Ibn 'AshurAn‑Nur · 24:58–60

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:58–60

24:58–59Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ انْتِقالِيٌّ إلى غَرَضٍ مِن أحْكامِ المُخالَطَةِ والمُعاشَرَةِ. وهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ وقُطِعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ.

وقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ شَرْعُ الِاسْتِئْذانِ لِأتْباعِ العائِلَةِ ومَن هو شَدِيدُ الِاخْتِلاطِ إذا أرادَ دُخُولَ بَيْتٍ، فَهو مَن مُتَمِّماتِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وهو بِمَفْهُومِ الزَّمانِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمُ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ في الأعْيانِ والأوْقاتِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾

صفحة ٢٩٢

إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ تَشْرِيعًا لِاسْتِئْذانِهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ وهو يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِئْذانِهِمْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، فَصارَ المَفْهُومُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . وأيْضًا هَذا الأمْرُ مُخَصَّصٌ بِعُمُومِ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ وعُمُومِ ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَخِ المُتَقَدِّمُ آنِفًا.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مَرْثَدٍ «دَخَلَ عَلَيْها عَبْدٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فِيهِ فَأتَتِ النَّبِيءَ ﷺ فَقالَتْ: إنَّما خَدَمُنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالَةٍ نَكْرَهُها. فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، (يَعْنِي أنَّها اشْتَكَتْ إباحَةَ ذَلِكَ لَهم) . ولَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِعُمُومِ (أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ) وعُمُومِ (أوِ الطِّفْلِ)؛ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ وقَعَ العَمَلُ بِذَلِكَ العُمُومِ ثُمَّ خُصِّصَ بِهَذِهِ الآيَةِ. والتَّخْصِيصُ إذا ورَدَ بَعْدَ العَمَلِ بِعُمُومِ العامِّ صارَ نَسْخًا.

والأمْرُ في قَوْلِهِ: (لِيَسْتَأْذِنْكم) لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقالَ أبُو قِلابَةَ: هو نَدْبٌ.

فَأمّا المَمالِيكُ؛ فَلِأنَّ في عُرْفِ النّاسِ أنْ لا يَتَحَرَّجُوا مِنِ اطِّلاعِ المَمالِيكِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ هم خَوَلٌ وتَبَعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] . وأمّا الأطْفالُ فَلِأنَّهم لا عِنايَةَ لَهم بِتَطَلُّعِ أحْوالِ النّاسِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] .

كانَتْ هَذِهِ الأوْقاتُ أوْقاتًا يَتَجَرَّدُ فِيها أهْلُ البَيْتِ مِن ثِيابِهِمْ كَما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ فَكانَ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَرى مَمالِيكُهم وأطْفالُهم عَوْراتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَنظَرٌ يَخْجَلُ مِنهُ المَمْلُوكُ ويَنْطَبِعُ في نَفْسِ الطِّفْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَتَهُ، ولِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْشَأ الأطْفالُ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّجِيَّةِ فِيهِمْ إذا كَبِرُوا.

ووُجِّهَ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ وجُعِلَتْ صِيغَةُ الأمْرِ مُوَجَّهَةً إلى المَمالِيكِ والصِّبْيانِ عَلى مَعْنى: لِتَأْمُرُوا الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ

صفحة ٢٩٣

أنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ عَلى أرْبابِ البُيُوتِ تَأْدِيبَ أتْباعِهِمْ، فَلا يُشْكِلُ تَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ لِمالِكِيهِمُ الذُّكُورِ والإناثِ.

وأمّا مَسْألَةُ النَّظَرِ وتَفْصِيلُها في الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والذَّكَرِ والأُنْثى فَهي مِن عَلائِقِ سَتْرِ العَوْرَةِ المُفَصَّلَةِ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] فَلا يَنْبَغِي التَّصَدِّي بِإيرادِ صُوَرِها في هَذِهِ الآيَةِ.

وتَعْيِينُ الِاسْتِيذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها أوْقاتُ خُلْوَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ وأوْقاتُ التَّعَرِّي مِنَ الثِّيابِ، وهي أوْقاتُ نَوْمٍ وكانُوا غالِبًا يَنامُونَ مُجَرَّدِينَ مِنَ الثِّيابِ اجْتِراءً بِالغِطاءِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى (عَوْراتٍ) .

وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ هو اللَّيْلُ كُلُّهُ إلى حِينِ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الفَجْرِ. وانْتَصَبَ (ثَلاثَ مَرّاتٍ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِيَسْتَأْذِنْكم)؛ لِأنَّ مَرّاتٍ في قُوَّةِ اسْتِئْذاناتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثِ مَرّاتٍ) بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ. وحَرْفُ (مِن) مَزِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ والظَّهِيرَةُ: وقْتُ الظُّهْرِ وهو انْتِصافُ النَّهارِ.

وقَوْلُهُ: (ثَلاثَ عَوْراتٍ) قَرَأ الجُمْهُورُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثَلاثَ عَوْراتٍ، أيْ أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ. وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مِمّا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ في كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنْهُ.

و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عَوْراتٍ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثَ مَرّاتٍ) .

صفحة ٢٩٤

والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ والنَّقْصُ. وفِيهِ: قِيلَ لِمَن فُقِدَتْ عَيْنُهُ: أعْوَرُ، وعَوِرَتْ عَيْنُهُ، ومِنهُ عَوْرَةُ الحَيِّ وهي الجِهَةُ غَيْرُ الحَصِينَةِ مِنهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ مِنها كالثَّغْرِ، قالَ لَبِيدٌ:

وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها وقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] . ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُكْرَهُ انْكِشافُهُ كَما هُنا وكَما سُمِّيَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ كَشْفُهُ مِن جَسَدِهِ عَوْرَةً. وفي قَوْلِهِ: (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) نَصٌّ عَلى عِلَّةِ إيجابِ الِاسْتِئْذانِ فِيها.

وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الظُّرُوفِ في قَوْلِهِ: (﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ المُحَدَّدَةِ. فَصَلاةُ الفَجْرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وحالَةُ وضْعِ الثِّيابِ مِنَ الظَّهِيرَةِ تَحْدِيدٌ بِالعُرْفِ، وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ مِنَ الحِصَّةِ الَّتِي تَسَعُ في العُرْفِ تَصَرُّفَ النّاسِ في التَّهَيُّؤِ إلى النَّوْمِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (بَعْدَ) بِمَعْنى (دُونَ)، أيْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وضَمِيرُ (بَعْدَهُنَّ) عائِدٌ إلى ثَلاثِ عَوْراتٍ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ.

ونَفْيُ الجُناحِ عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾) بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ عَلى اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ إيماءٌ إلى لَحْنِ خِطابٍ حاصِلٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ فَإنَّ الأمْرَ بِاسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي أمْرَ أهْلِ البَيْتِ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم إذا دَعاهم داعٍ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ كَما يُرْشِدُ السّامِعَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِأمْرِ المُخاطَبِينَ بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم لِنُدُورِ دُخُولِ السّادَةِ عَلى عَبِيدِهِمْ أوْ عَلى غِلْمانِهِمْ إذِ الشَّأْنُ أنَّهم إذا دَعَتْهم حاجَةٌ إلَيْهِمْ أنْ يُنادُوهم فَأمّا إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فالحُكْمُ فِيهِمْ سَواءٌ. وقَدْ أشارَ إلى العِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ .

صفحة ٢٩٥

وقَوْلُهُ: (﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم طَوّافُونَ، يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ .

والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ إنَّما رَفَعَ الجُناحَ عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم في الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم، فَلَوْ وجَبَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا كانَ ذَلِكَ حَرَجًا عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم.

وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ. تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ طَوّافُونَ عَلَيْهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ وقَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ .

و(بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا. ويُجْعَلُ (بَعْضُكم) مُبْتَدَأً، ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (عَلى بَعْضٍ) بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. وحُذِفَ الخَبَرُ، وبَقِيَ المُتَعَلِّقُ بِهِ، وهو كَوْنٌ خاصٌّ حُذِفَ لِدَلالَةِ (طَوّافُونَ) عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: بَعْضُكم طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. ولا يَحْسُنُ مَن جَعَلَ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) بَدَلًا مِنَ الواوِ في (طَوّافُونَ عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُبْدَلَ مِنهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ وهم لَيْسُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلّا بِتَقْدِيرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الَّذِي طَرَقَ أسْماعَكم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، فَبَيانُهُ بالِغٌ الغايَةَ في الكَمالِ حَتّى لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ لَما شُبِّهَ إلّا بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والتَّعْرِيفُ في (الآياتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والمُرادُ بِالآياتِ القُرْآنُ، فَإنَّ ما يَقَعُ فِيهِ إجْمالٌ مِنها يُبَيَّنُ بِآياتٍ أُخْرى، فالآياتُ الَّتِي أوَّلُها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] .

وجُمْلَةُ (واللَّهُ عَلَيْكم حَكِيمٌ) مُعْتَرِضَةٌ. والمَعْنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ بَيانًا كامِلًا وهو عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فَبَيانُهُ بالِغٌ غايَةَ الكَمالِ لا مَحالَةَ.

صفحة ٢٩٦

ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في مَوْقِعِ التَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ الأطْفالَ إذا بَلَغُوا الحُلُمَ تَغَيَّرَ حُكْمُهم في الِاسْتِئْذانِ إلى حُكْمِ اسْتِئْذانِ الرِّجالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ أوِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ مِن قَبْلِهِمْ وهم كانُوا رِجالًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أُولَئِكَ الأطْفالُ مَبْلَغَ الرِّجالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وهو تَأْكِيدٌ لَهُ بِالتَّكْرِيرِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِامْتِنانِ. وإنَّما أُضِيفَتِ الآياتُ هُنا لِضَمِيرِ الجَلالَةِ تَقَنُّنًا ولِتَقْوِيَةِ تَأْكِيدِ مَعْنى كَمالِ التَّبْيِينِ الحاصِلِ مِن قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) . وتَأْكِيدُ مَعْنى الوَصْفَيْنِ (العَلِيمُ الحَكِيمُ)، أيْ هي آياتٌ مِن لَدُنْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ ومِن تِلْكَ صِفاتُ بَيانِهِ.

24:60Page 358

وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] .

ومُناسَبَةُ هَذا التَّخْصِيصِ هُنا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ فَرْضِ الِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ الَّتِي يَضَعُ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها ثِيابَهم عَنْ أجْسادِهِمْ، فَعَطَفَ الكَلامَ إلى نَوْعٍ مِن وضْعِ الثِّيابِ عَنْ لابِسِها، وهو وضْعُ النِّساءِ القَواعِدِ بَعْضَ ثِيابِهِنَّ عَنْهُنَّ فاسْتُثْنِيَ مِن عُمُومِ النِّساءِ النِّساءُ المُتَقَدِّماتُ في السِّنِّ بِحَيْثُ بَلَغْنَ إبّانَ الإياسِ مِنَ المَحِيضِ فَرَخَّصَ لَهُنَّ أنْ لا يَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، وأنْ لا يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: الثِّيابُ: الجِلْبابُ، أيْ: الرِّداءُ والمُقَنَّعَةُ الَّتِي فَوْقَ الخِمارِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَجُوزُ لَهُنَّ وضْعُ الخِمارِ أيْضًا.

صفحة ٢٩٧

والقَواعِدُ: جَمْعُ قاعِدٍ بِدُونِ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ: حامِلٍ وحائِضٍ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ نُقِلَ لِمَعْنًى خاصٍّ بِالنِّساءِ وهو القُعُودُ عَنِ الوِلادَةِ وعَنِ المَحِيضِ. اسْتُعِيرَ القُعُودُ لِعَدَمِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ القُعُودَ يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَرْغُوبِ، وإنَّما رَغْبَةُ المَرْأةِ في الوَلَدِ، والحَيْضُ مِن سَبَبِ الوِلادَةِ فَلَمّا اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ، وغُلِّبَ في الِاسْتِعْمالِ صارَ وصْفُ قاعِدٍ بِهَذا المَعْنى خاصًّا بِالمُؤَنَّثِ فَلَمْ تَلْحَقْهُ هاءُ التَّأْنِيثِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي إلى الهاءِ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾، وذَلِكَ مِنَ الكِبَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ وصْفٌ كاشِفٌ لِـ (القَواعِدُ) ولَيْسَ قَيْدًا.

واقْتِرانُ الخَبَرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ﴾؛ لِأنَّ الكَلامَ بِمَعْنى التَّسَبُّبِ والشَّرْطِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذا المُبْتَدَأ يُشْعِرُ بِتَرَقُّبِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَشابَهَ الشَّرْطَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] . ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ أنَّ (ألْ) فِيهِ مَوْصُولَةٌ؛ إذْ لا يَظْهَرُ مَعْنى المَوْصُولِ لِحَرْفِ التَّعْرِيفِ وإنْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِ النَّحْوِيِّينَ. و(أنْ يَضَعْنَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جُناحٌ) بِتَقْدِيرِ (في) .

والمُرادُ بِالثِّيابِ بَعْضُها وهو المَأْمُورُ بِإدْنائِهِ عَلى المَرْأةِ بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّخْصِيصِ.

والوَضْعُ: إناطَةُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) وقَدْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) إذا أُرِيدَ أنَّهُ أُزِيلَ عَنْ مَكانٍ ووُضِعَ عَلى غَيْرِهِ وهو المُرادُ هُنا كَفِعْلِ (تَرْغَبُونَ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ أنْ يُزِلْنَ عَنْهُنَّ ثِيابَهُنَّ فَيَضَعْنَها عَلى الأرْضِ أوْ عَلى المِشْجَبِ. وعِلَّةُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ هي أنَّ الغالِبَ أنْ تَنْتَفِيَ أوْ تَقِلَّ رَغْبَةُ الرِّجالِ في أمْثالِ هَذِهِ القَواعِدِ لِكِبَرِ السِّنِّ. فَلَمّا كانَ في الأمْرِ بِضَرْبِ الخُمُرِ عَلى الجُيُوبِ أوْ إدْناءِ الجَلابِيبِ كُلْفَةٌ عَلى النِّساءِ المَأْمُوراتِ اقْتَضاها سَدُّ الذَّرِيعَةِ، فَلَمّا انْتَفَتِ الذَّرِيعَةُ رُفِعَ ذَلِكَ الحُكْمُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ الشَّرِيعَةَ ما جَعَلَتْ في حُكْمٍ مَشَقَّةً لِضَرُورَةٍ إلّا رَفَعَتْ تِلْكَ المَشَقَّةَ بِزَوالِ الضَّرُورَةِ وهَذا مَعْنى الرُّخْصَةِ.

ولِذَلِكَ عُقِّبَ هَذا التَّرْخِيصُ بِقَوْلِهِ (﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾) .

صفحة ٢٩٨

والِاسْتِعْفافُ: التَّعَفُّفُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ، أيْ تَعَفُّفُهُنَّ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ عَنْهُنَّ أفْضَلُ لَهُنَّ ولِذَلِكَ قَيَّدَ هَذا الإذْنَ بِالحالِ وهو (﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾) أيْ وضْعًا لا يُقارِنُهُ تَبَرُّجٌ بِزِينَةٍ.

والتَّبَرُّجُ: التَّكَشُّفُ. والباءُ في (بِزِينَةٍ) لِلْمُلابَسَةِ فَيَئُولُ إلى أنْ لا يَكُونَ وضْعُ الثِّيابِ إظْهارًا لِزِينَةٍ كانَتْ مَسْتُورَةً. والمُرادُ: إظْهارُ ما عادَةُ المُؤْمِناتِ سَتْرُهُ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَإنَّ المَرْأةَ إذا تَجَلَّتْ بِزِينَةٍ مِن شَأْنِها إخْفاؤُها إلّا عَنِ الزَّوْجِ فَكَأنَّها تُعَرِّضُ بِاسْتِجْلابِ اسْتِحْسانِ الرِّجالِ إيّاها وإثارَةِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وهي وإنْ كانَتْ مِنَ القَواعِدِ فَإنَّ تَعْرِيضَها بِذَلِكَ يُخالِفُ الآدابَ ويُزِيلُ وقارَ سِنِّها، وقَدْ يَرْغَبُ فِيها بَعْضُ أهْلِ الشَّهَواتِ لِما في التَّبَرُّجِ بِالزِّينَةِ مِنَ السَّتْرِ عَلى عُيُوبِها أوِ الإشْغالِ عَنْ عُيُوبِها بِالنَّظَرِ في مَحاسِنِ زِينَتِها.

فالتَّبَرُّجُ بِالزِّينَةِ: التَّحَلِّي بِما لَيْسَ مِنَ العادَةِ التَّحَلِّي بِهِ في الظّاهِرِ مِن تَحْمِيرٍ وتَبْيِيضٍ وكَذَلِكَ الألْوانُ النّادِرَةُ، قالَ بَشّارٌ:

وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِي بِالحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحْمَرُ

وسُئِلَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الخِضابِ والصِّباغِ والتَّمايِمِ؛ أيْ: حِقاقٌ مِن فِضَّةٍ تُوضَعُ فِيها تَمايِمُ ومُعاذاتٌ تُعَلِّقُها المَرْأةُ والقُرْطَيْنِ والخَلْخالِ وخاتَمِ الذَّهَبِ ورِقاقِ الثِّيابِ فَقالَتْ: أحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ لِمَن لا يَحِلُّ لَكُنَّ أنْ يَرَوْا مِنكُنَّ مُحَرَّمًا. فَأحالَتِ الأمْرَ عَلى المُعْتادِ والمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ التَّبَرُّجُ بِظُهُورِ ما كانَ يَحْجِبُهُ الثَّوْبُ المَطْرُوحُ عَنْها كالوِشامِ في اليَدِ أوِ الصَّدْرِ والنَّقْشِ بِالسَّوادِ في الجِيدِ أوِ الصَّدْرِ المُسَمّى في تُونُسَ بِالحُرْقُوصِ - غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ - . وفي المُوَطَّأِ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وعَلى حَفْصَةَ خِمارٌ رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عائِشَةُ، وكَسَتْها خِمارًا كَثِيفًا أيْ: شَقَّتْهُ لِئَلّا تُخَمَّرَ بِهِ فِيما بَعْدُ.

وقِيلَ: إنَّ المَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غَيْرُ مُتَكَشِّفاتٍ مِن مَنازِلِهِنَّ بِالخُرُوجِ في الطَّرِيقِ، أيْ: أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ، أيْ فَإذا خَرَجَتْ فَلا

صفحة ٢٩٩

يَحِلُّ لَها تَرْكُ جِلْبابِها، فَيَئُولُ المَعْنى إلى أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ، ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أيْ: كَوْنُهُنَّ مِنَ القَواعِدِ لا يَقْتَضِي التَّرْخِيصَ لَهُنَّ إلّا في وضْعِ ثِيابِهِنَّ وضْعًا مُجَرَّدًا عَنْ قَصْدِ تَرْغِيبٍ فِيهِنَّ.

وجُمْلَةُ (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّذْيِيلِ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّوَسُّعِ في الرُّخْصَةِ أوْ جَعْلِها ذَرِيعَةً لِما لا يُحْمَدُ شَرْعًا، فَوَصْفُ (السَّمِيعِ) تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما تُحَدِّثُهُنَّ بِهِ أنْفُسُهُنَّ مِنَ المَقاصِدِ، ووَصْفُ (العَلِيمِ) تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ يَعْلَمُ أحْوالَ وضْعِهِنَّ الثِّيابَ وتَبَرُّجِهِنَّ ونَحْوِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском