Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:34–43

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:34–43

27:34–35Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥

But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ .

(قالَتْ) جَوابُ مُحاوَرَةٍ فَلِذَلِكَ فُصِلَ.

أبْدَتْ لَهم رَأْيَها مُفَضِّلَةً جانِبَ السِّلْمِ عَلى جانِبِ الحَرْبِ وحاذِرَةً مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ اخْتِيارًا؛ لِأنَّ نِهايَةَ الحَرْبِ فِيها احْتِمالُ أنْ يَنْتَصِرَ سُلَيْمانُ فَتَصِيرُ مَمْلَكَةُ سَبَأٍ إلَيْهِ، وفي الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ إلْقاءٌ لِلْمَمْلَكَةِ في تَصَرُّفِهِ، وفي كِلا الحالَيْنِ يَحْصُلُ تَصَرُّفُ مَلِكٍ جَدِيدٍ في مَدِينَتِها فَعَلِمَتْ بِقِياسِ شَواهِدِ التّارِيخِ وبِخِبْرَةِ طَبائِعِ المُلُوكِ إذا تَصَرَّفُوا في مَمْلَكَةِ غَيْرِهِمْ أنْ يَقْلِبُوا نِظامَها إلى ما يُسايِرُ مَصالِحَهم واطْمِئْنانَ نُفُوسِهِمْ مِنَ انْقِلابِ الأُمَّةِ المَغْلُوبَةِ عَلَيْهِمْ في فُرَصِ الضَّعْفِ أوْ لَوائِحِ الِاشْتِغالِ بِحَوادِثَ مُهِمَّةٍ، فَأوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ إقْصاءُ الَّذِينَ كانُوا في الحُكْمِ؛ لِأنَّ الخَطَرَ يُتَوَقَّعُ مِن جانِبِهِمْ حَيْثُ زالَ سُلْطانُهم بِالسُّلْطانِ الجَدِيدِ، ثُمَّ يُبَدِّلُونَ القَوانِينَ والنُّظُمَ الَّتِي كانَتْ تَسِيرُ عَلَيْها الدَّوْلَةُ، فَأمّا إذا أخَذُوها عُنْوَةً فَلا يَخْلُو الأخْذُ مِن تَخْرِيبٍ وسَبْيٍ ومَغانِمَ، وذَلِكَ أشَدُّ فَسادًا. وقَدِ انْدَرَجَ الحالانِ في قَوْلِها ﴿إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ .

صفحة ٢٦٦

وافْتِتاحُ جُمْلَةِ (إنَّ المُلُوكَ) بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ، فَقَوْلُها: (إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها) اسْتِدْلالٌ بِشَواهِدِ التّارِيخِ الماضِي ولِهَذا تَكُونُ (إذا) ظَرْفًا لِلْماضِي بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٩٢] .

وجُمْلَةُ (﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِحُكْمِ الماضِي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِصْحابِ وهو كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ . والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإفْسادِ وجَعْلِ الأعِزَّةِ أذِلَّةً، أيْ: فَكَيْفَ نُلْقِي بِأيْدِينا إلى مَن لا يَأْلُو إفْسادًا في حالِنا.

فَدَبَّرَتْ أنْ تَتَفادى مِنَ الحَرْبِ ومِنَ الإلْقاءِ بِاليَدِ، بِطَرِيقَةِ المُصانَعَةِ والتَّزَلُّفِ إلى سُلَيْمانَ بِإرْسالِ هَدِيَّةٍ إلَيْهِ، وقَدْ عَزَمَتْ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَسْتَطْلِعْ رَأْيَ أهْلِ مَشُورَتِها؛ لِأنَّهم فَوَّضُوا الرَّأْيَ إلَيْها؛ ولِأنَّ سُكُوتَهم عَلى ما تُخْبِرُهم بِهِ يُعَدُّ مُوافَقَةً ورِضًى.

وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما سَتُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن عَزْمِها، ويَتَضَمَّنُ تَعْلِيلًا لِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ.

والباءُ في (بِهَدِيَّةٍ) باءُ المُصاحَبَةِ. ومَفْعُولُ (مُرْسِلَةٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ (مُرْسِلَةٌ) وكَوْنُ التَّشاوُرِ فِيما تَضَمَّنَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ. فالتَّقْدِيرُ: مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ كِتابًا ووَفْدًا مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ الوَفْدُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ تُجِيبُ بِهِ كِتابَ سُلَيْمانَ، فَإنَّ الجَوابَ عَنِ الكِتابِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ، وهو مَن سُنَنِ المُسْلِمِينَ، وعُدَّ مِن حَقِّ المُسْلِمُ عَلى المُسْلِمِ قالَ القُرْطُبِيُّ: إذا ورَدَ عَلى إنْسانٍ في كِتابٍ بِالتَّحِيَّةِ أوْ نَحْوِها يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ الجَوابَ؛ لِأنَّ الكِتابَ مِنَ الغائِبِ كالسَّلامِ مِنَ الحاضِرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى رَدَّ الكِتابِ واجِبًا كَرَدِّ السَّلامِ اهـ. ولَمْ أقِفْ عَلى حُكْمٍ فِيهِ مِن مَذاهِبِ الفُقَهاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الجَوابَ إنْ كانَ عَنْ كِتابٍ مُشْتَمِلٍ عَلى صِيغَةِ السَّلامِ أنْ يَكُونَ رَدُّ الجَوابِ واجِبًا وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى رَدِّ السَّلامِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ بِالكِتابَةِ يُقاسُ عَلى الرَّدِّ بِالكَلامِ مَعَ إلْغاءِ فارِقِ ما في المُكالَمَةِ مِنَ المُواجَهَةِ الَّتِي يَكُونُ تَرْكُ الرَّدِّ مَعَها أقْرَبَ لِإلْقاءِ العَداوَةِ. ولَمْ أرَ في كُتُبِ النَّبِيءِ ﷺ جَوابًا عَنْ كِتابٍ إلّا جَوابَهُ عَنْ كِتابِ مُسَيْلَمَةَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى.

صفحة ٢٦٧

والهَدِيَّةُ: فَعِيلَةُ مِن أهْدى: فالهَدِيَّةُ ما يُعْطى لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ والتَّحَبُّبِ، والجَمْعُ هَدايا عَلى اللُّغَةِ الفُصْحى، وهي لُغَةٌ سُفْلى مَعَدٍّ. وأصْلُ هَدايا: هِدائِي بِهَمْزَةٍ بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ ثُمَّ ياءٍ؛ لِأنَّ فَعِيلَةَ يُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ بِإبْدالِ ياءِ فَعِيلَةَ هَمْزَةً؛ لِأنَّها حَرْفٌ وقَعَ في الجَمْعِ بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ فَلَمّا وجَدُوا الضَّمَّةَ في حالَةِ الرَّفْعِ ثَقِيلَةً عَلى الياءِ سَكَّنُوا الياءَ طَرْدًا لِلْبابِ ثُمَّ قَلَبُوا الياءَ السّاكِنَةَ ألِفًا لِلْخِفَّةِ فَوَقَعَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ فَثَقُلَتْ فَقَلَبُوها ياءً؛ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ وهي أخَفُّ، وأمّا لُغَةُ سُفْلى مَعَدٍّ فَيَقُولُونَ: هَداوى بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَيْنَ الألِفَيْنِ واوًا؛ لِأنَّها أُخْتُ الياءِ وكِلْتاهُما أُخْتُ الهَمْزَةِ.

و(ناظِرَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ مَن نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، أيْ: مُتَرَقِّبَةٌ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (فَناظِرَةٌ)، أوْ مُسْتَأْنَفَةً. وأصْلُ النَّظْمِ: فَناظِرَةٌ ما يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ بِهِ، فَغَيَّرَ النَّظْمَ لَمّا أُرِيدَ أنَّها مُتَرَدِّدَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ المُرْسَلُونَ. فالباءُ في قَوْلِهِ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ) قُدِّمَتْ عَلى مُتَعَلَّقِها لِاقْتِرانِها بِحَرْفِ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ناظِرَةٌ) مِنَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، أيْ: عالِمَةٌ، وتَعَلُّقُ الباءِ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ)، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ (فَناظِرَةٌ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ أوْ مَفْعُولَيْهِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الباءِ بِ (ناظِرَةٌ)؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ فَمِن ثَمَّ غَلَّطُوا الحُوفِيَّ في تَفْسِيرِهِ لِتَعْلِيقِهِ الباءَ بِ (ناظِرَةٌ) كَما في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ.

27:36–37Page 380

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦

So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.

ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧

Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."

﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .

أيْ فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥]، فالإرْسالُ يَقْتَضِي رَسُولًا، والرَّسُولُ لَفْظُهُ مُفْرَدٌ ويَصْدُقُ بِالواحِدِ والجَماعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ مُوسى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وأيْضًا فَإنَّ هَدايا المُلُوكِ يَحْمِلُها رَكْبٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ (جاءَ) الرَّكْبَ المَعْهُودَ في إرْسالِ هَدايا أمْثالِ المُلُوكِ.

صفحة ٢٦٨

وقَدْ أبى سُلَيْمانُ قَبُولَ الهَدِيَّةِ؛ لِأنَّ المَلِكَةَ أرْسَلَتْها بَعْدَ بُلُوغِ كِتابِهِ، ولَعَلَّها سَكَتَتْ عَنِ الجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]) فَتَبَيَّنَ لَهُ قَصْدُها مِنَ الهَدِيَّةِ أنْ تَصْرِفَهُ عَنْ مُحاوَلَةِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ، فَكانَتِ الهَدِيَّةُ رِشْوَةً لِتَصْرِفَهُ عَنْ بَثِّ سُلْطانِهِ عَلى مَمْلَكَةِ سَبَأٍ.

والخِطابُ في (أتُمِدُّونَنِي) لِوَفْدِ الهَدِيَّةِ لِقَصْدِ تَبْلِيغِهِ إلى المَلِكَةِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرُّسُلِ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ مَن أرْسَلَهم فِيما يَرْجِعُ إلى الغَرَضِ المُرْسَلِ فِيهِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لِأنَّ حالَ إرْسالِ الهَدِيَّةِ والسُّكُوتِ عَنِ الجَوابِ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ صَرْفِ سُلَيْمانَ عَنْ طَلَبِ ما طَلَبَهُ بِما بُذِلَ لَهُ مِنَ المالِ، فَيَقْتَضِي أنَّهم يَحْسَبُونَهُ مُحْتاجًا إلى مِثْلِ ذَلِكَ المالِ فَيَقْتَنِعُ بِما وُجِّهَ إلَيْهِ.

ويَظْهَرُ أنَّ الهَدِيَّةَ كانَتْ ذَهَبًا ومالًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (أتُمِدُّونَنِي) بِنُونَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِالإدْغامِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها عَلى الإنْكارِ السّابِقِ، أيْ: أنْكَرْتُ عَلَيْكم ظَنَّكم فَرَحِي بِما وجَّهْتُمْ لِي؛ لِأنَّ ما أعْطانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا أعْطاكم، أيْ: فَهو أفْضَلُ مِنهُ في صِفاتِ الأمْوالِ مِن نَفاسَةٍ ووَفْرَةٍ.

وسَوْقُ التَّعْلِيلِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ المَلِكَةَ لا تَعْلَمُ أنَّ لَدى سُلَيْمانَ مِنَ الأمْوالِ ما هو خَيْرٌ مِمّا لَدَيْها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَظُنُّ أنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ لَما احْتاجَ إلى التَّفْرِيعِ.

وهَذا مِن أسْرارِ الفَرْقِ في الكَلامِ البَلِيغِ بَيْنَ الواوِ والفاءِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَلَوْ قالَ: وما آتانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم، لَكانَ مُشْعِرًا بِأنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الواوَ تَكُونُ واوَ الحالِ.

و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ إمْدادَهُ بِمالٍ إلى رَدِّ ذَلِكَ المالِ وإرْجاعِهِ إلَيْهِمْ.

وإضافَةُ (هَدِيَّتِكم) تَشْبِيهٌ، تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مِمّا تُهْدُونَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَبِيهَةً بِالإضافَةِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: بِما يُهْدى إلَيْكم. والخَبَرُ اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ لِلْمَهْدِيِّ.

صفحة ٢٦٩

ومَعْنى (تَفْرَحُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُسَرُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْتَخِرُونَ، أيْ: أنْتُمْ تَعْظُمُ عِنْدَكم تِلْكَ الهَدِيَّةُ لا أنا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْطانِي خَيْرًا مِنها.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في (أنْتُمْ. . . تَفْرَحُونَ) لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ: أنْتُمْ. وهو الكِنايَةُ عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ.

وتَوَعَّدَهم وهَدَّدَهم بِأنَّهُ مُرْسِلٌ إلَيْهِمْ جَيْشًا لا قِبَلَ لَهم بِحَرْبِهِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الذُّكُورِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (فَلَنَأْتِيَنَّهم) (ولَنُخْرِجَنَّهم) عائِدَةٌ إلى القَوْمِ، أيْ: لَنُخْرِجَنَّ مَن نُخْرِجُ مِنَ الأسْرى.

وقَوْلُهُ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾) يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ غَزْوَ بَلَدِها بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إرْسالَ جُنُودٍ لِغَزْوِها فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أيْ: أذْهَبَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلْنُؤْتِيَنَّهم جُنُودًا، أيْ: نَجْعَلُها آتِيَةً إيّاهم.

والقِبَلُ: الطّاقَةُ. وأصْلُهُ المُقابَلَةُ فَأُطْلِقَ عَلى الطّاقَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُطِيقُ شَيْئًا يَثْبُتُ لِلِقائِهِ ويُقابِلُهُ. فَإذا لَمْ يُطِقْهُ تَقَهْقَرَ عَنْ لِقائِهِ. ولَعَلَّ أصْلَ هَذا الِاسْتِعْمالِ ناظِرٌ إلى المُقابَلَةِ في القِتالِ.

والباءُ في (بِها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهم بِسَبَبِها، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهُمُ المُصاحِبُ لَها، أيْ: لِلْقُدْرَةِ عَلى لِقائِها.

وضَمِيرُ (بِها) لِلْجُنُودِ وضَمِيرُ (مِنها) لِلْمَدِينَةِ، وهي مَأْرِبَ، أيْ: يُخْرِجُهم أسْرى ويَأْتِي بِهِمْ إلى مَدِينَتِهِ.

والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغُرَ بِضَمِّ الغَيْنِ المُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ذَلَّ ومَصْدَرُهُ الصَّغارُ. والمُرادُ: ذُلُّ الهَزِيمَةِ والأسْرِ.

27:38–40Page 380

قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨

[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"

قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩

A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."

قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠

Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."

صفحة ٢٧٠

﴿قالَ يا أيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِنِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ بَعْضِ أجْزاءِ القِصَّةِ طُوِيَ خَبَرُ رُجُوعِ الرُّسُلِ والهَدِيَّةِ، وعَلِمَ سُلَيْمانُ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ لا يَسَعُها إلّا طاعَتُهُ ومَجِيئُها إلَيْهِ، أوْ ورَدَ لَهُ مِنها أنَّها عَزَمَتْ عَلى الحُضُورِ عِنْدَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ (وأْتُونِي مُسْلِمِينَ) .

ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَطَّتْ رِحالُ المَلِكَةِ في مَدِينَةِ أُورْشَلِيمَ وقَبْلَ أنْ تَتَهَيَّأ لِلدُّخُولِ عَلى المَلِكِ، أوْ حِينَ جاءَهُ الخَبَرُ بِأنَّها شارَفَتِ المَدِينَةَ فَأرادَ أنْ يُحْضِرَ لَها عَرْشَها قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لِيُرِيَها مَقْدِرَةَ أهْلِ دَوْلَتِهِ.

وقَدْ يَكُونُ عَرْشُها مَحْمُولًا مَعَها في رِحالِها جاءَتْ بِهِ مَعَها لِتَجْلِسَ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ لا يُهَيِّئَ لَها سُلَيْمانُ عَرْشًا، فَإنَّ لِلْمُلُوكِ تَقادِيرَ وظُنُونًا يَحْتَرِزُونَ مِنها خَشْيَةَ الغَضاضَةِ.

وقَوْلُهُ (آتِيكَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا مِن أتى، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِنهُ، والباءُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. ولَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ بِأنَّها سَتَحْضُرُ عِنْدَهُ أرادَ أنْ يَبْهَتَها بِإحْضارِ عَرْشِها الَّذِي تَفْتَخِرُ بِهِ وتَعُدُّهُ نادِرَةَ الدُّنْيا، فَخاطَبَ مَلَأهُ لِيَظْهَرَ مِنهم مُنْتَهى عِلْمِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فالباءُ في (بِعَرْشِها) كالباءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾ [النمل: ٣٧]) تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ.

وجُمْلَةُ (قالَ يا أيُّها المَلَأُ) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِداءً لِجُزْءٍ مِن قِصَّةٍ. وجُمْلَةُ (قالَ عِفْرِيتٌ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ المُحاوَرَةِ فَفُصِلَتْ عَلى أُسْلُوبِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) أيْضًا جَوابُ مُحاوَرَةٍ.

ومَعْنى (عِفْرِيتٌ) حَسْبَما يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلَفِ كَلِماتِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ اسْمٌ

صفحة ٢٧١

لِلشَّدِيدِ الَّذِي لا يُصابُ ولا يُنالُ، فَهو يُتَّقى لِشَرِّهِ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِعُتاةِ الجِنِّ، ويُوصَفُ بِهِ النّاسُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ.

و﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ رَجُلٌ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ مِن حاشِيَةِ سُلَيْمانَ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ الكِتابِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: عِنْدَهُ عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ مِنَ الكُتُبِ، أيْ: مِنَ الحِكْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ. وقَدْ عَدَّ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أهْلَ خاصَّةِ سُلَيْمانَ بِأسْمائِهِمْ، وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والقَصَصِ أنَّ (﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) هو (آصَفُ بْنُ بَرْخِيا) وأنَّهُ كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ.

وارْتِدادُ الطَّرْفِ حَقِيقَتُهُ: رُجُوعُ تَحْدِيقِ العَيْنِ مِن جِهَةٍ مَنظُورَةٍ تَحَوَّلَ عَنْها لَحْظَةً. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِارْتِدادِ؛ لِأنَّهم يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّظَرِ بِإرْسالِ الطَّرْفِ وإرْسالِ النَّظَرِ فَكانَ الِارْتِدادُ اسْتِعارَةً مَبْنِيَّةً عَلى ذَلِكَ.

وهَذِهِ المُناظَرَةُ بَيْنَ العِفْرِيتِ مِنَ الجِنِّ والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ تَرْمُزُ إلى أنَّهُ يَتَأتّى بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لا يَتَأتّى بِالقُوَّةِ، وأنَّ الحِكْمَةَ مُكْتَسَبَةٌ لِقَوْلِهِ (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ)، وأنَّ قُوَّةَ العَناصِرِ طَبِيعَةٌ فِيها، وأنَّ الِاكْتِسابَ بِالعِلْمِ طَرِيقٌ لِاسْتِخْدامِ القُوى الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ اسْتِخْدامَ بَعْضِها بَعْضًا. فَذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مَثَلًا لِتَغَلُّبِ العِلْمِ عَلى القُوَّةِ. ولَمّا كانَ هَذانِ الرَّجُلانِ مُسَخَّرَيْنِ لِسُلَيْمانَ كانَ ما اخْتُصّا بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ مَزِيَّةً لَهُما تَرْجِعُ إلى فَضْلِ سُلَيْمانَ وكَرامَتِهِ أنْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ القُوى. ومَقامُ نُبُوَّتِهِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أنْ يُباشِرَ بِنَفْسِهِ الإتْيانَ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾) وقَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾) مَثَلانِ في السُّرْعَةِ والأسْرَعِيَّةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ في (رَآهُ) يَعُودُ إلى العَرْشِ.

والِاسْتِقْرارُ: التَّمَكُّنُ في الأرْضِ وهو مُبالَغَةٌ في القَرارِ. وهَذا اسْتِقْرارٌ خاصٌّ هو غَيْرُ الِاسْتِقْرارِ العامِّ المُرادِفِ لِلْكَوْنِ، وهو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي يُقَدَّرُ في الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِما إذا وقَعا خَبَرًا أوْ وقَعا حالًا إذْ يُقَدَّرُ

صفحة ٢٧٢

(كائِنٌ) أوْ (مُسْتَقِرٌّ) فَإنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُصَرَّحَ بِهِ. وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ في الآيَةِ مِن إظْهارِ المُقَدَّرِ وهو بَعِيدٌ.

ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ إضافَةً إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّهُ لِإظْهارِ أنَّ فَضْلَهُ عَلَيْهِ عَظِيمٌ إذْ هو عَبْدُ رَبِّهِ. فَلَيْسَ إحْسانُ اللَّهِ إلَيْهِ إلّا فَضْلًا مَحْضًا ولَمْ يَشْتَغِلْ سُلَيْمانُ حِينَ أُحْضِرَ لَهُ العَرْشُ بِأنْ يَبْتَهِجَ بِسُلْطانِهِ ولا بِمَقْدِرَةِ رِجالِهِ، ولَكِنَّهُ انْصَرَفَ إلى شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما مَنَحَهُ مِن فَضْلٍ وأعْطاهُ مِن جُنْدٍ مُسَخَّرِينَ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ، فَمَزايا جَمِيعِهِمْ وفَضْلِهِمْ راجِعٌ إلى تَفْضِيلِهِ.

وضَرَبَ حِكْمَةً خُلُقِيَّةً دِينِيَّةً وهي ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾؛ فَكُلٌّ مُتَقَرِّبٌ إلى اللَّهِ بِعَمَلٍ صالِحٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ أنَّ عَمَلَهُ إنَّما هو لِنَفْسِهِ يَرْجُو بِهِ ثَوابَ اللَّهِ ورِضاهُ في الآخِرَةِ، ويَرْجُو دَوامَ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فالنَّفْعُ حاصِلٌ لَهُ في الدّارَيْنِ ولا يَنْتَفِعُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

فاللّامُ في قَوْلِهِ: (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لامُ الأجْلِ ولَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يُعَدّى بِها فِعْلُ الشُّكْرِ في نَحْوِ (واشْكُرُوا لِي) . والمُرادُ بِ (مَن كَفَرَ) مَن كَفَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ وهو كَرِيمٌ في إمْهالِهِ ورِزْقِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] .

والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَإنَّهُ غَنِيٌّ كَرِيمٌ، تَأْكِيدٌ لِلِاعْتِرافِ بِتَمَحُّضِ الفَضْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ .

27:41Page 380

قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١

He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."

﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ .

هَذا مِن جُمْلَةِ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَلَئِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ والمُحاوَرَةِ.

والتَّنْكِيرُ: التَّغْيِيرُ لِلْحالَةِ. قالَ جَمِيلٌ:

وقالُوا نَراها يا جَمِيلُ تَنَكَّرَتْ وغَيَّرَها الواشِي فَقُلْتُ لَعَلَّها

صفحة ٢٧٣

أرادَ: تَنَكَّرَتْ حالَةَ مُعاشَرَتِها بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الواشِينَ، بِأنْ يُغَيِّرَ بَعْضَ أوْصافِهِ، قالُوا: أرادَ مُفاجَأتَها واخْتِبارَ مَظَنَّتِها.

والمَأْمُورُ بِالتَّنْكِيرِ أهْلُ المَقْدِرَةِ عَلى ذَلِكَ مِن مَلَئِهِ.

و(مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) أبْلَغُ في انْتِفاءِ الِاهْتِداءِ مِن: لا تَهْتَدِي، كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

27:42Page 380

فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢

So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].

﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ .

دَلَّ قَوْلُهُ (لَمّا جاءَتْ) أنَّ المَلِكَةَ لَمّا بَلَغَها ما أجابَ بِهِ سُلَيْمانُ رُسُلَها أزْمَعَتِ الحُضُورَ بِنَفْسِها لَدى سُلَيْمانَ داخِلَةً تَحْتَ نُفُوذِ مَمْلَكَتِهِ وأنَّها تَجَهَّزَتْ لِلسَّفَرِ إلى أُورْشَلِيمَ بِما يَلِيقُ بِمِثْلِها.

وقَدْ طُوِيَ خَبَرُ ارْتِحالِها إذْ لا غَرَضَ مُهِمًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ في مَوْضِعِ العِبْرَةِ. والمَقْصُودُ أنَّها خَضَعَتْ لِأمْرِ سُلَيْمانَ وجاءَتْهُ راغِبَةً في الِانْتِسابِ إلَيْهِ.

وبُنِيَ فِعْلُ (قِيلَ) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِالقائِلِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي قالَ ذَلِكَ هو سُلَيْمانُ.

27:43Page 380

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣

And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."

﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا أيْ: هَذا مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١]) الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا بِهِ جَوابُها، أيْ: وقِيلَ أُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها، أيْ: قالَ القائِلُ: أهَكَذا عَرْشُكِ، أيْ: قالَ سُلَيْمانُ ذَلِكَ في مَلَئِهِ عَقِبَ اخْتِيارِ رَأْيِها شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما لَدَيْهِ مِنَ العِلْمِ، أوْ قالَ بَعْضُ مَلَأِ سُلَيْمانَ لِبَعْضِ هَذِهِ المَقالَةِ. ولَعَلَّهم تَخافَتُوا بِهِ أوْ رَطَنُوهُ بِلُغَتِهِمُ العِبْرِيَّةِ

صفحة ٢٧٤

بِحَيْثُ لا تَفْهَمُهم. وقالُوا ذَلِكَ بَهِجِينَ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لَهُ مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ لِمَلَأِ مَلِكَةِ سَبَأٍ، أيْ: لا نَنْسى بِما نُشاهِدُهُ مِن بَهْرَجاتِ هَذِهِ المَلِكَةِ أنَّنا في حالَةٍ عَقْلِيَّةٍ أفْضَلُ. وأرادُوا بِالعِلْمِ عِلْمَ الحِكْمَةِ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ سُلَيْمانَ ورِجالَ مَمْلَكَتِهِ، وتَشارَكَهم بَعْضُ أهْلِ سَبَأٍ في بَعْضِهِ فَقَدْ كانُوا أهْلَ مَعْرِفَةٍ أنْشَئُوا بِها حَضارَةً مُبْهِتَةً.

فَمَعْنى (مِن قَبْلِها) إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ قَوْمَهم بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا أسْبَقَ في مَعْرِفَةِ الحِكْمَةِ وحَضارَةِ المُلْكِ مِن أهْلِ سَبَأٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ ظَهَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَهْدِ مُوسى، فَقَدْ سَنَّ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ، وأقامَ لَهم نِظامَ الجَماعَةِ، وعَلَّمَهم أُسْلُوبَ الحَضارَةِ بِتَخْطِيطِ رُسُومِ مَساكِنِهِمْ ومَلابِسِهِمْ ونِظامِ الجَيْشِ والحَرْبِ والمَواسِمِ والمَحافِلِ. ثُمَّ أخَذَ ذَلِكَ يَرْتَقِي إلى أنْ بَلَغَ غايَةً بَعِيدَةً في مُدَّةِ سُلَيْمانَ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أسْبَقَ إلى عِلْمِ الحِكْمَةِ قَبْلَ أهْلِ سَبَأٍ. وإنْ أُرِيدَ بِ (مِن قَبْلِها) القَبْلِيَّةُ الِاعْتِبارِيَّةُ وهي الفَضْلُ والتَّفَوُّقُ في المَزايا وهو الألْيَقُ بِالمَعْنى كانَ المَعْنى: إنّا أوْسَعُ وأقْوى مِنها عِلْمًا، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «نَحْنُ الأوَّلُونَ السّابِقُونَ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا» أيْ: نَحْنُ الأوَّلُونَ في غاياتِ الهُدى، وجَعَلَ مَثَلًا لِذَلِكَ اهْتِداءُ أهْلِ الإسْلامِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ فَقالَ: «وهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ» . فَكانَ الأرْجَحُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (مِن قَبْلِها) أنّا فائِتُونَها في العِلْمِ وبالِغُونَ ما لَمْ تَبْلُغْهُ. وزادُوا في إظْهارِ فَضْلِهِمْ عَلَيْها بِذِكْرِ النّاحِيَةِ الدِّينِيَّةِ، أيْ: وكُنّا مُسْلِمِينَ دُونَها. وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ دَلالَةٌ عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الإسْلامِ مُنْذُ القِدَمِ.

وصَدَّها هي عَنِ الإسْلامِ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: صَدَّها مَعْبُودُها مِن دُونِ اللَّهِ، ومُتَعَلِّقُ الصَّدِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: (﴿وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]) . وما كانَتْ تَعْبُدُهُ هو الشَّمْسُ. وإسْنادُ الصَّدِّ إلى المَعْبُودِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِ صَدِّها عَنِ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]) وقَوْلِهِ (﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]) .

وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ مَرَّتَيْنِ في (﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ﴾)، و(﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾) دَلالَةٌ عَلى تَمَكُّنِها مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ وكانَ ذَلِكَ التَّمَكُّنُ بِسَبَبِ الِانْحِدارِ مِن سُلالَةِ المُشْرِكِينَ، فالشِّرْكُ مُنْطَبِعٌ في نَفْسِها بِالوِراثَةِ، فالكُفْرُ قَدْ أحاطَ بِها

صفحة ٢٧٥

بِتَغَلْغُلِهِ في نَفْسِها وبِنَشْأتِها عَلَيْهِ وبِكَوْنِها بَيْنَ قَوْمٍ كافِرِينَ فَمِن أيْنَ يَخْلُصُ إلَيْها الهُدى والإيمانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском