Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:44–49

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:44–49

27:44Page 380

قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤

She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."

﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ. وطُوِيَ ذِكْرُ تَرَحُّلِها إلى وُصُولِها في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حُلُولِها أمامَ صَرْحِ سُلَيْمانَ لِلدُّخُولِ مَعَهُ إلَيْهِ أوِ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وهو فِيهِ.

لَمّا أراها سُلَيْمانُ عَظَمَةَ حَضارَتِهِ انْتَقَلَ بِها حَيْثُ تُشاهِدُ أثَرًا بَدِيعًا مِن آثارِ الصِّناعَةِ الحَكِيمَةِ وهو الصَّرْحُ. والصَّرْحُ يُطْلَقُ عَلى صَحْنِ الدّارِ وعَرْصَتِها. والظّاهِرُ أنَّ صَرْحَ القَصْرِ الَّذِي ذُكِرَ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ السّابِعِ وهو بَيْتٌ وعْرٌ لَهُ بابانِ كانَ يَجْلِسُ فِيهِ سُلَيْمانُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ.

والقائِلُ لَها (ادْخُلِي الصَّرْحَ) هُمُ الَّذِينَ كانُوا في رُفْقَتِها.

والقائِلُ: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ هو سُلَيْمانُ كانَ مُصاحِبًا لَها أوْ كانَ يَتَرَقَّبُها، وزُجاجُ الصَّرْحِ المُبَلَّطُ بِهِ الصَّرْحُ بَيْنَهُما.

وذِكْرُ الدُّخُولِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّرْحَ مَكانٌ لَهُ بابٌ. وفي سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ العاشِرِ: فَلَمّا رَأتِ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ.

وحِكايَةُ أنَّها حَسِبَتْهُ لُجَّةً عِنْدَما رَأتْهُ تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ بَدا لَها في حِينِ دُخُولِها، فَدَلَّ عَلى أنَّ الصَّرْحَ هو أوَّلُ ما بَدا لَها مِنَ المَدْخَلِ فَهو لا مَحالَةَ ساحَةٌ مَعْنِيَّةٌ لِلنُّزْهَةِ فُرِشَتْ بِزُجاجٍ شَفّافٍ وأجْرِيَ تَحْتَهُ الماءُ، حَتّى يَخالَهُ النّاظِرُ لُجَّةَ ماءٍ. وهَذا مِن بَدِيعِ الصِّناعَةِ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِها قُصُورُ سُلَيْمانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في اليَمَنِ عَلى ما بَلَغَتْهُ مِن حَضارَةٍ وعَظَمَةَ بِناءٍ.

وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (عَنْ سَأْقَيْها) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ عِوَضًا عَنِ الألِفِ عَلى لُغَةِ مَن يَهْمِزُ حَرْفَ المَدِّ إذا وقَعَ وسَطَ الكَلِمَةِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

صفحة ٢٧٦

لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ

فَهَمَزَ المُؤْقِدانِ ومُؤْسى.

وكَشْفُ ساقَيْها كانَ مِن أجْلِ أنَّها شَمَّرَتْ ثِيابَها كَراهِيَةَ ابْتِلالِها بِما حَسِبَتْهُ ماءً. فالكَشْفُ عَنْ ساقَيْها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِخَلْعِ خُفَّيْها أوْ نَعْلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَشْمِيرِ ثَوْبِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ لا تَلْبَسُ الخُفَّيْنِ. والمُمَرَّدُ: المُمَلَّسُ.

والقَوارِيرُ: جَمْعُ قارُورَةٍ وهي اسْمٌ لِإناءٍ مِنَ الزُّجاجِ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَمْرِ لِيَظْهَرَ لِلرّائِي ما قَرَّ في قَعْرِ الإناءِ مَن تَفَثِ الخَمْرِ فَيَظْهَرُ المِقْدارُ الصّافِي مِنها. فَسَمّى ذَلِكَ الإناءَ قارُورَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ ما يَقَرُّ في قَعْرِهِ، وجُمِعَتْ عَلى قَوارِيرَ، ثُمَّ أُطْلِقَ هَذا الجَمْعُ عَلى الطِّينِ الَّذِي تُتَّخَذُ مِنهُ القارُورَةُ وهو الزُّجاجُ، فالقَوارِيرُ مِن أسْماءِ الزُّجاجِ، قالَ بَشّارٌ:

ارْفُقْ بِعَمْرٍو إذا حَرَّكْتَ نِسْبَتَهُ ∗∗∗ فَإنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن قَوارِيرَ

يُرِيدُ أنَّ نِسْبَتَهُ في العَرَبِ ضَعِيفَةٌ إذا حُرِّكَتْ تَكَسَّرَتْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الزُّجاجِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] في سُورَةِ النُّورِ.

* * *

﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

بَهَرَها ما رَأتْ مِن آياتٍ عَلِمَتْ مِنها أنَّ سُلَيْمانَ صادِقٌ فِيما دَعاها إلَيْهِ وأنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلِمَتْ أنَّ دِينَها ودِينَ قَوْمِها باطِلٌ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها في اتِّباعِ الضَّلالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ. وهَذا دَرَجَةٌ أُولى في الِاعْتِقادِ وهو دَرَجَةُ التَّخْلِيَةِ، ثُمَّ صَعَدَتْ إلى الدَّرَجَةِ الَّتِي فَوْقَها وهي دَرَجَةُ التَّحَلِّي بِالإيمانِ الحَقِّ فَقالَتْ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وهَذا مَقامُ التَّوْحِيدِ.

وفِي قَوْلِها (مَعَ سُلَيْمانَ) إيمانٌ بِالدِّينِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ سُلَيْمانُ وهو دِينُ

صفحة ٢٧٧

اليَهُودِيَّةِ، وقَدْ أرادَتْ جَمْعَ مَعانِي الدِّينِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَكُونَ تَفْصِيلُها فِيما تَتَلَقّاهُ مِن سُلَيْمانَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ.

والإسْلامُ: الِانْقِيادُ إلى اللَّهِ تَعالى. وتَقَلُّدُ بِلْقِيسَ لِلتَّوْحِيدِ كانَ في خاصَّةِ نَفْسِها؛ لِأنَّها دانَتْ لِلَّهِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ أهْلَ سَبَأٍ انْخَلَعُوا عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا دُخُولُ اليَهُودِيَّةِ بِلادَ اليَمَنِ فَيَأْتِي في سُورَةِ البُرُوجِ. وسَكَتَ القُرْآنُ عَنْ بَقِيَّةِ خَبَرِها ورُجُوعِها إلى بِلادِها ولِلْقَصّاصِينَ أخْبارٌ لا تَصِحُّ فَهَذا تَمامُ القِصَّةِ.

ومَكانُ العِبْرَةِ مِنها الِاتِّعاظُ بِحالِ هَذِهِ المَلِكَةِ، إذْ لَمْ يَصُدَّها عُلُوُّ شَأْنِها وعَظَمَةُ سُلْطانِها مَعَ ما أُوتِيَتْهُ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وذَكاءِ العَقْلِ عَنْ أنْ تَنْظُرَ في دَلائِلِ صِدْقِ الدّاعِي إلى التَّوْحِيدِ، وتُوقِنَ بِفَسادِ الشِّرْكِ، وتَعْتَرِفَ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، فَما يَكُونُ إصْرارُ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ الهَدْيُ الإسْلامِيُّ إلّا لِسَخافَةِ أحْلامِهِمْ، أوْ لِعَمايَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَمَسُّكِهِمْ بِالباطِلِ وتَصَلُّبِهِمْ فِيهِ. ولا أصْلَ لِما يَذْكُرُهُ القَصّاصُونَ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَ بِلْقِيسَ ولا أنَّ لَهُ ولَدًا مِنها. فَإنَّ رَحْبَعامَ ابْنَهُ الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ كانَ مِن زَوْجَةٍ عَمُّونِيَّةِ.

27:45Page 381

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥

And We had certainly sent to Thamūd their brother Ṣāliḥ, [saying], "Worship Allāh," and at once they were two parties conflicting.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ .

هَذا مَثَلٌ ثالِثٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهُ تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالرُّسُلِ والأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ.

والِانْتِقالُ مِن ذِكْرِ مُلْكِ سُلَيْمانَ وقِصَّةِ مَلِكَةِ سَبَأٍ إلى ذِكْرِ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ دُونَ ذِكْرِ عادٍ لِمُناسَبَةِ جِوارِ البِلادِ؛ لِأنَّ دِيارَ ثَمُودَ كانَتْ عَلى تُخُومِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ وكانَتْ في طَرِيقِ السّائِرِ مِن سَبَأٍ إلى فِلَسْطِينَ.

ألا تَرى أنَّهُ أعْقَبَ ذِكْرَ ثَمُودَ بِذِكْرِ قَوْمِ لُوطٍ وهم أدْنى إلى بِلادِ فِلَسْطِينَ فَكانَ

صفحة ٢٧٨

سِياقُ هَذِهِ القِصَصِ مُناسِبًا لِسِياقِ السّائِرِ مِن بِلادِ اليَمَنِ إلى فِلَسْطِينَ. ولَمّا كانَ ما حَلَّ بِالقَوْمِ أهَمَّ ذِكْرًا في هَذا المَقامِ قَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ هو مَحَلُّ العِبْرَةِ، وأمّا المَفْعُولُ فَهو مَحَلُّ التَّسْلِيَةِ، والتَّسْلِيَةُ غَرَضٌ تَبَعِيٌّ.

ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الإرْسالِ بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَقِيَّةِ الخَبَرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّأْكِيدُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، وإمّا أنْ يُبْنى عَلى تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ فِيما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ واسْتِخْفافِهِمْ بِوَعِيدِ رَبِّهِمْ عَلى لِسانِهِ. وحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهم في عَدَمِ العِظَةِ بِما جَرى لِلْمُماثِلِينَ في حالِهِمْ جَعَلَهم كَمَن يُنْكِرُ ذَلِكَ.

و(﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾) تَفْسِيرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أرْسَلْنا) مِن مَعْنى القَوْلِ. وفُرِّعَ عَلى (أرْسَلَنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا) إلَخْ (﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾) . فالمَعْنى: أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا لِإنْقاذِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ فَفاجَأ مِن حالِهِمْ أنْ أعْرَضَ فَرِيقٌ عَنِ الإيمانِ وآمَنَ فَرِيقٌ.

والإتْيانُ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ انْقِسامِهِمْ غَيْرَ مَرْضِيٍّ فَكَأنَّهُ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ لِإنْكارِ كَوْنِ أكْثَرِهِمْ كافِرِينَ إشارَةً إلى أنَّ مُجَرَّدَ بَقاءِ الكُفْرِ فِيهِمْ كافٍ في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحالُهم هَذا مُساوٍ لِحالِ قُرَيْشٍ تِجاهَ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وأُعِيدَ ضَمِيرُ (يَخْتَصِمُونَ) عَلى المُثَنّى وهو (فَرِيقانِ) بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ الفَرِيقَيْنِ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولَمْ يَقُلْ: اقْتَتَلَتا.

والفَرِيقانِ هُما: فَرِيقُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وفَرِيقُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وفِيهِمْ صالِحٌ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ العُرْفُ بَعْدَ سَماعِ الدَّعْوَةِ. والِاخْتِصامُ واقِعٌ مَعَ صالِحٍ ابْتِداءً ومَعَ أتْباعِهِ تَبَعًا.

27:46Page 381

قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦

He said, "O my people, why are you impatient for evil before [i.e., instead of] good?1 Why do you not seek forgiveness of Allāh that you may receive mercy?"

﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

لَمّا كانَ الِاخْتِصامُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في شَأْنِ صالِحٍ ابْتِداءً جِيءَ بِجَوابِ صالِحٍ عَمّا

صفحة ٢٧٩

تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم مِن مُحاوَلَتِهِمْ إفْحامَهُ بِطَلَبِ نُزُولِ العَذابِ. فَمَقُولُ صالِحٍ هَذا لَيْسَ هو ابْتِداءَ دَعْوَتِهِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٥] ولَكِنَّهُ جَوابٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم مَعَهُ، ولِذَلِكَ جاءَتْ جُمْلَةُ (قالَ يا قَوْمِ) مَفْصُولَةً جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّها حِكايَةُ جَوابٍ عَمّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم.

واقْتَصَرَ عَلى مُراجَعَةِ صالِحٍ قَوْمَهُ في شَأْنِ غُرُورِهِمْ بِظَنِّهِمْ أنَّ تَأخُّرَ العَذابِ أمارَةً عَلى كَذِبِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ فَإنَّهم قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] كَما حُكِيَ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ هُنا مَوْعِظَةُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] بِحالِ ثَمُودَ المُساوِي لِحالِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ مُماثِلَةٌ لِعاقِبَةِ ثَمُودَ لِتَماثُلِ الحالَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾) إنْكارٌ لِأخْذِهِمْ بِجانِبِ العَذابِ دُونَ جانِبِ الرَّحْمَةِ.

فَ (السَّيِّئَةِ): صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ بِالحالَةِ السَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ (الحَسَنَةِ) .

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ (السَّيِّئَةِ) الحالَةُ السَّيِّئَةُ في مُعامَلَتِهِمْ إيّاهُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ. والمُرادُ بِالحَسَنَةِ ضِدَّ ذَلِكَ، أيْ: تَصْدِيقُهم لِما جاءَ بِهِ، فالِاسْتِعْجالُ: المُبادَرَةُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. ومَفْعُولُ (تَسْتَعْجِلُونَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي مُتَلَبِّسِينَ بِسَيِّئَةِ التَّكْذِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أخْذَهم بِطَرَفِ التَّكْذِيبِ إذْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلائِلِ صِدْقِهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُتَرَدِّدِينَ في أمْرِي فافْرِضُوا صِدْقِي ثُمَّ انْظُرُوا. وهَذا اسْتِنْزالٌ بِهِمْ إلى النَّظَرِ بَدَلًا عَنِ الإعْراضِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ في كَلامِهِ بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ (السَّيِّئَةِ) الحالَةُ السَّيِّئَةُ الَّتِي يَتَرَقَّبُونَ حُلُولَها، وهي ما سَألُوا مِن تَعْجِيلِ العَذابِ المَحْكِيِّ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ، وبِ (الحَسَنَةِ) ضِدَّ ذَلِكَ أيْ: حالَةُ سَلامَتِهِمْ مِن حُلُولِ العَذابِ، فَ (السَّيِّئَةِ) مَفْعُولُ (تَسْتَعْجِلُونَ) والباءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .

صفحة ٢٨٠

والمَعْنى: إنْكارُ جَعْلِهِمْ تَأْخِيرَ العَذابِ أمارَةً عَلى كَذِبِ الوَعِيدِ بِهِ وأنَّ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوا امْتِدادَ السَّلامَةِ أمارَةً عَلى إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَيَتَّقُوا حُلُولَ العَذابِ، أيْ: لِمَ تَبْقَوْنَ عَلى التَّكْذِيبِ مُنْتَظَرِينَ حُلُولَ العَذابِ، وكانَ الأجْدَرُ بِكم أنْ تُبادِرُوا بِالتَّصْدِيقِ مُنْتَظَرِينَ عَدَمَ حُلُولِ العَذابِ بِالمَرَّةِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ صالِحٍ إيّاهم جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِجَعْلِ يَقِينِهِمْ بِكَذِبِهِ مَحْمُولًا عَلى تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ صِدْقِهِ وكَذِبِهِ.

وقَوْلُهُ (قَبْلَ الحَسَنَةِ) حالٌ مِنَ (السَّيِّئَةِ) . وهَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى خَطَئِهِمْ في ظَنِّهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ صالِحٌ صادِقًا فِيما تَوَعَّدَهم بِهِ لَعَجَّلَ لَهم بِهِ، فَما تَأْخِيرُهُ إلّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِوَعِيدٍ حَقٍّ، لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَجُوزُ الدُّخُولُ تَحْتَ احْتِمالِهِ في مَجارِي العُقُولِ. فالقَبْلِيَّةُ في قَوْلِهِ: (﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾) مَجازٌ في اخْتِيارِ الأخْذِ بِجانِبِ احْتِمالِ السَّيِّئَةِ وتَرْجِيحِهِ عَلى الأخْذِ بِجانِبِ الحَسَنَةِ فَكَأنَّهم بادَرُوا إلَيْها فَأخَذُوها قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا الحَسَنَةَ.

وظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ، وإنَّما هو اسْتِفْهامٌ عَنِ المَعْلُولِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاسْتِعْجالِ العَذابِ، فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ لِلِاسْتِعْجالِ لا لِعِلَّتِهِ.

ثُمَّ أُعْقِبَ الإنْكارُ المُقْتَضِي طَلَبَ التَّخْلِيَةِ عَنْ ذَلِكَ بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِما مَضى مِنهم ويَرْجُونَ أنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فَلا يُعَذِّبَهم وإنْ كانَ ما صَدَرَ مِنهم مُوجِبًا لِاسْتِمْرارِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ جَعَلَ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ.

27:47Page 381

قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧

They said, "We consider you a bad omen, you and those with you." He said, "Your omen [i.e., fate] is with Allāh. Rather, you are a people being tested."1

﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ .

هَذا مِن مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ صالِحٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلا القَوْلِ وجاءَ عَلى سَنَنِ حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وأصْلُ (اطَّيَّرْنا) تَطَيَّرْنا فَقُلِبَتِ التّاءُ طاءً لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما وسُكِّنَتْ لِتَخْفِيفِ

صفحة ٢٨١

الإدْغامِ وأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِابْتِداءِ الكَلِمَةِ بِساكِنٍ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

ومَعْنى التَّطَيُّرِ: التَّشاؤُمُ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ التَّطَيُّرُ؛ لِأنَّ أكْثَرَهُ يَنْشَأُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِحَرَكاتِ الطَّيْرِ مِن سانِحٍ وبارِحٍ. وكانَ التَّطَيُّرُ مِن أوْهامِ العَرَبِ وثَمُودُ مِنَ العَرَبِ، فَقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ حُكِيَ بِهِ مُماثَلَةً مِن كَلامِهِمْ ولا يُرِيدُونَ التَّطَيُّرَ الحاصِلَ مِن زَجْرِ الطَّيْرِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: (بِكَ وبِمَن مَعَكَ) في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الشُّؤْمِ هُنالِكَ.

وأجابَ صالِحٌ كَلامَهم بِأنَّهُ ومَن مَعَهُ لَيْسُوا سَبَبَ شُؤْمٍ ولَكِنَّ سَبَبَ شُؤْمِهِمْ وحُلُولِ المَضارِّ بِهِمْ هو قُدْرَةُ اللَّهِ.

واسْتُعِيرَ لِما حَلَّ بِهِمُ اسْمُ الطّائِرِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾، ومُخاطَبَةً لَهم بِما يَفْهَمُونَ لِإصْلاحِ اعْتِقادِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: (اطَّيَّرْنا بِكَ) .

و(عِنْدَ) لِلْمَكانِ المَجازِيِّ مُسْتَعارًا لِتَحَقُّقِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ اللَّهِ بِهِ يُقَدِّرُ الخَيْرَ والشَّرَّ وهو تَصَرُّفُ اللَّهِ وقَدَرُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأعْرافِ.

وأضْرَبَ بِ (بَلْ) عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ بِأنْ لا شُؤْمَ بِسَبَبِهِ هو وبِسَبَبِ مَن مَعَهُ ولَكِنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا ذَلِكَ قَوْمٌ فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ فِتْنَةً مُتَجَدِّدَةً بِإلْقاءِ الِاعْتِقادِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ.

وصِيغَ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم مَفْتُونُونَ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ بِذَلِكَ. وصِيغَ المُسْنَدُ فِعْلًا مُضارِعًا لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ الفِتُونِ واسْتِمْرارِهِ.

وغَلَبَ جانِبُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (تُفْتَنُونَ) عَلى جانِبِ الغَيْبَةِ مَعَ أنَّ كِلَيْهِما مُقْتَضى الظّاهِرِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ مِنَ الغَيْبَةِ.

27:48–49Page 381

وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨

And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].

قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩

They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"

صفحة ٢٨٢

﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مُهْلَكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ .

عَطَفَ جُزْءَ القِصَّةِ عَلى جُزْءٍ مِنها. والمَدِينَةُ: هي حِجْرُ ثَمُودَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ المَعْرُوفُ مَكانُها اليَوْمَ بِدِيارِ ثَمُودَ ومَدائِنَ صالِحٍ، وهي بَقايا تِلْكَ المَدِينَةِ مِن أطْلالٍ وبُيُوتٍ مَنحُوتَةٍ في الجِبالِ. وهي بَيْنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وتَبُوكَ في طَرِيقِ الشّامِ وقَدْ مَرَّ بِها النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ في مَسِيرِهِمْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ورَأوْا فِيها آبارًا نَهاهُمُ النَّبِيءُ عَنِ الشُّرْبِ والوُضُوءِ مِنها إلّا بِئْرًا واحِدَةً أمَرَهم بِالشُّرْبِ والوُضُوءِ بِها وقالَ: «إنَّها البِئْرُ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ناقَةُ صالِحٍ» .

والرَّهْطُ: العَدَدُ مِنَ النّاسِ حَوالَيِ العَشَرَةِ وهو مِثْلُ النَّفَرِ. وإضافَةُ تِسْعَةٍ إلَيْهِ مِن إضافَةِ الجُزْءِ إلى اسْمِ الكُلِّ عَلى التَّوَسُّعِ وهو إضافَةٌ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِثْلَ: خَمْسُ ذَوْدٍ. واخْتَلَفَ أيِمَّةُ النَّحْوِ في القِياسِ عَلَيْها ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّها سَماعِيَّةٌ.

وكانَ هَؤُلاءِ الرَّهْطُ مِن عُتاةِ القَوْمِ، واخْتُلِفَ في أسْمائِهِمْ عَلى رِواياتٍ هي مِن أوْضاعِ القَصّاصِينَ ولَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ ما يُعْتَمَدُ. واشْتُهِرَ أنَّ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ اسْمُهُ (قُدارٌ) بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، وقَدْ تَشاءَمَ بَعْضُ النّاسِ بِعَدَدِ التِّسْعَةِ بِسَبَبِ قِصَّةِ ثَمُودَ وهو مِنَ التَّشاؤُمِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

و(الأرْضِ): أرْضُ ثَمُودَ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.

وعَطْفُ (ولا يُصْلِحُونَ) عَلى (يُفْسِدُونَ) احْتِراسٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم تَمَحَّضُوا لِلْإفْسادِ ولَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ خَلَطُوا إفْسادًا بِإصْلاحٍ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) صِفَةٌ لِ (تِسْعَةُ)، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِ (كانَ)، أوْ هو الخَبَرُ لِ (كانَ) . وفي (المَدِينَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) ظَرْفًا لَغْوًا ولا يَحْسُنُ جَعْلُ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا؛ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ. والمَعْنى: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

و(تَقاسَمُوا) فِعْلُ أمْرٍ، أيْ: قالَ بَعْضُهم: تَقاسَمُوا، أيِ: ابْتَدَأ بَعْضُهم

صفحة ٢٨٣

فَقالَ: تَقاسَمُوا. وهو يُرِيدُ شُمُولَ نَفْسِهِ إذْ لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ إلّا وهو يُرِيدُ المُشارَكَةَ مَعَهم في المُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) . فَلَمّا قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَوافَقُوا عَلَيْهِ وأعادُوهُ فَصارَ جَمِيعُهم قائِلًا ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى التِّسْعَةِ.

والقَسَمُ بِاللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ الآلِهَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَصِهِمْ فِيما مَرَّ مِنَ السُّورِ.

و(لَنُبِيِّتَنَّهُ) جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صالِحٍ. والتَّبْيِيتُ والبَياتُ: مُباغَتَةُ العَدُوِّ لَيْلًا. وعَكْسُهُ التَّصْبِيحُ: الغارَةُ في الصَّباحِ، وكانَ شَأْنُ الغاراتِ عِنْدَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ يَقُولُ مَن يُنْذِرُ قَوْمًا بِحُلُولِ العَدُوِّ: (يا صَباحاهُ)، فالتَّبْيِيتُ لا يَكُونُ إلّا لِقَصْدِ غَدْرٍ. والمَعْنى: أنَّهم يُغِيرُونَ عَلى بَيْتِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُونَهُ وأهْلَهُ غَدْرًا مِن حَيْثُ لا يُعْرُفُ قاتِلُهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونُوا هم قَتَلُوهم ولا شَهِدُوا مَقْتَلَهم.

والمَهْلِكُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أهْلَكَ الرُّباعِيِّ، أيْ: شَهِدْنا إهْلاكَ مَن أهْلَكَهم. وقَوْلُهم (وإنّا لَصادِقُونَ) هو مِن جُمْلَةِ ما هَيَّئُوا أنْ يَقُولُوهُ فَهو عَطْفٌ عَلى (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ) أيْ: ونُؤَكِّدُ إنّا لَصادِقُونَ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهم يَحْلِفُونَ عَلى أنَّهم صادِقُونَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) بِنُونِ الجَماعَةِ وفَتْحِ التّاءِ الَّتِي قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ في أوَّلِهِ وبِضَمِّ التّاءِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: أمْرُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ (لَنَقُولَنَّ) بِنُونِ الجَماعَةِ في أوَّلِهِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ وبِضَمِّ اللّامِ.

ووَلِيُّ صالِحٍ هم أقْرَبُ القَوْمِ إذا رامُوا الأخْذَ بِثَأْرِهِ.

وهَذا الجُزْءُ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. وأحْسَبُ أنَّ سَبَبَ

صفحة ٢٨٤

ذِكْرِهِ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ في وقْتٍ تَآمَرَ فِيهِ المُشْرِكُونَ عَلى الإيقاعِ بِالنَّبِيءِ ﷺ، وهو التَّآمُرُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؛ فَضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِتَآمُرِ الرَّهْطِ مِن قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ ومَكْرِهِمْ وكَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ، ولِذَلِكَ تَرى بَيْنَ الآيَتَيْنِ تُشابُهًا وتَرى تَكْرِيرَ ذِكْرِ مَكْرِهِمْ ومَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ، وذِكْرِ أنَّ في قِصَّتِهِمْ آيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском