Ibn 'AshurAl‑Furqan · 25:32–37

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:32–37

25:32Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ .

عَوْدٌ إلى مَعاذِيرِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمُ الفاسِدَةِ؛ إذْ طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنَّهُ نُزِّلَ مُنَجَّمًا وقالُوا: لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ كِتابًا جُمْلَةً واحِدَةً. وضَمِيرُ (قالُوا) ظاهِرٌ في أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، وهَذِهِ جَهالَةٌ مِنهم بِنِسْبَةِ كُتُبِ الرُّسُلِ فَإنَّها لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنها جُمْلَةً واحِدَةً وإنَّما كانَتْ وحْيًا مُفَرَّقًا؛ فالتَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْواحِ هي عَشْرُ كَلِماتٍ بِمِقْدارِ سُورَةِ اللَّيْلِ في القُرْآنِ، وما كانَ الإنْجِيلُ إلّا أقْوالًا يَنْطِقُ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَلَأِ، وكَذَلِكَ الزَّبُورُ نَزَلَ قِطَعًا كَثِيرَةً، فالمُشْرِكُونَ نَسَبُوا ذَلِكَ أوْ جَهِلُوا فَقالُوا: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ جُمْلَةً واحِدَةً فَنَعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. وقِيلَ: إنَّ قائِلَ هَذا اليَهُودُ أوِ النَّصارى فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو بُهْتانٌ مِنهم؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ تَنْزِلِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ إلّا مُفَرَّقَةً.

صفحة ١٩

فَخَوْضُ المُفَسِّرِينَ في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَةِ رَسُولِنا مِنَ الأُمِّيَّةِ وحالَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ اشْتِغالٌ بِما لا طائِلَ فِيهِ فَإنَّ تِلْكَ الكُتُبَ لَمْ تَنْزِلْ أسْفارًا تامَّةً قَطُّ.

و(نُزِّلَ) هُنا مُرادِفُ أُنْزِلَ ولَيْسَ فِيهِ إيذانٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْعِيلُ مِنَ التَّكْثِيرِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: (جُمْلَةً واحِدَةً) .

وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾) رَدًّا عَلى طَعْنِهِمْ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ رَدٌّ لِما أرادُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾) . وعَدَلَ فِيهِ عَنْ خِطابِهِمْ إلى خِطابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إعْلامًا لَهُ بِحِكْمَةِ تَنْزِيلِهِ مُفَرَّقًا، وفي ضِمْنِهِ امْتِنانٌ عَلى الرَّسُولِ بِما فِيهِ تَثْبِيتُ قَلْبِهِ والتَّيْسِيرُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾) إشارَةٌ إلى الإنْزالِ المَفْهُومِ مِن (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾) وهو حالَةُ إنْزالِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا، أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ الإنْزالِ، أيِ المُنَجَّمِ، أيْ كَذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي جَهِلُوا حِكْمَتَهُ، فاسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نائِبٌ عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ. فالتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ إنْزالًا كَذَلِكَ الإنْزالِ المُنَجَّمِ. فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ (كَذَلِكَ) مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ في المُحاوَرَةِ. واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (كَذَلِكَ) . والتَّثْبِيتُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ثابِتًا. والثَّباتُ: اسْتِقْرارُ الشَّيْءِ في مَكانِهِ غَيْرَ مُتَزَلْزِلٍ قالَ تَعالى: (﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ﴾ [إبراهيم: ٢٤]) . ويُسْتَعارُ الثَّباتُ لِلْيَقِينِ ولِلِاطْمِئْنانِ بِحُصُولِ الخَيْرِ لِصاحِبِهِ قالَ تَعالى: (﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦])، وهي اسْتِعاراتٌ شائِعَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ حُصُولِ الِاحْتِمالاتِ في النَّفْسِ بِاضْطِرابِ الشَّيْءِ في المَكانِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. والفُؤادُ: هُنا العَقْلُ. وتَثْبِيتُهُ بِذَلِكَ الإنْزالِ جَعْلُهُ ثابِتًا في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ لا يَضْطَرِبُ فِيهِ.

وجاءَ في بَيانِ حِكْمَةِ إنْزالِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ وهي (﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾)؛ لِأنَّ تَثْبِيتَ الفُؤادِ يَقْتَضِي كُلَّ ما بِهِ خَيْرٌ لِلنَّفْسِ، فَمِنهُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحِكْمَةُ في تَفْرِيقِهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ يُلْقى إلَيْهِ إذا أُلْقِيَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وجُزْءًا

صفحة ٢٠

عَقِبَ جُزْءٍ، وما قالَهُ أيْضًا (أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الدَّواعِي والحَوادِثِ وجَوّاباتِ السّائِلِينَ) . اهـ، أيْ: فَيَكُونُونَ أوْعى لِما يَنْزِلُ فِيهِ؛ لِأنَّهم بِحاجَةٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَكْثُرُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وذَلِكَ مِمّا يُثَبِّتُ فُؤادَ النَّبِيءِ ﷺ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ.

وما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (إنَّ تَنْزِيلَهُ مُفَرَّقًا وتَحَدِّيَهم بِأنْ يَأْتُوا بِبَعْضِ تِلْكَ التَّفارُقِ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنها، أدْخَلُ في الإعْجازِ وأنْوَرُ لِلْحُجَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ كُلُّهُ جُمْلَةً) . اهـ.

ومِنهُ ما قالَهُ الجَدُّ الوَزِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ القُرْآنَ لَوْ لَمْ يَنْزِلْ مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ لِما ظَهَرَ في كَثِيرٍ مِن آياتِهِ مُطابَقَتُها لِمُقْتَضى الحالِ ومُناسَبَتُها لِلْمَقامِ، وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِها. وقُلْتُ: إنَّ نُزُولَهُ مُنَجَّمًا أعُونُ لِحُفّاظِهِ عَلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ.

وقَوْلُهُ: (ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ)، أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا ورَتَّلْناهُ، والتَّرْتِيلُ يُوصَفُ بِهِ الكَلامُ إذا كانَ حَسَنَ التَّأْلِيفِ بَيِّنَ الدَّلالَةِ. واتَّفَقَتْ أقْوالُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّرْتِيلَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ ورَتِلٌ، إذا كانَتْ أسْنانُهُ مُفَلَّجَةً تُشْبِهُ نُورَ الأُقْحُوانِ. ولَمْ يُورِدُوا شاهِدًا عَلَيْهِ مِن كَلامِ العَرَبِ.

والتَّرْتِيلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالَةً لِنُزُولِ القُرْآنِ، أيْ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَسَّقًا في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ غَيْرَ مُتَراكِمٍ، فَهو مُفَرَّقٌ في الزَّمانِ فَإذا كَمُلَ إنْزالُ سُورَةٍ جاءَتْ آياتُها مَرَتَّبَةً مُتَناسِبَةً كَأنَّها أُنْزِلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، ومُفَرَّقٌ في التَّأْلِيفِ بِأنَّهُ مُفَصَّلٌ واضِحٌ. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ كَلامِ النّاسِ إذا فُرِّقَ تَأْلِيفُهُ عَلى أزْمِنَةٍ مُتَباعِدَةٍ أنْ يَعْتَوِرَهُ التَّفَكُّكُ وعَدَمُ تَشابُهِ الجُمَلِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ (رَتَّلْناهُ) أمَرْنا بِتَرْتِيلِهِ، أيْ: بِقِراءَتِهِ مُرَتَّلًا، أيْ بِتَمَهُّلٍ بِأنْ لا يُعَجَّلَ في قِراءَتِهِ بِأنْ تُبَيَّنَ جَمِيعُ الحُرُوفِ والحَرَكاتِ بِمَهَلٍ، وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]) .

و(تَرْتِيلًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ قُصِدَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ فَصارَ المَصْدَرُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ التَّرْتِيلِ.

25:33Page 363

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

صفحة ٢١

﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .

لَمّا اسْتَقْصى أكْثَرَ مَعاذِيرِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمْ وألْقَمَهم أحْجارَ الرَّدِّ إلى لَهَواتِهِمْ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ فَذْلَكَةً جامِعَةً تَعُمُّ ما تَقَدَّمَ وما عَسى أنْ يَأْتُوا بِهِ مِنَ الشُّكُوكِ والتَّمْوِيهِ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَدْحُوضٌ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ الكاشِفَةِ لِتُرَّهاتِهِمْ.

والمِثْلُ: المُشابِهُ. وفِعْلُ الإتْيانِ مَجازٌ في أقْوالِهِمْ والمُحاجَّةِ بِهِ، وتَنْكِيرُ (مَثَلٍ) في سِياقِ النَّفْيِ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ بِكُلِّ مَثَلٍ. والمَقْصُودُ: مَثَلٌ مِن نَوْعِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْثالِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤])، (﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥]) بِقَرِينَةِ سَوْقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ اسْتِقْصاءِ شُبْهَتِهِمْ، (﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧])، (﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨])، (﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١])، (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) . ودَلَّ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن قَوْلِهِ: (بِمَثَلٍ) قَوْلُهُ آنِفًا: (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الفرقان: ٩]) عَقِبَ قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]) . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَأْتُونَكَ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِإفادَةِ أنَّ إتْيانَهم بالأمْثالِ يَقْصِدُونَ بِهِ أنْ يُفْحِمُوهُ.

والإتْيانُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإظْهارِ. والمَعْنى: لا يَأْتُونَكَ بِشَبَهٍ يُشَبِّهُونَ بِهِ حالًا مِن أحْوالِكَ يَبْتَغُونَ إظْهارَ أنَّ حالَكَ لا يُشْبِهُ حالَ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ إلّا أبْطَلْنا تَشْبِيهَهم وأرَيْناهم أنَّ حالَةَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ لا تُلازِمُ ما زَعَمُوهُ سَواءٌ كانَ ما أتَوْا بِهِ تَشْبِيهًا صَرِيحًا بِأحْوالِ غَيْرِ الرُّسُلِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]) وقَوْلِهِمْ: (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧])، وقَوْلِهِمْ: (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨])، أمْ كانَ نَفْيُ مُشابَهَةِ حالِهِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ في زَعْمِهِمْ، فَإنَّ نَفْيَ مُشابَهَةِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي إثْباتَ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]) وكَذَلِكَ قَوْلُهم: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) إذا كانُوا قالُوهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُخالِفٌ لِحالِ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَهَذا نَفِيُ تَمْثِيلِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ الرُّسُلِ الأسْبَقِينَ في زَعْمِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا النَّوْعِ ما يَزْعُمُونَ أنَّهُ تَقْتَضِيهِ النُّبُوءَةُ مِنَ المَكانَةِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَسْألَهُ، فَيُجابَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٧]) .

صفحة ٢٢

وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ولا يَأْتُونَكَ تَشْمَلُ ما عَسى أنْ يَأْتُوا بِهِ مِن هَذا النَّوْعِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]) .

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ (﴿إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ يَقْتَضِيها عُمُومُ الأمْثالِ؛ لِأنَّ عُمُومَ الأشْخاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ.

وجُمْلَةُ (جِئْناكَ) حالِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَبِيرًا وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ١٩]) .

وقَوْلُهُ: (﴿جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾) وهو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ. ومُقابَلَةُ (﴿جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) لِقَوْلِهِ: (﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾) إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ باطِلٌ. مِثالُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم: (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧])، أبْطَلَهُ قَوْلُهُ: (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]) .

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ ما يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ مِنَ الحُجَّةِ بِـ (جِئْناكَ) دُونَ: أتَيْناكَ، كَما عُبِّرَ عَمّا يَجِيئُونَ بِهِ بِـ (يَأْتُونَكَ)، إمّا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، وإمّا لِأنَّ فِعْلَ الإتْيانِ إذا اسْتُعْمِلَ مَجازًا كَثُرَ فِيما يَسُوءُ وما يُكْرَهُ، كالوَعِيدِ والهِجاءِ، قالَ شَقِيقُ بْنُ شَرِيكٍ الأسَدِيُّ:

أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِـيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي

وقَوْلُ النّابِغَةِ:

أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي

وقَوْلُهُ:

فَلَيَأْتِيَنْكَ قَصائِدٌ ولَيَدْفَعَنْ ∗∗∗ جَيْشًا إلَيْكَ قَوادِمُ الأكْوارِ

يُرِيدُ قَصائِدَ الهِجاءِ. وقَوْلُ المَلائِكَةِ لِلُوطٍ: (﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤]) أيْ: عَذابُ قَوْمِهِ ولِذَلِكَ قالُوا لَهُ في المَجِيءِ الحَقِيقِيِّ: (﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣]) . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤]) (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١])، (﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) . بِخِلافِ فِعْلِ المَجِيءِ إذا

صفحة ٢٣

اسْتُعْمِلَ في مَجازِهِ، فَأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في وُصُولِ الخَيْرِ والوَعْدِ والنَّصْرِ والشَّيْءِ العَظِيمِ، قالَ تَعالى: (﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤])، (﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢])، (﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١])، وفي حَدِيثِ الإسْراءِ: . . مَرْحَبًا بِهِ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ، (﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١])، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ ذا وجْهَيْنِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ فَيُطْلَقُ كِلا الفِعْلَيْنِ نَحْوَ (﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠])، فَإنَّ الأمْرَ هَنا مَنظُورٌ فِيهِ إلى كَوْنِهِ تَأْيِيدًا نافِعًا لِنُوحٍ.

والتَّفْسِيرُ: البَيانُ والكَشْفُ عَنِ المَعْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مُفَصَّلًا في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا الكِتابِ، والمُرادُ هُنا كَشْفُ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ.

ومَعْنى كَوْنِهِ أحْسَنَ، أنَّهُ أحَقُّ في الِاسْتِدْلالِ، فالتَّفْضِيلُ لِلْمُبالَغَةِ؛ إذْ لَيْسَ في حُجَّتِهِمْ حُسْنٌ أوْ يُرادُ بِالحُسْنِ ما يَبْدُو مِن بَهْرَجَةِ سَفْسَطَتِهِمْ وشُبَهِهِمْ فَيَجِيءُ الكَشْفُ عَنِ الحَقِّ أحْسَنَ وقْعًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ مِن مُغالَطاتِهِمْ، فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ بِهَذا الوَجْهِ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَهَذِهِ نُكْتَةٌ مِن دَقائِقِ الِاسْتِعْمالِ ودَقائِقِ التَّنْزِيلِ.

25:34Page 363

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ، ولِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَمِّهِمْ.

والمَوْصُولُ واقِعٌ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِتَحْصِيلِ فائِدَةِ أنَّ أصْحابَ الضَّمِيرِ ثَبَتَ لَهم مَضْمُونُ الصِّلَةِ، ولِيَبْنِيَ عَلى الصِّلَةِ مَوْقِعَ اسْمِ الإشارَةِ، ومُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا هم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا ونَحْشُرُهم عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، كَما قالَ في سُورَةِ الإسْراءِ (﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]) عَقِبَ قَوْلِهِ: (﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]) ويُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أنَّ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالأمْثالِ تَكْذِيبًا

صفحة ٢٤

لِلنَّبِيءِ ﷺ . وإذْ كانَ قَصْدُهم مِمّا يَأْتُونَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ تَنْقِيصَ شَأْنِ النَّبِيءِ ذُكِّرُوا بِأنَّهم أهْلُ شَرِّ المَكانِ وضَلالِ السَّبِيلِ دُونَ النَّبِيءِ ﷺ . فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ عَنْهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى (﴿يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾) في سُورَةِ الإسْراءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]) . وتَقدَّمَ ذِكْرُ الحَدِيثِ في السُّؤالِ عَنْ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ.

وشَرٌّ: اسْمُ تَفْضِيلٍ. وأصْلُهُ أشَرُّ وصِيغَتا التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: (شَرٌّ، وأضَلُّ) مُسْتَعْمَلَتانِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالشَّرِّ والضَّلالِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ [يوسف: ٧٧]) في جَوابِ قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: (﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]) .

وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ القَصْرَ وهو قَصْرٌ لِلْمُبالِغَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَنِ انْحَصَرَ الشَّرُّ والضَّلالُ فِيهِمْ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: هم شَرُّ الخُلُقِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَيَكُونُ القَصْرُ قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ: هم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا لا المُسْلِمُونَ، وصِيغَتا التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَتا المُفاضَلَةِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ.

والمَكانُ: المَقَرُّ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، مَكانُهم جَهَنَّمُ، وطَرِيقُهُمُ الطَّرِيقُ المَوْصُولُ إلَيْها وهو الَّذِي يُحْشَرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهِهِمْ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِالمَكانِ الأشِرِ والسَّبِيلِ الأضَلِّ، لِأجْلِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي مِنها قَوْلُهم: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) .

و(سَبِيلًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، فَأصْلُهُ: وضَلَّ سَبِيلُهم. وإسْنادُ الضَّلالِ إلى السَّبِيلِ في التَّرْكِيبِ المُحَوَّلِ عَنْهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ السَّبِيلَ سَبَبُ ضَلالِهِمْ.

25:35–36Page 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ .

لَمّا جَرى الوَعِيدُ والتَّسْلِيَةُ بِذِكْرِ حالِ المُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

صفحة ٢٥

عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهم لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ وزِيادَةُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، والتَّعْرِيضُ بِوَعْدِهِ بِالِانْتِصارِ لَهُ.

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وقَوْمِهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمَنًا مِنَ الَّذِينَ ذُكِرُوا بَعْدَهُ، ولِأنَّ بَقايا شَرْعِهِ وأُمَّتِهِ لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ما رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) اليَهُودُ فَوَجْهُ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ ما أُوتِيَ مُوسى أظْهَرُ.

وحَرْفُ التَّحْقِيقِ ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ بِتَدْمِيرِهِمْ. وأُرِيدَ بِالكِتابِ الوَحْيُ الَّذِي يُكْتَبُ ويُحْفَظُ، وذَلِكَ مِن أوَّلِ ما ابْتُدِئَ بِوَحْيِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ الألْواحَ؛ لِأنَّ إيتاءَهُ الألْواحَ كانَ بَعْدَ زَمَنِ قَوْلِهِ: (﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ﴾)، فَقَوْلُهُ: فَقُلْنا اذْهَبا مُفَرَّعٌ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ، فالإيتاءُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ.

وفِي وصْفِ الوَحْيِ بِالكِتابِ تَعْرِيضٌ بِجَهالَةِ المُشْرِكِينَ القائِلِينَ (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢])، فَإنَّ الكُتُبَ الَّتِي أُوتِيَها الرُّسُلُ ما كانَتْ إلّا وحْيًا نَزَلَ مُنَجَّمًا فَجَمَعَهُ الرُّسُلُ وكَتَبَهُ أتْباعُهم.

والتَّعْرِيضُ هُنا إلى تَأْيِيدِ مُوسى بِهارُونَ وتَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]) فَإنَّ مُوسى لَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَأْيِيدَهُ لَمْ يُؤَيَّدْ بِمَلَكٍ ولَكِنَّهُ أُيِّدَ بِرَسُولٍ مِثْلِهِ.

والوَزِيرُ: المُؤازِرُ وهو المُعاوِنُ المُظاهِرُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ وهو القُوَّةُ. وأصْلُ الأزْرِ: شَدُّ الظَّهْرِ بِإزارٍ عِنْدَ الإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ذِي تَعَبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ. وكانَ هارُونُ رَسُولًا ثانِيًا ومُوسى هو الأصْلُ. والقَوْمُ هم قِبْطُ مِصْرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ.

والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وصْفٌ لِلْقَوْمِ، ولَيْسَ هو مِنَ المَقُولِ لِمُوسى وهارُونَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ حِينَئِذٍ لَمّا يَقَعْ مِنهم، ولَكِنَّهُ وصْفٌ لِإفادَةِ قُرّاءِ القُرْآنِ أنَّ مُوسى وهارُونَ بَلَّغا الرِّسالَةَ وأظْهَرَ اللَّهُ مِنهُما الآياتِ فَكَذَّبَ بِها قَوْمُ فِرْعَوْنَ فاسْتَحَقُّوا التَّدْمِيرَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَمْهِيدًا لِلتَّفْرِيعِ بِـ (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾) الَّذِي هو المَقْصُودُ مِنَ المَوْعِظَةِ والتَّسْلِيَةِ.

صفحة ٢٦

والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾) لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ عَنْهم بِالتَّدْمِيرِ.

وقَدْ حَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ عَجِيبٌ اخْتُصِرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَذُكِرَ مِنها حاشِيَتاها: أوَّلُها وآخِرُها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ بِالقِصَّةِ وهو اسْتِحْقاقُ الأُمَمِ التَّدْمِيرَ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم.

والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، والهَلاكُ: دُمُورٌ.

وإتْباعُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما في تَنْكِيرِ المَصْدَرِ مِن تَعْظِيمِ التَّدْمِيرِ وهو الإغْراقُ في اليَمِّ.

25:37Page 363

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.

﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الفرقان: ٣٥]) بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ وصْفُ قَوْمِهِ بِالتَّكْذِيبِ والإخْبارُ بِالتَّدْمِيرِ.

وانْتَصَبَ (قَوْمَ نُوحٍ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (أغْرَقْناهم) عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ. ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِكَلِمَةِ (لَمّا)؛ لِأنَّها كالظَّرْفِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُفَسِّرُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وفي هَذا النَّظْمِ اهْتِمامٌ بِقَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ حالَهم هو مَحَلُّ العِبْرَةِ فَقَدَّمَ ذَكْرَهم ثُمَّ أكَّدَ بِضَمِيرِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَوْمَ نُوحٍ) عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: (فَدَمَّرْناهم) أيْ ودَمَّرْنا قَوْمَ نُوحٍ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾) مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) .

والآيَةُ: الدَّلِيلُ، أيْ: جَعَلْناهم دَلِيلًا عَلى مَصِيرِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهم. وجَعْلُهم آيَةً: هو تَواتُرُ خَبَرِهِمْ بِالغَرَقِ آيَةٌ.

وجُعِلَ قَوْمُ نُوحٍ مُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَنَدُوا في تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم إلى إحالَةِ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا؛ لِأنَّهم قالُوا

صفحة ٢٧

(﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]) فَكانَ تَكْذِيبُهم مُسْتَلْزِمًا تَكْذِيبَ عُمُومِ الرُّسُلِ، ولِأنَّهم أوَّلُ مَن كَذَّبَ رَسُولَهم، فَكانُوا قُدْوَةً لِلْمُكَذِّبِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

وقِصَّةُ قَوْمِ نُوحٍ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ (﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾) عَطْفٌ عَلى (أغْرَقْناهم) . والمَعْنى: عَذَّبْناهم في الدُّنْيا بِالغَرَقِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا في الآخِرَةِ. ووَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ فَقِيلَ (لِلظّالِمِينَ) عِوَضًا عَنْ: أعْتَدْنا لَهم، لِإفادَةِ أنَّ عَذابَهم جَزاءٌ عَلى ظُلْمِهِمْ بِالشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском