Ibn 'AshurAn‑Nur · 24:35–39

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:35–39, continued

و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّظاهُرُ والتَّعاوُنُ. والمَعْنى: أنَّهُ نُورٌ مُكَرَّرٌ مُضاعَفٌ. وقَدْ أشَرْتُ آنِفًا إلى أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ رُكْنَيِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ مُشابِهًا لِجُزْءٍ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، وذَلِكَ أعْلى التَّمْثِيلِ.

فالمِشْكاةُ يُشْبِهُها ما في الإرْشادِ الإلَهِيِّ مِنِ انْضِباطِ اليَقِينِ وإحاطَةِ الدَّلالَةِ بِالمَدْلُولاتِ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا انْثِلامٍ، وحِفْظُ المِصْباحِ مِنَ الِانْطِفاءِ مَعَ ما يُحِيطُ بِالقُرْآنِ مِن حِفْظِهِ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

ومَعانِي هِدايَةِ إرْشادِ الإسْلامِ تُشْبِهُ المِصْباحَ في التَّبْصِيرِ والإيضاحِ، وتَبْيِينُ الحَقائِقِ مِن ذَلِكَ الإرْشادِ.

وسَلامَتُهُ مِن أنْ يَطْرُقَهُ الشَّكُّ واللَّبْسُ يُشْبِهُ الزُّجاجَةَ في تَجْلِيَةِ حالِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤] .

والوَحْيُ الَّذِي أبْلَغَ اللَّهُ بِهِ حَقائِقَ الدِّيانَةِ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ يُشْبِهُ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَةً يُسْتَخْرَجُ مِنها دَلائِلُ الإرْشادِ.

وسَماحَةُ الإسْلامِ وانْتِفاءُ الحَرَجِ عَنْهُ يُشْبِهُ تَوَسُّطَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الأُفُقِ فَهو وسَطٌ بَيْنَ الشِّدَّةِ المُحْرِجَةِ وبَيْنَ اللِّينِ المُفْرِطِ.

ودَوامُ ذَلِكَ الإرْشادِ وتَجَدُّدُهُ يُشْبِهُ الإيقادَ.

وتَعْلِيمُ النَّبِيءِ ﷺ أُمَّتَهُ بِبَيانِ القُرْآنِ وتَشْرِيعِ الأحْكامِ يُشْبِهُ الزَّيْتَ الصّافِي الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ البَصِيرَةُ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَيِّنٌ قَرِيبُ التَّناوُلِ يَكادُ لا يَحْتاجُ إلى إلْحاحِ المُعَلِّمِ.

صفحة ٢٤٤

وانْتِصابُ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّعْلِيمِ يُشْبِهُ مَسَّ النّارِ لِلسِّراجِ وهَذا يُومِئُ إلى اسْتِمْرارِ هَذا الإرْشادِ.

كَما أنَّ قَوْلَهُ: (مِن شَجَرَةٍ) يُومِئُ إلى الحاجَةِ إلى اجْتِهادِ عُلَماءِ الدِّينِ في اسْتِخْراجِ إرْشادِهِ عَلى مُرُورِ الأزْمِنَةِ؛ لِأنَّ اسْتِخْراجَ الزَّيْتِ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلى اعْتِصارِ الثَّمَرَةِ وهو الِاسْتِنْباطُ.

* * *

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمَلُ الثَّلاثُ مُعْتَرِضَةٌ أوْ تَذْيِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ. والمَعْنى: دَفْعُ التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ اهْتِداءِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِالنُّورِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ وهو القُرْآنُ والإسْلامُ، فَإنَّ اللَّهَ إذا لَمْ يَشَأْ هَدْيَ أحَدٍ، خَلَقَهُ وجَبَلَهُ عَلى العِنادِ والكُفْرِ.

وأنَّ اللَّهَ يَضْرِبُ الأمْثالَ لِلنّاسِ مَرْجُوًّا مِنهُمُ التَّذَكُّرُ بِها: فَمِنهم مَن يَعْتَبِرُ بِها فَيَهْتَدِي، ومِنهم مَن يُعْرِضُ فَيَسْتَمِرُّ عَلى ضَلالِهِ، ولَكِنْ شَأْنُ تِلْكَ الأمْثالِ أنْ يَهْتَدِيَ بِها غَيْرُ مَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ.

وجُمْلَةُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها، أيْ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ. ومِن ذَلِكَ عِلْمُ مَن هو قابِلٌ لِلْهُدى ومَن هو مُصِرٌّ عَلى غَيِّهِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ لِلْأوَّلِينَ والوَعِيدِ لِلْآخَرِينَ.

24:36–38Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

﴿في بِيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مَن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

صفحة ٢٤٥

تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في تَعَلُّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ: (في بُيُوتٍ) إلَخْ. فَقِيلَ: قَوْلُهُ: (في بُيُوتٍ) مِن تَمامِ التَّمْثِيلِ، أيْ فَيَكُونُ (في بُيُوتٍ) مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ مِمّا قَبْلَهُ. فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يُوقِدُ)، أيْ: يُوقِدُ المِصْباحَ في بُيُوتٍ. وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمِشْكاةٍ، أيْ مِشْكاةٍ في بُيُوتٍ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ؛ وإنَّما جاءَ بُيُوتٍ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ (مِشْكاةٍ) و(مِصْباحٌ) مُفْرَدانِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها الجِنْسُ فَتَساوى الإفْرادُ والجَمْعُ.

ثُمَّ قِيلَ: أُرِيدَ بِالبُيُوتِ المَساجِدُ. ولا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في مَساجِدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَصابِيحُ وإنَّما أُحْدِثَتِ المَصابِيحُ في المَساجِدِ الإسْلامِيَّةِ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ كَما نَوَّرَتْ مَسْجِدَنا. ورُوِيَ أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ أسْرَجَ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بِمَصابِيحَ جاءَ بِها مِنَ الشّامِ ولَكِنْ إنَّما أسْلَمَ تَمِيمُ سَنَةَ تِسْعٍ، أيْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: البُيُوتُ مَساجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَتْ يَوْمَئِذٍ بِيَعًا لِلنَّصارى. ويَجُوزُ عِنْدِي عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبُيُوتِ صَوامِعَ الرُّهْبانِ وأدْيِرَتَهم وكانَتْ مَعْرُوفَةً في بِلادِ العَرَبِ في طَرِيقِ الشّامِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ويَنْزِلُونَ عِنْدَها في ضِيافَةِ رُهْبانِها. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ القامُوسِ عَدَدًا مِنَ الأدْيِرَةِ. ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ: (أنْ تُرْفَعَ) فَإنَّ الصَّوامِعَ كانَتْ مَرْفُوعَةً والأدْيِرَةَ كانَتْ تُبْنى عَلى رُءُوسِ الجِبالِ. أنْشَدَ الفَرّاءُ:

لَوْ أبْصَرْتَ رُهْبانَ دَيْرٍ بِالجَبَلْ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ويَصِلْ

والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ بِرَفْعِها أنَّهُ ألْهَمَ مُتَّخِذِيها أنْ يَجْعَلُوها عالِيَةً وكانُوا صالِحِينَ يَقْرَءُونَ الإنْجِيلَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ﴾ [الحج: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] . وعَبَّرَ بِالإذْنِ دُونَ الأمْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم بِاتِّخاذِ الأدْيِرَةِ

صفحة ٢٤٦

فِي أصْلِ النَّصْرانِيَّةِ، ولَكِنَّهم أحْدَثُوها لِلْعَوْنِ عَلى الِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ بِاجْتِهادٍ مِنهم، فَلَمْ يَنْهَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لا يُوجَدُ في أصْلِ الدِّينِ ما يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْها فَكانَتْ في قِسْمِ المُباحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى إباحَةِ اتِّخاذِها نِيَّةُ العَوْنِ عَلى العِبادَةِ صارَتْ مُرْضِيَةً لِلَّهِ تَعالى. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] . وقَدْ كانَ اجْتِهادُ أحْبارِ الدِّينِ في النَّصْرانِيَّةِ وإلْهامُهم دَلائِلَ تَشْرِيعٍ لَهم كَما تَقْتَضِيهِ نُصُوصٌ مِنَ الإنْجِيلِ. والمَقْصِدُ مِن ذِكْرِ هَذا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ زِيادَةُ إيضاحِ المُشَبَّهِ بِهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: «فَإذا لَها كَلالِيبُ مِثْلُ حَسَكِ السَّعْدانِ هَلْ رَأيْتُمْ حَسَكَ السَّعْدانِ» ؟ وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَحْسِينُ المُشَبَّهِ بِهِ لِيَسْرِيَ ذَلِكَ إلى تَحْسِينِ المُشَبَّهِ كَما في قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

شَجَّتْ بِذِي شَبِمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهْوَ مَشْمُولُ

تَنْفِي الرِّياحُ القَذى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ∗∗∗ مَن صَوْبِ سارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ

لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن وصْفِ البُيُوتِ وما يَجْرِي فِيها مِمّا يُكْسِبُها حُسْنًا في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ.

وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالرِّجالِ؛ لِأنَّ الرُّهْبانَ كانُوا رِجالًا.

وأُرِيدَ بِالرِّجالِ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ: الرُّهْبانُ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِلْعِبادَةِ وتَرَكُوا الشُّغْلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾: أنَّهم لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُلْهِياهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهو مِن بابِ:

عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

والثَّناءُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى إيمانٍ صَحِيحٍ؛ إذْ لَمْ تَبْلُغْهم يَوْمَئِذٍ دَعْوى الإسْلامِ، ولَمْ تَبْلُغْهم إلّا بِفُتُوحِ مَشارِفِ الشّامِ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ، وأمّا كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى هِرَقْلَ فَإنَّهُ لَمْ يُذَعْ في العامَّةِ. وكانَ الرُّهْبانُ يَتْرُكُونَ الكُوى مَفْتُوحَةً لِيَظْهَرَ ضَوْءُ صَوامِعِهِمْ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ صَوامِعَ الرُّهْبانِ وأضْواءَها في اللَّيْلِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشِيِّ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مُمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ

صفحة ٢٤٧

وقالَ أيْضًا:

يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ ∗∗∗ آمالَ السَّلِيطِ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

والسَّلِيطُ: الزَّيْتُ، أيْ صَبُّ الزَّيْتِ عَلى الذُّبالِ. فَهو في تِلْكَ الحالَةِ أكْثَرُ إضاءَةً. وكانُوا يَهْتَدُونَ بِها في أسْفارِهِمْ لَيْلًا. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

سَمَوْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لِقُفّالِ

القُفّالُ: جَمْعُ قافِلٍ وهُمُ الرّاجِعُونَ مِن أسْفارِهِمْ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرَّفْعِ الرَّفْعُ المَعْنَوِيُّ وهو التَّعْظِيمُ والتَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، فالإذْنُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الأمْرِ.

وبَعْدُ، فَهَذا يَبْعُدُ عَنْ أغْراضِ القُرْآنِ وخاصَّةً المَدَنِيَّ مِنهُ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلى هَؤُلاءِ الرِّجالِ ثَناءٌ جَمٌّ ومُعَقَّبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ .

والأظْهَرُ عِنْدِي: أنَّ قَوْلَهُ: (في بُيُوتٍ) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن (نُورِهِ) في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ [النور: ٣٥] إلَخْ مُشِيرٌ إلى أنَّ (نُورِ) في قَوْلِهِ: (مَثَلُ نُورِهِ) مُرادٌ مِنهُ القُرْآنُ، فَيَكُونُ هَذا الحالُ تَجْرِيدًا لِلِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِذِكْرِ ما يُناسِبُ الهَيْئَةَ المُشَبَّهَةَ أعْنِي هَيْئَةَ تَلَقِّي القُرْآنِ وقِراءَتِهِ وتَدَبُّرِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السِّكِّينَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ»، فَكانَ هَذا التَّجْرِيدُ رُجُوعًا إلى حَقِيقَةِ التَّرْكِيبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المُرْدَ شادِفٌ ∗∗∗ مَظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ

مَعَ في الآيَةِ مِن بَيانِ ما أُجْمِلَ في لَفْظِ (مَثَلُ نُورِهِ) وبِذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ أبْلَغَ مِن بَيْتِ طَرَفَةَ؛ لِأنَّ الآيَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ تَجْرِيدٍ وبَيانٍ، وبَيْتَ طَرَفَةَ تَجْرِيدٌ فَقَطْ.

صفحة ٢٤٨

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (في بُيُوتٍ) غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِما قَبْلَهُ، وأنَّهُ مَبْدَأُ اسْتِئْنافٍ ابْتِدائِيٍّ وأنَّ المَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِتِلْكَ البُيُوتِ ولِلتَّشْوِيقِ إلى مُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ وهو التَّسْبِيحُ وأصْحابُهُ. والتَّقْدِيرُ: يُسَبِّحُ لِلَّهِ رِجالٌ في بُيُوتٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (فِيها) تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ (في بُيُوتٍ) لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِها. وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالمَساجِدِ وإيقاعُ الصَّلاةِ والذِّكْرِ فِيها كَما في الحَدِيثِ: «صَلاةُ أحَدِكم في المَسْجِدِ أيِ الجَماعَةُ تَفْضُلُ صَلاتَهُ في بَيْتِهِ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً» .

والمُرادُ بِالغُدُوِّ: وقْتُ الغُدُوِّ وهو الصَّباحُ؛ لِأنَّهُ وقْتُ خُرُوجِ النّاسِ في قَضاءِ شُئُونِهِمْ.

والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ وهو آخِرُ النَّهارِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ الرَّعْدِ.

والمُرادُ بِالرِّجالِ: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن كانَ مِثْلَهم في التَّعَلُّقِ بِالمَساجِدِ.

وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالرِّجالِ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُمُ الغالِبُ عَلى المَساجِدِ كَما في الحَدِيثِ «. . . ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَساجِدِ» . . . .

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (في بُيُوتٍ) خَبَرًا مُقَدَّمًا (ورِجالٌ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥] فَيَسْألُ السّائِلُ في نَفْسِهِ عَنْ تَعْيِينِ بَعْضٍ مِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ لِنُورِهِ فَقِيلَ: رِجالٌ في بُيُوتٍ. والرِّجالُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والبُيُوتُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ وغَيْرُها مِن بُيُوتِ الصَّلاةِ في أرْضِ الإسْلامِ والمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ ومَسْجِدُ قِباءَ بِالمَدِينَةِ ومَسْجِدُ جُؤاثى بِالبَحْرَيْنِ.

ومَعْنى (﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾) أنَّهم لا تَشْغَلُهم تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنِ الصَّلَواتِ وأوْقاتِها في المَساجِدِ. فَلَيْسَ في الكَلامِ أنَّهم لا يَتَّجِرُونَ ولا يَبِيعُونَ بِالمَرَّةِ.

صفحة ٢٤٩

والتِّجارَةُ: جَلْبُ السِّلَعِ لِلرِّبْحِ في بَيْعِها، والبَيْعُ أعَمُّ وهو أنْ يَبِيعَ أحَدٌ ما يَحْتاجُ إلى ثَمَنِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ و(رِجالٌ) فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ فَيَكُونُ نائِبُ الفاعِلِ أحَدَ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ وهي (﴿لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾) ويَكُونُ (رِجالٌ) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن جُمْلَةٍ هي اسْتِئْنافٌ. ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ (يُسَبِّحُ) كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُسَبِّحُهُ ؟ فَقِيلَ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. عَلى نَحْوِ قَوْلِ نَهْشَلِ بْنِ حَرِيٍّ يَرْثِي أخاهُ يَزِيدَ:

لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

وجُمْلَةُ (﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾) وجُمْلَةُ (يَخافُونَ) صِفَتانِ لِـ (رِجالٌ)، أيْ لا يَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنْ أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن خَوْفِ اللَّهِ (وإقامِ الصَّلاةِ) إلَخْ وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ.

و(إقامُ) مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ الإفْعالِ. وهو مُعْتَلُّ العَيْنِ فاسْتَحَقَّ نَقْلَ حَرَكَةِ عَيْنِهِ إلى السّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَهُ وانْقِلابَ حَرْفِ العِلَّةِ ألِفًا، إلّا أنَّ الغالِبَ في نَظائِرِهِ أنْ يَقْتَرِنَ آخِرُهُ بِهاءِ تَأْنِيثٍ نَحْوَ إدامَةٍ واسْتِقامَةٍ. وجاءَ مَصْدَرُ (إقامِ) غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالهاءِ في بَعْضِ المَواضِعِ كَما هُنا. وتَقَدَّمَ مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتَصَبَ (يَوْمًا) مِن قَوْلِهِ: (يَخافُونَ يَوْمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لا عَلى الظَّرْفِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ يَخافُونَ أهْوالَهُ.

وتَقَلُّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ: اضْطِرابُها عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ كَما يَتَقَلَّبُ المَرْءُ في مَكانِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَقْصُودُ مِن خَوْفِهِ: العَمَلُ لِما فِيهِ الفَلاحُ يَوْمَئِذٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ .

صفحة ٢٥٠

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ بِـ (يَخافُونَ)، أيْ كانَ خَوْفُهم سَبَبًا لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ ذَلِكَ الخَوْفِ.

والزِّيادَةُ: مِن فَضْلِهِ هي زِيادَةُ أجْرِ الرُّهْبانِ إنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى عَلى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَما تَبْلُغُهم دَعْوَتُهُ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ لَهم أجْرَيْنَ، أوْ هي زِيادَةُ فَضْلِ الصَّلاةِ في المَساجِدِ إنْ كانَ المُرادُ بِالبُيُوتِ مَساجِدَ الإسْلامِ.

وجُمْلَةُ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ) . وقَدْ حَصَلَ التَّذْيِيلُ لِما في قَوْلِهِ: (مَن يَشاءُ) مِنَ العُمُومِ، أيْ وهم مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ لَهُمُ الزِّيادَةَ.

والحِسابُ هُنا بِمَعْنى التَّحْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] فَهو بِمَعْنى التَّعْيِينِ والإعْدادِ لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ.

24:39Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

لَمّا جَرى ذِكْرُ أعْمالِ المُتَّقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وجَزائِهِمْ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ [النور: ٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] أعْقَبَ ذَلِكَ بِضِدِّهِ مِن حالِ أعْمالِ الكافِرِينَ الَّتِي يَحْسُبُونَها قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وما هي بِمُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ، وعَكْسِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] إلَخْ فَعَطْفُ حالِ أعْمالِ الكافِرِينَ عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. ولَعَلَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ

صفحة ٢٥١

يَقُولُونَ: ونَحْنُ نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَطُوفُ ونُطْعِمُ المِسْكِينَ ونَسَقِي الحاجَّ ونُقْرِي الضَّيْفَ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] يُعِدُّونَ أعْمالًا مِن أفْعالِ الخَيْراتِ فَكانَتْ هَذِهِ الآياتُ إبْطالًا لِحِسابِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَدْ أعْلَمْناكَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ أكْثَرُها عَقِبَ الهِجْرَةِ وذَلِكَ حِينَ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَعَقَّبُونَ أخْبارَ المُسْلِمِينَ في مُهاجِرِهِمْ ويَتَحَسَّسُونَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. (والَّذِينَ كَفَرُوا) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ (أعْمالُهم كَسَرابٍ) إلَخْ. وجُعِلَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَواتِ الكافِرِينَ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ مُسْنَدٌ إلَيْهِ آخَرُ وهو (أعْمالُهم) . ولَمْ يُجْعَلِ المُسْنَدُ إلَيْهِ أعْمالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ لِما في الِافْتِتاحِ بِذِكْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُذْكَرُ مِن شُئُونِهِمْ لِيَتَقَرَّرَ في النَّفْسِ كَمالُ التَّقَرُّرِ ولِيَظْهَرَ أنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا حَظًّا في التَّمْثِيلِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ المُشَبَّهُ أعْمالَهم خاصَّةً.

وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ. وهو أنَّهُ مِن جَزاءِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُنْوانُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَيَكُونُ افْتِتاحُ الكَلامِ بِهَذا الوَصْفِ إشارَةً إلى أنَّهُ إبْطالٌ لِشَيْءٍ اعْتَقَدَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. فَتَشْبِيهُ الكافِرِينَ وأعْمالِهِمْ تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ: شُبِّهَتْ حالَةُ كَدِّهِمْ في الأعْمالِ وحِرْصِهِمْ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِنها مَعَ ظَنِّهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى رِضا اللَّهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّها لا تُجْدِيهِمْ بَلْ يَلْقَوْنَ العَذابَ في وقْتِ ظَنِّهِمُ الفَوْزَ؛ شَبَّهَ ذَلِكَ بِحالَةِ ظَمْآنَ يَرى السَّرابَ فَيَحْسَبُهُ ماءً، فَيَسْعى إلَيْهِ فَإذا بَلَغَ المَسافَةَ الَّتِي خالَ أنَّها مَوْقِعُ الماءِ لَمْ يَجِدْ ماءً ووَجَدَ هُنالِكَ غَرِيمًا يَأْسِرُهُ ويُحاسِبُهُ عَلى ما سَلَفَ مِن أعْمالِهِ السَّيِّئَةِ.

واعْلَمْ أنَّ الحالَةَ المُشَبَّهَةَ مُرَكَّبَةٌ مِن مَحْسُوسٍ ومَعْقُولٍ والحالَةَ المُشَبَّهَ بِها حالَةٌ مَحْسُوسَةٌ. أيْ داخِلَةٌ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ.

صفحة ٢٥٢

والسَّرابُ: رُطُوبَةٌ كَثِيفَةٌ تَصْعَدُ عَلى الأرْضِ ولا تَعْلُو في الجَوِّ تَنْشَأُ مِن بَيْنِ رُطُوبَةِ الأرْضِ وحَرارَةِ الجَوِّ في المَناطِقِ الحارَّةِ الرَّمْلِيَّةِ فَيَلُوحُ مِن بَعِيدٍ كَأنَّهُ ماءٌ. وسَبَبُ حُدُوثِ السَّرابِ اشْتِدادُ حَرارَةِ الرِّمالِ في أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَتَشْتَدُّ حَرارَةُ طَبَقَةِ الهَواءِ المُلاصِقَةِ لِلرَّمْلِ وتَحِرُّ الطَّبَقَةُ الهَوائِيَّةُ الَّتِي فَوْقَها حَرًّا أقَلَّ مِن حَرارَةِ الطَّبَقَةِ المُلاصِقَةِ، وهَكَذا تَتَناقَصُ الحَرارَةُ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ الهَواءِ عَنْ حَرارَةِ الطَّبَقَةِ الَّتِي دُونَها، وبِذَلِكَ تَزْدادُ كَثافَةُ الهَواءِ بِزِيادَةِ الِارْتِفاعِ عَنْ سَطْحِ الأرْضِ. وبِحَرارَةِ الطَّبَقَةِ السُّفْلى الَّتِي تَلِي الأرْضَ تَحْدُثُ فِيها حَرَكاتٌ تَمْوِجِيَّةٌ فَيَصْعَدُ جُزْءٌ مِنها إلى ما فَوْقَها مِنَ الطَّبَقاتِ وهَكَذا. . فَتَكُونُ كُلُّ طَبَقَةٍ أكْثَفَ مِنَ الَّتِي تَحْتَها. فَإذا انْعَكَسَ عَلى تِلْكَ الأشِعَّةِ نُورُ الجَوِّ مِن قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى بَقِيَّةِ النَّهارِ تَكَيَّفَتْ تِلْكَ الأشِعَّةُ بِلَوْنِ الماءِ. فَفي أوَّلِ ظُهُورِ النُّورِ يَلُوحُ السَّرابُ كَأنَّهُ الماءُ الرّاكِدُ أوِ البَحْرُ وكُلَّما اشْتَدَّ الضِّياءُ ظَهَرَ في السَّرابِ تَرَقْرُقٌ كَأنَّهُ ماءٌ جارٍ.

ثُمَّ قَدْ يُطْلَقُ السَّرابُ عَلى هَذا الهَواءِ المُتَمَوِّجِ في سائِرِ النَّهارِ مِنَ الغُدْوَةِ إلى العَصْرِ. وقَدْ يُخَصُّ ما بَيْنَ أوَّلِ النَّهارِ إلى الضُّحى بِاسْمِ الآلِ ثُمَّ سَرابٌ. وعَلى هَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ والعَرَبِ يَتَسامَحُونَ في إطْلاقِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ مَكانَ الآخَرِ. وقَدْ شاهَدْتُهُ في شَهْرِ نُوفَمْبِرَ فِيما بَيْنَ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ بِمَقْرُبَةٍ مِن مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: أُمُّ العَرائِسِ مِن جِهاتِ تَوْزَرَ، وأنا في قِطارِ السِّكَّةِ الحَدِيدِيَّةِ فَخِلْتُ أوَّلَ النَّظَرِ أنّا أشْرَفْنا عَلى بَحْرٍ.

وقَوْلُهُ (بِقِيعَةٍ) الباءُ بِمَعْنى في و(قِيعَةٍ) أرْضٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ وصْفٌ (لِسَرابٍ) وهو وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ السَّرابَ لا يَتَكَوَّنُ إلّا في قِيعَةِ. وهَذا كَقَوْلِهِمْ في المَثَلِ لِلذَّلِيلِ: (هو فَقْعٌ في قَرْقَرٍ)، فَإنَّ الفَقْعَ لا يَنْبُتُ إلّا في قَرْقَرٍ. والقِيعَةُ: الأرْضُ المُنْبَسِطَةُ لَيْسَ فِيها رُبًى ويُرادِفُها القاعَةُ. وقِيلَ: قِيعَةُ جَمْعُ قاعٍ مِثْلُ جِيرَةٍ جَمْعُ جارٍ، ولَعَلَّهُ غُلِّبَ لَفْظُ الجَمْعِ فِيهِ حَتّى ساوى المُفْرَدَ.

صفحة ٢٥٣

وقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ يُفِيدُ وجْهَ الشَّبَهِ ويَتَضَمَّنُ أحَدَ أرْكانِ التَّمْثِيلِ وهو الرَّجُلُ العَطْشانُ وهو مُشابِهُ الكافِرِ صاحِبِ العَمَلِ.

و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ فَهي بِمَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ. ومَجِيءُ الظَّمْآنِ إلى السَّرابِ يَحْصُلُ بِوُصُولِهِ إلى مَسافَةٍ كانَ يُقَدِّرُها مَبْدَأُ الماءِ بِحَسَبِ مَرْأى تَخَيُّلِهِ، كَأنْ يُحَدِّدُهُ بِشَجَرَةٍ أوْ صَخْرَةٍ. فَلَمّا بَلَغَ إلى حَيْثُ تَوَهَّمَ وُجُودَ الماءِ لَمْ يَجِدِ الماءَ فَتَحَقَّقَ أنَّ ما لاحَ لَهُ سَرابٌ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾، أيْ إذا جاءَ المَوْضِعَ الَّذِي تَخَيَّلَ أنَّهُ إنْ وصَلَ إلَيْهِ يَجِدُ ماءً. وإلّا فَإنَّ السَّرابَ لا يَزالُ يَلُوحُ لَهُ بَعْدُ كُلَّما تَقَدَّمَ السّائِرُ في سَيْرِهِ. فَضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِقُرْبِ زَمَنِ إفْضاءِ الكافِرِ إلى عَمَلِهِ وقْتَ مَوْتِهِ حِينَ يَرى مَقْعَدَهُ أوْ في وقْتِ الحَشْرِ.

وقَوْلُهُ: (﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾) أيْ لَمْ يَجِدْ ما كانَ يُخَيَّلُ إلى عَيْنِهِ أنَّهُ ماءٌ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.

والشَّيْءُ: هو المَوْجُودُ وُجُودًا مَعْلُومًا لِلنّاسِ، والسَّرابُ مَوْجُودٌ ومَرْئِيٌّ، فَقَوْلُهُ: (شَيْئًا) أيْ شَيْئًا مِن ماءٍ بِقَرِينَةِ المَقامِ. وهَذا التَّمْثِيلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .

و(إذا) هُنا ظَرْفٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ. والمَعْنى: زَمَنُ مَجِيئِهِ إلى السَّرابِ، أيْ وُصُولِهِ إلى المَوْضِعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ هو مِن تَمامِ التَّمْثِيلِ، أيْ لَمْ يَجِدِ الماءَ ووَجَدَ في مَظِنَّةِ الماءِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ وجَدَ مَن إنْ أخَذَ بِناصِيَتِهِ لَمْ يُفْلِتْهُ، أيْ هو عِنْدَ ظَنِّهِ الفَوْزَ بِمَطْلُوبِهِ فاجَأهُ مَن يَأْخُذُهُ لِلْعَذابِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ أعْطاهُ جَزاءَ كُفْرِهِ وافِيًا. فَمَعْنى (فَوَفّاهُ) أنَّهُ لا تَخْفِيفَ فِيهِ، فَهو قَدْ تَعِبَ ونَصِبَ في العَمَلِ فَلَمْ يَجِدْ جَزاءً إلّا العَذابَ بِمَنزِلَةِ مَن ورَدَ الماءَ لِلسَّقْيِ فَوَجَدَ مَن لَهُ عِنْدَهُ تِرَةٌ فَأخَذَهُ.

صفحة ٢٥٤

وجُمْلَةُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ تَذْيِيلٌ. والسَّرِيعُ: ضِدُّ البَطِيءِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُماطِلُ الحِسابَ ولا يُؤَخِّرُهُ عِنْدَ حُلُولِ مُقْتَضِيهِ، فَهو عامٌّ في حِسابِ الخَيْرِ والشَّرِّ ولِذَلِكَ كانَ تَذْيِيلًا.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ العَجِيبَ صالِحٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ في التَّشْبِيهِ بِأنْ يَنْحَلَّ إلى تَشْبِيهاتٍ واسْتِعاراتٍ. فَأعْمالُ الكافِرِينَ شَبِيهَةٌ بِالسَّرابِ في أنَّ لَها صُورَةَ الماءِ ولَيْسَتْ بِماءٍ. والكافِرُ يُشْبِهُ الظَّمْآنَ في الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِعَمَلِهِ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وخَيْبَةُ الكافِرِ عِنْدَ الحِسابِ تُشْبِهُ خَيْبَةَ الظَّمْآنِ عِنْدَ مَجِيئِهِ السَّرابَ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ومُفاجَأةُ الكافِرِ بِالأخْذِ والعَتْلِ مِن جُنْدِ اللَّهِ أوْ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تُشْبِهُ مُفاجَأةَ مَن حَسِبَ أنَّهُ يَبْلُغُ الماءَ لِلشَّرابِ فَبَلَغَ إلى حَيْثُ تَحَقَّقَ أنَّهُ لا ماءَ فَوَجَدَ عِنْدَ المَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَهُ مَن يَتَرَصَّدُ لَهُ لِأخْذِهِ أوْ أسْرِهِ. فَهُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شَبَّهَ أمْرَ اللَّهِ أوْ مَلائِكَتَهُ بِالعَدُوِّ، ورَمَزَ إلى العَدُوِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (وجَدَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هي تَعْدِيَةُ المَجازِ العَقْلِيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском