Ibn 'AshurAsh‑Shu'ara · 26:165–191

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:165–191

26:165–166Page 374

أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٥

Do you approach males among the worlds1

وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ ١٦٦

And leave what your Lord has created for you as mates? But you are a people transgressing."

﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ .

هُوَ في الِاسْتِئْنافِ كَقَوْلِهِ: (أتُتْرَكُونَ) في قِصَّةِ ثَمُودَ. والإتْيانُ: كِنايَةٌ. والذُّكْرانَ: جَمْعُ ذَكَرٍ وهو ضِدُّ الأُنْثى. وقَوْلُهُ: (مِنَ العالَمِينَ) الأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ في

صفحة ١٧٩

مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في (أتَأْتُونَ) . و(مِن) فَصْلِيَّةٌ، أيْ: تُفِيدُ مَعْنى الفَصْلِ بَيْنَ مُتَخالِفَيْنِ بِحَيْثُ لا يُماثِلُ أحَدُهُما الآخَرُ. فالمَعْنى: مَفْصُولَيْنِ مِنَ العالَمِينَ لا يُماثِلُكم في ذَلِكَ صِنْفٌ مِنَ العالَمِينَ. وهَذا المَعْنى جَوَّزَهُ في الكَشّافِ ثانِيًا وهو أوْفَقُ بِمَعْنى (العالَمِينَ) الَّذِي المُخْتارُ فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ (عالَمٍ) بِمَعْنى النَّوْعِ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

وإثْباتُ مَعْنى الفَصْلِ لِحَرْفِ (مِن) قالَهُ ابْنُ مالِكٍ، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] . ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ وهو مَعْنًى رَشِيقٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَعْنى الِابْتِداءِ ومَعْنى البَدَلِيَّةِ ولَيْسَ أحَدُهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مُخالِفِينَ جَمِيعَ العالَمِينَ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي فِيها ذُكُورٌ وإناثٌ فَإنَّها لا يُوجَدُ فِيها ما يَأْتِي الذُّكُورَ.

فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ الفَظِيعَ مُخالِفٌ لِلْفِطْرَةِ لا يَقَعُ مِنَ الحَيَوانِ العَجَمِ، فَهو عَمَلٌ ابْتَدَعُوهُ ما فَعَلَهُ غَيْرُهم، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] .

والمُرادُ بِالأزْواجِ: الإناثُ مِن نَوْعٍ، وإطْلاقُ اسْمِ الأزْواجِ عَلَيْهِنَّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، فَفي هَذا المَجازِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرْجُو ارْعِواءَهم.

وفِي قَوْلِهِ: (﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾) إيماءٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالصَّلاحِيَةِ الفِطْرِيَّةِ لِعَمَلٍ عَلى بُطْلانِ عَمَلٍ يُضادُّهُ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ. فَهو مِن تَغْيِيرِ الشَّيْطانِ وإفْسادِهِ لِسُنَّةِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] .

و(بَلْ) لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ المَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ إلى مَقامِ الذَّمِّ تَغْلِيظًا لِلْإنْكارِ بَعْدَ لِينِهِ؛ لِأنَّ شَرَفَ الرِّسالَةِ يَقْتَضِي الإعْلانَ بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأخْذِ بِأصْرَحِ مَراتِبِ الإعْلانِ فَإنَّهُ إنِ اسْتَطاعَ بِلِسانِهِ غَلِيظَ الإنْكارِ لا يَنْزِلُ مِنهُ إلى لِينِهِ وأنَّهُ يَبْتَدِئُ بِاللِّينِ فَإنْ لَمْ يَنْفَعِ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أشَدُّ ولِذَلِكَ انْتَقَلَ لُوطٌ مِن قَوْلِهِ:

صفحة ١٨٠

﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ .

وفِي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: (﴿أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: بَلْ كُنْتُمْ عادِينَ، مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ نِسْبَةِ العُدْوانِ إلَيْهِمْ. وفي جَعْلِ الخَبَرِ (قَوْمٌ عادُونَ) دُونَ اقْتِصارٍ عَلى (عادُونَ) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العُدْوانَ سَجِيَّةٌ فِيهِمْ حَتّى كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعادِي: هو الَّذِي تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقالُ: عَدا عَلَيْهِ، أيْ: ظَلَمَهُ، وعُدْوانُهم خُرُوجُهم عَنِ الحَدِّ المَوْضُوعِ بِوَضْعِ الفِطْرَةِ إلى ما هو مُنافٍ لَها مَحْفُوفٌ بِمَفاسِدِ التَّغْيِيرِ لِلطَّبْعِ.

26:167–173Page 374

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ ١٦٧

They said, "If you do not desist, O Lot, you will surely be of those evicted."

قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ ١٦٨

He said, "Indeed, I am, toward your deed, of those who detest [it].

رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ ١٦٩

My Lord, save me and my family from [the consequence of] what they do."

فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٧٠

So We saved him and his family, all,

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٧١

Except an old woman1 among those who remained behind.

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٧٢

Then We destroyed the others.

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٣

And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ .

قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ.

وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا.

صفحة ١٨١

وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ.

والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) .

والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ.

والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ.

والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.

و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

26:174–175Page 374

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٤

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

صفحة ١٨٢

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

أيْ في قِصَّتِهِمُ المَعْلُومَةِ لِلْمُشْرِكِينَ آيَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

26:176–180Page 374

كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦

The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧

When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ.

وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ.

ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ

صفحة ١٨٣

بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:

إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ

وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ.

صفحة ١٨٤

والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ.

وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ.

وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

26:181–183Page 374

۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١

Give full measure and do not be of those who cause loss.

وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢

And weigh with an even [i.e., honest] balance.

وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣

And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.

﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقُسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مِن كَلامِهِ انْتَقَلَ بِهِ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ الأصْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) إلى آخِرِهِ إلى الدَّعْوَةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِوَضْعِ قَوانِينِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم، فَقَدْ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ يُطَفِّفُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ أشْياءَ النّاسِ إذا ابْتاعُوها مِنهم، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. فَأمّا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والمِيزانِ فَظُلْمٌ وأكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، ولَمّا كانَ تُجّارُهم قَدْ تَمالَئُوا عَلَيْهِ اضْطُرَّ النّاسُ إلى التَّبايُعِ بِالتَّطْفِيفِ.

و(أوْفُوا) أمْرٌ بِالإيفاءِ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ تامًّا، أيِ: اجْعَلُوا الكَيْلَ غَيْرَ ناقِصٍ. والمُخْسِرُ: فاعِلُ الخَسارَةِ لِغَيْرِهِ، أيِ: المُنْقِصُ، فَمَعْنى (﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾) لا تَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ. وصَوْغُ (مِنَ المُخْسِرِينَ) أبْلَغُ مِن: لا تَكُونُوا مُخْسِرِينَ. لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أهْلِ هَذا الصَّنِيعِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في عِدَّةِ آياتٍ مِنها قَوْلُهُ (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) في قِصَّةِ نُوحٍ.

صفحة ١٨٥

والقِسْطاسُ: بِضَمِّ القافِ وبِكَسْرِها مِن أسْماءِ العَدْلِ، ومِن أسْماءِ المِيزانِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، حُمِلَ عَلى المَعْنَيَيْنِ هُنا كَما هُنالِكَ وإنْ كانَ الوَصْفُ بِ (المُسْتَقِيمِ) يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ بِهِ المِيزانُ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ هَذا التَّشْرِيعُ في قِصَّتِهِ في الأعْرافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِالقُسْطاسِ) بِضَمِّ القافِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِكَسْرِ القافِ.

وبَخْسُ أشْياءِ النّاسِ: غَبْنُ مَنافِعِها وذَمُّها بِغَيْرِ ما فِيها لِيَضْطَرُّوهم إلى بَيْعِها بِغَبْنٍ، وأمّا الفَسادُ فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِ المُعامَلاتِ الضّارَّةِ.

والبَخْسُ: النَّقْصُ والذَّمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ. ومِن بَخْسِ الأشْياءِ أنْ يَقُولُوا لِلَّذِي يَعْرِضُ سِلْعَةً سَلِيمَةً لِلْبَيْعِ: إنَّ سِلْعَتَكَ رَدِيئَةٌ لِيَصْرِفَ عَنْها الرّاغِبِينَ فَيَشْتَرِيَها بِرُخْصٍ.

26:184Page 375

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤

And fear He who created you and the former creation."1

﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ .

أكَّدَ قَوْلَهُ في صَدْرِ خِطابِهِ (فاتَّقُوا اللَّهَ) بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وزادَ فِيهِ دَلِيلَ اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم وخَلَقَ الأُمَمَ مِن قَبْلِهِمْ، وبِاعْتِبارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ أدْخَلَ حَرْفَ العَطْفِ عَلى فِعْلِ (اتَّقُوا) ولَوْ كانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَمْ يَصِحَّ عَطْفُهُ. وفي قَوْلِهِ (الَّذِي خَلَقَكم) إيماءٌ إلى نَبْذِ اتِّقاءِ غَيْرِهِ مِن شُرَكائِهِمْ.

والجِبِلَّةُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ: الخِلْقَةُ، وأُرِيدَ بِهِ المَخْلُوقاتُ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ اسْمٌ كالمَصْدَرِ ولِهَذا وُصِفَ بِ (الأوَّلِينَ) . وقِيلَ: أطْلَقَ الجِبِلَّةَ عَلى أهْلِها، أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ. والمَعْنى: الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ الأُمَمَ قَبْلَكم.

26:185–188Page 375

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥

They said, "You are only of those affected by magic.

وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦

You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.

فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧

So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."

قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨

He said, "My Lord is most knowing of what you do."

صفحة ١٨٦

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّيَ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

نَفَوْا رِسالَتَهُ عَنِ اللَّهِ كِنايَةً وتَصْرِيحًا فَزَعَمُوهُ مَسْحُورًا، أيْ: مُخْتَلُّ الإدْراكِ والتَّصَوُّراتِ مِن جَرّاءِ سِحْرٍ سُلِّطَ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ رِسالَةً عَنِ اللَّهِ. وفي صِيغَةِ (مِنَ المُسَحَّرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، مِنَ ﴿المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، ﴿مِنَ المُخْرِجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]) .

والإتْيانُ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) يَجْعَلُ كَوْنَهُ بَشَرًا إبْطالًا ثانِيًا لِرِسالَتِهِ. وتَرْكُ العَطْفِ في قِصَّةِ ثَمُودَ يَجْعَلُ كَوْنُهُ بَشَرًا حُجَّةً عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ لَيْسَ وحْيًا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مِن تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَسْحُورًا. فَمَآلُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ولَكِنَّ طَرِيقَ إفادَتِهِ مُخْتَلِفٌ وذَلِكَ عَلى حَسَبِ أُسْلُوبِ الحِكايَتَيْنِ.

وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى اليَقِينِ في (﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾) وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَرِينَتُهُ هُنا دُخُولُ اللّامِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ (ظَنَّ)؛ لِأنَّ أصْلَها لامُ قَسَمٍ.

و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ الكاذِبِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ، وحَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما أصْلُهُ الخَبَرُ فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: وإنْ أنْتَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، لَكِنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا في المُخَفَّفَةِ فَكَثِيرًا ما يُدْخِلُونَها عَلى الفِعْلِ النّاسِخِ لِشِدَّةِ اخْتِصاصِهِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَيَجْتَمِعُ في الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ ناسِخانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في مَثَلِهِ: ونَظُنُّ أنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَوَقَعَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لِأجْلِ تَصْدِيرِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّ) وأخَواتِها لَها صَدْرُ الكَلامِ ما عَدا (أنِ) المَفْتُوحَةَ. وأحْسَبُ أنَّهم ما يُخَفِّفُونَ (إنَّ) إلّا عِنْدَ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلٍ مِنَ النَّواسِخِ عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، فالَّذِي يَقُولُ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، أرادَ أنْ يَقُولَ: أظُنُّ أنَّكَ لَخائِفٌ، فَقَدَّمَ (إنَّ) وخَفَّفَها وصَيَّرَ خَبَرَها مَفْعُولًا لِفِعْلِ الظَّنِّ، فَصارَ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ حَرْفَ نَفْيٍ ويَجْعَلُونَ اللّامَ بِمَعْنى (إلّا) .

صفحة ١٨٧

والأمْرُ في (فَأسْقِطْ) أمْرُ تَعْجِيزٍ.

والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ مَن عَدا حَفْصًا: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ في الكَشّافِ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ قِطْعٍ وسِدْرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] .

وقَرَأ حَفْصٌ (كِسَفًا) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (كَسْفٍ) كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ.

وقَوْلُهم: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ كَقَوْلِ ثَمُودَ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] إلّا أنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا الآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أنَّ تَعْيِينَها اقْتِراحٌ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ شُعَيْبًا أنْذَرَهم بِكِسَفٍ يَأْتِي فِيهِ عَذابٌ. وذَلِكَ هو يَوْمُ الظُّلَّةِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ جَوابُ شُعَيْبٍ بِإسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ فَهو العالِمُ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ ومِقْدارِهِ. و(أعْلَمُ) هُنا مُبالَغَةٌ في العالِمِ ولَيْسَ هو بِتَفْضِيلٍ.

26:189Page 375

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩

And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .

الظُّلَّةُ: السَّحابَةُ، كانَتْ فِيها صَواعِقُ مُتَتابِعَةٌ أصابَتْهم فَأهْلَكَتْهم كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ كانَ العَذابُ مِن جِنْسِ ما سَألُوهُ، ومِن إسْقاطِ شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ. وقَوْلُهُ (فَكَذَّبُوهُ) الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ مِن قَوْلِهِمْ: (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥]) أنَّهم كَذَّبُوهُ، أيْ: تَبَيَّنَ التَّكْذِيبُ والثَّباتُ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَصَدُوهُ مِن تَعْجِيزِهِ؛ إذْ قالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] . وفي إعادَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ إيقاظٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم كَحالِ أصْحابِ شُعَيْبٍ فَيُوشِكُ أنْ يَكُونَ عِقابُهم كَذَلِكَ.

26:190–191Page 375

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .

أيْ في ذَلِكَ آيَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانَ حالُهم كَحالِ أصْحابِ لَيْكَةَ فَقَدْ كانُوا

صفحة ١٨٨

مِنَ المُطَفِّفِينَ مَعَ الإشْراكِ قالَ تَعالى (﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ آيَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٠٣]) إلَخْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском