Ibn 'AshurAn‑Nur · 24:47–53

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:47–53

24:47–50Page 356

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

صفحة ٢٦٨

عَطَفَ جُمْلَةَ (ويَقُولُونَ) عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] لِما تَتَضَمَّنُهُ جُمْلَةُ (يَهْدِي مَن يَشاءُ) مِن هِدايَةِ بَعْضِ النّاسِ وحِرْمانِ بَعْضِهِمْ مِنَ الهِدايَةِ كَما هو مُقْتَضى (مَن يَشاءُ) . وهَذا تَخَلُّصٌ إلى ذِكْرِ بَعْضٍ مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هِدايَتَهم وهُمُ الَّذِينَ أبَطَنُوا الكُفْرَ وأظْهَرُوا الإسْلامَ وهم أهْلُ النِّفاقِ. فَبَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ دَلائِلُ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وذُكِرَ الكُفّارُ الصُّرَحاءُ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِها في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] الآياتِ تَهَيَّأ المَقامُ لِذِكْرِ صِنْفٍ آخَرَ مِنَ الكافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِآياتِ اللَّهِ وأظْهَرُوا أنَّهُمُ اهْتَدَوْا بِها.

وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى مَعْرُوفِينَ عِنْدَ السّامِعِينَ وهُمُ المُنافِقُونَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ هو مِن أحْوالِهِمْ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، عَلى أنَّهم قَدْ تَقَدَّمَ ما يُشِيرُ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾ [النور: ٣٧] .

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى المُنافِقِينَ عامَّةً، ثُمَّ إلى فَرِيقٍ مِنهم أظْهَرُوا عَدَمَ الرِّضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَكِلا الفَرِيقَيْنِ مَوْسُومٌ بِالنِّفاقِ، ولَكِنَّ أحَدَهُما اسْتَمَرَّ عَلى النِّفاقِ والمُوارَبَةِ، وفَرِيقًا لَمْ يَلْبَثُوا أنْ أظْهَرُوا الرُّجُوعَ إلى الكُفْرِ بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَنًا.

فَفِي قَوْلِهِ: (ويَقُولُونَ) إيماءٌ إلى أنَّ حَظَّهم مِنَ الإيمانِ مُجَرَّدُ القَوْلِ دُونَ الِاعْتِقادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] .

وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ مِنهم واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِما فِيهِ مِن تَكَرُّرِ الكَذِبِ ونَحْوِهِ مِن خِصالِ النِّفاقِ الَّتِي بَيَّنْتُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَفْعُولُ (أطَعْنا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: أطَعْنا اللَّهَ والرَّسُولَ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (وما أُولَئِكَ) إلى ضَمِيرِ (يَقُولُونَ)، أيْ يَقُولُونَ آمَنّا وهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ. وإنَّما يَظْهَرُ كُفْرُهم عِنْدَما تَحُلُّ بِهِمُ النَّوازِلُ

صفحة ٢٦٩

والخُصُوماتُ فَلا يَطْمَئِنُّونَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ إشارَةً إلى (فَرِيقٌ) مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾؛ لِأنَّ إعْراضَهم كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الإيمانِ.

فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإذا دُعُوا) عائِدٌ إلى مُعادِ ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) . وإسْنادُ فِعْلِ (دُعُوا) إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ المُعْرِضُونَ فَرِيقًا مِنهم لا جَمِيعَهم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم سَواءٌ في التَّهَيُّؤِ إلى الإعْراضِ، ولَكِنَّهم لا يُظْهِرُونَهُ إلّا عِنْدَما تَحُلُّ بِهِمُ النَّوازِلُ فالمُعْرِضُونَ هُمُ الَّذِينَ حَلَّتْ بِهِمُ الخُصُوماتُ.

وقَدْ شَمِلَتِ الآيَةُ نَفَرًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا حَلَّتْ بِهِمْ خُصُوماتٌ، فَأبَوْا حُكْمَ النَّبِيءِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ أوْ بَعْدَما حَكَمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُرْضِهِمْ حُكْمُهُ، فَرَوى المُفَسِّرُونَ «أنَّ بِشْرًا أحَدَ الأوْسِ أوِ الخَزْرَجِ تَخاصَمَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ يَهُودِيٍّ فَلَمّا حَكَمَ النَّبِيءُ لِلْيَهُودِيِّ، لَمْ يَرْضَ بِشْرٌ بِحُكْمِهِ ودَعاهُ إلى الحُكْمِ عِنْدَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيِّ فَأبى اليَهُودِيُّ وتَساوَقا إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقَصّا عَلَيْهِ القَضِيَّةَ، فَلَمّا عَلِمَ عُمَرُ أنَّ بِشْرًا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ قالَ لَهُما: مَكانَكُما حَتّى آتِيَكُما. ودَخَلَ بَيْتَهُ فَأخْرَجَ سَيْفَهُ وضَرَبَ بِشْرًا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ. فَرُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَقَّبَ عُمَرَ يَوْمَئِذٍ الفارُوقَ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ»، أيْ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِالمُشاهَدَةِ. وقِيلَ: «إنَّ أحَدَ المُنافِقِينَ اسْمُهُ المُغِيرَةُ بْنُ وائِلٍ مِنَ الأوْسِ مِن بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ الأوْسِيِّ تَخاصَمَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في أرْضٍ اقْتَسَماها، ثُمَّ كَرِهَ أُمَيَّةُ القَسَمَ الَّذِي أخَذَهُ فَرامَ نَقْضَ القِسْمَةِ وأبى عَلِيٌّ نَقْضَها، ودَعاهُ إلى الحُكُومَةِ لَدى النَّبِيءِ ﷺ . فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ؛ لِأنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء»: ٦٠] الآيَةُ في سُورَةِ النِّساءِ.

ومِن سَماجَةِ الأخْبارِ ما نَقَلَهُ الطُّبَرِسِيُّ الشِّيعِيُّ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى مَجْمَعُ البَيانِ «عَنِ البَلْخِيِّ أنَّهُ كانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وعُثْمانَ مُنازَعَةٌ في أرْضٍ اشْتَراها

صفحة ٢٧٠

مِن عَلِيٍّ فَخَرَجَتْ فِيها أحْجارٌ وأرادَ رَدَّها بِالعَيْبِ، فَلَمْ يَأْخُذْها فَقالَ: بَيْنِي وبَيْنَكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقالَ لَهُ الحَكَمُ بْنُ أبِي العاصِ: إنْ حاكَمْتَهُ إلى ابْنِ عَمِّهِ يَحْكُمُ لَهُ فَلا تُحاكِمْهُ إلَيْهِ» . فَنَزَلَتِ الآياتُ. وهَذا لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِن ثِقاتِ المُفَسِّرِينَ ولا أشُكُّ في أنَّهُ مِمّا اعْتِيدَ إلْصاقُهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ مِن تِلْقاءِ المُشَوِّهِينَ لِدَوْلَتِهِمْ تَطَلُّعًا لِلْفِتْنَةِ. والحَكَمُ بْنُ أبِي العاصِ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ وسَكَنَ المَدِينَةَ، وهَلْ يُظَنُّ بِهِ أنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ بَيْنَ مُسْلِمِينَ.

وإنَّما جَعَلَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ كِلَيْهِما مَعَ أنَّهم دُعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ حُكْمُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا عَنْ وحْيٍ. ولِهَذا الِاعْتِبارِ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (لِيَحْكُمَ) العائِدَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ ولَمْ يَقُلْ: لِيَحْكُما.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ﴾ أيْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

ومَعْنى (﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾) أنَّهُ يَكُونُ في ظَنِّ صاحِبِ الحَقِّ ويَقِينِهِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ. ومَفْهُومُهُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ الحَقُّ مِنهم وهو العالِمُ بِأنَّهُ مُبْطِلٌ لا يَأْتِي إذا دُعِيَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، فَعُلِمَ مِنهُ أنَّ الفَرِيقَ المُعْرِضِينَ هُمُ المُبْطِلُونَ. وكَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مَن هو عَلى الحَقِّ أنَّهُ لا يَأْبى مِنَ القَضاءِ العادِلِ، وشَأْنُ المُبْطِلِ أنْ يَأْبى العَدْلَ؛ لِأنَّ العَدْلَ لا يُلائِمُ حُبُّهُ الِاعْتِداءَ عَلى حُقُوقِ النّاسِ، فَسَبَبُ إعْراضِ المُعْرِضِينَ عِلْمُهم بِأنَّ في جانِبِهِمُ الباطِلُ وهم قَدْ تَحَقَّقُوا أنَّ الرَّسُولَ لا يَحْكُمُ إلّا بِصُراحِ الحَقِّ.

وهَذا وجْهُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ (أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) إلى آخِرِها.

ووَقَعَ حَرْفُ (إذا) المُفاجَأةِ في جَوابِ (إذا) الشَّرْطِيَّةِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِمْ بِالإعْراضِ دُونَ تَرَيُّثٍ؛ لِأنَّهم قَدْ أيْقَنُوا مِن قَبْلُ بِعَدالَةِ الرَّسُولِ وأيْقَنُوا بِأنَّ الباطِلَ في جانِبِهِمْ فَلَمْ يَتَرَدَّدُوا في الإعْراضِ.

والإذْعانُ: الِانْقِيادُ والطّاعَةُ.

ولَمّا كانَ هَذا شَأْنًا عَجِيبًا اسْتُؤْنِفَ عَقِبَهُ بِالجُمْلَةِ ذاتِ الِاسْتِفْهاماتِ

صفحة ٢٧١

المُسْتَعْمَلَةِ في التَّنْبِيهِ عَلى أخْلاقِهِمْ ولَفَتَ الأذْهانَ إلى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ والدّاعِي إلى ذَلِكَ أنَّها أحْوالٌ خَفِيَّةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ خِلافَها.

وأتْبَعَ بَعْضَ الِاسْتِفْهاماتِ بَعْضًا بِحَرْفِ (أمْ) المُنْقَطِعَةِ الَّتِي هي هُنا لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ كَشَأْنِها إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ فَإنَّها إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ لَمْ تَكُنْ لِطَلَبِ التَّعْيِينِ كَما هي في عَطْفِ المُفْرَداتِ؛ لِأنَّ المُتَعاطِفاتِ بِها حِينَئِذٍ لَيْسَتْ مِمّا يَطْلُبُ تَعْيِينَ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وأمّا مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَمُلازِمٌ لَها؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) .

والِانْتِقالُ هُنا تَدَرُّجٌ في عَدِّ أخْلاقِهِمْ. فالمَعْنى أنَّهُ سَألَ سائِلٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِخُلُقٍ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلِمَ المَسْئُولُ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ، فَكانَ الِاسْتِفْهامُ المُكَرَّرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُسْتَعْمَلًا في التَّنْبِيهِ مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والقُلُوبُ: العُقُولُ. والمَرَضُ مُسْتَعارٌ لِلْفَسادِ أوْ لِلْكُفْرِ قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] أوْ لِلنِّفاقِ.

وأُتِيَ في جانِبِ هَذا الِاسْتِفْهامُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَرَضِ في قُلُوبِهِمْ وتَأصُّلِهِ فِيها بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ.

والِارْتِيابُ: الشَّكُّ. والمُرادُ: ارْتابُوا في حَقِيَّةِ الإسْلامِ، أيْ حَدَثَ لَهُمُ ارْتِيابٌ بَعْدَ أنْ آمَنُوا إيمانًا غَيْرَ راسِخٍ.

وأُتِي في جانِبِهِ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلْحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، أيْ حَدَثَ لَهُمُ ارْتِيابٌ بَعْدَ أنِ اعْتَقَدُوا الإيمانَ اعْتِقادًا مُزَلْزَلًا. وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّهم فَرِيقانِ: فَرِيقٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَكِنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ وكَتَمُوا كَفْرَهم، وفَرِيقٌ آمَنُوا إيمانًا ضَعِيفًا ثُمَّ ظَهَرَ كُفْرُهم بِالإعْراضِ.

والحَيْفُ: الظُّلْمُ والجَوْرُ في الحُكُومَةِ. وجِيءَ في جانِبِهِ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَوَّفَ في الحالِ مِنَ الحَيْفِ في المُسْتَقْبَلِ كَما

صفحة ٢٧٢

يَقْتَضِيهِ دُخُولُ (أنْ)، وهي حَرْفُ الِاسْتِقْبالِ، عَلى فِعْلِ (يَحِيفُ) . فَهم خافُوا مِن وُقُوعِ الحَيْفِ بَعْدَ نَشْرِ الخُصُومَةِ فَمِن ثَمَّةَ أعْرَضُوا عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ ﷺ .

وأُسْنِدَ الحَيْفُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ ما شَرَعَهُ الإسْلامُ حَيْفًا لا يُظْهِرُ الحُقُوقَ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مِنَ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ حُكْمُ الرَّسُولِ بِغَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ، فَهم يَطْعَنُونَ في الحُكْمِ وفي الحاكِمِ وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ مُنَزَّلَةٌ مِنَ اللَّهِ ولا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِهِمْ أنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ إلَهِيَّةً، وأنْ يَكُونَ الآتِي بِها صادِقًا فِيما أتى بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ اتُّصِفُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وكُلُّها ناشِئَةٌ عَنْ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمُ الرَّسُولَ سَواءً في ذَلِكَ مِن حَلَّتْ بِهِ قَضِيَّةٌ ومَن لَمْ تَحُلَّ.

وفِيما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما يُثْلِجُ صَدْرَ النّاظِرِ ويَخْرُجُ بِهِ مِن سُكُوتِ السّاكِتِ وحَيْرَةِ الحائِرِ.

و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّنْبِيهِيِّ إلى خَبَرٍ آخَرَ. ولَمْ يُؤْتَ في هَذا الإضْرابِ بِـ (أمْ)؛ لِأنَّ (أمْ) لا بُدَّ مَعَها مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ المُرادُ عَطْفَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّنْبِيهِ بَلِ المُرادُ بِهِ إفادَةُ اتِّصافِهِمْ بِالظُّلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدِ اتَّضَحَ حالُهم فَلا داعِيَ لِإيرادِهِ بِصِيغَةِ اسْتِفْهامِ التَّنْبِيهِ. ولَيْسَتْ (بَلْ) هُنا لِلْإبْطالِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إبْطالُ جَمِيعِ الأقْسامِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ مِنها مَرَضُ قُلُوبِهِمْ وهو ثابِتٌ، ولا دَلِيلَ عَلى قَصْدِ إبْطالِ القِسْمِ الأخِيرِ خاصَّةً، ولا عَلى إبْطالِ القِسْمَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وجُمْلَةُ (﴿أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ بَعْدَ أنْ ظَنَّتْ بِأُذُنِهِ تِلْكَ الِاسْتِفْهاماتُ الثَّلاثَةُ ثُمَّ أُعْقِبَتْ بِحَرْفِ الإضْرابِ يَتَرَقَّبُ ماذا سَيُرْسِي عَلَيْهِ تَحْقِيقُ حالِهِمْ فَكانَ قَوْلُهُ: (﴿أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾) بَيانًا لِما يَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ.

صفحة ٢٧٣

والمَعْنى: أنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ ويَظْلِمَهم. ولَيْسَ الرَّسُولُ بِالَّذِي يَظْلِمُ بَلْ هُمُ الظّالِمُونَ. فالقَصْرُ الحاصِلُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ ومِن ضَمِيرِ الفَصْلِ حَصْرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ هُمُ الظّالِمُونَ لا شَرْعُ اللَّهِ ولا حُكْمُ رَسُولِهِ.

وزادَ اسْمَ الإشارَةِ تَأْكِيدًا لِلْخَبَرِ فَحَصَلَ فِيهِ أرْبَعَةُ مُؤَكِّداتٍ: اثْنانِ مِن صِيغَةِ الحَصْرِ؛ إذْ لَيْسَ الحَصْرُ والتَّخْصِيصُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، والثّالِثُ ضَمِيرُ الفَصْلِ، والرّابِعُ اسْمُ الإشارَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلتَّمْيِيزِ اسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا لِتَحْقِيقِ اتِّصافِهِمْ بِالظُّلْمِ، فَهم يَقِيسُونَ النّاسَ عَلى حَسَبِ ما يَقِيسُونَ أنْفُسَهم، فَلَمّا كانُوا أهْلَ ظُلْمٍ ظَنُّوا بِمَن هو أهْلُ الإنْصافِ أنَّهُ ظالِمٌ كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وصَدَّقَ ما يَعْتادُهُ مِن تَوَهُّمِ

ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِحُكْمِ مَن دُعِيَ إلى القاضِي لِلْخُصُومَةِ فامْتَنَعَ؛ لِأنَّ الذَّمَّ والتَّوْبِيخَ فِيها كانا عَلى امْتِناعٍ ناشِئٍ عَنْ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ.

24:51Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عِنْدَما يُدْعَوْنَ إلى الحُكُومَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا بِالمُؤْمِنِينَ في حِينِ أنَّهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنِ الفاصِلِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المُؤْمِنِ الحَقِّ وبَيْنَ الَّذِي يُرائِي بِإيمانِهِ في حِينِ يُدْعى إلى الحُكُومَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقْتَضِي أنْ يُبَيِّنَ لِلسّائِلِ الفَرْقَ بَيْنَ الحالَيْنِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ عِنْدَهُ الإيمانُ المُزَوَّرُ بِالإيمانِ الصّادِقِ، فَقَدْ كانَ المُنافِقُونَ يُمَوِّهُونَ بِأنَّ إعْراضَ مَن أعْرَضَ مِنهم عَنِ التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لِتُزَلْزِلٍ في إيمانِهِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، ولَكِنَّهُ إعْراضٌ

صفحة ٢٧٤

لِمُراعاةِ أعْراضٍ مِنَ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقَوْلِ بِشْرٍ: إنَّ الرَّسُولَ يُبْغِضُنِي. فَبَيَّنَ اللَّهُ بُطْلانَ ذَلِكَ بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَرْتابُ في عَدْلِ الرَّسُولِ وعَدَمِ مُصانَعَتِهِ.

وقَدْ أفادَ هَذا الِاسْتِئْنافُ أيْضًا الثَّناءَ عَلى المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ بِضِدِّ ما كانَ ذَمًّا لِلْمُنافِقِينَ. وذَلِكَ مِن مُناسَباتِ هَذا الِاسْتِئْنافِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ التَّوْبِيخِ بِالتَّرْغِيبِ والوَعِيدِ بِالوَعْدِ والنِّذارَةِ بِالبِشارَةِ والذَّمِّ بِالثَّناءِ.

وجِيءَ بِصِيغَةِ الحَصْرِ بِـ (إنَّما) لِدَفْعِ أنْ يَكُونَ مُخالِفُ هَذِهِ الحالَةِ في شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ وإنْ قالَ بِلِسانِهِ إنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَهَذا القَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ هَذا قَوْلُ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ لا كَقَوْلِ الَّذِي أعْرَضُوا عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ حِينَ قالُوا ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا﴾ [النور: ٤٧] فَلَمّا دُعُوا إلى حُكْمِ الرَّسُولِ عَصَوْا أمْرَهُ فَإنَّ إعْراضَهم نَقِيضُ الطّاعَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ قَرِيبًا. ولَيْسَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا؛ لِأنَّ أقْوالَ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُدْعَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في قَوْلِ: (﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾) ولا في مُرادِفِهِ، فَلَعَلَّ مِنهم مَن يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ.

وفِي المُوَطَّأِ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ. فَقالَ أحَدُهُما: يا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ يَعْنِي وهو يُرِيدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقْضِي لَهُ» كَما وقَعَ التَّصْرِيحُ في رِوايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ في البُخارِيِّ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأعْرابِ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ إلّا قَضَيْتَ لِي بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ الآخَرُ وهو أفْقَهُهُما: أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ فاقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ وأْذَنْ لِي أنْ أتَكَلَّمَ. يُرِيدُ لا تَقْضِ لَهُ عَلَيَّ فَأْذَنْ لِي أنْ أُبَيِّنَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: تَكَلَّمْ» . . إلَخْ.

ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِ: (﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾) خُصُوصَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بَلِ المُرادُ لَفْظُهُما أوْ مُرادِفُهُما لِلتَّسامُحِ في مَفْعُولِ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا يُحْكى بِلَفْظِهِ كَما هو مَشْهُورٌ. وإنَّما خُصَّ هَذانِ اللَّفْظانِ بِالذِّكْرِ هُنا مِن أجْلِ أنَّهُما كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ تُقالُ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهي مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ كَما يُقالُ أيْضًا سَمْعٌ وطاعَةٌ بِالرَّفْعِ وسَمْعًا وطاعَةً بِالنَّصْبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ

صفحة ٢٧٥

عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «قالَ النَّبِيءُ لِلْأنْصارِ: تَكْفُونَنا المَئُونَةَ ونُشْرِكُكم في الثَّمَرَةِ. فَقالَ الأنْصارُ: سَمِعْنا وأطَعْنا» .

و(﴿قَوْلُ المُؤْمِنِينَ﴾) خَبَرُ (كانَ) و(أنْ يَقُولُوا) هو اسْمُ (كانَ) وقُدِّمَ خَبَرُ كانَ عَلى اسْمِها مُتابَعَةً لِلِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ؛ لِأنَّهم إذا جاءُوا بَعْدَ (كانَ) بِأنْ والفِعْلِ لَمْ يَجِيئُوا بِالخَبَرِ إلّا مُقَدَّمًا عَلى الِاسْمِ نَظَرًا إلى كَوْنِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ أعْرَفُ مِنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، ولَمْ يَجِيئُوا بِالخَبَرِ إلّا مُقَدَّمًا كَراهِيَةَ تَوالِيَ أداتَيْنِ وهُما: (كانَ) و(أنْ) . ونَظائِرُ هَذا الِاسْتِعْمالِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلُهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجِيءَ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ بِمِثْلِ التَّرْكِيبِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ بِالظُّلْمِ بِصِيغَةِ القَصْرِ المُؤَكَّدِ لِيَكُونَ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ ضِدًّا لِمَذَمَّةِ المُنافِقِينَ تامًّا.

واعْلَمْ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِن (إنَّما) هُنا قَصْرُ إفْرادٍ لِأحَدِ نَوْعَيِ القَوْلِ. فالمَقْصُودُ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِرُسُوخِ إيمانِهِمْ وثَباتِ طاعَتِهِمْ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ؛ إذْ يَقُولُونَ كَلِمَةَ الطّاعَةِ ثُمَّ يَنْقُضُونَها بِضِدِّها مِن كَلِماتِ الإعْراضِ والِارْتِيابِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في طَرِيقِ قَصْرٍ بِـ (إلّا) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلُهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

24:52Page 356

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾

(الواوُ) اعْتِراضِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]) . والتَّقْدِيرُ: وهُمُ الفائِزُونَ. فَجاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الإطْنابِ لِيَحْصُلَ تَعْمِيمُ الحُكْمِ

صفحة ٢٧٦

والمَحْكُومِ عَلَيْهِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ تَذْيِيلٍ؛ لِأنَّها تَعُمُّ ما ذُكِرَ قَبْلَها مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: (﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]) وتَشْمَلُ غَيْرَهُ مِنَ الطّاعاتِ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ.

و(مِن) شَرْطِيَّةٌ عامَّةٌ، وجُمْلَةُ (فَأُولَئِكَ) جَوابُ الشَّرْطِ. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ الصّالِحِ. والطّاعَةُ: امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي.

والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وهي تَتَعَلَّقُ بِالخُصُوصِ بِما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ فَرَّطَ فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ عَلى أنَّها تَعُمُّ التَّقْصِيرَ كُلَّهُ.

والتَّقْوى: الحَذَرُ مِن مُخالَفَةِ التَّكالِيفِ في المُسْتَقْبَلِ.

فَجَمَعَتِ الآيَةُ أسْبابَ الفَوْزِ في الآخِرَةِ وأيْضًا في الدُّنْيا.

وصِيغَةُ الحَصْرِ لِلتَّعْرِيضِ بِالَّذِينِ أعْرَضُوا إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ وهي عَلى وِزانِ صِيغَةِ القَصْرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْها.

24:53Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ [النور: ٤٧] . أُتْبِعَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِحِكايَةِ قَسَمٍ أقْسَمُوهُ بِاللَّهِ لِيَتَنَصَّلُوا مِن وصْمَةِ أنْ يَكُونَ إعْراضُهم عَنِ الحُكُومَةِ عِنْدَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءُوهُ فَأقْسَمُوا إنَّهم لا يُضْمِرُونَ عِصْيانَهُ فِيما يَقْضِي بِهِ فَإنَّهُ لَوْ أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأشَقِّ شَيْءٍ وهو الخُرُوجُ لِلْقِتالِ لَأطاعُوهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَمّا بَيَّنَ كَراهَتَهم لِحُكْمِ النَّبِيءِ أتَوْهُ فَقالُوا: واللَّهِ لَوْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا لَخَرَجْنا ولَوْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ لَجاهَدْنا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وكَلامُ القُرْطُبِيِّ يَقْتَضِي أنَّهم ذَكَرُوا خُرُوجَيْنِ. وبِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الإيجازِ في الآيَةِ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الخُرُوجِ لِيَشْمَلَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفَظُ الخُرُوجِ

صفحة ٢٧٧

مِن حَقِيقَةٍ ومَجازٍ بِقَرِينَةِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن قِصَّةِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ يَوْمَئِذٍ، فَإنَّهُ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ في مالٍ فَكانَ مَعْنى الخُرُوجِ مِنَ المالِ أسْبِقُ في القَصْدِ. واقْتَصَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ (لَيَخْرُجُنَّ) مِن أمْوالِهِمْ ودِيارِهِمْ. واقْتَصَرَ الطَّبَرِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ (لَيَخْرُجُنَّ) إلى الجِهادِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ في سَبَبِ النُّزُولِ.

والإقْسامُ: النُّطْقُ بِالقِسْمِ، أيِ: اليَمِينِ.

وضَمِيرُ (أقْسَمُوا) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (ويَقُولُونَ) . بِفِعْلِ المُضِيِّ هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ وقَعَ وانْقَضى.

والجَهْدُ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الهاءِ: مُنْتَهى الطّاقَةِ. ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المَشَقَّةِ كَما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ؛ لِأنَّ الأمْرَ الشّاقَّ لا يَعْمَلُ إلّا بِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وهو مَصْدَرُ (جَهَدَ) كَمَنَعَ مُتَعَدِّيًا إذا أتْعَبَ غَيْرَهُ.

ونَصْبُ (جَهْدَ أيْمانِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (أقْسَمُوا) عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أيْ جاهِدِينَ. والتَّقْدِيرُ: جاهِدِينَ أنْفُسَهم، أيْ: بالِغِينَ بِها أقْصى الطّاقَةِ. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهم كَرَّرُوا الأيْمانَ وعَدَّدُوا عِباراتِها حَتّى أتْعَبُوا أنْفُسَهم لِيُوهِمُوا أنَّهم صادِقُونَ في أيْمانِهِمْ. وإضافَةُ (جَهْدَ) إلى (أيْمانِهِمْ) عَلى هَذا الوَجْهِ إضافَةٌ عَلى مَعْنى (مِن)، أيْ جَهْدًا ناشِئًا مِن أيْمانِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَهْدَ) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الواقِعِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: جَهَدُوا أيْمانَهم جَهْدًا، والفِعْلُ المُقَدَّرُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أقْسَمُوا) . والتَّقْدِيرُ: أقْسَمُوا يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جَهْدًا. وإضافَةُ (جَهْدَ) إلى (أيْمانِهِمْ) عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ؛ جَعَلَتِ الأيْمانَ كالشَّخْصِ الَّذِي لَهُ جَهْدٌ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، ورَمْزٌ إلى المُشَبَّهِ

صفحة ٢٧٨

بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ وهو أنَّ أحَدًا يُجْهِدُهُ، أيْ: يَسْتَخْرِجُ مِنهُ طاقَتَهُ، فَإنَّ كُلَّ إعادَةٍ لِلْيَمِينِ هي كَتَكْلِيفٍ لِلْيَمِينِ بِعَمَلٍ مُتَكَرِّرٍ كالجُهْدِ لَهُ، فَهَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] في سُورَةِ العُقُودِ وقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ (﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾) إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (أقْسَمُوا) . وحُذِفَ مَفْعُولُ (﴿أمَرْتَهُمْ﴾) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (لَيَخْرُجُنَّ) . والتَّقْدِيرُ: لَئِنْ أمَرْتَهم بِالخُرُوجِ لَيَخْرُجُنَّ.

فَأمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ الكَلِماتِ ذاتِ المَعانِي الكَثِيرَةِ وهي ﴿لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وذَلِكَ كَلامٌ مُوَجَّهٌ؛ لِأنَّ نَهْيَهم عَنْ أنْ يُقْسِمُوا بَعْدَ أنْ صَدَرَ القَسَمُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ إعادَتِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا بِصَدَدِ إعادَتِهِ، بِمَعْنى: لا حاجَةَ بِكم إلى تَأْكِيدِ القَسَمِ، أيْ فَإنَّ التَّأْكِيدَ بِمَنزِلَةِ المُؤَكَّدِ في كَوْنِهِ كَذِبًا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى عَدَمِ المُطالَبَةِ بِالقَسَمِ، أيْ ما كانَ لَكم أنْ تُقْسِمُوا؛ إذْ لا حاجَةَ إلى القَسَمِ لِعَدَمِ الشَّكِّ في أمْرِكم.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمِلًا في التَّسْوِيَةِ مِثْلَ ﴿اصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ والمُقْسِمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تُقْسِمُوا عَلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم وأمْوالِكم، فَإنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُكم بِذَلِكَ. ومَقامُ مُواجَهَةِ نِفاقِهِمْ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَقْصُودَةً.

وقَوْلُهُ: (﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾) كَلامٌ أُرْسِلَ مَثَلًا وتَحْتَهُ مَعانٍ جَمَّةٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الِاحْتِمالاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: (﴿لا تُقْسِمُوا﴾) .

وتَنْكِيرُ (طاعَةٌ)؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ نَوْعُ الطّاعَةِ، ولَيْسَتْ طاعَةً مُعَيَّنَةً فَهو مِن بابِ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ، و(﴿مَعْرُوفَةٌ﴾) خَبَرُهُ.

صفحة ٢٧٩

فَعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنْ تَكْرِيرِهِ يَكُونُ المَعْنى مِن قَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أيْ لا حُرْمَةَ لِلْقَسَمِ فَلا تُعِيدُوهُ فَطاعَتُكم مَعْرُوفَةٌ، أيْ مَعْرُوفٌ وهَنُها وانْتِفاؤُها.

وعَلى احْتِمالِ اسْتِعْمالِ النَّهْيِ في عَدَمِ المُطالَبَةِ بِاليَمِينِ يَكُونُ المَعْنى: لِماذا تُقْسِمُونَ أفَأنا أشُكُّ في حالِكم فَإنَّ طاعَتَكم مَعْرُوفَةٌ عِنْدِي، أيْ أعْرِفُ عَدَمَ وُقُوعِها، والكَلامُ تَهَكُّمٌ أيْضًا.

وعَلى احْتِمالِ اسْتِعْمالِ النَّهْيِ في التَّسْوِيَةِ فالمَعْنى: قَسَمُكم ونَفْيُهُ سَواءٌ؛ لِأنَّ أيْمانَكم فاجِرَةٌ وطاعَتَكم مَعْرُوفَةٌ.

أوْ يَكُونُ (طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أوْلى مِنَ الأيْمانِ، ويَكُونُ وصْفُ (مَعْرُوفَةٌ) مُشْتَقًّا مِنَ المَعْرِفَةِ بِمَعْنى العِلْمِ، أيْ طاعَةٌ تُعْلَمُ وتَتَحَقَّقُ أوْلى مِنَ الأيْمانِ عَلى طاعَةٍ غَيْرِ واقِعَةٍ، وهو كالعِرْفانِ في قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا.

وإنْ كانَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ فالمَعْنى: لا تُقْسِمُوا هَذا القَسَمَ، أيْ عَلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم وأمْوالِكم؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُكُمُ الطّاعَةَ إلّا في مَعْرُوفٍ، فَيَكُونُ وصْفُ (مَعْرُوفَةٌ) مُشْتَقًّا مِنَ العِرْفانِ، أيْ عَدَمِ النُّكْرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ صالِحَةٌ لِتَذْيِيلِ الِاحْتِمالاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском