Ibn 'AshurAsh‑Shu'ara · 26:7–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:7–17

26:7–9Page 367

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧

Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])، فالهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِنهُ مُقَدَّمَةٌ عَلى واوِ العَطْفِ لَفْظًا؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، والمَقْصُودُ مِنهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا تُغْنِي فِيهِمُ الآياتُ؛ لِأنَّ المُكابَرَةَ تَصْرِفُهم عَنِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، والآياتُ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ قائِمَةٌ مُتَظاهِرَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ وهم قَدْ عَمُوا عَنْها فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَلا عَجَبَ أنْ يَضِلُّوا عَنْ آياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكَوْنُ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَلَوْ كانَ هَؤُلاءِ مُتَطَلِّعِينَ إلى الحَقِّ باحِثِينَ عَنْهُ لَكانَ لَهم في الآياتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها مَقْنَعٌ لَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها قالَ تَعالى: (﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) أيْ: عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُعِدُّوا أنْفُسَهم لِلْإيمانِ

فالمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعُ النَّباتِ دالَّةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ الحَكِيمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وهَذا دَلِيلٌ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، ودَلِيلٌ أيْضًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ بَعْدَ الجَفافِ مَثِيلٌ لِإحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ رُفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) وهَذا دَلِيلٌ تَقْرِيبِيٌّ

صفحة ١٠١

لِلْإمْكانِ فَكانَ في آيَةِ الإنْباتِ تَنْبِيهٌ عَلى إبْطالِ أصْلَيْ عَدَمِ إيمانِهِمْ وهَما: أصْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، وأصْلُ إنْكارِ البَعْثِ

والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الإنْباتِ عَلى الصّانِعِ الواحِدِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ مَن يَراهُ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ نَزَلَتْ رُؤْيَتُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ إنْكارُ عَدَمِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ

وجُمْلَةُ (﴿كَمْ أنْبَتْنا﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَرَوْا، فَهي مَصَبُّ الإنْكارِ. وقَوْلُهُ: (﴿إلى الأرْضِ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَرَوْا، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلى الأرْضِ وهي بِمَرْأًى مِنهم.

و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَثْرَةِ، وهي هُنا خَبَرِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ (﴿أنْبَتْنا﴾) . والتَّقْدِيرُ: أنْبَتْنا فِيها كَثِيرًا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، ومَوْرِدُ التَّكْثِيرِ الَّذِي أفادَتْهُ (كَمْ) هو كَثْرَةُ الإنْباتِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَوْرِدُ الشُّمُولِ المُفادِ مِن (كُلِّ) هو أنْواعُ النَّباتِ وأصْنافُهُ وفي الأمْرَيْنِ دَلالَةٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ، واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أبْعاضِ كُلِّ زَوْجٍ عَنْ ذِكْرِ مُمَيَّزِ (كَمْ)؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّبْعِيضِ.

والزَّوْجُ: النَّوْعُ، وشاعَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى النَّوْعِ في غَيْرِ الحَيَوانِ قالَ تَعالى: (﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْنِ تَقَدَّما في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣]) في طه.

والكَرِيمُ: النَّفِيسُ مِن نَوْعِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]) في الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]) في سُورَةِ الفُرْقانِ. وهَذا مِن إدْماجِ الِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى بَدِيعِ الصُّنْعِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في إنْباتِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ، فَفي الِاسْتِدْلالِ بِإنْباتِ الكَرِيمِ مِن ذَلِكَ وفاءٌ بِغَرَضِ الِامْتِنانِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ الِاسْتِدْلالِ. وأيْضًا فَنَظَرُ النّاسِ في الأنْواعِ الكَرِيمَةِ أنْفَذُ وأشْهَرُ لِأنَّهُ يُبْتَدَئُ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ مِنها والإعْجابِ بِها، فَإذا تَطَلَّبَها وقَعَ في الِاسْتِدْلالِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم مُمارِسُونَ لَهُ وراغِبُونَ فِيهِ.

صفحة ١٠٢

والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (ذَلِكَ) هو المَذْكُورُ مِنَ الأرْضِ، وإنْباتُ اللَّهِ الأزْواجَ فِيها، وما في تِلْكَ الأزْواجِ مِن مَنافِعَ وبَهْجَةٍ.

والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ دَلالَةَ ذَلِكَ الإنْباتِ وصِفاتِهِ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي باعِثُ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِما دَعاهم إلى إثْباتِها، وإفْرادُ (آيَةً) لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ؛ لِأنَّ في المَذْكُورِ عِدَّةَ أشْياءَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ فَيَكُونُ عَلى التَّوْزِيعِ.

وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ الواضِحِ، وضَمِيرُ (﴿أكْثَرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ كَما عادَ الضَّمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ (أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) )، وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهَذا تَحَدٍّ لَهم كَقَوْلِهِ (﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]) .

وأُسْنِدَ نَفْيُ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ.

و(كانَ) هُنا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ.

وجُمْلَةُ (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ لِهَذا الخَبَرِ: بِوَصْفِ اللَّهِ بِالعِزَّةِ، أيْ تَمامِ القُدْرَةِ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَجَّلَ لَهُمُ العِقابَ، وبِوَصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ في إمْهالِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، ورَحِيمٌ بِكَ. قالَ تَعالى: (﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨]) . وفي وصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَرْحَمُ رُسُلَهُ بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ عَقْلِيًّا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُكَرَّرْ بِغَيْرِهِ مِن نَوْعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ كَما كُرِّرَتِ الدَّلائِلُ الحاصِلَةُ مِنَ العِبْرَةِ بِأحْوالِ الأُمَمِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠]) إلى آخِرِ قِصَّةِ أصْحابِ لَيْكَةِ.

26:10–11Page 367

وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠

And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -

قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١

The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"

﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .

شُرُوعٌ في عَدِّ آياتٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِهِمْ

صفحة ١٠٣

لِيُحَذِّرَ المُخاطِبُونَ بِالدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ مِن أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ المُكَذِّبِينَ. وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَبْيِينٌ لِبَعْضِ ما نادى بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَراهِينِ.

وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ مِنَ المَثُلاتِ قُصِدَ ذِكْرُ كَثِيرٍ اشْتُهِرَ مِنها ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى حادِثَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ غَيْرَ العَقْلِيَّةِ يَتَطَّرَقُها احْتِمالُ عَدَمِ المُلازَمَةِ بِأنْ يَكُونَ ما أصابَ قَوْمًا مِن أُولَئِكَ عَلى وجْهِ الصُّدْفَةِ والِاتِّفاقِ، فَإذا تَبَيَّنَ تَكَرُّرُ أمْثالِها ضَعُفَ احْتِمالُ الِاتِّفاقِيَّةِ؛ لِأنَّ قِياسَ التَّمْثِيلِ لا يُفِيدُ القَطْعَ إلّا بِانْضِمامِ مُقَوِّماتٍ لَهُ مِن تَواتَرٍ وتَكَرُّرٍ.

وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى ثُمَّ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى خِلافِ تَرْتِيبِ حِكايَةِ القَصَصِ الغالِبِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِها عَلى تَرْتِيبِ سَبْقِها في الزَّمانِ، لَعَلَّهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إلْحاحِهِمْ عَلى إظْهارِ آياتٍ مِن خَوارِقِ العاداتِ في الكائِناتِ زاعِمِينَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا جاءَتْهم آيَةٌ؛ فَضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في آياتِ مُوسى إذْ قالُوا: (﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]) وعُطِفَ (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةِ (أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ) بِتَمامِها.

ويَكُونُ (إذْ) اسْمَ زَمانٍ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ الَّتِي بَعْدَها: (﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]) . وفي هَذا المُقَدَّرِ تَذْكِيرٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُسَلِّيهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ.

ونِداءُ اللَّهِ مُوسى الوَحْيُ إلَيْهِ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ.

وجُمْلَةُ (﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾) تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ (نادى)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]) . وأمّا ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) إلَخْ فَهو تَفْصِيلٌ لِأسْبابِ المَوْعِظَةِ بِذِكْرِ دَعْوَةِ مُوسى إلى ما أُمِرَ بِإبْلاغِهِ وإعْراضِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وما عَقِبَ ذَلِكَ إلى الخاتِمَةِ.

واسْتِحْضارُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِوَصْفِهِمْ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإرْسالِ. وفي هَذا الإجْمالِ تَوْجِيهُ نَفْسِ مُوسى لِتَرَقُّبِ تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِما يُبَيِّنُهُ، وإثارَةٌ لِغَضَبِ

صفحة ١٠٤

مُوسى عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْضَمَّ داعِي غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلى داعِي امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ الباعِثِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أوْقَعُ لِكَلامِهِ في نُفُوسِهِمْ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِالظُّلْمِ.

ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ وصْفِهِمُ الذّاتِيِّ بِطَرِيقَةِ البَيانِ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ وهو قَوْلُهُ: (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾)، وفي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (قَوْمِ) مَوْقِعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ يَقُلْ: ائْتِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

يا تَيْمُ تَيْمَ عَدَيٍّ لا أبا لَكم لا يُلْفِينَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ

والظُّلْمُ يَعُمُّ أنْواعَهُ، فَمِنها ظُلْمُهم أنْفُسَهم بِعِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ومِنها ظُلْمُهُمُ النّاسَ حُقُوقَهم إذِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ واضْطَهَدُوهم، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنَيَيْنِ مِرارًا في ضِدِّ العَدْلِ (﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]) في البَقَرَةِ، وبِمَعْنى الشِّرْكِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) في الأنْعامِ.

واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ ذِكْرِ ما ابْتُدِئَ بِهِ نِداءُ مُوسى مِمّا هو في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ: (﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]) إلى قَوْلِهِ: (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣])؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلى ما هو شَرْحُ دَعْوَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وإعْراضُهم لِلِاتِّعاظِ بِعاقِبَتِهِمْ. وأمّا مَقامُ ما في سُورَةِ طه فَلِبَيانِ كَرامَةِ مُوسى عِنْدَ رَبِّهِ ورِسالَتِهِ مَعًا، فَكانَ مَقامَ إطْنابٍ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ في حِكايَةِ القِصَّةِ الواحِدَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

والإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ هو ذَهابُهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ. وهَذا إيجازٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) إلى آخِرِهِ.

وجُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِالإتْيانِ إلَيْهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ، ووَصَفَهم بِالظّالِمِينَ كانَ الكَلامُ مُثِيرًا لِسُؤالٍ في نَفْسِ مُوسى عَنْ مَدى ظُلْمِهِمْ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الظُّلْمِ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ تَقْوِيَةً لِلْباعِثِ لِمُوسى عَلى بُلُوغِ الغايَةِ في الدَّعْوَةِ؛ وتَهْيِئَةً لِتَلَقِّيهِ تَكْذِيبَهم بِدُونِ مُفاجَئَةٍ، فَيَكُونُ (ألا) مِن قَوْلِهِ (ألا يَتَّقُونَ) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ و(لا) النّافِيَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ انْتِفاءِ تَقْواهم، وتَعْجِيبِ مُوسى مِن ذَلِكَ، فَإنَّ مُوسى كانَ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ إذْ كانَ قَدْ نَشَأ فِيهِمْ وقَدْ عَلِمَ مَظالِمَهم، وأعْظَمُها الإشْراكُ وقَتْلُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. . . .

صفحة ١٠٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) كَلِمَةً واحِدَةً هي أداةُ العَرْضِ والتَّحْضِيضِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (ائْتِ) والمَعْنى: قُلْ لَهم: ألا تَتَّقُونَ. فَحَكى مَقالَتَهُ بِمَعْناها لا بِلَفْظِها. وذَلِكَ واسْعٌ في حِكايَةِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]) فَإنَّ جُمْلَةَ (﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]) مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أمَرْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]) . وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ مُوسى ورَبَّهم فَحَكى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِالمَعْنى. وهَذا العَرْضُ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ النّازِعاتِ: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]) .

والِاتِّقاءُ: الخَوْفُ والحَذَرُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (﴿يَتَّقُونَ﴾) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: ألا يَتَّقُونَ عَواقِبَ ظُلْمِهِمْ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْفالِ.

ويَعْلَمُ مُوسى مِن إجْراءِ وصْفِ الظُّلْمِ وعَدَمِ التَّقْوى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ في مَعْرِضِ أمْرِهِ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَبْدَأُ بِهِ دَعْوَتَهم أنْ يَدْعُوَهم إلى تَرْكِ الظُّلْمِ وإلى التَّقْوى.

وذِكْرُ مُوسى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) في البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ فِرْعَوْنَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]) في الأعْرافِ.

26:12–14Page 367

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢

He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me

وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣

And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.

وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤

And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."

﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ .

افْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِنِداءِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ تَحْنِينٌ واسْتِسْلامٌ. وإنَّما خافَ أنْ يُكَذِّبُوهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّسالَةِ لا يَتَلَقّاها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خائِفًا مِنَ التَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُلِعَتْ عَلَيْهِ الرِّسالَةُ عَنِ اللَّهِ وقَرَ في صَدْرِهِ الحِرْصُ عَلى نَجاحِ رِسالَتِهِ فَكانَ تَكْذِيبُهُ فِيها مَخُوفًا مِنهُ.

(﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ فَهو عَطْفٌ عَلى (﴿أخافُ﴾)

صفحة ١٠٦

أوْ تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ فَتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ: والحالُ يَضِيقُ ساعَتَئِذٍ صَدْرِي مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ.

والضِّيقُ: ضِدُّ السِّعَةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَضَبِ والكَمَدِ؛ لِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعالٌ ويَنْشَأُ عَنْهُ انْضِغاطُ الأعْصابِ في الصَّدْرِ والقَلْبِ مِن تَأْثِيرِ الإدْراكِ الخاصِّ عَلى جَمْعِ الأعْصابِ الكائِنِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو المُدْرِكُ فَيُحِسُّ بِشِبْهِ امْتِلاءٍ في الصَّدْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]) وقَوْلِهِ: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْسَفُ ويَكْمَدُ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ويَجِيشُ في نَفْسِهِ رَوْمُ إقْناعِهِمْ بِصِدْقِهِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ إذا خَطَرَتْ في العَقْلِ نَشَأ مِنها إعْدادُ البَراهِينِ، وفي ذَلِكَ الإعْدادِ تَكَلُّفٌ وتَعَبٌ لِلْفِكْرِ فَإذا أبانَها أحَسَّ بِارْتِياحٍ وبِشِبْهِ السِّعَةِ في الصَّدْرِ فَسَمّى ذَلِكَ شَرْحًا لِلصَّدْرِ، ولِذَلِكَ سَألَهُ مُوسى في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) .

والِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ إذا أرْسَلَهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ فَهو حَقِيقَةٌ في الذَّهابِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِفَصاحَةِ اللِّسانِ وبَيانِهِ في الكَلامِ، أيْ يَنْحَبِسُ لِسانِي فَلا يُبَيِّنُ عِنْدَ إرادَةِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، وعَطْفُهُ عَلى (يَضِيقُ صَدْرِي) ) يُنْبِئُ بِأنَّهُ أرادَ بِضِيقِ الصَّدْرِ تَكاثُرَ خَواطِرِ الِاسْتِدْلالِ في نَفْسِهِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ لِيُقْنِعَهم بِصِدْقِهِ حَتّى يَحُسَّ كَأنَّ صَدْرَهُ قَدِ امْتَلَأ والشَّأْنُ أنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِمِقْدارِ ما يُفْصِحُ عَنْهُ صاحِبُهُ مِن إبْلاغِهِ إلى السّامِعِينَ فَإذا كانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ وعِيٌّ بَقِيَتِ الخَواطِرُ مُتَلَجْلِجَةً في صَدْرِهِ. والمَعْنى: ويَضِيقُ صَدْرِي حِينَ يُكَذِّبُونَنِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]،) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَرْفُوعَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿أخافُ﴾)، ولِذَلِكَ حَقَّقَهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ أيْقَنَ بِحُصُولِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جِبِلِّيٌّ عِنْدَ تَلَقِّي التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ أمانَةَ الرِّسالَةِ والحِرْصَ عَلى تَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ يُحْدِثُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وإذْ قَدْ كانَ انْحِباسُ لِسانِهِ يَقِينًا عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ كانَ فِعْلا (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَعْطُوفَيْنِ عَلى ما هو مُحَقَّقٌ عِنْدَهُ وهو حُصُولُ الخَوْفِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾) المَخُوفِ مِنهُ المُتَوَقَّعِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُحَقَّقَ الحُصُولِ يَجْعَلُهُ أحْرى مِنَ المُتَوَقَّعِ.

صفحة ١٠٧

وقَرَأ يَعْقُوبُ (﴿ويَضِيقُ﴾) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾)، أيْ يَتَوَقَّعُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ ولا يَنْطَلِقَ لِسانُهُ، قِيلَ: كانَتْ بِمُوسى حُبْسَةٌ في لِسانِهِ إذا تَكَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ولَيْسَ القَصْدُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنَصُّلَ مِنَ الِاضْطِلاعِ بِهَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ ولَكِنَّ القَصْدَ تَمْهِيدُ ما فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ تَشْرِيكِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنهُ عَلى الِاسْتِدْلالِ والخَطابَةِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤]) . فَقَوْلُهُ هُنا: (﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾) مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ ما في الآيَةِ الأُخْرى فَيُعْلَمُ أنَّ في الكَلامِ هُنا إيجازًا. وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ: فَأرْسِلْ إلى هارُونَ عِوَضًا عَنِّي.

وإنَّما سَألَ اللَّهَ الإرْسالَ إلى هارُونَ ولَمْ يَسْألْهُ أنْ يُكَلِّمَ هارُونَ كَما كَلَّمَهُ هو؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ المُناجاةِ. والمَعْنى: فَأرْسِلْ مَلَكًا بِالوَحْيِ إلى هارُونَ أنْ يَكُونَ مَعِي.

وقَوْلُهُ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وأنْ يَكْفِيَهُ شَرَّ عَدُوِّهِ حَتّى يُؤَدِّيَ ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .

والذَّنْبُ: الجُرْمُ ومُخالَفَةُ الواجِبِ في قَوانِينِهِمْ. وأُطْلِقَ الذَّنْبُ عَلى المُؤاخَذَةِ فَإنَّ الَّذِي لَهم عَلَيْهِ هو حَقُّ المُطالَبَةِ بِدَمِ القَتِيلِ الَّذِي وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، وتَوَعَّدَهُ القِبْطُ إنْ ظَفِرُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ مِن مِصْرَ خائِفًا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَجُّهِهِ إلى بِلادِ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ ما في شَرْعِ القِبْطِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرْعٌ إلَهِيٌّ في أحْكامِ قَتْلِ النَّفْسِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ ذَنْبًا؛ لِأنَّ قَتْلَ أحَدٍ في غَيْرِ قِصاصٍ ولا دِفاعٍ عَنْ نَفْسِ المُدافِعِ يُعْتَبَرُ جُرْمًا في قَوانِينِ جَماعاتِ البَشَرِ مِن عَهْدِ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ، وقَدْ قالَ في سُورَةِ القَصَصِ: (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]) . وأيًّا ما كانَ فَهو جَعَلَهُ ذَنْبًا لَهم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) لَيْسَ هَلَعًا وفَرَقًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّهُ لَمّا أصْبَحَ في مَقامِ الرِّسالَةِ ما كانَ بِالَّذِي يُبالِي أنْ يَمُوتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ولَكِنَّهُ خَشِيَ العائِقَ مِن

صفحة ١٠٨

إتْمامِ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِمّا فِيهِ لَهُ ثَوابٌ جَزِيلٌ ودَرَجَةٌ عُلْيا.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (﴿يَقْتُلُونِ﴾) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وذِكْرُ هارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

26:15–17Page 367

قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥

[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.

فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,

أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧

[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"

﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .

(كَلّا) حَرْفُ إبْطالٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والإبْطالُ لِقَوْلِهِ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤])، أيْ: لا يَقْتُلُونَكَ. وفي هَذا الإبْطالِ اسْتِجابَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيضُ بِالدُّعاءِ حِينَ قالَ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .

وقَوْلُهُ: (﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾) تَفْرِيعٌ عَلى مُفادِ كَلِمَةِ (كَلّا) . والأمْرُ لِمُوسى أنْ يَذْهَبَ هو وهارُونُ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى مَأْمُورٌ بِإبْلاغِ هارُونَ ذَلِكَ فَكانَ مُوسى رَسُولًا إلى هارُونَ بِالنُّبُوءَةِ. ولِذَلِكَ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُوسى أبْلَغَ أخاهُ هارُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تَلَقّاهُ في حُورِيبَ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّاهُ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبَيْنِ لِآياتِنا، وهو وعْدٌ بِالتَّأْيِيدِ بِمُعْجِزاتٍ تَظْهَرُ عِنْدَ الحاجَةِ. ومِنَ الآياتِ: العَصا الَّتِي انْقَلَبَتْ حَيَّةً عِنْدَ المُناجاةِ، وكَذَلِكَ بَياضُ يَدِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ طه (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) الآياتِ.

وجُمْلَةُ (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ أمْرَهُما بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَتَعامى فِرْعَوْنُ عَنِ الآياتِ ولا يَرْعَوِيَ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَنْ إلْحاقِ أذًى بِهِما فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُما ومُسْتَمِعٌ لِكَلامِهِما وما يُجِيبُ فِرْعَوْنُ بِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إهْمالِ تَأْيِيدِهِما وكَفِّ فِرْعَوْنَ عَنْ أذاهُما. فَضَمِيرُ (مَعَكم) عائِدٌ

صفحة ١٠٩

إلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ عِلْمٍ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]) .

و(﴿مُسْتَمِعُونَ﴾) أشَدُّ مُبالَغَةً مِن (سامِعُونَ)؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِماعِ أنَّهُ تَكَلُّفُ السَّماعِ والتَّكَلُّفُ كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، فَأُرِيدَ هَنا عِلْمٌ خاصٌّ بِما يَجْرِي بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وهو العِلْمُ الَّذِي تُوافِقُهُ العِنايَةُ واللُّطْفُ.

والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (﴿بِآياتِنا﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِلطَّمْأنَةِ ورِباطَةٌ لِجَأْشِهِما.

والرَّسُولُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أيْ: مُرْسَلٍ. والأصْلُ فِيهِ مُطابَقَةُ مَوْصُوفِهِ، بِخِلافِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَحَقُّهُ عَدَمُ المُطابَقَةِ سَماعًا، وفَعُولٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ ومِنهُ: بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، وقَوْلُهم: صَبُوحٌ، لِما يُشْرَبُ في الصَّباحِ، وغَبُوقٌ، لِما يُشْرَبُ في العَشِيِّ، والنَّشُوقُ، لِما يُنَشَّقُ مِن دَواءٍ ونَحْوِهِ. ولَكِنْ رَسُولٌ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُطابِقُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ في تَأْنِيثٍ وما عَدا الإفْرادَ، ووَرَدَ في كَلامِهِمْ بِالوَجْهَيْنِ تارَةً مُلازِمًا الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مُطابِقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طه، فَذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ اسْمًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وبَيْنَ كَوْنِهِ اسْمَ مَصْدَرٍ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَصْدَرًا؛ إذْ لا يُعْرَفُ فَعُولٌ مَصْدَرًا لِغَيْرِ الثُّلاثِيِّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:

ألا أبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِـيٌّ

(الفُتاحَةُ: الحُكْمُ) . وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى المُرْسَلِ وبِمَعْنى الرِّسالَةِ فَجُعَلَ ثَمَّ (أيْ في قَوْلِهِ: ( ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طَه ) بِمَعْنى المُرْسَلِ، وجُعَلَ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ. وقَدْ قالَ أبُو ذُؤَيْبِ الهُذَلِيُّ:

ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرِ

فَهَلْ مِن رِيبَةٍ في أنَّ ضَمِيرَ الرَّسُولِ في البَيْتِ مُرادٌ بِهِ المُرْسَلُونَ. وتَصْرِيحُ النُّحاةِ بِأنَّ فَعُولًا الَّذِي بِمَعْنى المَفْعُولِ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى حالَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ناقَةٌ رَكُوبَةٌ ورُكُوبٌ، يَقْتَضِي أنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ فِيهِ

صفحة ١١٠

مِثْلُ التَّأْنِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا في سُورَةِ طه وأحَلْنا تَحْقِيقَهُ عَلى ما هُنا.

ومُبادَأةُ خِطابِهِما فِرْعَوْنَ بِأنْ وصَفا اللَّهَ بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ مُجابَهَةٌ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ ولَيْسَ بِرَبٍّ، وإثْباتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ. والنَّفْيُ يَقْتَضِي وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العالَمِينَ شامِلٌ جَمِيعَ الكائِناتِ فَيَشْمَلُ مَعْبُوداتِ القِبْطِ كالشَّمْسِ وغَيْرِها فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ يَوْمَئِذٍ.

وجُمْلَةُ (﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَهُ (رَسُولُ) مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي هي في مَعْنى القَوْلِ، أيْ هَذا قَوْلُ رَبِّ العالَمِينَ لَكَ. و(﴿أرْسِلْ مَعَنا﴾) أطْلِقْ ولا تَحْبِسْهم، فالإرْسالُ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى التَّوْجِيهِ. وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ مُوسى أمَرَ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بِلادِ الفَراعِنَةِ لِقَصْدِ تَحْرِيرِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ المِصْرِيِّينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ أسْبابِ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ بِأرْضِ مِصْرَ ومَواطِنِهِمْ بِها وعَمَلِهِمْ لِفِرْعَوْنَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском