Ibn 'AshurAl‑Furqan · 25:44–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:44–47

25:44Page 364

أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.

صفحة ٣٧

﴿أمْ تَحْسِبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .

انْتِقالٌ عَنِ التَّأْيِيسِ مِنِ اهْتِدائِهِمْ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلى عُقُولِهِمْ إلى التَّحْذِيرِ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِمْ إدْراكُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وهَذا تَوْجِيهٌ ثانٍ لِلْإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمُ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢])، فَـ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن إنْكارٍ إلى إنْكارٍ وهي مُؤْذِنَةٌ بِاسْتِفْهامٍ عَطَفَتْهُ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: أمْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ.

والمُرادُ مِن نَفْيِ (أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ) نَفْيُ أثَرِ السَّماعِ وهو فَهْمُ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما يُلْقِيهِ الرَّسُولُ ﷺ لا يَرْتابُ فِيهِ إلّا مَن هو كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]) .

وعَطْفُ (أوْ يَعْقِلُونَ) عَلى (يَسْمَعُونَ) لِنَفْيِ أنْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَ الدَّلائِلَ غَيْرَ المَقالِيَّةِ وهي دَلائِلُ الكائِناتِ، قالَ تَعالى: (﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) .

وإنَّما نُفِيَ فَهْمُ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ عَنْ أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا حالُ دَهْمائِهِمْ ومُقَلِّدِيهِمْ، وفِيهِمْ مَعْشَرٌ عُقَلاءُ يَفْهَمُونَ ويَسْتَدِلُّونَ بِالكائِناتِ ولَكِنَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الرِّئاسَةِ وأنِفُوا مِن أنْ يَعُودُوا أتْباعًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ومُساوِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ضُعَفاءِ قُرَيْشٍ وعَبِيدِهِمْ مِثْلِ عَمّارٍ، وبِلالٍ.

وجُمْلَةُ (﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن إنْكارِ أنَّهم يَسْمَعُونَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ نَفْيِ فَهْمِهِمْ لِما يَسْمَعُونَ مَعَ سَلامَةِ حَواسِّ السَّمْعِ مِنهم، فَكانَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ تَبْيِينًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ حُصُولِ اخْتِراقِ أصْواتِ الدَّعْوى آذانَهم مَعَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها لِعَدَمِ تَهَيُّئِهِمْ لِلِاهْتِمامِ بِها، فالغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ والإمْكانُ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:

فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنـهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ

وضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى أكْثَرِهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْنى لَفْظِهِ كَما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (يَسْمَعُونَ) .

صفحة ٣٨

وانْتُقِلَ في صِفَةِ حالِهِمْ إلى ما هو أشَدُّ مِن حالِ الأنْعامِ بِأنَّهم أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ. وضَلالُ السَّبِيلِ عَدَمُ الِاهْتِداءِ لِلْمَقْصُودِ؛ لِأنَّ الأنْعامَ تَفْقَهُ بَعْضَ ما تَسْمَعُهُ مِن أصْواتِ الزَّجْرِ ونَحْوِها مِن رُعاتِها وسائِقِيها وهَؤُلاءِ لا يَفْقَهُونَ شَيْئًا مِن أصْواتِ مُرْشِدِهِمْ وسائِسِهِمْ وهو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤]) الآيَةَ.

25:45–46Page 364

أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥

Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1

ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦

Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1

﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فِيهِ انْتِقالٌ مِن إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ، وصِفاتِ الرُّسُلِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ وهو مِن هَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ.

وفِيهِ انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ شِرْكِهِمْ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ [الفرقان: ٣]) الآيَةَ.

وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِنَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]) . وما عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥])، (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الفرقان: ٢٠])، (﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ [الفرقان: ٣١])، فَكُلُّها مُخاطَباتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ جُعِلَ مَدُّ الظِّلِّ وقَبْضُهُ تَمْثِيلًا لِحِكْمَةِ التَّدْرِيجِ في التَّكْوِيناتِ الإلَهِيَّةِ والعُدُولِ بِها عَنِ الطَّفْرَةِ في الإيجادِ لِيَكُونَ هَذا التَّمْثِيلُ بِمَنزِلَةِ كُبْرى القِياسِ لِلتَّدْلِيلِ عَلى أنَّ تَنْزِيلَ القُرْآنِ مُنَجَّمًا جارٍ عَلى حِكْمَةِ التَّدَرُّجِ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ في حُصُولِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سابِقًا: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) . فَكانَ في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾) الآيَةَ، زِيادَةٌ في التَّعْلِيلِ عَلى ما في قَوْلِهِ: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) .

ويَسْتَتْبِعُ هَذا إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ القُرْآنِ بِظُهُورِ شَمْسٍ في المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ

صفحة ٣٩

مُظَلَّلَةً؛ إذْ قالَ تَعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) فَإنَّ حالَ النّاسِ في الضَّلالَةِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ تُشَبَّهُ بِحالِ امْتِدادِ ظُلْمَةِ الظِّلِّ، وصارَ ما كانَ مُظَلَّلًا ضاحِيًا بِالشَّمْسِ، وكانَ زَوالُ ذَلِكَ الظِّلِّ تَدْرِيجًا حَتّى يَنْعَدِمَ الفَيْءُ.

فَنَظْمُ الآيَةِ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْثِيلِ أفادَ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا بِهَيْئَةِ مَدِّ الظِّلَّ مُدَرَّجًا ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا.

وكانَ نَظْمُها بِحَمْلِهِ عَلى حَقِيقَةِ تَرْكِيبِهِ مُفِيدًا العِبْرَةَ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ في إثْباتِ دَقائِقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذانِ المُفادانِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وكانَ نَظْمُ الكَلامِ بِمَعْنى ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ مِن تَشْبِيهِ الهِدايَةِ بِنُورِ الشَّمْسِ. وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ عُطِفَ قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) .

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ فَهو صالِحٌ لِطَبَقاتِ السّامِعِينَ: مِن غافَلٍ يُسْألُ عَنْ غَفْلَتِهِ لِيُقِرَّ بِها تَحْرِيضًا عَلى النَّظَرِ، ومِن جاحِدٍ يُنْكَرُ عَلَيْهِ إهْمالُهُ النَّظَرَ، ومِن مُوَفَّقٍ يُحَثُّ عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ.

والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقَدْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى النَّظَرِ فَعُدِّيَ إلى المَرْئِيِّ بِحَرْفِ (إلى) . والمَدُّ: بَسْطُ الشَّيْءِ المُنْقَبِضِ المُتَداخِلِ، يُقالُ: مَدَّ الحَبْلَ ومَدَّ يَدَهُ، ويُطْلَقُ المَدُّ عَلى الزِّيادَةِ في الشَّيْءِ وهو اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ، وهو هُنا الزِّيادَةُ في مِقْدارِ الظِّلِّ.

ثُمَّ إذا كانَ المَقْصُودُ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ حالَةً مِن أحْوالِ الذّاتِ تَصِحُّ رُؤْيَتُها فَلَكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلى الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١])، (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥])، وصَحَّ تَعْدِيَتُهُ إلى اسْمِ الذّاتِ مُقَيَّدَةً بِالحالَةِ المَقْصُودَةِ بِحالٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ صِلَةٍ نَحْوِ (﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦]) ) .

والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْدِيَتَيْنِ أنَّ الأُولى يُقْصَدُ مِنها العِنايَةُ بِالحالَةِ لا بِصاحِبِها؛ فالمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الفِيلِ: الِامْتِنانُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِما حَلَّ بِالَّذِينَ انْتَهَكُوا حُرْمَتَها مِنَ

صفحة ٤٠

الِاسْتِئْصالِ، والمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الغاشِيَةِ العِبْرَةُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ الإبِلَ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن عَجِيبِ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ الآيَتانِ الأخِيرَتانِ، وإذْ قَدْ كانَ المَقامُ هُنا مَقامَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والإلَهِيَّةِ الحَقِّ لِلَّهِ تَعالى، أُوثِرَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ بِاسْمِ الذّاتِ ابْتِداءً ثُمَّ مَجِيءُ الحالِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجِيئًا كَمَجِيءِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ بَعْدَ ذِكْرِ المُبْدَلِ مِنهُ.

وأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ﴾ [نوح: ١٥]) دُونَ أنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَوْا رَبَّكم كَيْفَ خَلَقَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا مُتَصَلِّبِينَ في الكُفْرِ، وكانَ قَدْ جادَلَهم في اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَعَلِمَ أنَّهُ إنِ ابْتَدَأهم بِالدَّعْوَةِ إلى النَّظَرِ في الوَحْدانِيَّةِ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا إلَيْهِ فَبادَأهم بِاسْتِدْعاءِ النَّظَرِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ.

وعَلى كُلٍّ فَإنَّ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ وهي اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَيْفِيَّةِ فَهي في مَحَلٍّ بَدَلِ الِاشْتِمالِ (مِن رَبِّكَ)، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ إلى هَيْئَةِ مَدِّهِ الظِّلَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خُرُوجِ (كَيْفَ) عَنِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو النَّهارُ مِن وُجُودِ الظِّلِّ.

وفِي وُجُودِ الظِّلِّ دَقائِقُ مِن أحْوالِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، فَإنَّ الظِّلَّ مِقْدارٌ مُحَدَّدٌ مِنَ الظُّلْمَةِ يَحْصُلُ مِن حَيْلُولَةِ جِسْمٍ بَيْنَ شُعاعِ الشَّمْسِ وبَيْنَ المَكانِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشُّعاعُ فَيَنْطَبِعُ عَلى المَكانِ مِقْدارٌ مِنَ الظِّلِّ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ كَيْفِيَّةِ الجِسْمِ الحائِلِ بَيْنَ الشُّعاعِ وبَيْنَ مَوْقِعِ الشُّعاعِ عَلى حَسَبِ اتِّجاهِ ذَلِكَ الجِسْمِ الحائِلِ مِن جِهَتِهِ الدَّقِيقَةِ أوِ الضَّخْمَةِ، ويَكُونُ امْتِدادُ تِلْكَ الظُّلْمَةِ المكَيَّفَةِ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الجِسْمِ مُتَفاوِتًا عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ بُعْدِ اتِّجاهِ الأشِعَةِ مِن مَوْقِعِها ومِنَ الجِسْمِ الحائِلِ، ومُخْتَلِفًا بِاسْتِواءِ المَكانِ وتَحَدُّبِهِ، فَذَلِكَ التَّفاوُتُ في مَقادِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ الواحِدِ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَدِّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما زادَ مِقْدارُ الظُّلْمَةِ المُكَيِّفَةِ لِكَيْفِيَّةِ الحائِلِ زادَ امْتِدادُ الظِّلِّ. فَتِلْكَ كُلُّها دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ والقُدْرَةِ العَظِيمَةِ.

وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى كامِلًا فِعْلُ (مَدَّ) .

صفحة ٤١

وهَذا الِامْتِدادُ يَكْثُرُ عَلى حَسَبِ مُقابَلَةِ الأشِعَةِ لِلْحائِلِ فَكُلَّما اتَّجَهَتِ الأشِعَةُ إلى الجِسْمِ مِن أخْفَضِ جِهَةٍ كانَ الظِّلُّ أوْسَعَ، وإذا اتَّجَهَتْ إلَيْهِ مُرْتَفِعَةً عَنْهُ تَقَلَّصَ ظِلُّهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا إلى أنْ تَصِيرَ الأشِعَةُ مُسامِتَةً أعْلى الجِسْمِ ساقِطَةً عَلَيْهِ فَيَزُولَ ظِلُّهُ تَمامًا أوْ يَكادُ يَزُولُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) أيْ: غَيْرَ مُتَزايِدٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَدُّ الظِّلِّ يُشْبِهُ صُورَةَ التَّحَرُّكِ أُطْلِقَ عَلى انْتِفاءِ الِامْتِدادِ اسْمُ السُّكُونِ بِأنْ يُلازِمَ مِقْدارًا واحِدًا لا يَنْقُصُ ولا يَزِيدُ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ الأرْضَ ثابِتَةً في سَمْتٍ واحِدٍ تِجاهَ أشِعَةِ الشَّمْسِ فَلا يَخْتَلِفُ مِقْدارُ ظَلِّ الأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ وتَلْزَمُ ظِلالُها حالَةً واحِدَةً فَتَنْعَدِمُ فَوائِدُ عَظِيمَةٌ.

ودَلَّتْ مُقابَلَةُ قَوْلِهِ: (﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾) بِقَوْلِهِ: (﴿لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) عَلى حالَةٍ مَطْوِيَّةٍ مِنَ الكَلامِ، وهي حالَةُ عُمُومِ الظِّلِّ جَمِيعَ وجْهِ الأرْضِ، أيْ: حالَةُ الظُّلْمَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتِ اتِّجاهَ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى وجْهِ الأرْضِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ التَّوْراةِ: (وكانَتِ الأرْضُ خالِيَةً، وعَلى وجْهِ القَمَرِ ظُلْمَةٌ) ثُمَّ قالَ: (وقالَ اللَّهُ: لِيَكُنْ نُورٌ؛ فَكانَ نُورٌ. . .) . وفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ (إصْحاحُ واحِدٍ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ)، فاسْتِدْلالُ القُرْآنِ بِالظِّلِّ أجْدى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ لا يَكادُ يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِجَمالِها بِخِلافِ الظِّلِّ فَهو جامِعٌ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ فَكِلا دَلالَتَيْهِ واضِحَةٌ.

وجُمْلَةُ (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ في الظِّلِّ مِنَّةً.

وقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلَّ) وأفادَتْ (ثُمَّ) أنَّ مَدْلُولَ المَعْطُوفِ بِها مُتَراخٍ في الرُّتْبَةِ عَنْ مَدْلُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ شَأْنَ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمْلَةَ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ أنَّها أبْعَدُ اعْتِبارًا، أيْ: أنَّها أرْفَعُ في التَّأْثِيرِ أوْ في الوُجُودِ، فَإنَّ وُجُودَ الشَّمْسِ هو عِلَّةُ وُجُودِ الظِّلِّ لِلْأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ، والسَّبَبُ أرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ المُسَبَّبِ، أيْ أنَّ اللَّهَ مَدَّ الظِّلَّ بِأنْ جَعَلَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلى مَقادِيرِ امْتِدادِهِ. ولَمْ يُفْصِحِ المُفَسِّرُونَ عَنْ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ إفْصاحًا شافِيًا.

والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (ثُمَّ جَعَلْنا)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ

صفحة ٤٢

أدْخَلُ في الِامْتِنانِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ فَهو مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ نِعْمَةٌ وهي نِعْمَةُ النُّورِ الَّذِي بِهِ تَمْيِيزُ أحْوالِ المَرْئِيّاتِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) ارْتِقاءٌ في المِنَّةِ.

والدَّلِيلُ: المُرْشِدُ إلى الطَّرِيقِ والهادِي إلَيْهِ، فَجُعِلَ امْتِدادُ الظِّلِّ لِاخْتِلافِ مَقادِيرِهِ كامْتِدادِ الطَّرِيقِ وعَلاماتِ مَقادِيرَ مِثْلِ صُوى الطَّرِيقِ، وجُعِلَتِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ كانَتْ سَبَبًا في ظُهُورِ مَقادِيرِ الظِّلِّ كالهادِي إلى مَراحِلَ، بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، فَكَما أنَّ الهادِيَ يُخْبِرُ السّائِرَ أيْنَ يَنْزِلُ مِنَ الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ الشَّمْسُ بِتَسَبُّبِها في مَقادِيرِ امْتِدادِ الظِّلِّ تُعَرِّفُ المُسْتَدِلَّ بِالظِّلِّ بِأوْقاتِ أعْمالِهِ لِيَشْرَعَ فِيها.

وتَعْدِيَةُ (دَلِيلًا) بِحَرْفِ (عَلى) تُفِيدُ أنَّ دَلالَةَ الشَّمْسِ عَلى الظِّلِّ هُنا دَلالَةُ تَنْبِيهٍ عَلى شَيْءٍ قَدْ يَخْفى كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (إلّا عَلَيَّ دَلِيلٌ) . وشَمِلَ هَذا حالَتَيِ المَدِّ والقَبْضِ.

وجُمْلَةُ (ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلِّ)، أوْ عَلى جُمْلَةِ (جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)؛ لِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ مِن آثارِ جَعْلِ الشَّمْسِ دَلِيلًا عَلى الظِّلِّ.

و(ثُمَّ) الثّانِيَةُ مِثْلُ الأُولى مُفِيدَةٌ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) أهَمُّ في الِاعْتِبارِ بِمَضْمُونِها مِن مَضْمُونِ (﴿جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾)؛ إذْ في قَبْضِ الظِّلِّ دَلالَةٌ مِن دَلالَةِ الشَّمْسِ هي عَكْسُ دَلالَتِها عَلى امْتِدادِهِ، فَكانَتْ أعْجَبَ إذْ هي عَمَلٌ ضِدٌّ لِلْعَمَلِ الأوَّلِ، وصُدُورُ الضِّدَّيْنِ مِنَ السَّبَبِ الواحِدِ أعْجَبُ مِن صُدُورِ أحَدِهِما السّابِقِ في الذِّكْرِ.

والقَبْضُ: ضِدُّ المَدِّ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّقْصِ، أيْ: نَقَصْنا امْتِدادَهُ، والقَبْضُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلنَّقْصِ. وتَعْدِيَتُهُ بِقَوْلِهِ (إلَيْنا) تَخْيِيلٌ، شُبِّهَ الظِّلُّ بِحَبْلٍ أوْ ثَوْبٍ

صفحة ٤٣

طَواهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ بَسَطَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَةِ، وحَرْفُ (إلى) ومَجْرُورُهُ تَخْيِيلٌ.

ومَوْقِعُ وصْفِ القَبْضِ بِيَسِيرٍ هُنا أنَّهُ أُرِيدَ أنَّ هَذا القَبْضَ يَحْصُلُ بِبُطْءٍ دُونَ طَفْرَةٍ، فَإنَّ في التَّرَيُّثِ تَسْهِيلًا لِقَبْضِهِ؛ لِأنَّ العَمَلَ المُجَزَّأ أيْسَرُ عَلى النُّفُوسِ مِنَ المُجْتَمِعِ غالِبًا، فَأُطْلِقُ اليُسْرُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ عُرْفًا، وهو التَّدْرِيجُ بِبُطْءٍ، عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، لِيَكُونَ صالِحًا لِمَعْنًى آخَرَ سَنَتَعَرَّضُ إلَيْهِ في آخِرِ كَلامِنا.

وتَعْدِيَةُ القَبْضِ بِـ (إلَيْنا)؛ لِأنَّهُ ضِدُّ المَدِّ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: (مَدَّ الظِّلَّ) . وقَدْ عُلِمَ مِن مَعْنى (قَبَضْناهُ) أنَّ هَذا القَبْضَ واقِعٌ بَعْدَ المَدِّ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ.

وفِي مَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ نِعْمَةُ مَعْرِفَةِ أوْقاتِ النَّهارِ لِلصَّلَواتِ وأعْمالِ النّاسِ، ونِعْمَةُ التَّناوُبِ في انْتِفاعِ الجَماعاتِ والأقْطارِ بِفَوائِدِ شُعاعِ الشَّمْسِ وفَوائِدِ الفَيْءِ بِحَيْثُ إنَّ الفَرِيقَ الَّذِي كانَ تَحْتَ الأشِعَةِ يَتَبَرَّدُ بِحُلُولِ الظِّلِّ، والفَرِيقَ الَّذِي كانَ في الظِّلِّ يَنْتَفِعُ بِانْقِباضِهِ.

هَذا مَحَلُّ العِبْرَةِ والمِنَّةِ اللَّتَيْنِ تَتَناوَلُهُما عُقُولُ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ مَدارِكِهِمْ. ووَراءَ ذَلِكَ عِبْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ كُبْرى تُوَضِّحُها قَواعِدُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ وحَرَكَةُ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ والضِّياءِ، فَلَيْسَ الظِّلُّ إلّا أثَرَ الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ هي أصْلُ كَيْفِيّاتِ الأكْوانِ ثُمَّ انْبَثَقَ النُّورُ بِالشَّمْسِ ونَشَأ عَنْ تَداوُلِ الظُّلْمَةِ والنُّورِ نِظامُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَنْ ذَلِكَ نِظامُ الفُصُولِ وخُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وبِها عُرِفَتْ مَناطِقُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ.

ومِن وراءِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أصْلِ المَخْلُوقاتِ كَيْفَ طَرَأ عَلَيْها الإيجادُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَدَمًا، وكَيْفَ يَمْتَدُّ وُجُودُها في طَوْرِ نَمائِها، ثُمَّ كَيْفَ تَعُودُ إلى العَدَمِ تَدْرِيجًا في طَوْرِ انْحِطاطِها إلى أنْ تَصِيرَ إلى العَدَمِ، فَذَلِكَ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) فَيَكُونُ قَدْ حَصَلَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الظِّلِّ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المِنَّةِ والدَّلالَةِ عَلى نِظامِ القُدْرَةِ تَقْرِيبٌ لِحالَةِ إيجادِ النّاسِ وأحْوالِ الشَّبابِ وتَقَدُّمِ السِّنِّ،

صفحة ٤٤

وأنَّهم عَقِبَ ذَلِكَ صائِرُونَ إلى رَبِّهِمْ يَوْمَ البَعْثِ مَصِيرًا لا إحالَةَ فِيهِ ولا بُعْدَ، كَما يَزْعُمُونَ، فَلَمّا صارَ قَبْضُ الظِّلِّ مَثَلًا لِمَصِيرِ النّاسِ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ وُصِفَ القَبْضُ بِيَسِيرٍ تَلْمِيحًا إلى قَوْلِهِ: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) .

وفِي هَذا التَّمْثِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا كَظِلٍّ يَمْتَدُّ ويَنْقَبِضُ وما هو إلّا ظِلٌّ.

فَهَذانِ المَحْمِلانِ في الآيَةِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ.

25:47Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧

And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ .

مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِاعْتِبارِ أحْوالِ الظِّلِّ والضَّحاءِ إلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ظاهِرَةٌ، فاللَّيْلُ يُشْبِهُ الظِّلَّ في أنَّهُ ظُلْمَةٌ تَعْقُبُ نُورَ الشَّمْسِ.

ومَوْرِدُ الِاسْتِدْلالِ المَقْصِدُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ وهو قَصْرُ إفْرادٍ، أيْ لا يُشْرِكُهُ غَيْرُهُ في جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ. أمّا كَوْنُ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِخَلْقِ اللَّهِ فَهم يُقِرُّونَ بِهِ؛ ولَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ عَلى الإجْمالِ أُبْطِلَتْ شَرِكَتُهم بِقَصْرِ التَّصَرُّفِ في الأزْمانِ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ إذا بَطُلَ تَصَرُّفُهم في بَعْضِ المَوْجُوداتِ اخْتَلَّتْ حَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ عَنْهم؛ إذِ الإلَهِيَّةُ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ.

و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلَ) أيْ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقَ لَهُ اللَّيْلُ أنَّهُ يَكُونُ لِباسًا لَكم. وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّ اللَّيْلَ خُلِقَ لِذَلِكَ فَقَطْ ؟ لِأنَّ اللَّيْلَ عَوْدُ الظَّلَمَةِ إلى جانِبٍ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ المُحْتَجِبِ عَنْ شُعاعِ الشَّمْسِ بِاسْتِداراتِهِ فَتَحْصُلُ مِن ذَلِكَ فَوائِدُ جَمَّةٌ مِنها ما في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢]) إلَخْ.

وقَدْ رَجَعَ أُسْلُوبُ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

و(لِباسًا) مُشَبَّهٌ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ ساتِرًا لَكم يَسْتُرُ بَعْضَكم

صفحة ٤٥

عَنْ بَعْضٍ، وفي هَذا السَّتْرِ مِنَنٌ كَثِيرَةٌ لِقَضاءِ الحَوائِجِ الَّتِي يَجِبُ إخْفاؤُها.

وتَقْدِيمُ الِاعْتِبارِ بِحالَةِ سَتْرِ اللَّيْلِ عَلى الِاعْتِبارِ بِحالَةِ النَّوْمِ لِرَعْيِ مُناسِبَةِ اللَّيْلِ بِالظِّلِّ كَما تَقَدَّمَ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: (﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا وجَعَلْنا اللَّيْل لِباسًا﴾ [النبإ: ٨]) في سُورَةِ النَّبَأِ، فَإنَّ نِعْمَةَ النَّوْمِ أهَمُّ مِن نِعْمَةِ السَّتْرِ، ولِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ نِعْمَةِ خَلْقِ الأزْواجِ وبَيْنَ النَّوْمِ أشَدُّ.

وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ اسْتِدْلالًا وامْتِنانًا فَهي دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الخالِقِ، وهي أيْضًا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِهِ، فَإنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٍ جَمَّةً لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ حُصُولُ الظُّلْمَةِ مِن دِقَّةِ نِظامِ دَوَرانِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ ومِن دِقَّةِ نِظامِ خَلْقِ الشَّمْسِ، ولِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّهارِ مِن تَغَيُّرِ دَوَرانِ الأرْضِ ومِن فَوائِدِ نُورِ الشَّمْسِ، ثُمَّ ما في خِلالِ ذَلِكَ مِن نِظامِ النَّوْمِ المُناسِبِ لِلظُّلْمَةِ حِينَ تَرْتَخِي أعْصابُ النّاسِ فَيَحْصُلُ لَهم بِالنَّوْمِ تَجَدُّدُ نَشاطِهِمْ، ومِنَ الِاسْتِعانَةِ عَلى التَّسَتُّرِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ومِن نِظامِ النَّهارِ مِن تَجَدُّدِ النَّشاطِ وانْبِعاثِ النّاس لِلْعَمَلِ وسَآمَتِهِمْ مِنَ الدَّعَةِ، مَعَ ما هو مُلائِمٌ لِذَلِكَ مِنَ النُّورِ الَّذِي بِهِ إبْصارُ ما يَقْصِدُهُ العامِلُونَ.

والسُّباتُ لَهُ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ في اللُّغَةِ ناشِئَةٌ عَنِ التَّوَسُّعِ في مادَّةِ السَّبْتِ وهو القَطْعُ. وأنْسَبُ المَعانِي بِمَقامِ الِامْتِنانِ هو مَعْنى الرّاحَةِ وإنْ كانَ في كِلا المَعْنَيَيْنِ اعْتِبارٌ بِدَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ السُّباتَ بِالنَّوْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ناظِرًا في ذَلِكَ إلى مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾) .

وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾) دُونَ أنْ يُعادَ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَنْبِيهٌ إلى أنَّهُ جَعْلٌ مُخالِفٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ لِباسًا. وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (نُشُورًا)، والنُّشُورُ: بَعْثُ الأمْواتِ، وهو إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ وتَعْرِيضٌ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَن أحالُوهُ، بِتَقْرِيبِهِ بِالهُبُوبِ في النَّهارِ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ إذا أصْبَحَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيانا بَعْدَ إذْ أماتَنا وإلَيْهِ النُّشُورُ» .

والنُّشُورُ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠]) . وهو هُنا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ البُرُوزُ والِانْتِشارُ فَيَكُونُ ضِدَّ

صفحة ٤٦

اللِّباسِ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾) فَيَكُونُ الإخْبارُ بِهِ عَنِ النَّهارِ حَقِيقِيًّا، والمِنَّةُ في أنَّ النَّهارَ يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِحَوائِجِهِمْ واكْتِسابِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ بَعْثُ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها فَيَكُونُ الإخْبارُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском