Ibn 'AshurAn‑Nur · 24:3–5

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:3–5

24:3Page 350

ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.

﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ مُسْتَقِلَّةً بِأوَّلِها ونِهايَتِها كَما يَأْتِي قَرِيبًا في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِها، سَواءٌ كانَ نُزُولُها قَبْلَ الآياتِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها السُّورَةُ أمْ كانَ نُزُولُها بَعْدَ تِلْكَ الآياتِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها بَعْدَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها واضِحَةٌ.

وقَدْ أعْضَلَ مَعْناها فَتَطَلَّبَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ وبَعْضُ الوُجُوهِ يَنْحَلُّ إلى مُتَعَدِّدٍ. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ وما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وحَسَّنَهُ: «أنَّهُ كانَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ مِنَ المُسْلِمِينَ

صفحة ١٥٣

كانَ يَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ يَحْمِلُ الأسْرى فَيَأْتِي بِهِمْ إلى المَدِينَةِ. وكانَتِ امْرَأةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقالُ لَها: عَناقُ وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ، وأنَّهُ كانَ وعَدَ رَجُلًا مِن أسارى مَكَّةَ لِيَحْمِلَهُ. قالَ: فَجِئْتُ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى حائِطٍ مِن حَوائِطِ مَكَّةَ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ. قالَ: فَجاءَتْ عَناقُ فَقالَتْ: مَرْثَدُ ؟ قُلْتُ: مَرْثَدُ. قالَتْ: مَرْحَبًا وأهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنا اللَّيْلَةَ. قالَ: فَقُلْتُ: حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنى. فَقالَتْ عَناقُ: يا أهْلَ الخِيامِ هَذا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أسْراكم. فَتَبِعَنِي ثَمانِيَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ. . . إلى أنْ قالَ: ثُمَّ رَجَعُوا ورَجَعْتُ إلى صاحِبِي فَحَمَلْتُهُ فَفَكَكْتُ كَبْلَهُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْكِحُ عَناقَ ؟ فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: يا مَرْثَدُ لا تَنْكِحْها» .

فَتَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ هَلْ يَتَزَوَّجُ عَناقَ. ومَثارُ ما يُشْكِلُ ويَعْضُلُ مِن مَعْناها: أنَّ النِّكاحَ هُنا عَقْدُ التَّزَوُّجِ كَما جَزَمَ بِهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِثْلَ الزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِما. وأنا أرى لَفْظَ النِّكاحِ لَمْ يُوضَعْ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا في عَقْدِ الزَّواجِ وما انْبَثَقَ زَعَمَ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الوَطْءِ إلّا مِن تَفْسِيرِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بِناءً عَلى اتِّفاقِ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَقْدِ عَلى المَرْأةِ بِزَوْجٍ لا يُحِلُّها لِمَن بَتَّها إلّا إذا دَخَلَ بِها الزَّوْجُ الثّانِي. وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ، لَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ.

وأنَّهُ لا تَرَدُّدَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْرِيمِ الزِّنى إذْ كانَ تَحْرِيمُ الزِّنى مِن أوَّلِ ما شُرِّعَ مِنَ الأحْكامِ في الإسْلامِ كَما في الآياتِ الكَثِيرَةِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ، وحَسْبُكَ أنَّ الأعْشى عَدَّ تَحْرِيمَ الزِّنى في عِدادِ ما جاءَ بِهِ

صفحة ١٥٤

النَّبِيءُ ﷺ مِنَ التَّشْرِيعِ إذْ قالَ في قَصِيدَتِهِ لَمّا جاءَ مَكَّةَ بِنِيَّةِ الإسْلامِ ومَدَحَ النَّبِيءَ ﷺ فَصَدَّهُ أبُو جَهْلٍ فانْصَرَفَ إلى اليَمامَةِ وماتَ هُناكَ قالَ:

أجِدْكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّـدٍ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوْصى وأشْهَدا

إلى أنْ قالَ. . . . . . . . .

ولا تَقْرَبَنَّ جَـارَةً إنَّ سِـرَّهَـا ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنْ أوْ تَأبَّدا

وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإسْراءِ.

وإنَّهُ يَلُوحُ في بادِئِ النَّظَرِ مِن ظاهِرِ الآيَةِ أنَّ صَدْرَها إلى قَوْلِهِ: (أوْ مُشْرِكٌ) إخْبارٌ عَنْ حالِ تَزَوُّجِ امْرَأةٍ زانِيَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ لِتَشْرِيعِ حُكْمِ النِّكاحِ بَيْنَ الزُّناةِ المُسْلِمِينَ، ولا نِكاحَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ. فَإذا كانَ إخْبارًا لَمْ يَسْتَقِمْ مَعْنى الآيَةِ إذِ الزّانِي قَدْ يَنْكِحُ الحَصِينَةَ والمُشْرِكُ قَدْ يَنْكِحُ الحَصِينَةَ وهو الأكْثَرُ فَلا يَسْتَقِيمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الزّانِيَةُ قَدْ يَنْكِحُها المُسْلِمُ العَفِيفُ لِرَغْبَةٍ في جَمالِها أوْ لِيُنْقِذَها مِن عُهْرِ الزِّنى وما هو بِزانٍ ولا مُشْرِكٍ فَلا يَسْتَقِيمُ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ . وإنَّنا لَوْ تَنازَلْنا وقَبِلْنا أنْ تَكُونَ لِتَشْرِيعِ حُكْمٍ فالإشْكالُ أقْوى إذْ لا مَعْنى لِتَشْرِيعِ حُكْمِ نِكاحِ الزّانِي والزّانِيَةِ والمُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِما يُفِيدُ مَعْنًى مُعْتَبَرًا.

والوَجْهُ في تَأْوِيلِها: أنَّ مَجْمُوعَ الآيَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّشْرِيعُ دُونَ الإخْبارِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آخِرِها: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ . ولِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَرْثَدٍ تَزْوِيجَهُ عِناقَ وهي زانِيَةٌ ومُشْرِكَةٌ ومَرْثَدُ مُسْلِمٌ تَقِيٌّ. غَيْرَ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ لَيْسَ هو المَقْصُودُ بِالتَّشْرِيعِ بَلْ هو تَمْهِيدٌ لِآخِرِها مُشِيرٌ إلى تَعْلِيلِ ما شُرِّعَ في آخِرِها، وفِيهِ ما يُفَسِّرُ مَرْجِعَ اسْمِ الإشارَةِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: وحُرَّمَ ذَلِكَ،

صفحة ١٥٥

وأنَّ حُكْمَها عامٌّ لِمَرْثَدٍ وغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِحَقِّ عُمُومِ لَفْظِ (المُؤْمِنِينَ) .

ويَنْبَنِي عَلى هَذا التَّأْصِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ تَمْهِيدٌ لِلْحُكْمِ المَقْصُودِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وأنَّهُ مَسُوقٌ مَساقَ الإخْبارِ دُونَ التَّشْرِيعِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (الزّانِي) المَعْنى الِاسْمِيُّ لِاسْمِ الفاعِلِ وهو مَعْنى التَّلَبُّسِ بِمَصْدَرِهِ دُونَ مَعْنى الحُدُوثِ؛ إذْ يَجِبُ أنْ لا يُغْفَلَ عَنْ كَوْنِ اسْمِ الفاعِلِ لَهُ شائِبَتانِ: شائِبَةُ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنَ المَصْدَرِ فَهو بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ، فَضارِبُ يُشْبِهُ يَضْرِبُ في إفادَةِ حُصُولِ الحَدَثِ مِن فاعِلٍ، وشائِبَةُ دَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُتَلَبِّسَةٍ بِحَدَثٍ فَهو بِتِلْكَ الشّائِبَةِ يَقْوى فِيهِ جانِبُ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الذَّواتِ. وحَمْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الِاسْمِيِّ تَقْتَضِيهِ قَرِينَةُ السِّياقِ إذْ لا يُفْهَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الَّذِي يُحْدِثُ الزِّنى لا يَتَزَوَّجُ إلّا زانِيَةً لِانْتِفاءِ جَدْوى تَشْرِيعِ مَنعِ حالَةٍ مِن حالاتِ النِّكاحِ عَنِ الَّذِي أتى الزِّنى. وهَذا عَلى عَكْسِ مَحْمَلِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فَإنَّهُ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ، أيِ: التَّلَبُّسِ بِإحْداثِ الزِّنى حَسْبَما حَمَلْناهُ عَلى ذَلِكَ آنِفًا بِقَرِينَةِ سِياقٍ تُرَتِّبُ الجَلْدَ عَلى الوَصْفِ إذِ الجَلْدُ عُقُوبَةٌ إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى إحْداثِ جَرِيمَةٍ تُوجِبُها.

فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ إلَخْ: مَن كانَ الزِّنى دَأْبًا لَهُ قَبْلَ الإسْلامِ وتَخَلَّقَ بِهِ ثُمَّ أسْلَمَ وأرادَ تَزَوُّجَ امْرَأةٍ مُلازِمَةٍ لِلزِّنى مِثْلَ البَغايا ومُتَّخِذاتِ الأخْدانِ (ولا يَكُنَّ إلّا غَيْرَ مُسْلِماتٍ لا مَحالَةَ) فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ تَزَوُّجِ مِثْلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ . وقُدِّمَ لَهُ ما يُفِيدُ تَشْوِيهَهُ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ حالَ المُسْلِمِ وإنَّما هو شَأْنُ أهْلِ الزِّنى، أيْ: غَيْرُ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ الزِّنى لَهُ دَأْبًا، ولَوْ صَدَرَ مِنهُ لَكانَ عَلى سَبِيلِ الفَلْتَةِ كَما وقَعَ لِماعِزِ بْنِ مالِكٍ.

فَقَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ تَمْهِيدٌ ولَيْسَ بِتَشْرِيعٍ،؛ لِأنَّ الزّانِيَ - بِمَعْنى مَنِ الزِّنى لَهُ عادَةٌ - لا يَكُونُ مُؤْمِنًا فَلا تُشَرَّعُ لَهُ أحْكامُ الإسْلامِ.

صفحة ١٥٦

وهَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وهَذا يَتَضَمَّنُ أنَّ المُسْلِمَ إذا تَزَوَّجَ زانِيَةً فَقَدْ وضَعَ نَفْسَهُ في صَفِّ الزُّناةِ، أيِ: المُشْرِكِينَ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ: (أوْ مُشْرِكَةً) عَلى (زانِيَةً) لِزِيادَةِ التَّفْظِيعِ فَإنَّ الزّانِيَةَ غَيْرَ المُسْلِمَةِ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُشْرِكَةٍ مِثْلَ زَوانِي اليَهُودِ والنَّصارى وبَغاياهُما. وكَذَلِكَ عُطِفَ (أوْ مُشْرِكٌ) عَلى (إلّا زانٍ) لِظُهُورِ أنَّ المَقامَ لَيْسَ بِصَدَدِ التَّشْرِيعِ لِلْمُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ أحْكامَ التَّزَوُّجِ بَيْنَهم إذْ لَيْسُوا بِمُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

فَتَمَحَّضَ مِن هَذا أنَّ المُؤْمِنَ الصّالِحَ لا يَتَزَوَّجُ الزّانِيَةَ؛ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الدُّرْبَةَ عَلى الزِّنى يَتَكَوَّنُ بِها خُلُقٌ يُناسِبُ أحْوالَ الزُّناةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فَلا يَرْغَبُ في مُعاشَرَةِ الزّانِيَةِ إلّا مَن تَرُوقُ لَهُ أخْلاقُ أمْثالِها، وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ أيّامَئِذٍ قَرِيبِي عَهْدٍ بِشِرْكٍ وجاهِلِيَّةٍ فَكانَ مِن مُهِمِّ سِياسَةِ الشَّرِيعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ التَّباعُدُ بِهِمْ عَنْ كُلِّ ما يُسْتَرْوَحُ مِنهُ أنْ يُذَكِّرَهم بِما كانُوا يَأْلَفُونَهُ قَصْدَ أنْ تَصِيرَ أخْلاقُ الإسْلامِ مَلَكاتٍ فِيهِمْ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُبْعِدَهم عَمّا قَدْ يُجَدِّدُ فِيهِمْ أخْلاقًا أوْشَكُوا أنْ يَنْسَوْها.

فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ بَعْدَ المُقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ جاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً كَما تَقَعُ النَّتائِجُ بَعْدَ أدِلَّتِها، وقُدِّمَ قَبْلَها حُكْمُ عُقُوبَةِ الزِّنى لِإفادَةِ حُكْمِهِ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَشْنِيعِ فِعْلِهِ. فَلِذَلِكَ فالمُرادُ بِالزّانِي: مَن وصْفُ الزِّنى عادَتُهُ.

وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ ومُجاهِدٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نِكاحِ امْرَأةٍ يُقالُ لَها: أُمُّ مَهْزُولٍ، وكانَتْ مِن بَغايا الزّانِياتِ وشَرَطَتْ لَهُ أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ ولَعَلَّ أُمَّ مَهْزُولٍ كُنْيَةُ عَناقَ ولَعَلَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ إذْ لَمْ يُرْوَ غَيْرُها. قالَ الخَطّابِيُّ: هَذا خاصٌّ بِهَذِهِ المَرْأةِ إذْ كانَتْ كافِرَةً فَأمّا الزّانِيَةُ المُسْلِمَةُ فَإنَّ العَقْدَ عَلَيْها لا يُفْسَخُ.

صفحة ١٥٧

وابْتُدِئَ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الزّانِي قَبْلَ ذِكْرِ الزّانِيَةِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فَإنَّ وجْهُ تَقْدِيمِ الزّانِيَةِ في الآيَةِ السّابِقَةِ هو ما عَرَفْتَهُ، فَأمّا هُنا فَإنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ رَغْبَةَ رَجُلٍ في تَزَوُّجِ امْرَأةٍ تَعَوَّدَتِ الزِّنى فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا الِاهْتِمامَ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السُّؤالِ مِن مَذَمَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي يَتَزَوَّجُ مِثْلَ تِلْكَ المَرْأةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ تَكْمِيلٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها، وهو تَصْرِيحٌ بِما أُرِيدَ مِن تَفْظِيعِ نِكاحِ الزّانِيَةِ وبِبَيانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ في القَضِيَّةِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ (ذَلِكَ) إلى المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَتانِ مِن قَبْلُ وهو نِكاحُ الزّانِيَةِ، أيْ: وحُرِّمَ نِكاحُ الزّانِيَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّها أفادَتْ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَها وشَأْنُ التَّكْمِيلِ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ العَطْفِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها مِنَ التَّحْرِيمِ وقالُوا: هَذا حُكْمٌ مَنسُوخٌ نَسَخَتْها الآيَةُ بَعْدَها ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَدَخَلَتِ الزّانِيَةُ في الأيامى، أيْ: بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّ الإسْلامُ وذَهَبَ الخَوْفُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن أنْ تُعاوِدَهم أخْلاقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.

ورُوِيَ هَذا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وابْنِ عُمَرَ، وبِهِ أخَذَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ، ولَمْ يُؤْثَرْ أنَّ أحَدًا تَزَوَّجَ زانِيَةً فِيما بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ونُزُولِ ناسِخِها، ولا أنَّهُ فُسِخَ نِكاحُ مُسْلِمٍ امْرَأةً زانِيَةً. ومُقْتَضى التَّحْرِيمِ الفَسادُ وهو يَقْتَضِي الفَسْخَ. وقالَ الخَطّابِيُّ: هَذا خاصٌّ بِهَذِهِ المَرْأةِ إذْ كانَتْ كافِرَةً فَأمّا الزّانِيَةُ المُسْلِمَةُ فَإنَّ العَقْدَ عَلَيْها لا يُفْسَخُ. ومِنهم مَن رَأى حُكْمَها مُسْتَمِرًّا. ونَسَبَ الفَخْرُ القَوْلَ بِاسْتِمْرارِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ونَسَبَهُ غَيْرُهُ إلى التّابِعِينَ ولَمْ يَأْخُذْ بِهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ مِن بَعْدُ.

24:4–5Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤

And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

صفحة ١٥٨

﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

كانَ فاشِيًا في الجاهِلِيَّةِ رَمْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالزِّنى إذا رَأوْا بَيْنَ النِّساءِ والرِّجالِ تَعارُفًا أوْ مُحادَثَةً.

وكانَ فاشِيًا فِيهِمُ الطَّعْنُ في الأنْسابِ بُهْتانًا إذا رَأوْا قِلَّةَ شَبَهٍ بَيْنَ الأبِ والِابْنِ، فَكانَ مِمّا يَقْتَرِنُ بِحُكْمِ حَدِّ الزِّنى أنْ يُذَيَّلَ بِحُكْمِ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ بِالزِّنا إذا كانُوا غَيْرَ أزْواجِهِنَّ وهو حَدُّ القَذْفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآيَةَ.

والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ: قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ. وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في نِسْبَةِ فِعْلٍ أوْ وصْفٍ إلى شَخْصٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وحُذِفَ المَرْمِيُّ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وذِكْرِ المُحْصَناتِ.

والمُحْصَناتُ: هُنَّ المُتَزَوِّجاتُ مِنَ الحَرائِرِ. والإحْصانُ: الدُّخُولُ بِزَوْجٍ بِعَقْدِ النِّكاحِ. والمُحْصَنُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أحْصَنَ الشَّيْءَ إذا مَنَعَهُ مِنَ الإضاعَةِ واسْتِيلاءِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، فالزَّوْجُ يُحَصِّنُ امْرَأتَهُ، أيْ: يَمْنَعُها مِنَ الإهْمالِ واعْتِداءِ الرِّجالِ. وهَذا كَتَسْمِيَةِ الأبْكارِ مُخَدَّراتٍ ومَقْصُوراتٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. ولا يُطْلَقُ وصْفُ (المُحْصَناتِ) إلّا عَلى الحَرائِرِ المُتَزَوِّجاتِ دُونَ الإماءِ لِعَدَمِ صِيانَتِهِنَّ في عُرْفِ النّاسِ قَبْلَ الإسْلامِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الشَّهادَةِ لِظُهُورِ أنَّهم شُهَداءٌ عَلى إثْباتِ ما رَمى بِهِ القاذِفُ، أيْ: إثْباتُ وُقُوعِ الزِّنى بِحَقِيقَتِهِ المُعْتَدِّ بِها شَرْعًا، ومِنَ البَيِّنِ

صفحة ١٥٩

أنَّ الشُّهَداءَ الأرْبَعَةَ هم غَيْرُ القاذِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ لا يَتَحَقَّقُ فِيما إذا كانَ القاذِفُ مِن جُمْلَةِ الشُّهَداءِ. والجَلْدُ تَقَدَّمَ آنِفًا. وشُرِّعَ هَذا الجَلْدُ عِقابًا لِلرّامِي بِالكَذِبِ أوْ بِدُونِ تَثَبُّتٍ ولِسَدِّ ذَرِيعَةِ ذَلِكَ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ (يَرْمُونَ) إلى اسْمِ المَوْصُولِ المُذَكَّرِ وضَمائِرِ (تابُوا وأصْلَحُوا) وكَذَلِكَ وُصِفَ (الفاسِقُونَ) بِصِيَغِ التَّذْكِيرِ. وعُدِّيَ فِعْلُ الرَّمْيِ إلى مَفْعُولٍ بِصِيغَةِ الإناثِ كُلُّ ذَلِكَ بِناءً عَلى الغالِبِ أوْ عَلى مُراعاةِ قِصَّةٍ كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ ولَكِنَّ هَذا الحُكْمَ في الجَمِيعِ يَشْمَلُ ضِدَّ أهْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في مَواقِعِها كُلِّها بِطَرِيقِ القِياسِ. ولا اعْتِدادَ بِما يُتَوَهَّمُ مِن فارِقِ إلْصاقِ المَعَرَّةِ بِالمَرْأةِ إذا رُمِيَتْ بِالزِّنى دُونَ الرَّجُلِ يُرْمى بِالزِّنى؛ لِأنَّ جَعْلَ العارِ عَلى المَرْأةِ تَزْنِي دُونَ الرَّجُلِ يَزْنِي إنَّما هو عادَةٌ جاهِلِيَّةٌ لا التِفاتَ إلَيْها في الإسْلامِ فَقَدْ سَوّى الإسْلامُ التَّحْرِيمَ والحَدَّ والعِقابَ الآجِلَ والذَّمَّ العاجِلَ بَيْنَ المَرْأةِ والرَّجُلِ.

وقَدْ يُعَدُّ اعْتِداءُ الرَّجُلِ بِزِناهُ أشَدَّ مِنَ اعْتِداءِ المَرْأةِ بِزِناها؛ لِأنَّ الرَّجُلَ الزّانِيَ يُضَيِّعُ نَسَبَ نَسْلِهِ فَهو جانٍ عَلى نَفْسِهِ، وأمّا المَرْأةُ فَوَلَدُها لاحِقٌ بِها لا مَحالَةَ فَلا جِنايَةَ عَلى نَفْسِها في شَأْنِهِ، وهُما مُسْتَوِيانِ في الجِنايَةِ عَلى الوَلَدِ بِإضاعَةِ نَسَبِهِ فَهَذا الفارِقُ المَوْهُومُ مُلْغًى في القِياسِ.

أمّا عَدَمُ قَبُولِ شَهادَةِ القاذِفِ في المُسْتَقْبَلِ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا قَذَفَ بِدُونِ إثْباتٍ قَدْ دَلَّ عَلى تَساهُلِهِ في الشَّهادَةِ فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يُؤْخَذَ بِشَهادَتِهِ.

والأبَدُ: الزَمْنُ المُسْتَقْبَلُ كُلُّهُ.

واسْمُ الإشارَةِ لِلْإعْلانِ بِفِسْقِهِمْ لِيَتَمَيَّزُوا في هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ.

والحَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في شَناعَةِ فِسْقِهِمْ حَتّى كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الفُسُوقِ لا يَعُدُّ فِسْقًا.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ تابُوا) حَقُّهُ أنْ يَعُودَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ كَما هو شَأْنُ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ الجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ هُنا راجِعٌ إلى خُصُوصِ عَدَمِ

صفحة ١٦٠

قَبُولِ شَهادَتِهِمْ وإثْباتِ فِسْقِهِمْ وغَيْرُ راجِعٍ إلى إقامَةِ الحَدِّ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ”مِن بَعْدِ ذَلِكَ“، أيْ: بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَتِ الأحْكامُ الثَّلاثَةُ فالحَدُّ قَدْ فاتَ عَلى أنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ اسْتِقْراءِ الشَّرِيعَةِ أنَّ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ لا تُسْقِطُها تَوْبَةُ مُقْتَرِفِ مُوجِبِها. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وجَماعَةٌ: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ جَرْيًا عَلى أصْلِهِ في عَوْدِ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ.

والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ والنَّدَمُ وظُهُورُ عَزْمِهِ عَلى أنْ لا يَعُودَ لِمِثْلِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ في ذِكْرِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] الآياتِ. ولَيْسَ مِن شَرْطِ التَّوْبَةِ أنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فِيما قَذَفَ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ صادِقًا ولَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ إثْباتِ ذَلِكَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى الصِّفَةِ المَعْلُومَةِ، فَتَوْبَتُهُ أنْ يَصْلُحَ ويَحْسُنَ حالُهُ ويَتَثَبَّتَ في أمْرِهِ. وقالَ قَوْمٌ: لا تُعْتَبَرُ تَوْبَتُهُ حَتّى يُكَذِّبَ نَفْسَهُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والشَّعْبِيِّ، ولَمْ يَقْبَلْ عُمَرُ شَهادَةَ أبِي بَكْرَةَ؛ لِأنَّهُ أبى أنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فِيما رَمى بِهِ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ. وقَبِلَ مِن بَعْدُ شَهادَةَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدِ ونافِعِ بْنِ كَلَدَةَ؛ لِأنَّهُما أكْذَبا أنْفُسَهُما في تِلْكَ القَضِيَّةِ وكانَ عُمَرُ قَدْ حَدَّ ثَلاثَتَهم حَدَّ القَذْفِ.

ومَعْنى (أصْلَحُوا) فَعَلُوا الصَّلاحَ، أيْ: صارُوا صالِحِينَ. فَمَفْعُولُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: أصْلَحُوا أنْفُسَهم بِاجْتِنابِ ما نُهُوا عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفُرِّعَ (﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) عَلى ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِثْناءُ مِن مَعْنى: فاقْبَلُوا شَهادَتَهم واغْفِرُوا لَهم ما سَلَفَ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أيْ: فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِالمَغْفِرَةِ لَهم؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، كَما قالَ في آيَةِ البَقَرَةِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] .

وإنَّما صَرَّحَ في آيَةِ البَقَرَةِ بِما قُدِّرَ نَظِيرُهُ هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ هُنالِكَ مَقامُ إطْنابٍ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِمْ إذْ ثابُوا إلى الإيمانِ والإصْلاحِ وبَيانِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الهُدى بَعْدَ ما كَتَمُوهُ وكَتَمَهُ سَلَفُهم.

صفحة ١٦١

وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: حَقُّ المَقْذُوفِ. وتَرَتَّبَ عَلى الخِلافِ سُقُوطُهُ بِالعَفْوِ مِنَ المَقْذُوفِ.

وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في حَدِّ الفِرْيَةِ والقَذْفِ الَّذِي كانَ أوَّلُ ظُهُورِهِ في رَمْيِ المُحْصَناتِ بِالزِّنى. فَكُلُّ رَمْيٍ بِما فِيهِ مَعَرَّةٌ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ بِالإجْماعِ المُسْتَنِدِ لِلْقِياسِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском