Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:24–33

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:24–33

27:24–26Page 379

وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤

I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,

أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥

[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ. والأظْهَرُ أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ مِنَ القُرْآنِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ المُلْقى إلى سُلَيْمانَ، فالواوُ لِلِاعْتِراضِ بَيْنَ الكَلامِ المُلْقى لِسُلَيْمانَ وبَيْنَ جَوابِ سُلَيْمانَ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ.

وقَوْلُهُ: (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ في الخَطِّ مِن (أنْ) و(لا) النّافِيَةِ كُتِبَتا كَلِمَةً واحِدَةً اعْتِبارًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِها عَلى كُلِّ المَعانِي المُرادَّةِ مِنها. و(يَسْجُدُوا) فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصُوبٌ. ويُقَدَّرُ لامُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِ (صَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ) أيْ: صَدَّهم لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: فَسَجَدُوا لِلشَّمْسِ.

صفحة ٢٥٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ مِن (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) بَدَلَ بَعْضٍ مِن (أعْمالَهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ألّا) كَلِمَةً واحِدَةً بِمَعْنى (هَلّا) فَإنَّ هاءَها تُبْدَلُ هَمْزَةً. وجَعْلُ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ المُسْتَعْمَلَةِ تَأْكِيدًا لِلتَّنْبِيهِ وفِعْلِ أمَرَ مِنَ السُّجُودِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى

وهُوَ لا يُلائِمُ رَسْمَ المُصْحَفِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ رُسِمَ كَذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّها (ألا) حَرْفُ الِاسْتِفْتاحِ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ وفِعْلِ الأمْرِ، كَما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ. والوَقْفُ في هَذِهِ عَلى (ألا) .

وتَزْيِينُ الأعْمالِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] . وإسْنادُهُ هُنا لِلشَّيْطانِ حَقِيقِيٌّ. و(السَّبِيلِ) مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الَّذِي بِاتِّباعِهِ تَكُونُ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ وبُلُوغُ دارِ الثَّوابِ.

والخَبْءُ: مَصْدَرُ خَبَّأ الشَّيْءَ إذا أخْفاهُ. أُطْلِقَ هُنا عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ: المَخْبُوءُ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في الخَفاءِ كَما هو شَأْنُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾) لِحالَةِ خَبَرِ الهُدْهُدِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها اطِّلاعًا عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ. وإخْراجُ الخَبْءِ: إبْرازُهُ لِلنّاسِ، أيْ: إعْطاؤُهُ، أيْ: إعْطاءُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ المَطَرِ وإخْراجِ النَّباتِ وإعْطاءِ الأرْزاقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِصِفَةِ القُدْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ مُؤْذِنٌ بِعُمُومِ صِفَةِ العِلْمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخْفُونَ. . ويُعْلِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ فَهو التِفاتٌ.

ومَجِيءُ جُمْلَةِ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَقِبَ ذَلِكَ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ

صفحة ٢٥٦

لِلصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهو المَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، أيْ: لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ شُبْهَةٌ إلَهِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: (﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾) أيْ: مالِكُ الفُلْكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِالعَوالِمِ العُلْيا وقَدْ تَقَدَّمَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ بِلْقِيسَ وعِظَمِ عَرْشِها ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَغُرَّها بِالإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ المُلْكِ الأعْظَمِ، فَتَعْرِيفُ (العَرْشِ) لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. ووَصْفُهُ بِ (العَظِيمِ) لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِظَمِ في تَجَسُّمِ النَّفاسَةِ.

وفِي مُنْتَهى هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودِ تِلاوَةٍ تَحْقِيقًا لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ . وسَواءٌ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن قَوْلِهِ (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) أمْ بِتَخْفِيفِها؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وهو إنْكارُ سُجُودِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِالسُّجُودِ.

27:27Page 379

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ .

تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] بَيانُ وجْهِ تَطَلُّبِ سُلَيْمانَ تَحْقِيقَ صِدْقِ خَبَرِ الهُدْهُدِ. والنَّظَرُ هُنا نَظَرُ العَقْلِ وهو التَّأمُّلُ، لا سِيَّما وإقْحامُ (كُنْتَ) أدْخَلَ في نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ مِن صِيغَةِ (﴿أصَدَقْتَ﴾)؛ لِأنَّ فِعْلَ (﴿كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾) يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الوَصْفِ بِأنَّهُ كائِنٌ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ (﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾) أشَدُّ في النِّسْبَةِ إلى الكَذِبِ بِالِانْخِراطِ في سِلْكِ الكاذِبِينَ بِأنْ يَكُونَ الكَذِبُ عادَةً لَهُ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِتَوْضِيحِ تُهْمَتِهِ بِالكَذِبِ لِيَتَخَلَّصَ مِنَ العِقابِ، وإيذانٌ بِالتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ وإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِ بِأنَّ كَذِبَهُ أرْجَحُ عِنْدَ المَلِكِ لِيَكُونَ الهُدْهُدُ مُغَلِّبًا الخَوْفَ عَلى الرَّجاءِ، وذَلِكَ أدْخُلُ في التَّأْدِيبِ عَلى مِثْلِ فِعْلَتِهِ وفي حِرْصِهِ عَلى تَصْدِيقِ نَفْسِهِ بِأنْ يُبَلِّغَ الكِتابَ الَّذِي يُرْسِلُهُ مَعَهُ.

27:28Page 379

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .

الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]؛ لِأنَّ فِيما

صفحة ٢٥٧

سَيَنْكَشِفُ بَعْدَ تَوْجِيهِ كِتابِهِ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ ما يُصَدِّقُ خَبَرَ الهُدْهُدِ إنْ جاءَ مِنَ المَلِكَةِ جَوابٌ عَنْ كِتابِهِ، أوْ يُكَذِّبُ خَبَرَ الهُدْهُدِ إنْ لَمْ يَجِئْ مِنها جَوابٌ. ألْهَمَ اللَّهُ سُلَيْمانَ بِحِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِاتِّصالِهِ بِبِلادِ اليَمَنِ طَرِيقَ المُراسَلَةِ لِإدْخالِ المَمْلَكَةِ في حَيِّزِ نُفُوذِهِ والِانْتِفاعِ بِاجْتِلابِ خَيْراتِها وجَعْلِها طَرِيقَ تِجارَةٍ مَعَ شَرْقِ مَمْلَكَتِهِ فَكَتَبَ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ كِتابًا لِتَأْتِيَ إلَيْهِ وتَدْخُلَ تَحْتَ طاعَتِهِ وتُصْلِحَ دِيانَةَ قَوْمِها، ولِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ ألْقى في نُفُوسِ المُلُوكِ المُعاصِرِينَ لَهُ رَهْبَةً مِن مُلْكِهِ وجَلْبًا لِمَرْضاتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أيَّدَهُ وإنْ كانَتْ مَمْلَكَتُهُ أصْغَرَ مِن مَمالِكِ جِيرانِهِ مِثْلِ مَمْلَكَةِ اليَمَنِ ومَمْلَكَةِ مِصْرَ. وكانَتْ مَمْلَكَةُ سُلَيْمانَ يَوْمَئِذٍ مَحْدُودَةً بِالأُرْدُنِّ وتُخُومِ مِصْرَ وبَحْرِ الرُّومِ. ولَمْ يَزَلْ تَبادُلُ الرَّسائِلِ بَيْنَ المُلُوكِ مِن سُنَّةِ الدُّوَلِ ومِن سُنَّةِ الدُّعاةِ إلى الخَيْرِ. وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ إلى كِسْرى وقَيْصَرَ. وقَدْ عَظُمَ شَأْنُ الكِتابَةِ في دُوَلِ الإسْلامِ قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الثّانِيَةِ والعِشْرِينَ: (والمُنْشِئُ جُهَيْنَةُ الأخْبارِ، وحَقِيبَةُ الأسْرارِ، وقَلَمُهُ لِسانُ الدَّوْلَةِ، وفارِسُ الجَوْلَةِ. . .) إلَخْ.

واتُّخِذَ لِلْمُراسَلَةِ وسِيلَةُ الطَّيْرِ الزّاجِلِ مِن حَمامٍ ونَحْوِهِ، فالهُدْهُدُ مِن فَصِيلَةِ الحَمامِ وهو قابِلٌ لِلتَّدْجِينِ، فَقَوْلُهُ: (﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا﴾) يَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا وهو أنَّ سُلَيْمانَ فَكَّرَ في الِاتِّصالِ بَيْنَ مَمْلَكَتِهِ وبَيْنَ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ فَأحْضَرَ كِتابًا وحَمَّلَهُ الهُدْهُدَ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى (ماذا) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. وفِعْلُ (انْظُرْ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ.

والإلْقاءُ: الرَّمْيُ إلى الأرْضِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]) في سُورَةِ يُوسُفَ وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ إمّا في حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ شَأْنُ الهُدْهُدِ أنْ يَصِلَ إلى المَكانِ فَيَرْمِيَ الكِتابَ مِن مِنقارِهِ، وإمّا في مَجازِهِ إنْ كانَ يَدْخُلُ المَكانَ المُرْسَلَ إلَيْهِ فَيَتَناوَلُ أصْحابُهُ الرِّسالَةَ مِن رِجْلِهِ الَّتِي تُرْبَطُ فِيها الرِّسالَةُ فَيَكُونُ الإلْقاءُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] في سُورَةِ النَّحْلِ.

والمُرادُ بِالرَّجْعِ: رَجْعُ الجَوابِ عَنِ الكِتابِ، أيْ: مِن قَبُولٍ أوْ رَفْضٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي: ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] .

27:29–31Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

صفحة ٢٥٨

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّيَ أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ دَلَّ عَلَيْها ما بَيْنَ الخَبِرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِنِ اقْتِضاءِ عِدَّةِ أحْداثٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ إلى سَبَأٍ فَرَمى بِالكِتابِ فَأبْلَغَ الكِتابَ إلى المَلِكَةِ وهي في مَجْلِسِ مُلْكِها فَقَرَأتْهُ قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلَأُ﴾ إلَخْ.

وجُمْلَةُ (قالَتْ) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ غَرابَةَ قِصَّةِ إلْقاءِ الكِتابِ إلَيْها يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ شَأْنِها حِينَ بَلَغَها الكِتابُ.

والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن أشْرافِ القَوْمِ وهم أهْلُ مَجْلِسِها. وظاهِرُ قَوْلِها (﴿أُلْقِيَ إلَيَّ﴾) أنَّ الكِتابَ سُلِّمَ إلَيْها دُونَ حُضُورِ أهْلِ مَجْلِسِها. وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِظامُ بَلاطِها أنْ تُسَلَّمَ الرَّسائِلُ إلَيْها رَأْسًا.

والإلْقاءُ تَقَدَّمَ آنِفًا.

ووَصْفُ الكِتابِ بِالكَرِيمِ يَنْصَرِفُ إلى نَفاسَتِهِ في جِنْسِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] في سُورَةِ الأنْفالِ؛ بِأنْ كانَ نَفِيسَ الصَّحِيفَةِ نَفِيسَ التَّخْطِيطِ بَهِيجَ الشَّكْلِ مُسْتَوْفِيًا كُلَّ ما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهِمْ بِالتَّأنُّقِ فِيهِ. ومِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، وقَدْ قِيلَ: كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ لِيَكُونَ ما في ضِمْنِهِ خاصًّا بِاطِّلاعِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَكْتُمُهُ عَمَّنْ يَشاءُ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: (الوَصْفُ بِالكَرَمِ في الكِتابِ غايَةُ الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وأهْلُ الزَّمانِ يَصِفُونَ الكِتابَ بِالخَطِيرِ، والأثِيرِ، والمَبْرُورِ، فَإنْ كانَ لِمَلِكٍ قالُوا: العَزِيزُ، وأسْقَطُوا الكَرِيمَ غَفْلَةً وهو أفْضَلُها خَصْلَةً) .

وأمّا ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ مِنَ المَعانِي فَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَها؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] .

ثُمَّ قَصَّتْ عَلَيْهِمُ الكِتابَ حِينَ قالَتْ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾) إلى آخِرِهِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ تُرْجِمَ لَها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلى مَجْلِسِ مَشُورَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ

صفحة ٢٥٩

تَكُونَ عارِفَةً بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ القَحْطانِيَّةِ فَإنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ لا تَخْلُو مِن كُتّابٍ عارِفِينَ بِلُغاتِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِشِعارِ المُلُوكِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

أمّا الكَلامُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو تَرْجَمَةُ الكِتابِ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِتَضْمِينِ دَقائِقِهِ وخُصُوصِيّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِها.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ هو مِن كَلامِ المَلِكَةِ ابْتَدَأتْ بِهِ مُخاطَبَةَ أهْلِ مَشُورَتِها لِإيقاظِ أفْهامِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في مَغْزاهُ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِسُلَيْمانَ أنْ لا يُقَدِّمَ في كِتابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمانَ تُؤْخَذُ مِن خَتْمِهِ وهو خارِجُ الكِتابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأتْ بِهِ أيْضًا.

والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) في المَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمّا في كَلامِهِما بِاللُّغَةِ السَّبائِيَّةِ مِن عِباراتٍ دالَّةٍ عَلى اهْتِمامِها بِمُرْسِلِ الكِتابِ وبِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اهْتِمامًا يُؤَدّى مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ.

وتَكْرِيرُ حَرْفِ (إنَّ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ إيماءٌ إلى اخْتِلافِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذاتُ الكِتابَةِ والمُرادَ بِالمَعْطُوفِ مَعْناهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: إنَّ فَلانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وإنَّهُ لَزَكِيٌّ. وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ إعادَةِ العامِلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ ذِكْرِ العامِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أُعِيدَ (أطِيعُوا) لِاخْتِلافِ مَعْنى الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ وطاعَةَ الرَّسُولِ مُرادٌ بِها طاعَتُهُ في التَّصَرُّفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الرَّسُولِ أُولُو الأمْرِ مِنَ الأُمَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ حِكايَةٌ لِمَقالِها، وعَرَفَتْ هي ذَلِكَ مِن عُنْوانِ الكِتابِ بِأعْلاهُ أوْ بِظاهِرِهِ عَلى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسائِلِ السُّلْطانِيَّةِ في ذَلِكَ العَهْدِ في بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ افْتِتاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُلُوكِ بِجُمْلَةِ (مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) .

صفحة ٢٦٠

وافْتِتاحُ الكِتابِ بِجُمْلَةِ البَسْمَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادِفَها كانَ خاصًّا بِكُتُبِ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ أنْ يُتْبِعَ اسْمَ الجَلالَةِ بِوَصْفَيِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِافْتِتاحِ الأُمُورِ ذَواتِ البالِ في الإسْلامِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن بَقايا سُنَّةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ أنْ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَحُوا كُتُبَهم بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

رَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ المَراسِيلِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَكْتُبُ (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَكْتُبُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارَ يَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»)، أيْ: صارَ يَكْتُبُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُتُبِهِ. وأمّا جَعْلُها فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ أوْ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَمَسْألَةٌ أُخْرى.

وكانَ كِتابُ سُلَيْمانَ وجِيزًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمُخاطَبَةِ مَن لا يُحْسِنُ لُغَةَ المُخاطِبِ فَيَقْتَصِرُ لَهُ عَلى المَقْصُودِ لِإمْكانِ تَرْجَمَتِهِ وحُصُولِ فَهْمِهِ فَأحاطَ كِتابُهُ بِالمَقْصُودِ، وهو تَحْذِيرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ مِن أنْ تُحاوِلَ التَّرَفُّعَ عَلى الخُضُوعِ إلى سُلَيْمانَ والطّاعَةِ لَهُ كَما كانَ شَأْنُ المُلُوكِ المُجاوِرِينَ لَهُ بِمِصْرَ وصُورَ والعِراقِ.

فالإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هو إتْيانٌ مَجازِيٌّ مِثْلُ ما يُقالُ: اتَّبِعْ سَبِيلِي.

و(مُسْلِمِينَ) مُشْتَقٌّ مِن أسْلَمَ إذا تَقَلَّدَ الإسْلامَ. وإطْلاقُ اسْمِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما دَعا مَلِكَةَ سَبَأٍ وقَوْمَها إلى نَبْذِ الشِّرْكِ والِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَدْعُهم إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها وأمّا دَعْوَتُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَذَلِكَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ البَشَرَ كُلَّهم، وشاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِن عَهْدِ آدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] . جَمَعَ سُلَيْمانُ بَيْنَ دَعْوَتِها إلى مُسالَمَتِهِ وطاعَتِهِ، وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِصِفَةِ المُلْكِ، وبَيْنَ دَعْوَةِ قَوْمِها إلى اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِالنُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ يُلْقِي الإرْشادَ إلى الهُدى حَيْثُما تَمَكَّنَ مِنهُ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبَيِ السِّجْنِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ. وإنْ كانَ لَمْ يُرْسَلْ

صفحة ٢٦١

إلَيْهِمْ، فالأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ أمْرًا عامًّا بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ وكَذَلِكَ دُعاءُ سُلَيْمانَ هُنا، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» فَهَذِهِ سُنَّةُ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ الغايَةَ المُهِمَّةَ عِنْدَها هو إصْلاحُ النُّفُوسِ دُونَ التَّشَفِّي وحُبِّ الغَلَبَةِ.

وحَرْفُ (أنْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ في مَوْقِعِهِ غُمُوضٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ مِمّا شَمَلَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكِتابِ. وهَذا الحَرْفُ لا يَخْلُو مِن كَوْنِهِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ، أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوِ التَّفْسِيرِيَّةَ.

فَأمّا مَعْنى (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ فَلا يَتَّضِحُ؛ لِأنَّها تَسْتَدْعِي عامِلًا يَكُونُ مَصْدَرُها المُنْسَبِكُ بِها مَعْمُولًا لَهُ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَفْظًا مُطْلَقًا ولا مَعْنًى إلّا بِتَعَسُّفٍ وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) الَّذِي هو حَرْفُ تَحْضِيضٍ وهو وُجْهَةُ شَيْخِنا مُحَمَّدٍ النَّجّارِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنْ يَجْعَلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) إلَخْ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ (كِتابٌ) في قَوْلِهِ: (وإنَّهُ) فَحَيْثُ كانَ مَضْمُونُ الكِتابِ النَّهْيَ عَنِ العُلُوِّ جُعِلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) نَفْسَ الكِتابِ كَما يَقَعُ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ. وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) .

وأمّا مَعْنى المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَكَذَلِكَ؛ لِوُجُوبِ سَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّها وكَوْنِها مَعْمُولَةً لِعامِلٍ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ ذُكِرَ وجْهًا ثالِثًا في الآيَةِ في بَعْضِ نُسَخِ مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) أيْضًا، ولَمْ يُوجَدْ في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُغْنِي ولا مِن شُرُوحِهِ، ولَعَلَّهُ مِن زِياداتِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ. وقَدِ اقْتَصَرَ في الكَشّافِ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ. وأعْقَبَهُ بِما رُوِيَ مِن نُسْخَةِ كِتابِ سُلَيْمانَ لِيَظْهَرَ أنَّ لَيْسَ في كِتابِ سُلَيْمانَ ما يُقابِلُ حَرْفَ (أنْ) فَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ (أنْ) لِمَعْنى التَّفْسِيرِيَّةِ لِضَمِيرِ (وإنَّهُ) العائِدِ إلى (كِتابٌ) كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عائِدًا إلى (كِتابٌ) كانَ بِمَعْنى مُعادِهِ فَكانَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَحَّ وقْعُ (أنْ) بَعْدَهُ فَيَكُونُ (أنْ) مِن كَلامِ

صفحة ٢٦٢

مَلِكَةِ سَبَأٍ فَسَّرَتْ بِها وبِما بَعْدَها مَضْمُونَ (كِتابٌ) في قَوْلِها: ﴿أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ .

و(﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾) يَكُونُ هو أوَّلَ كِتابِ سُلَيْمانَ، وأنَّها حِكايَةٌ لِكَلامِ بِلْقِيسَ. قالَ في الكَشْفِ: يَتَبَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ بَيانٌ لِعُنْوانِ الكِتابِ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الكِتابِ فَلا يَرِدُ سُؤالُ كَيْفَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾) عَلى (﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . ولَمْ تَزَلْ نَفْسِي غَيْرَ مُنْثَلِجَةٍ لِهَذِهِ الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَخْطُرُ بِبالِي أنَّ مَوْقِعَ (أنْ) هَذِهِ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ في افْتِتاحِ الكَلامِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ في أوَّلِ كَلامِهِ. وأنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ خُطَبِ النَّبِيءِ ﷺ الِافْتِتاحَ بِ (أنْ) في ثانِي خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ. وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ: أنِ الحَمْدُ، مَضْبُوطٌ بِضَمَّةٍ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ. ولَكِنَّ كَلامَهُ جَرى عَلى أنَّ حَرْفَ (إنَّ) مَكْسُورُ الهَمْزَةِ مُشَدَّدُ النُّونِ. ويَظْهَرُ لِي أنَّ الهَمْزَةَ مَفْتُوحَةٌ وأنَّهُ اسْتِعْمالٌ لِـ (أنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في افْتِتاحِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ وأنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .

و﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ ولِذَلِكَ أتْبَعَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ بِقَوْلِها: ﴿يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] .

27:32Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ .

سَألَتْهم إبْداءَ آرائِهِمْ ماذا تَعْمَلُ تُجاهَ دَعْوَةِ سُلَيْمانَ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا مِثْلُ الَّتِي قَبْلَها.

والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى وهي إزالَةُ مُشْكِلٍ يَعْرِضُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] في سُورَةِ يُوسُفَ.

والأمْرُ: الحالُ المُهِمُّ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِها؛ لِأنَّها المُخاطَبَةُ بِكِتابِ سُلَيْمانَ، ولِأنَّها المُضْطَلِعَةُ بِما يَجِبُ إجْراؤُهُ مِن شُئُونِ المَمْلَكَةِ، وعَلَيْها تَبِعَةُ الخَطَأِ في المَنهَجِ

صفحة ٢٦٣

الَّذِي تَسْلُكُهُ مِنَ السِّياسَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْخَلِيفَةِ ولِلْمَلِكِ ولِلْأمِيرِ ولِعالِمِ الدِّينِ: ولِيُّ الأمْرِ. وبِهَذِهِ الثَّلاثَةِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وقالَ الرّاعِي يُخاطِبُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:

أوَلِيَّ أمْرِ اللَّهِ إنّا مَعْشَـرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا

فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ لَها: (﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]) .

وقَدْ أفادَتْ إضافَةُ (أمْرِي) تَعْرِيفًا، أيْ: في الحادِثَةِ المُعَيَّنَةِ.

ومَعْنى (﴿قاطِعَةً أمْرًا﴾) عامِلَةً عَمَلًا لا تَرَدُّدَ فِيهِ بِالعَزْمِ عَلى ما تُجِيبُ بِهِ سُلَيْمانَ.

وصِيغَةُ (﴿كُنْتُ قاطِعَةً﴾) تُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ دَأْبُها وعادَتُها مَعَهم، فَكانَتْ عاقِلَةً حَكِيمَةً مُسْتَشِيرَةً لا تُخاطِرُ بِالِاسْتِبْدادِ بِمَصالِحِ قَوْمِها، ولا تُعَرِّضُ مُلْكَها لِمَهاوِي أخْطاءِ المُسْتَبِدِّينَ.

والأمْرُ في (﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾) هو أيْضًا الحالُ المُهِمُّ، أيْ: أنَّها لا تَقْضِي في المُهِمّاتِ إلّا عَنِ اسْتِشارَتِهِمْ.

و(تَشْهَدُونِ) مُضارِعُ شَهِدَ المُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى حَضَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أيْ: حَتّى تَحْضُرُونِ، وشَهِدَ هَذا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى كُلِّ ما يَحْضُرُ فاعِلُ الفِعْلِ عِنْدَهُ مِن مَكانٍ وزَمانٍ واسْمِ ذاتٍ، وذَلِكَ تَعَدٍّ عَلى التَّوَسُّعِ لِكَثْرَتِهِ، وحَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ أوْ يُعَلَّقَ بِهِ ظَرْفٌ. يُقالُ: شَهِدَ عِنْدَ فُلانٍ وشَهِدَ مَجْلِسَ فُلانٍ. ويُقالُ: شَهِدَ الجُمُعَةَ. وفِعْلُ (تَشْهَدُونِ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ المُشاوَرَةِ؛ لِأنَّها يَلْزَمُها الحُضُورُ غالِبًا؛ إذْ لا تَقَعُ مُشاوَرَةٌ مَعَ غائِبٍ.

والنُّونُ في (تَشْهَدُونِ) نُونُ الوِقايَةِ وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ كَسْرَةُ النُّونِ المُجْتَلَبَةُ لِوِقايَةِ الحَرْفِ الأخِيرِ مِنَ الفِعْلِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَكْسُورًا، ونُونُ الوِقايَةِ دالَّةٌ عَلى المَحْذُوفِ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا.

صفحة ٢٦٤

وفِي قَوْلِها: (﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾) كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى: تُوافِقُونِي فِيما أقْطَعُهُ، أيْ: يَصْدُرُ مِنها في مَقاطِعِ الحُقُوقِ والسِّياسَةِ: إمّا بِالقَوْلِ كَما جَرى في هَذِهِ الحادِثَةِ، وإمّا بِالسُّكُوتِ وعَدَمِ الإنْكارِ؛ لِأنَّ حُضُورَ المَعْدُودِ لِلشُّورى في مَكانِ الِاسْتِشارَةِ مُغْنٍ عَنِ اسْتِشارَتِهِ إذْ سُكُوتُهُ مُوافَقَةٌ. ولِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: إنَّ عَلى القاضِي إذا جَلَسَ لِلْقَضاءِ أنْ يَقْضِيَ بِمَحْضَرِ أهْلِ العِلْمِ أوْ مُشاوَرَتِهِمْ. وكانَ عُثْمانُ يَقْضِي بِمَحْضَرِ أهْلِ العِلْمِ وكانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُهم وإنْ لَمْ يَحْضُرُوا. وقالَ الفُقَهاءُ إنَّ سُكُوتَهم مَعَ حُضُورِهِمْ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِهِ.

ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الشُّورى؛ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا إلَهِيًّا ولا سِيقَ مَساقَ المَدْحِ، ولَكِنَّهُ حِكايَةُ ما جَرى عِنْدَ أُمَّةٍ غَيْرِ مُتَدَيِّنَةٍ بِوَحْيٍ إلَهِيٍّ؛ غَيْرَ أنَّ شَأْنَ القُرْآنِ فِيما يَذْكُرُهُ مِنَ القَصَصِ أنْ يَذْكُرَ المُهِمَّ مِنها لِلْمَوْعِظَةِ أوْ لِلْأُسْوَةِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ. فَلِذَلِكَ يُسْتَرْوَحُ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ حُسْنُ الشُّورى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشُّورى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

27:33Page 379

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .

جَوابٌ بِأُسْلُوبِ المُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَ ولَمْ يُعْطَفْ كَما هي طَرِيقَةُ المُحاوَراتِ. أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ: نَحْنُ جَماعَةُ المَمْلِكَةِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الحَرْبِ. فَهو مِن إخْبارِ عُرَفاءِ القَوْمِ عَنْ حالِ جَماعَتِهِمْ ومَن يُفَوَّضُ أمْرُهم إلَيْهِمْ. والقُوَّةُ: حَقِيقَتُها ومَجازُها تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. وأُطْلِقَتْ عَلى وسائِلِ القُوَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] في سُورَةِ الأنْفالِ، أيْ: وسائِلِ القُدْرَةِ عَلى القِتالِ والغَلَبَةِ، ومِنَ القُوَّةِ كَثْرَةُ القادِرِينَ عَلى القِتالِ والعارِفِينَ بِأسالِيبِهِ.

والبَأْسُ: الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ، قالَ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيْ: في مَواقِعِ القِتالِ، وقالَ: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ [الحشر: ١٤] . وهَذا الجَوابُ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ لِلدِّفاعِ عَنْ مُلْكِهِمْ وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَمِيلُونَ إلى الدَّفْعِ

صفحة ٢٦٥

بِالقُوَّةِ إنْ أرادَ أنْ يُكْرِهَهم عَلى الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ؛ لِأنَّهم حَمَلُوا ما تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ عَلى ما قَدْ يُفْضِي إلى هَذا.

ومَعَ إظْهارِ هَذا الرَّأْيِ فَوَّضُوا الأمْرَ إلى المَلِكَةِ لِثِقَتِهِمْ بِأصالَةِ رَأْيِها لِتَنْظُرَ ما تَأْمُرُهم فَيَمْتَثِلُونَهُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ (تَأْمُرِينَ) ومُتَعَلَّقَهُ لِظُهُورِهِما مِنَ المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: ما تَأْمُرِينَنا بِهِ، أيْ: إنْ كانَ رَأْيُكِ غَيْرَ الحَرْبِ فَمُرِي بِهِ نُطِعْكِ.

وفِعْلُ (انْظُرِي) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ وهو (ماذا تَأْمُرِينَ) .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (ماذا) في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском