Ibn 'AshurAsh‑Shu'ara · 26:210–223

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:210–223

26:210–212Page 376

وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠

And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1

وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١

It is not allowable for them, nor would they be able.

إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢

Indeed they, from [its] hearing, are removed.1

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ اسْتَدْعاهُ تَناسُبُ المَعانِي وأخْذُ بَعْضِها بِحُجَزِ بَعْضٍ تَفَنُّنًا في الغَرَضِ. وهَذا رَدٌّ عَلى

صفحة ١٩٩

قَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ هو كاهِنٌ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، وزَعْمِهِمْ أنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ شَيْطانٌ؛ فَقَدْ قالَتِ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ لَمّا تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ لَيْلَتَيْنِ لِمَرَضٍ: أرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. ولِذَلِكَ كانَ مِن جُمْلَةِ ما راجَعَهم بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ حِينَ شاوَرَهُ المُشْرِكُونَ فِيما يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: نَقُولُ: كَلامُهُ كَلامُ كاهِنٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِزَمْزَمَتِهِ. وكَلامُ الكُهّانِ في مَزاعِمِهِمْ مِن إلْقاءِ الجِنِّ إلَيْهِمْ، وإنَّما هو خَواطِرُ نُفُوسِهِمْ يَنْسُبُونَها إلى شَياطِينِهِمُ المَزْعُومَةِ. نُفِيَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيِ: الكُهّانُ لا يَجِيشُ في نُفُوسِهِمْ كَلامٌ مِثْلُ القُرْآنِ فَما كانَ لِشَياطِينِ الكُهّانِ أنْ يُفِيضُوا عَلى نُفُوسِ أوْلِيائِهِمْ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ. فالكَهانَةُ مِن كَذِبِ الكُهّانِ وتَمْوِيهِهِمْ، وأخْبارُ الكُهّانِ كُلُّها أقاصِيصُ وسَّعَها النّاقِلُونَ.

فالتَّعْرِيفُ في (السَّمْعِ) لِلْعَهْدِ وهو ما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ مِن أنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، أيْ: تَتَحَيَّلُ عَلى الِاتِّصالِ بِعِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى. ذَلِكَ أنَّ الكُهّانَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَأْتِيهِمْ بِأخْبارِ ما يُقَدَّرُ في المَلَأِ الأعْلى مِمّا سَيَظْهَرُ حُدُوثُهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَلِذَلِكَ نُفِيَ هُنا تَنَزُّلُ الشَّياطِينِ بِكَلامِ القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّياطِينَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِأخْبارِ ما سَيَكُونُ. وبَيانُ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ ويَأْتِي في سُورَةِ الصّافّاتِ.

ومَعْنى (﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾) ما يَسْتَقِيمُ وما يَصِحُّ، أيْ: لا يَسْتَقِيمُ لَهم تَلَقِّي كَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي الشَّأْنُ أنْ يَتَلَقّاهُ الرُّوحُ الأمِينُ، وما يَسْتَطِيعُونَ تَلَقِّيهِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ الشَّيْطانِيَّةَ ظَلْمانِيَّةٌ خَبِيثَةٌ بِالذّاتِ فَلا تَقْبَلُ الِانْتِقاشَ بِصُوَرِ ما يَجْرِي في عالَمِ الغَيْبِ فَإنَّ قَبُولَ فَيَضانِ الحَقِّ مَشْرُوطٌ بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ المَبْدَأِ والقابِلِ.

فَضَمِيرُ (يَنْبَغِي) عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (بِهِ)، أيْ: ما يَنْبَغِي القُرْآنُ لَهم، أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يَنْزِلُوا بِهِ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ. ومَفْعُولُ (يَسْتَطِيعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُونَهُ. وأُعِيدَتِ الضَّمائِرُ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أضْمَرَ لَهم بِضَمِيرِ غَيْرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (وما تَنَزَّلَتْ) اعْتِبارًا بِمُلابَسَةِ ذَلِكَ لِلْكُهّانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ صِنْفًا مِنَ الشَّياطِينِ يَتَهَيَّأُ لِلتَّلَقِّي بِما يُسَمّى اسْتِراقُ السَّمْعِ وأنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهُ بِالشُّهُبِ. واسْتُؤْنِفَ بِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فَكانَ

صفحة ٢٠٠

ذَلِكَ كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَهُ وهو بِعُمُومِهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ.

والمَعْزُولُ: المُبْعَدُ عَنْ أمْرٍ فَهو في عُزْلَةٍ عَنْهُ. وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَهانَةِ مَن أصْلِها وهي وإنْ كانَتْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الِاتِّصالِ بِالقُوى الرُّوحِيَّةِ في سالِفِ الزَّمانِ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ مُنْذُ ظُهُورِ الإسْلامِ.

26:213Page 376

فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣

So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .

لَمّا وجَّهَ الخِطابَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] إلى هُنا، في آياتٍ أشادَتْ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وحَقَّقَتْ صِدْقَهُ بِأنَّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ وشَهِدَ بِهِ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْحى عَلى المُشْرِكِينَ بِإبْطالِ ما ألْصَقُوهُ بِالقُرْآنِ مِن بُهْتانِهِمْ، لا جَرَمَ اقْتَضى ذَلِكَ ثُبُوتَ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ. وأصْلُ ذَلِكَ هو إبْطالُ دِينِ الشِّرْكِ الَّذِي تَقَلَّدَتْهُ قُرَيْشٌ وغَيْرُها وناضَلَتْ عَلَيْهِ بِالأكاذِيبِ؛ فَناسَبَ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ.

فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلِلِاهْتِمامِ بِهَذا النَّهْيِ وقَعَ تَوْجِيهُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ مُنْتَهٍ عَنْ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلَّذِينِ هم مُتَلَبِّسُونَ بِالإشْراكِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] . والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الخِطابِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَبْلُغُهُ الخِطابُ.

فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونُوا مِنَ المُعَذَّبِينَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ أنَّهم سَيُعَذَّبُونَ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ وأصْحابَهُ غَيْرُ مُشْرِكِينَ.

26:214Page 376

وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤

And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.

﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، فَهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخاصِّ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِقَبُولِ

صفحة ٢٠١

نُصْحِهِ وتَعْزِيزِ جانِبِهِ ولِئَلّا يَسْبِقَ إلى أذْهانِهِمْ أنَّ ما يُلْقِيهِ الرَّسُولُ مِنَ الغِلْظَةِ في الإنْذارِ وأهْوالِ الوَعِيدِ لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَرابَةُ هَذا المُنْذِرِ وخاصَّتُهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﷺ في نِدائِهِ لَهم («لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» )، وأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِقِلَّةِ رَعْيِ كَثِيرٍ مِنهم حَقَّ القَرابَةِ إذْ آذاهُ كَثِيرٌ مِنهم وعَصَوْهُ مِثْلُ أبِي لَهَبٍ فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم ناجُونَ في الحالَتَيْنِ وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهم لا يُكْتَفى مِن مُؤْمِنِهِمْ بِإيمانِهِ حَتّى يَضُمَّ إلَيْهِ العَمَلَ الصّالِحَ؛ فَهَذا مِمّا يَدْخُلُ في النَّذارَةِ، ولِذَلِكَ دَعا النَّبِيءُ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَرابَتَهُ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ.

فَفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ يَجْمَعُها قَوْلُهم «لَمّا نَزَلَتْ (﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾) قامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هو، فَقالَ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَعَمَّ وخَصَّ، يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي هاشِمٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، اشْتَرُوا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي مِن مالِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» ) وكانَتْ صَفِيَّةُ وفاطِمَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وكانَ إنْذارُهُما إعْمالًا لِفِعْلِ الأمْرِ في مَعانِيهِ كُلِّها مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ وإلى صالِحِ الأعْمالِ؛ فَجَمَعَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ الإنْذارِ مِنَ الشِّرْكِ والإنْذارِ مِنَ المَعاصِي لِأنَّهُ أنْذَرَ صَفِيَّةَ وفاطِمَةَ وكانَتا مُسْلِمَتَيْنِ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعَدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ. لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هو، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: أرَأيْتَكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي

صفحة ٢٠٢

تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد»: ٢] .

وهَذا الحَدِيثُ يَقْتَضِي أنَّ سُورَةَ الشُّعَراءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ مَعَ أنَّ سُورَةَ أبِي لَهَبٍ عُدَّتِ السّادِسَةَ في عِدادِ السُّورِ وسُورَةَ الشُّعَراءِ عُدَّتِ السّابِعَةَ والأرْبَعِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ نَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الشُّعَراءِ مُفْرَدًا، فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لَمّا نَزَلَتْ (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) وأنَّ ذَلِكَ نُسِخَ. فَلَعَلَّ الآيَةَ نَزَلَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ نُسِخَتْ تِلاوَتُها ثُمَّ أُعِيدَ نُزُولُ بَعْضِها في جُمْلَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ.

والعَشِيرَةُ: الأدْنُونَ مِنَ القَبِيلَةِ، فَوَصْفُ (الأقْرَبِينَ) تَأْكِيدٌ لِمَعْنى العَشِيرَةِ واجْتِلابٌ لِقُلُوبِهِمْ إلى إجابَةِ ما دَعاهم إلَيْهِ وتَعْرِيضٌ بِأهْلِ الإدانَةِ مِنهم.

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

.

وإلى هَذا يُشِيرُ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ الدَّعْوَةِ المُتَقَدِّمَةِ «غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» أيْ: ذَلِكَ مُنْتَهى ما أمْلِكُ لَكم حِينَ لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَيَحِقُّ عَلَيْكم أنْ تَبُلُّوا لِي رَحِمِي مِمّا تَمْلِكُونَ فَإنَّكم تَمْلِكُونَ أنْ تَسْتَجِيبُوا لِي.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ العَشِيرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] في سُورَةِ بَراءَةَ.

26:215Page 376

وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥

And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.

﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .

مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ابْتِدارًا لِكَرامَةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، وبَعْدَ الأمْرِ بِالإنْذارِ الَّذِي لا يَخْلُو مِن وقْعٍ ألِيمٍ في النُّفُوسِ.

وخَفْضُ الجَناحِ: مَثَلٌ لِلْمُعامَلَةِ بِاللِّينِ والتَّواضُعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]

صفحة ٢٠٣

فِي سُورَةِ الإسْراءِ. والجَناحُ لِلطّائِرِ بِمَنزِلَةِ اليَدَيْنِ لِلدَّوابِّ، وبِالجَناحَيْنِ يَكُونُ الطَّيَرانُ.

و(﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾) بَيانٌ لِ (﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾) فَإنَّ المُرادَ المُتابَعَةُ في الدِّينِ وهي الإيمانُ. والغَرَضُ مِن هَذا البَيانِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الإيمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْفِضْ جَناحَكَ لَهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وجَبْرٍ لِخاطِرِ المُؤْمِنِينَ مِن قَرابَتِهِ. ولِذَلِكَ لَمّا نادى في دُعائِهِ صَفِيَّةَ قالَ: عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ. ولَمّا نادى فاطِمَةَ قالَ: بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ. تَأْنِيسًا لَهُما، فَهَذا مِن خَفْضِ الجَناحِ ولَمْ يُقَلْ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْعَبّاسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا.

26:216Page 376

فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦

And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."

﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] أيْ: عَصَوْا أمْرَكَ المُسْتَفادَ مِنَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، أيْ: فَإنْ عَصاكَ عَشِيرَتُكَ فَما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَتَبَرَّأ مِن عَمَلِهِمْ، وهَذا هو مَثارُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم في دَعْوَتِهِ: «غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» فالتَّبَرُّؤُ إنَّما هو مِن كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن صِلَتِهِمْ لِأجْلِ الرَّحِمِ وإعادَةِ النُّصْحِ لَهم كَما قالَ: «قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى» . وإنَّما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ لِإظْهارِ أنَّهم أهْلٌ لِلتَّبَرُّؤِ مِن أعْمالِهِمْ فَلا يَقْتَصِرُ عَلى إضْمارِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ.

26:217–220Page 376

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧

And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,

ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨

Who sees you when you arise1

وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩

And your movement among those who prostrate.1

إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠

Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

وعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالعَوْذِ مِن شَرِّ أُولَئِكَ الأعْداءِ وتَنْصِيصًا عَلى اتِّصالِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِ: (إنِّي بَرِيءٌ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وتَوَكَّلْ) بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتَوَكَّلْ، وعَطْفُهُ عَلى الجَوابِ يَقْتَضِي تَسَبُّبَهُ عَلى الشَّرْطِ كَتَسَبُّبِ الجَوابِ وهو يَسْتَلْزِمُ البِدارَ بِهِ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ طَرِيقُ انْتِزاعِهِ.

صفحة ٢٠٤

والمَعْنى: فَإنْ عَصاكَ أهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم. ولَمّا كانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجافاةٍ وعَداوَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأنْ لا يَعْبَأ بِهِمْ وأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فَهو كافِيهِ كَما قالَ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما تَبِعَهُما مِنَ الوَصْفِ المَوْصُولِ وما ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ يُلاحِظُ قَوْلَهُ ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يَأْتِي بِما أوْمَأتْ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفاتُ ومُسْتَتْبَعاتُها بِوَصْفِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بِعِزَّتِهِ قادِرٌ عَلى تَغَلُّبِهِ عَلى عَدُوِّهِ الَّذِي هو أقْوى مِنهُ، وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنهم. وقَدْ لُوحِظَ هَذانِ الِاسْمانِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذا الِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ.

والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ المَرْءِ أمْرَهُ إلى مَن يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ووَصْفُهُ تَعالى بِ (﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾) مَقْصُودٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إلى اللَّهِ ويَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ (يَراكَ) رُؤْيَةً خاصَّةً وهي رُؤْيَةُ الإقْبالِ والتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) .

والقِيامُ: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلَيْهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والتَّقَلُّبُ في السّاجِدِينَ هو صَلاتُهُ في جَماعاتِ المُسْلِمِينَ في مَسْجِدِهِ. وهَذا يَجْمَعُ مَعْنى العِنايَةِ بِالمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذا مِن بَرَكَتِهِ ﷺ وقَدْ جَمَعَها هَذا التَّرْكِيبُ العَجِيبُ الإيجازِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ مُقاتِلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْضُرُنِي، فَتَلا مُقاتِلٌ هَذِهِ الآيَةَ.

ومَوْقِعُ (﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِ (﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦])، ولِلْأمْرِ بِ (تَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فَصِفَةُ (السَّمِيعِ) مُناسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وصِفَةُ (العَلِيمِ) مُناسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أيْ: إنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ ويَعْلَمُ عَزْمَكَ.

وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو السَّمِيعُ العَلِيمُ) لِلتَّقْوِيَةِ.

26:221–223Page 376

هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١

Shall I inform you upon whom the devils descend?

تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢

They descend upon every sinful liar.

يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣

They pass on what is heard,1 and most of them are liars.

صفحة ٢٠٥

﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ .

لَمّا سَفَّهَ قَوْلَهم في القُرْآنِ: إنَّهُ قَوْلُ كاهِنٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلشَّياطِينِ ولا يَسْتَطِيعُونَ مِثْلَهُ، وأنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ أخْبارِ أوْلِيائِهِمْ، عادَ الكَلامُ إلى وصْفِ حالِ كُهّانِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَلَبَّسَ بِحالِ أوْلِيائِهِمْ. فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ .

وأُلْقِيَ الكَلامُ إلَيْهِمْ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ عَنْ أنْ يُعَرِّفَهم بِمَن تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، اسْتِفْهامًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ مِمّا يَسُوءُهم لِذَلِكَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِمْ بِكَشْفِهِ.

وهَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الخَبَرِ مِمّا يُسْتَأْذَنُ في الإخْبارِ بِهِ. واخْتِيرَ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ الدّالُّ عَلى التَّحْقِيقِ وهو (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ في الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى (قَدْ) والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ فِيها بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أُنَبِّئُكم إنْباءً ثابِتًا مُحَقَّقًا وهو اسْتِفْهامٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ جَوابُ المُسْتَفْهَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَلِذَلِكَ يَعْقُبُهُ الإفْضاءُ بِما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ قَبْلَ الإذْنِ مِنَ السّامِعِ. ونَظِيرُهُ في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وإنْ كانَ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ فَرْقٌ.

وفِعْلُ (أُنَبِّئُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وهو أيْضًا اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ مَعْناهُ الخَبَرُ كِنايَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ إنَّهُ مِمّا يَسْتَفْهِمُ عَنْهُ المُتَحَسِّسُونَ ويَتَطَلَّبُونَهُ، فالِاسْتِفْهامُ مِن لَوازِمِ الِاهْتِمامِ.

والمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُتَنَزَّلِ عَلَيْهِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: مَن تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ فَلَمّا قَدَّمَ المَجْرُورَ دَخَلَ حَرْفُ (عَلى) عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو (مَن)؛ لِأنَّ ماصَدَقَها هو المُتَنَزَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الِاسْتِفْهامِ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ وهو أصْلُها، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ كَما تَضَمَّنَتْهُ (هَلْ)، فَإذا لَزِمَ مَجِيءُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ

صفحة ٢٠٦

أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ تَرَجَّحَ فِيها جانِبُ الِاسْمِيَّةِ فَدَخَلَ الحَرْفُ عَلَيْها ولَمْ تُقَدَّمْ هي عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ: أعَلى زَيْدٍ مَرَرْتَ ؟ ولا تَقُولُ: مَن عَلى مَرَرْتَ ؟ وإنَّما تَقُولُ: عَلى مَن مَرَرْتَ ؟ وكَذا في بَقِيَّةِ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨]، وقَوْلُهم: عَلامَ، وإلامَ، وحَتّامَ، و﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] .

وأُجِيبَ الِاسْتِفْهامُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ .

و(كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ: عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأفّاكِينَ وهُمُ الكُهّانُ، قالَ النّابِغَةُ:

وكُلِّ صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّـعِـيَّةٍ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلُ

والأفّاكُ كَثِيرُ الإفْكِ، أيِ: الكَذِبُ، والأثِيمُ كَثِيرُ الإثْمِ. وإنَّما كانَ الكاهِنُ أثِيمًا؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ إلى كَذِبِهِ تَضْلِيلَ النّاسِ بِتَمْوِيهِ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا صِدْقًا، وأنَّهُ يَتَلَقّى الخَبَرَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي تَأْتِيهِ بِخَبَرِ السَّماءِ.

وجُعِلَ لِلشَّياطِينِ (تَنَزُّلٌ)؛ لِأنَّ اتِّصالَها بِنُفُوسِ الكُهّانِ يَكُونُ بِتَسَلْسُلِ تَمَوُّجاتٍ في الأجْواءِ العُلْيا كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ.

و(﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾) صِفَةٌ لِ (﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾)، أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يُلْقُونَ أسْماعَهم عِنْدَ مُشاهَدَةِ كَواكِبَ لِتَتَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ شَياطِينُهم بِالخَبَرِ وذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ وإثْمِهِمْ.

وإلْقاءُ السَّمْعِ: هو شِدَّةُ الإصْغاءِ حَتّى كَأنَّهُ إلْقاءٌ لِلسَّمْعِ مِن مَوْضِعِهِ، شَبَّهَ تَوْجِيهَ حاسَّةِ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ الخَفِيِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ أوْ في الهَواءِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: أبْلَغُ في الإصْغاءِ لِيَعِيَ ما يُقالُ لَهُ.

وهَذا كَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ إصْغاءٌ، أيْ: إمالَةُ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ.

وقَوْلُهُ: (﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾) أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ فِيما يَزْعُمُونَ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِنَ الشَّياطِينِ وهم لَمْ يَتَلَقَّوْا مِنها شَيْئًا، أيْ: وبَعْضُهم يَتَلَقّى شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الشَّياطِينِ فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ.

صفحة ٢٠٧

فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. فَقالَ: تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ عَلَيْها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ» . فَهم أفّاكُونَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الكَذِبِ، فَمِنهم أفّاكُونَ فِيما يَزِيدُونَهُ عَلى خَبَرِ الجِنِّ، ومِنهم أفّاكُونَ في أصْلِ تَلَقِّي شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ولَمّا كانَ حالُ الكُهّانِ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ بِبَعْضِ أحْوالِ النُّبُوءَةِ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ، وأسْجاعُهم قَدْ تَلْتَبِسُ بِآياتِ القُرْآنِ في بادِئِ النَّظَرِ. أطْنَبَتِ الآيَةُ في بَيانِ ماهِيَّةِ الكَهانَةِ وبَيَّنَتْ أنَّ قُصاراها الإخْبارُ عَنْ أشْياءَ قَلِيلَةٍ قَدْ تَصْدُقُ، فَأيْنَ هَذا مِن هَدْيِ النَّبِيءِ والقُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ الآدابِ والإرْشادِ والتَّعْلِيمِ والبَلاغَةِ والفَصاحَةِ والصَّراحَةِ والإعْجازِ ولا تَصَدِّي مِنهُ لِلْإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ. كَما قالَ: (ولا أعْلَمُ الغَيْبَ) في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا المَعْنى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском