلِّي عَلَمَ ما في قَلْبِهِ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الِاسْتِئْذانِ بِالِاسْتِئْناسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ.
وفِي ذَلِكَ مِنَ الآدابِ أنَّ المَرْءَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَلًّا عَلى غَيْرِهِ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ إلى الكَراهِيَةِ والِاسْتِثْقالِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الزّائِرُ والمَزُورُ مُتَوافِقَيْنِ مُتَآنِسَيْنِ وذَلِكَ عَوْنٌ عَلى تَوَفُّرِ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ.
وعُطِفَ الأمْرُ بِالسَّلامِ عَلى الِاسْتِئْناسِ وجُعِلَ كِلاهُما غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ تَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِهِما؛ لِأنَّ النَّهْيَ لا يَرْتَفِعُ إلّا عِنْدَ حُصُولِهِما. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: أأدْخُلُ ؟ فَأمَرَ النَّبِيءُ رَجُلًا عِنْدَهُ أوْ أمَةً اسْمُها رَوْضَةُ فَقالَ: إنَّهُ لا يُحْسِنُ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَلْيَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ. فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ. فَقالَ: ادْخُلْ» . ورَوى مُطَرِّفٌ عَنْ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: أألِجُ. فَأذِنَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمّا دَخَلَ قالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: ما لَكَ واسْتِئْذانُ العَرَبِ ؟ يُرِيدُ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ إذا اسْتَأْذَنْتَ
صفحة ١٩٨
فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكم. فَإذا رُدَّ عَلَيْكَ السَّلامُ فَقُلْ: أأدْخُلُ، فَإنْ أُذِنَ لَكَ فادْخُلْ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الِاسْتِئْذانَ واجِبٌ، وأنَّ السَّلامَ واجِبٌ غَيْرَ أنَّ سِياقَ الآيَةِ لِتَشْرِيعِ الِاسْتِئْذانِ. وأمّا السَّلامُ فَتَقَرَّرَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ مِن قَبْلُ في أوَّلِ الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنْ خاصًّا بِحالَةِ دُخُولِ البُيُوتِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّلامِ اخْتِصاصٌ هُنا، وإنَّما ذُكِرَ مَعَ الِاسْتِئْذانِ لِلْمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِئْذانِ؛ لِئَلّا يُلْهِيَ الِاسْتِئْذانُ الطّارِقَ فَيَنْسى السَّلامَ أوْ يَحْسَبَ الِاسْتِئْذانَ كافِيًا عَنِ السَّلامِ. قالَ المازِرِيُّ في كِتابِ المُعْلِمِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الِاسْتِئْذانُ مَشْرُوعٌ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ: قالَ جَماعَةٌ: الِاسْتِئْذانُ فَرْضٌ والسَّلامُ مُسْتَحَبٌّ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. ولَمْ يُفْصِحْ عَنْ حُكْمِ الِاسْتِئْذانِ سِوى فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ. قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ في الرِّسالَةِ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ؛ فَلا تَدْخُلْ بَيْتًا فِيهِ أحَدٌ حَتّى تَسْتَأْذِنَ ثَلاثًا، فَإنْ أذِنَ لَكَ وإلّا رَجَعْتَ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ. وحَكى أبُو الحَسَنِ المالِكِيُّ في شَرْحِ الرِّسالَةِ الإجْماعَ عَلى وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ. وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الِاسْتِئْذانُ مَشْرُوعٌ. وهي كَلِمَةُ المازِرِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وأقُولُ: لَيْسَ قَرْنُ الِاسْتِئْذانِ بِالسَّلامِ في الآيَةِ بِمُقْتَضٍ مُساواتَهُما في الحُكْمِ إذْ كانَتْ هُنالِكَ أدِلَّةٌ أُخْرى تُفَرِّقُ بَيْنَ حُكْمَيْهِما وتِلْكَ أدِلَّةٌ مِنَ السُّنَّةِ، ومِنَ المَعْنى فَإنَّ فائِدَةَ الِاسْتِئْذانِ دَفْعُ ما يُكْرَهُ عَنِ المَطْرُوقِ المَزُورِ وقَطْعُ أسْبابِ الإنْكارِ أوِ الشَّتْمِ أوِ الإغْلاظِ في القَوْلِ مَعَ سَدِّ ذَرائِعِ الرِّيبِ وكُلُّها أوْ مَجْمُوعُها يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِئْذانِ.
وأمّا فائِدَةُ السَّلامِ مَعَ الِاسْتِئْذانِ فَهي تَقْوِيَةُ الأُلْفَةِ المُتَقَرِّرَةِ، فَلا تَقْتَضِي أكْثَرَ مِن تَأكُّدِ الِاسْتِحْبابِ. فالقُرْآنُ أمَرَ بِالحالَةِ الكامِلَةِ وأحالَ تَفْصِيلَ أجْزائِها عَلى تَبْيِينِ السُّنَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
وقَدْ أُجْمِلَتْ حِكْمَةُ الِاسْتِئْذانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ ذَلِكم الِاسْتِئْذانُ خَيْرٌ لَكم، أيْ فِيهِ خَيْرٌ لَكم ونَفْعٌ فَإذا تَدَبَّرْتُمْ عَلِمْتُمْ ما فِيهِ مِن خَيْرٍ لَكم كَما هو المَرْجُوُّ مِنكم.
صفحة ١٩٩
وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ الِاسْتِئْذانَ والسَّلامَ بِواوِ العَطْفِ المُفِيدِ التَّشْرِيكَ فَقَطْ فَدَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنْ قُدِّمَ الِاسْتِئْذانُ عَلى السَّلامِ أوْ قُدِّمَ السَّلامُ عَلى الِاسْتِئْذانِ فَقَدْ جاءَ بِالمَطْلُوبِ مِنهُ، ووَرَدَ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ الأمْرُ بِتَقْدِيمِ السَّلامِ عَلى الِاسْتِئْذانِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أوْلى ولا يُعارِضُ الآيَةَ.
ولَيْسَ لِلِاسْتِئْذانِ صِيغَةٌ مُعَيَّنَةٌ. وما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ فَإنَّما مَحْمَلُهُ عَلى أنَّهُ المُتَعارَفُ بَيْنَهم أوْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ أجْمَعُ مِن غَيْرِهِ في المُرادِ. وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ المُسْتَأْذِنَ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ يُكَرِّرُهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإذا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ انْصَرَفَ.
ووَرَدَ في هَذا حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وهو ما رُوِيَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: كُنْتُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ؛ إذْ جاءَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ كَأنَّهُ مَذْعُورٌ قالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلى عُمَرَ ثَلاثًا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ. وفَسَّرُوهُ في رِوايَةٍ أُخْرى بِأنَّ عُمَرَ كانَ مُشْتَغِلًا بِبَعْضِ أمْرِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَقالَ: ألَمْ أسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ؟ قالُوا: اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا ثُمَّ رَجَعَ. فَأرْسَلَ وراءَهُ، فَجاءَ أبُو مُوسى، فَقالَ عُمَرُ: ما مَنَعَكَ ؟ قالَ: قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» . فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً. قالَ أبُو مُوسى: أمِنكم أحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ؟ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: واللَّهِ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُنا. فَكُنْتُ أصْغَرَهم فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأخْبَرْتُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيءَ قالَ ذَلِكَ. فَقالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذا مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، ألْهانِي الصَّفْقُ بِالأسْواقِ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِئْذانَ إذْنًا ومَنعًا وسُكُوتًا فَإنْ أُذِنَ لَهُ فَذاكَ، وإنَّ مُنِعَ بِصَرِيحِ القَوْلِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ . والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرُّجُوعِ المَفْهُومِ مِنَ (ارْجِعُوا) كَقَوْلِهِ: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .
صفحة ٢٠٠
ومَعْنى (أزْكى لَكم) أنَّهُ أفْضَلُ وخَيْرٌ لَكم مِن أنْ يَأْذَنُوا عَلى كَراهِيَةٍ. وفي هَذا أدَبٌ عَظِيمٌ وهو تَعْلِيمُ الصَّراحَةِ بِالحَقِّ دُونَ المُوارَبَةِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ أذًى. وتَعْلِيمُ قَبُولِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ أطْمَنُ لِنَفْسِ قابِلِهِ مِن تَلَقِّي ما لا يُدْرى أهُوَ حَقٌّ أمْ مُوارَبَةٌ، ولَوِ اعْتادَ النّاسُ التَّصارُحَ بِالحَقِّ بَيْنَهم لَزالَتْ عَنْهم ظُنُونُ السُّوءِ بِأنْفُسِهِمْ.
وأمّا السُّكُوتُ فَهو ما بَيَّنَ حُكْمَهُ حَدِيثُ أبِي مُوسى. وفِعْلُ (تُسَلِّمُوا) مَعْناهُ تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَيْكم، فَهو مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِن حِكايَةِ الأقْوالِ الواقِعَةِ في الجُمَلِ مِثْلُ: رَحَّبَ وأهَّلَ، إذا قالَ: مَرْحَبًا وأهْلًا. وحَيّا، إذا قالَ: حَيّاكَ اللَّهُ. وجَزَّأ، إذا قالَ لَهُ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وسَهَّلَ، إذا قالَ: سَهْلًا؛ أيْ: حَلَلْتَ سَهْلًا. قالَ البُعَيْثُ بْنُ حُرَيْثٍ:
فَقُلْتُ لَها أهْلًا وسَهْلًا ومَرْحَبًا فَرَدَّتْ بِتَأْهِيلٍ وسَهْلٍ ومَرْحَبِ
وفِي الحَدِيثِ «تُسَبِّحُونَ وتُحَمِّدُونَ وتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ» . وهي قَرِيبَةٌ مِنَ النَّحْتِ مِثْلُ: بَسْمَلَ، إذا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وحَسْبَلَ، إذا قالَ: حَسْبُنا اللَّهُ.
و(عَلى أهْلِها) يَتَعَلَّقُ بِـ (تُسَلِّمُوا)؛ لِأنَّهُ أصْلُهُ مِن بَقِيَّةِ الجُمْلَةِ الَّتِي صِيغَ مِنها الفِعْلُ الَّتِي أصْلُها: السَّلامُ عَلَيْكم، كَما يُعَدّى رَحَّبَ بِهِ، إذا قالَ: مَرْحَبًا بِكَ، وكَذَلِكَ أهَّلَ بِهِ وسَهَّلَ بِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وصِيغَةُ التَّسْلِيمِ هي: السَّلامُ عَلَيْكم. وقَدْ عَلَّمَها النَّبِيءُ ﷺ أصْحابَهُ، ونَهى أبا جُزَيٍّ الهُجَيْمِيَّ عَنْ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَّلامُ. وقالَ لَهُ: إنَّ (عَلَيْكَ السَّلامُ) تَحِيَّةَ المَيِّتِ ثَلاثًا، أيِ الِابْتِداءُ بِذَلِكَ. وأمّا الرَّدُّ فَيَقُولُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ - بِواوِ العَطْفِ، وبِذَلِكَ فارَقَتْ تَحِيَّةُ المَيِّتِ - ورَحْمَةُ اللَّهِ. أخْرَجَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ الِاسْتِئْذانِ. وتَقَدَّمَ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ٢٠١
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ إلَخْ لِلِاحْتِراسِ مِن أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ المَنازِلَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ يَدْخُلُها النّاسُ في غَيْبَةِ أصْحابِها بِدُونِ إذَنٍ مِنهم تَوَهُّمًا بِأنَّ عِلَّةَ شَرْعِ الِاسْتِئْذانِ ما يَكْرَهُ أهْلُ المَنازِلِ مِن رُؤْيَتِهِمْ عَلى غَيْرِ تَأهُّبٍ، بَلِ العِلَّةُ هي كَراهَتُهم رُؤْيَةَ ما يُحِبُّونَ سَتْرَهُ مِن شُئُونِهِمْ. فالشَّرْطُ هُنا يُشْبِهُ الشَّرْطَ الوَصْلِيَّ؛ لِأنَّهُ مُرادٌ بِهِ المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ ما قَبْلَهُ، ولِذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ.
والغايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: فَلا تَدْخُلُوها أيْ حَتّى يَأْتِيَ أهْلُها فَيَأْذَنُوا لَكم.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِهَذِهِ الوَصايا بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأعْمالِهِمْ لِيُزْدَجَرَ أهْلُ الإلْحاحِ عَنْ إلْحاحِهِمْ بِالتَّثْقِيلِ، ولِيُزْدَجَرَ أهْلُ الحِيَلِ أوِ التَّطَلُّعِ مِنَ الشُّقُوقِ ونَحْوِها. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ عِصْيانًا لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ. فَعِلْمُهُ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِ فاعِلِيهِ بِما يَسْتَحِقُّونَ.
وخِطابُ (لا تَدْخُلُوا) يَعُمُّ وهو مَخْصُوصٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] كَما سَيَأْتِي. ولِذا فَإنَّ المَمالِيكَ والأطْفالَ مُخَصَّصُونَ مِن هَذا العُمُومِ كَما سَيَأْتِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (بُيُوتًا) حَيْثُما وقَعَ بِكَسْرِ الباءِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الباءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences