Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:111–130
26:111–115Page 371
۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١
They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"
قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢
He said, "And what is my knowledge of what they used to do?
إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣
Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.
وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤
And I am not one to drive away the believers.
إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥
I am only a clear warner."
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
26:116–120Page 372
قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦
They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧
He said, "My Lord, indeed my people have denied me.
فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨
Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩
So We saved him and those with him in the laden ship.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠
Then We drowned thereafter the remaining ones.
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
26:121–122Page 372
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
صفحة ١٦٤
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
الآيَةُ في قِصَّةِ نُوحٍ دَلالَتُها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ فَفي هَذِهِ القِصِّةِ آيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وهم يَعْلَمُونَ قِصَّةَ نُوحٍ والطُّوفانِ.
26:123–127Page 372
كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣
ʿAad denied the messengers
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤
When their brother Hūd said to them, "Will you not fear Allāh?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥
Indeed, I am to you a trustworthy messenger.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦
So fear Allāh and obey me.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
26:128–130Page 372
أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨
Do you construct on every elevation a sign,1 amusing yourselves,
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩
And take for yourselves constructions [i.e., palaces and fortresses] that you might abide eternally?
وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠
And when you strike, you strike as tyrants.
﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ .
رَأى مِن قَوْمِهِ تَمَحُّضًا لِلشُّغْلِ بِأُمُورِ دُنْياهم، وإعْراضًا عَنِ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ والعَمَلِ لَها والنَّظَرِ في العاقِبَةِ، وإشْراكًا مَعَ اللَّهِ في إلَهِيَّتِهِ، وانْصِرافًا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي خَلَقَهم وأعْمَرَهم في الأرْضِ وزادَهم قُوَّةً عَلى الأُمَمِ، فانْصَرَفَتْ هِمّاتُهم إلى التَّعاظُمِ والتَّفاخُرِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ.
وكانَتْ عادٌ قَدْ بَلَغُوا مَبْلَغًا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ وعِظَمِ السُّلْطانِ والتَّغَلُّبِ عَلى البِلادِ مِمّا أثارَ قَوْلَهم: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَقَدْ كانَتْ قَبائِلُ العَرَبِ تَصِفُ الشَّيْءَ العَظِيمَ في نَوْعِهِ بِأنَّهُ (عادِيٌّ) وكانُوا أهْلَ رَأْيٍ سَدِيدٍ ورَجاحَةَ أحْلامٍ قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:
وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ
وقالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ غَسّانَ:
أحْلامُ عادٍ وأجْسادٌ مُطَهَّرَةٌ ∗∗∗ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والأثَمِ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وتَفَنَّنُوا في إرْضاءِ الهَوى، وأقْبَلُوا عَلى المَلَذّاتِ واشْتَدَّ الغُرُورُ بِأنْفُسِهِمْ فَأضاعُوا الجانِبَ الأهَمَّ لِلْإنْسانِ وهو جانِبُ الدِّينِ وزَكاءُ النَّفْسِ وأهْمَلُوا أنْ يَقْصِدُوا مِن أعْمالِهِمُ المَقاصِدَ النّافِعَةَ ونِيَّةَ إرْضاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِهِمْ لِحُبِّ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، واسْتَخَفُّوا بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَحْمَقُوا النّاصِحِينَ، وأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هُودًا فَفاتَحَهم بِالتَّوْبِيخِ عَلى ما فُتِنُوا بِالإعْجابِ بِهِ وبِذَمِّهِ إذْ ألْهاهُمُ التَّنافُسُ فِيهِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَنَبَذُوا اتِّباعَ الشَّرائِعِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ. فَمِن سابِقِ أعْمالِ عادٍ أنَّهم كانُوا بَنَوْا في طُرُقِ أسْفارِهِمْ أعْلامًا ومَناراتٍ تَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ كَيْلا يَضِلَّ
صفحة ١٦٦
السّائِرُونَ في تِلْكَ الرِّمالِ المُتَنَقِّلَةِ الَّتِي لا تَبْقى فِيها آثارُ السّائِرِينَ واحْتَفَرُوا وشَيَّدُوا مَصانِعَ لِلْمِياهِ وهي الصَّهارِيجُ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ في الشِّتاءِ لِيَشْرَبَ مِنها المُسافِرُونَ ويَنْتَفِعَ بِها الحاضِرُونَ في زَمَنِ قِلَّةِ الأمْطارِ، وبَنَوْا حُصُونًا وقُصُورًا عَلى أشْرافٍ مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في ذاتِها؛ لِأنَّ فِيها حِفْظَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الفَيافِي بِضَلالِ الطُّرُقِ، ومِنَ الهَلَكَةِ عَطَشًا إذا فَقَدُوا الماءَ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَمَتى أُرِيدَ بِها رِضى اللَّهِ تَعالى بِنَفْعِ عَبِيدِهِ كانَتْ جَدِيرَةً بِالثَّناءِ عاجِلًا والثَّوابِ آجِلًا.
فَأمّا إذا أُهْمِلَ إرْضاءُ اللَّهِ تَعالى بِها واتُّخِذَتْ لِلرِّياءِ والغُرُورِ بِالعَظَمَةِ وكانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ وعَنْ عِبادَةِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ عَظَمَةً دُنْيَوِيَّةً مَحْضَةً لا يُنْظَرُ فِيها إلى جانِبِ النَّفْعِ ولا تَحُثُّ النّاسَ عَلى الِاقْتِداءِ في تَأْسِيسِ أمْثالِها وقُصاراها التَّمَدُّحُ بِما وجَدُوهُ مِنها. فَصارَ وُجُودُها شَبِيهًا بِالعَبَثِ؛ لِأنَّها خَلَتْ عَنْ رُوحِ المَقاصِدِ الحَسَنَةِ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِيَكُونَ مَظْهَرَ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ. وكانُوا أيْضًا في الإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ والِاقْتِصارِ عَلى التَّزَوُّدِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم خالِدِينَ في الدُّنْيا.
والأعْمالُ إذا خَلَتْ عَنْ مُراعاةِ المَقاصِدِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى اخْتَلَفَتْ مَشارِبُ عامِلِيها طَرائِقَ قِدَدًا عَلى اخْتِلافِ الهِمَمِ واجْتِلابِ المَصالِحِ الخاصَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أنْكَرَها عَلَيْهِمْ رَسُولُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى سُنَّةِ المَواعِظِ فَإنَّها تُبْنى عَلى مُراعاةِ ما في الأعْمالِ مِنَ الضُّرِّ الرّاجِحِ عَلى النَّفْعِ فَلا يَلْفِتُ الواعِظُ إلى ما عَسى أنْ يَكُونَ في الأعْمالِ مِن مَرْجُوحٍ إذا كانَ ذَلِكَ النَّفْعُ مَرْغُوبًا لِلنّاسِ، فَإنَّ باعِثَ الرَّغْبَةِ المُنْبَثَّ في النّاسِ مُغْنٍ عَنْ تَرْغِيبِهِمْ فِيهِ، وتَصَدِّي الواعِظِ لِذَلِكَ فُضُولٌ وخُرُوجٌ عَنِ المَقْصِدِ بِتَحْذِيرِهِمْ أوْ تَحْرِيضِهِمْ فِيما عَدا ذَلِكَ، وإذا كانَ الباعِثُ عَلى الخَيْرِ مَفْقُودًا أوْ ضَئِيلًا. وقَدْ كانَ هَذا المَقامُ مَقامَ مَوْعِظَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] . ومَقامُ المَوْعِظَةِ أوْسَعُ مِن مَقامِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ فَمَوْعِظَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأدْواءِ الرُّوحِيَّةِ ولَيْسَ في مَوْعِظَتِهِ أمْرٌ بِتَغْيِيرِ ما بَنَوْهُ مِنَ العَلاماتِ ولا ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَصانِعِ.
ولَمّا صارَ أثَرُ البِناءِ شاغِلًا عَنِ المَقْصِدِ النّافِعِ لِلْحَياةِ في الآخِرَةِ نُزِّلَ فِعْلُهم
صفحة ١٦٧
المُفْضِي إلى العَبَثِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُ العَبَثُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ البِناءَ بِإدْخالِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى فِعْلِ (تَبْنُونَ)، وقُيِّدَ بِجُمْلَةِ (تَعْبَثُونَ) الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَبْنُونَ)، مَعَ أنَّهم لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ ما أرادُوا بِفِعْلِهِمْ عَبَثًا، فَمَناطُ الإنْكارِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ هو البِناءُ المُقَيَّدُ بِالعَبَثِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذا دَخَلَ عَلى مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ.
وكَذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو جُمْلَةُ (﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾) هو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ ومُقَيَّدٌ بِها المَعْطُوفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ المُتَوَسِّطَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَرْجِعُ إلى كِلْتَيْهِما عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ لا سِيَّما إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ البِناءِ والآياتِ والمَصانِعِ كَما سَيَأْتِي. وفي بَعْضِ ما قالُوهُ ما هو مُتَحَمِّضٌ لِلَّهْوِ والعَبَثِ والفَسادِ، وفي بَعْضِهِ ما الأصْلُ فِيهِ الإباحَةُ، وفي بَعْضِهِ ما هو صَلاحٌ ونَفْعٌ كَما سَيَأْتِي.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (أتَبْنُونَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ (ألا تَتَّقُونَ) فَإنَّ مَضْمُونَها مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّقْوى الَّذِي تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الإنْكارُ وهو في مَعْنى النَّفْيِ.
والرِّيعُ بِكَسْرِ الرّاءِ: الشَّرَفُ، أيِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّرِيقُ والفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ الآيَةُ عَلى المَصْنُوعِ المُعْجِبِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى إتْقانِ صانِعِهِ أوْ عَظَمَةِ صاحِبِهِ.
و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: في الأرْياعِ المُشْرِفَةِ عَلى الطُّرُقِ المَسْلُوكَةِ، والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ نَفْعٍ فِيهِ.
والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعٍ وأصْلُهُ مَفْعَلٌ مُشْتَقٌّ مِن صَنَعَ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فَقِيلَ: هو الجابِيَةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: مَبْنِيَّةٌ بِالجِيرِ يُخَزَّنُ بِها الماءُ ويُسَمّى صِهْرِيجًا وماجِلًا، وقِيلَ: قُصُورٌ وهو عَنْ مُجاهِدٍ.
وكانَتْ بِلادُ عادٍ ما بَيْنَ عَمّانَ وحَضْرَمَوْتَ شَرْقًا وغَرْبًا ومُتَغَلْغِلَةً في الشَّمالِ إلى الرِّمالِ وهي الأحْقاقُ.
صفحة ١٦٨
وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ. و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهو طَلَبُ المُتَكَلِّمِ شَيْئًا مُسْتَقْرَبَ الحُصُولِ، والكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: أرْجُو لَكُمُ الخُلُودَ بِسَبَبِ تِلْكَ المَصانِعِ. وقِيلَ: جَعَلَتْ عادٌ بِناياتٍ عَلى المُرْتَفَعاتِ عَلى الطُّرُقِ يَعْبَثُونَ فِيها ويَسْخَرُونَ بِالمارَّةِ. وقَدْ يُفَسَّرُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الأُمَّةَ في حالِ انْحِطاطِها حَوَّلَتْ ما كانَ مَوْضُوعًا لِلْمَصالِحِ إلى مَفاسِدَ فَعَمَدُوا إلى ما كانَ مَبْنِيًّا لِقَصْدِ تَيْسِيرِ السَّيْرِ والأمْنِ عَلى السّابِلَةِ مِنَ الضَّلالِ في الفَيافِي المُهْلِكَةِ فَجَعَلُوهُ مَكامِنَ لَهْوٍ وسُخْرِيَةٍ كَما اتُّخِذَتْ بَعْضُ أدْيِرَةِ النَّصارى في بِلادِ العَرَبِ مَجالِسَ خَمْرٍ، وكَما أدْرَكْنا الصَّهارِيجَ الَّتِي في قَرْطاجَنَّةَ كانَتْ خَزّانًا لِمِياهِ زَغْوانَ المُنْسابَةِ إلَيْها عَلى الحَنايا فَرَأيْناها مَكامِنَ لِلِّصُوصِ ومَخازِنَ لِلدَّوابِّ إلى أوَّلِ هَذا القَرْنِ سَنَةَ ١٣٠٣ هـ.
وقِيلَ: إنَّ المَصانِعَ قُصُورٌ عَظِيمَةٌ اتَّخَذُوها فَيَكُونُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مُتَوَجِّهًا إلى الإسْرافِ في الإنْفاقِ عَلى أبْنِيَةٍ راسِخَةٍ مَكِينَةٍ كَأنَّها تَمْنَعُهم مِنَ المَوْتِ فَيَكُونُ الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ المَوْعِظَةِ مِنَ التَّوَغُّلِ في التَّرَفِ والتَّعاظُمِ. هَذا ما اسْتَخْلَصْناهُ مِن كَلِماتٍ انْتَثَرَتْ في أقْوالٍ عَنِ المُفَسِّرِينَ وهي تَدُلُّ عَلى حِيرَةٍ مِن خِلالِ كَلامِهِمْ في تَوْجِيهِ إنْكارِ هُودٍ عَلى قَوْمِهِ عَمَلَيْنِ كانا مَعْدُودَيْنِ في النّافِعِ مِن أعْمالِ الأُمَمِ وأحْسَبُ أنْ قَدْ أزَلْنا تِلْكَ الحَيْرَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أعْقَبَ بِهِ مَوْعِظَتَهم عَلى اللَّهْوِ واللَّعِبِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا بِأنَّ وعْظَهم عَلى الشِّدَّةِ عَلى الخَلْقِ في العُقُوبَةِ وهَذا مِن عَدَمِ التَّوازُنِ في العُقُولِ فَهم يَبْنُونَ العَلاماتِ لِإرْشادِ السّابِلَةِ ويَصْطَنِعُونَ المَصانِعَ لِإغاثَةِ العِطاشِ، فَكَيْفَ يُلاقِي هَذا التَّفْكِيرُ تَفْكِيرًا بِالإفْراطِ في الشِّدَّةِ عَلى النّاسِ في البَطْشِ بِهِمْ، أيْ: عُقُوبَتِهِمْ.
والبَطْشُ: الضَّرْبُ عِنْدَ الغَضَبِ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في آخِرِ الأعْرافِ.
و(جَبّارِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بَطَشْتُمْ) وهو جَمْعُ جَبّارٍ، والجَبّارُ: الشَّدِيدُ في غَيْرِ الحَقِّ. فالمَعْنى: إذا بَطَشْتُمْ كانَ بَطْشُكم في حالَةِ التَّجَبُّرِ، أيِ: الإفْراطُ في الأذى وهو ظُلْمٌ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . وشَأْنُ العِقابِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُناسِبٌ لِلذَّنْبِ
صفحة ١٦٩
المُعاقَبِ عَلَيْهِ بِلا إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ في البَطْشِ فالإفْراطُ اسْتِخْفافٌ بِحُقُوقِ الخَلْقِ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفانِ مِن أهْلِ النّارِ لَمْ أرَهُما: قَوْمٌ مَعَهم سِياطٌ كَأذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِها النّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ» . . الحَدِيثَ. ووَقَعَ فِعْلُ (بَطَشْتُمْ) الثّانِي جَوابًا لِ (إذا) وهو مُرادِفٌ لِفِعْلِ شَرْطِها لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ وفِعْلِ الجَوابِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ وإنَّما يُقْصَدُ مِثْلُ هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ مَدْلُولِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences