Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:60–64

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:60–64

27:60Page 382

أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠

[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].

﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾

أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ مَعَ مُراعاةِ وُجُودِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ أوْ لَفْظِهِ بَعْدَها؛ لِأنَّ أمْ لا تُفارِقُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. انْتَقَلَ بِهَذا الإضْرابِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ التَّهَكُّمِيِّ إلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، ومِنَ المُقَدِّمَةِ الإجْمالِيَّةِ وهي قَوْلُهُ ”﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]“، إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو الِاسْتِدْلالُ. عَدَّدَ اللَّهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ ومِن آثارِ قُدْرَتِهِ. فَهو اسْتِدْلالٌ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَهم بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَشَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ الخَلائِقِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْها الأرْضُ مِنَ النّاسِ والعَجْماواتِ، فَهو امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ إيجادِهِمْ وإيجادِ ما بِهِ قِوامُ شُئُونِهِمْ في الحَياةِ، وبِسابِقِ رَحْمَتِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] .

و”مَن“ لِلِاسْتِفْهامِ. وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ جُمْلَةٌ خَلَقَ السَّماواتِ إلَخْ وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا تَقْدِيرَ في الكَلامِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَمِيعُ مُتابِعِيهِ إلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ وأنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ ”آللَّهُ خَيْرٌ“ وأنَّ بَعْدَ ”أمْ“ هَمْزَةَ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ إلَخْ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ. وهو تَفْسِيرٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولا يُناسِبُ مَعْنى الإضْرابِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ في جُمْلَةِ الغَرَضِ الأوَّلِ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ في الكَشّافِ فَلا يَجْدُرُ بِهِ إضْرابُ الِانْتِقالِ.

فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نِهايَتِهِ في أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَهو تَقْرِيرٌ

صفحة ١١

لِإثْباتِ أنَّ الخالِقَ والمُنْبِتَ والرّازِقَ هو اللَّهُ، وهو مَشُوبٌ بِتَوْبِيخٍ، فَلِذَلِكَ ذَيَّلَ بِقَوْلِهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ كَما سَيَأْتِي، أيْ مِن غَرَضِ الدَّلِيلِ الإجْمالِيِّ إلى التَّفْصِيلِ.

والخِطابُ بِـ ”لَكم“ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ لِلتَّعْوِيضِ بِأنَّهم ما شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ.

وذَكَرَ إنْزالَ الماءِ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ اللَّهُ، ولِقَطْعِ شُبْهَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ المُنْبِتَ لِلشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ رِزْقُنا هو الماءُ، اغْتِرارًا بِالسَّبَبِ فَبُودِرُوا بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأسْبابَ وهو الأسْبابُ وهو خالِقُ المُسَبَّباتِ بِإزالَةِ المَوانِعِ والعَوارِضِ العارِضَةِ لِتَأْثِيرِ الأسْبابِ وبِتَوْفِيرِ القُوى الحاصِلَةِ في الأسْبابِ، وتَقْدِيرِ المَقادِيرِ المُناسِبَةِ لِلِانْتِفاعِ بِالأسْبابِ، فَقَدْ يُنْزِلُ الماءَ بِإفْراطٍ فَيَجْرُفُ الزَّرْعَ والشَّجَرَ أوْ يَقْتُلُهُما، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ ”وأنْزَلَنا“ وقَوْلِهِ ”فَأنْبَتْنا“ تَنْبِيهًا عَلى إزالَةِ الشُّبْهَةِ.

ونُونُ الجَمْعِ في ”أنْبَتْنا“ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ. ومِن لَطائِفِهِ هُنا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ لِئَلّا يَنْصَرِفَ ضَمِيرُ الغائِبِ إلى الماءِ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ بِالمُنْبِتِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي خَلَقَ الأسْبابَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ رِعايَتِهِمْ نِعَمَهُ.

والإنْباتُ: تَكْوِينُ النَّباتِ.

والحَدائِقُ: جَمْعُ حَدِيقَةٍ وهي البُسْتانُ والجَنَّةُ الَّتِي فِيها نَخْلٌ وعِنَبٌ. سُمِّيَتْ حَدِيقَةً؛ لِأنَّهم كانُوا يُحْدِقُونَ بِها حائِطًا يَمْنَعُ الدّاخِلَ إلَيْها صَوْنًا لِلْعِنَبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كالنَّخْلِ الَّذِي يَعْسُرُ اجْتِناءُ ثَمَرِهِ لِارْتِفاعِ شَجَرِهِ فَهي بِمَعْنى: مُحْدَقٌ بِها. ولا تُطْلَقُ الحَدِيقَةُ إلّا عَلى ذَلِكَ.

والبَهْجَةُ: حُسْنُ المَنظَرِ؛ لِأنَّ النّاظِرَ يَبْتَهِجُ بِهِ.

ومَعْنى ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لَيْسَ في مُلْكِكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَ تِلْكَ الحَدائِقِ، فاللّامُ في لَكم لِلْمِلْكِ و”أنْ تُنْبِتُوا“ اسْمُ كانَ و”لَكم“ خَبَرُها. وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى الِاسْمِ لِلِاهْتِمامِ بِنَفْيِ مِلْكِ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ اسْتِئْنافٌ هو كالنَّتِيجَةِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها؛ لِأنَّ إثْباتَ الخَلْقِ

صفحة ١٢

والرِّزْقِ والإنْعامِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلٍ لا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِهِ يَنْتِجُ أنَّهُ لا إلَهَ مَعَهُ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ تُفِيدُ مَعْنى (لَكِنَّ) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الإنْكارُ مِنِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ فَكانَ حَقُّ النّاسِ أنْ لا يُشْرِكُوا مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ فَجِيءَ بِالِاسْتِدْراكِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ وأنْزَلَ لَكم وقَوْلُهُ: ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلِيلِ مَعَ أنَّهُ دَلِيلٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، فَهم مُكابِرُونَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَذا الدَّلِيلِ، فَهم يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ غَيْرَهُ عَدِيلًا مَثِيلًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ مَعَ أنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ يَعْدِلُونَ مِن عَدَلَ الَّذِي يَتَعَدّى بِالباءِ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ مَن عَدَلَ الَّذِي يُعَدّى بِـ (عَنْ) .

وسُئِلَ بَعْضُ العَرَبِ عَنِ الحَجّاجِ فَقالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَظَنُّوهُ أثْنى عَلَيْهِ فَبَلَغَتْ كَلِمَتُهُ لِلْحَجّاجِ، فَقالَ: أرادَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] أيْ وذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ (عادِلٌ) أنَّهُ عادِلٌ عَنِ الحَقِّ.

وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ تَوْبِيخُهم عَلى الإشْراكِ مَعَ وُضُوحِ دَلالِيَّةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مِنَ الماءِ.

ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ أوْضَحَ الدَّلالاتِ المَحْسُوسَةِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وصَفَ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ مُعْرِضُونَ إعْراضَ مُكابَرَةٍ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ الواضِحِ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] والإخْبارُ عَنْهم بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ لَمْ يَسْتَنِيرُوا بِدَلِيلِ العَقْلِ ولا أقْلَعُوا بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالدَّلائِلِ. وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم قَوْمٌ إيماءٌ إلى تَمَكُّنِ صِفَةِ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ مِنهم حَتّى كَأنَّها مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

27:61Page 382

أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١

Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.

﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِثْلُ أُخْتِها السّابِقَةِ. وهَذا انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ

صفحة ١٣

المَشُوبِ بِالِامْتِنانِ إلى الِاسْتِدْلالِ المُجَرَّدِ بِدَلائِلِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِأنْ خَلَقَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ وبِتَدْبِيرِهِ نِظامَها حَتّى لا يَطْغى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَيَخْتَلَّ نِظامُ الجَمِيعِ.

ولِأجْلِ كَوْنِ الغَرَضِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ إثْباتَ عِظَمِ القُدْرَةِ وحِكْمَةِ الصُّنْعِ لَمْ يَجِئْ خِلالَهُ بِخِطابٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَما جاءَ في قَوْلِهِ في الآيَةِ قَبْلَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً الآيَةَ، وإنْ كانَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ لا يَخْلُو مَن لُطْفٍ بِالمَخْلُوقاتِ أرادَهُ خالِقُها، ولَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالقَصْدِ الأوَّلِ مِن سَوْقِ الدَّلِيلِ هُنا.

والقَرارُ: مَصْدَرُ قَرَّ، إذا ثَبَتَ وسَكَنَ. ووَصَفَ الأرْضَ بِهِ لِلْمُغالَبَةِ، أيْ ذاتُ قَرارٍ. والمَعْنى جَعَلَ الأرْضَ ثابِتَةً قارَّةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ. وهَذا تَدْبِيرٌ عَجِيبٌ ولا يُدْرَكُ تَمامُ هَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ إلّا عِنْدَ العِلْمِ بِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ سابِحَةٌ في الهَواءِ مُتَحَرِّكَةٌ في كُلِّ لَحْظَةٍ وهي مَعَ ذَلِكَ قارَّةٌ فِيما يَبْدُو لِسُكّانِها فَهَذا تَدْبِيرٌ أعْجَبُ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ، ولَوْلا قَرارُها لَكانَ النّاسُ عَلَيْها مُتَزَلْزِلِينَ مُضْطَرِبِينَ ولَكانَتْ أشْغالُهم مُعَنِّتَةً لَهم.

ومَعَ جَعْلِها قَرارًا شَقَّ فِيها الأنْهارَ فَجَعَلَها خِلالَها. وخِلالُ الشَّيْءِ: مُنْفَرَجُ ما بَيْنَ أجْزائِهِ. والأنْهارُ تَشُقُّ الأرْضَ في أخادِيدَ فَتَجْرِي خِلالَها الأرْضُ.

والرَّواسِي: الجِبالُ، جَمْعُ راسٍ وهو الثّابِتُ. واللّامُ في ”لَها“ لامُ العِلَّةِ، أيِ الرَّواسِي لِأجْلِها أيْ لِفائِدَتِها، فَإنَّ في تَكْوِينِ الجِبالِ حِكْمَةً لِدَفْعِ المُلامَسَةِ عَنِ الأرْضِ لِيَكُونَ سَيْرُها في الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ مُعَدَّلًا غَيْرَ شَدِيدِ السُّرْعَةِ وبِذَلِكَ دَوامُ سَيْرِها.

وجَعَلَ الحاجِزَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن بَدِيعِ الحِكْمَةِ، وهو حاجِزٌ مَعْنَوِيٌّ حاصِلٌ مَن دَفْعِ كِلا الماءَيْنِ: أحَدِهِما الآخَرَ عَنِ الِاخْتِلاطِ بِهِ، بِسَبَبِ تَفاوُتِ الثِّقْلِ النِّسْبِيِّ لِاخْتِلافِ الأجْزاءِ المُرَكَّبِ مِنها الماءُ المِلْحُ والماءُ العَذْبُ. فالحاجِزُ حاجِزٌ مِن طَبَعِهِما ولَيْسَ جِسْمًا آخَرَ فاصِلًا بَيْنَهُما، وتَقَدَّمَ في صُورَةِ النَّحْلِ.

وهَذا الجَعْلُ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِ البَحْرَيْنِ أيْضًا؛ لِأنَّ الحَجْزَ بَيْنَهُما يَقْتَضِي خَلْقَهُما وخَلْقَ المُلُوحَةِ والعُذُوبَةِ فِيهِما.

ثُمَّ ذَيَّلَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبِالِاسْتِدْراكِ بِجُمْلَةٍ مُماثِلَةٍ لِما ذُيِّلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ

صفحة ١٤

الَّذِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ تَعْدِيدًا لِلْإنْكارِ وتَمْهِيدًا لِلتَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ. وأُوثِرَ هُنا نَفْيُ صِفَةِ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِ المُشْرِكِينَ لِقِلَّةِ مَن يَنْظُرُ في دَقائِقِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ وخَصائِصِها مِنهم فَإنَّ اعْتِيادَ مُشاهَدَتِها مَن أوَّلِ نَشْأةِ النّاظِرِ يُذْهِلُهُ عَمّا فِيها مِن دَلائِلِ بَدِيعِ الصُّنْعِ. فَأكْثَرُ المُشْرِكِينَ يَجْهَلُ ذَلِكَ ولا يَهْتَدِي بِما فِيهِ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ نَبَّهَهُمُ القُرْآنُ إلى ذَلِكَ فَهم يَقْرَءُونَ آياتِهِ المُتَكَرِّرِ فِيها الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ.

وهَذِهِ الدَّلائِلُ لا تَخْلُو عَنْ نِعْمَةٍ مِن ورائِها كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا ولَكِنَّها سِيقَتْ هُنا لِإرادَةِ الِاسْتِدْلالِ لا لِلِامْتِنانِ.

27:62Page 382

أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢

Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.

﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾

ارْتَقى الِاسْتِدْلالُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالتَّصَرُّفِ الرَّبّانِيِّ في ذَواتِ المَخْلُوقاتِ إلى التَّذْكِيرِ بِتَصَرُّفِهِ في أحْوالِ النّاسِ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها أحَدٌ في بَعْضِ شُئُونِ الحَياةِ وذَلِكَ حالُ الِاضْطِرارِ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرِ، وحالُ انْتِيابِ السُّوءِ، وحالُ التَّصَرُّفِ في الأرْضِ ومَنافِعِها. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ الأنْواعِ لِأحْوالِ البَشَرِ. وهي: حالَةُ الِاحْتِياجِ، وحالَةُ البُؤْسِ، وحالَةُ الِانْتِفاعِ.

فالأُولى هي المُضَمَّنَةُ في قَوْلِهِ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ فالمُضْطَرُّ هو ذُو الضَّرُورَةِ أيِ الحالَةِ المُحْوِجَةِ إلى الأشْياءِ العَسِرَةِ الحُصُولِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الحاجِيّاتِ فالمَرْءُ مُحْتاجٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ بِها قِوامُ أوَدِهِ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِذاتِهِ مِثْلَ الأقْواتِ والنِّكاحِ والمَلابِسِ اللّازِمَةِ فالمَرْءُ يَتَطَلَّبُها بِوُجُودِهِ مِنَ المُعاوَضاتِ، وقَدْ يَتَعَسَّرُ بَعْضُها وهي تَتَعَسَّرُ بِقَدْرِ وفْرَةِ مَنافِعِها وعِزَّةِ حُصُولِها فَيَسْألُ اللَّهَ أنْ يُعْطِيَها.

والِاضْطِرارُ: افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ لا مِنَ الضُّرِّ. وتَقْدِيرُهُ: أنَّهُ نالَتْهُ الضَّرُورَةُ فَطاوَعَها. ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وإنَّما يُقالُ: اضْطَرَّهُ كَذا إلى كَذا.

واللّامُ في المُضْطَرِّ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ المُسَمّى بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ يُجِيبُ فَرْدًا مَعْهُودًا في الذِّهْنِ بِحالَةِ الِاضْطِرارِ.

صفحة ١٥

والإجابَةُ: إعْطاءُ الأمْرِ المَسْئُولِ. والمَعْنى: أنَّ المُضْطَرَّ إذا دَعا لِتَحْصِيلِ ما اضْطُرَّ إلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُجِيبُهُ إلّا اللَّهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ يُجِيبُ بَعْضًا ويُؤَخِّرُ بَعْضًا.

وحالَةُ البُؤْسِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ويَكْشِفُ السُّوءَ.

والكَشْفُ: أصْلُهُ رَفْعُ الغِشاءِ، فَشُبِّهَ السُّوءُ الَّذِي يَعْتَرِي المَضْرُورَ بِغِشاءٍ يَحُولُ دُونَ المَرْءِ ودُونَ الِاهْتِداءِ إلى الخَلاصِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِالكَشْفِ الَّذِي هو مِن رَوادِفِ الغِشاءِ. وهو أيْضًا مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ إلى السُّوءِ. والمَعْنى: مَن يُزِيلُ السُّوءَ. وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الضَّرُورِيِّ فَإنَّ مُعْظَمَها أوْ جَمِيعَها حِفْظٌ مِن تَطَرُّقِ السُّوءِ إلى مُهِمِّ أحْوالِ النّاسِ مِثْلِ الكُلِّيّاتِ وهي: حِفْظُ الدِّينِ والنَّفْسِ والعَقْلِ والنَّسَبِ والعِرْضِ.

والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ السُّوءَ عَنِ المَسُوءِ إذا دَعاهُ أيْضًا فَحُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، أيْ يَكْشِفُ السُّوءَ عَنِ المُسْتاءِ إذا دَعاهُ.

وظاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ يَقْتَضِي ضَمانَ الإجابَةِ. والواقِعُ أنَّ الإجابَةَ مَنُوطَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ الدّاعِي وما يَقْتَضِيهِ مُعارِضُهُ مِن أُصُولٍ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

وحالَةُ الِانْتِفاعِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أيْ يَجْعَلُكم تَعْمُرُونَ الأرْضَ وتَجْتَنُونَ مَنافِعَها، فَضَمَّنَ الخُلَفاءَ مَعْنى المالِكِينَ فَأُضِيفَ إلى الأرْضِ عَلى تَقْدِيرِ: مالِكِينَ لَها، والمِلْكُ يَسْتَلْزِمُ الِانْتِفاعَ بِما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. وأفادَ ”خُلَفاءَ“ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ مَعْنى الوِراثَةِ لِمَن سَبَقَ، فَكُلُّ حَيٍّ هو خَلَفٌ عَنْ سَلَفِهِ. والأُمَّةُ خَلَفٌ عَنْ أُمَّةٍ كانَتْ قَبْلَها جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً لِقَوْلِ نُوحٍ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . وهَذِهِ مَرْتَبَةُ التَّحْسِينِيِّ.

وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ الإشارَةَ إلى مَراتِبِ المُناسِبِ وهو ما يَجْلِبُ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا وهو مِن مَسالِكِ العِلَّةِ في أُصُولِ الفِقْهِ.

ولِما اقْتَضَتْهُ الخِلافَةُ مِن تُجَدِّدِ الأبْناءِ عَقِبَ الآباءِ والأجْيالِ بَعْدَ الأجْيالِ، وما

صفحة ١٦

اقْتَضَتْهُ الِاسْتِجابَةُ وكَشْفُ السُّوءِ مِن كَثْرَةِ الدّاعِينَ والمُسْتائِينَ عُبِّرَ في أفْعالِ الجَعْلِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِها بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ بِخِلافِ أفْعالِ الجَعْلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي في الآيَةِ قَبْلَها.

ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ عَقِبَ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ تَكْرِيرًا لِما تَقَدَّمَ عَقِبَ الأدِلَّةِ السّابِقَةِ زِيادَةً في تَعْدادِ خَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ .

وانْتَصَبَ ”قَلِيلًا“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكم وأنْتُمْ في حالِ قِلَّةِ تَذَكُّرِكم، فَتُفِيدُ الحالُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ.

والتَّذَكُّرُ: مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو ضِدُّ النِّسْيانِ فَهو اسْتِحْضارُ المَعْلُومِ، أيْ قَلِيلًا اسْتِحْضارُكُمُ الِافْتِقارَ إلى اللَّهِ وما أنْتُمْ فِيهِ مِن إنْعامِهِ فَتَهْتَدُوا بِأنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ لا تُشْرِكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ. فالمَقْصُودُ مِنَ التَّذَكُّرِ التَّذَكُّرُ المُفِيدُ اسْتِدْلالًا. و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ هو فاعِلُ ”قَلِيلًا“ . والقَلِيلُ هُنا مُكَنًّى بِهِ عَنِ المَعْدُومِ؛ لِأنَّ التَّذَكُّرَ المَقْصُودَ مَعْدُومٌ مِنهم، والكِنايَةُ بِالقَلِيلِ عَنِ المَعْدُومِ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَلامِهِمْ. وهَذِهِ الكِنايَةُ تَلْمِيحٌ وتَعْرِيضٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ فَإنَّ تَذَكُّرَكم قَلِيلٌ.

وأصْلُ تَذَّكَّرُونَ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ تاءُ التَّفْعِيلِ في الذّالِ لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما تَخْفِيفًا وهو إدْغامٌ سَماعِيٌّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَكَّرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ نُكْتَةُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ مُكافَحَةً لَهم، وفي قِراءَةِ رَوْحٍ وهُشامٍ نُكْتَةُ الإعْراضِ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ اسْتَأْهَلُوا الإعْراضَ بَعْدَ تَذَكُّرِهِمْ.

27:63Page 382

أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣

Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.

﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

(بَلْ) لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن نَوْعِ دَلائِلِ التَّصَرُّفِ في أحْوالِ عامَّةِ النّاسِ إلى

صفحة ١٧

دَلائِلِ التَّصَرُّفِ في أحْوالِ المُسافِرِينَ مِنهم في البَرِّ والبَحْرِ فَإنَّهم أدْرى بِهَذِهِ الأحْوالِ وأقْدَرُ لِما في خِلالِها مِنَ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ.

ذِكْرُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ. وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ عَلى مَعْنى (في) . والهُدى في هَذِهِ الظُّلُماتِ بِسَيْرِ النُّجُومِ كَما قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] . فاللَّهُ الهادِي لِلسَّيْرِ في تِلْكَ الظُّلُماتِ بِأنْ خَلَقَ النُّجُومَ عَلى نِظامٍ صالِحٍ لِلْهِدايَةِ في ذَلِكَ، وبِأنْ رَكَّبَ في النّاسِ مَدارِكَ لِلْمَعْرِفَةِ بِإرْصادِ سَيْرِها وصُعُودِها وهُبُوطِها، وهَداهم أيْضًا بِمَهابِّ الرِّياحِ، وخَوَّلَهم مَعْرِفَةَ اخْتِلافِها بِإحْساسِ جَفافِها ورُطُوبَتِها، وحَرارَتِها وبَرْدِها.

وبِهَذِهِ المُناسَبَةِ أُدْمِجَ الِامْتِنانُ بِفَوائِدِ الرِّياحِ في إثارَةِ السَّحابِ الَّذِي بِهِ المَطَرُ وهو المَعْنِيُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ. وإرْسالُهُ الرِّياحَ هو خَلْقُ أسْبابِ تَكَوُّنِها.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (نُشُرًا) بِضَمَّتَيْنِ وبِالنُّونِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأ عاصِمٌ ”بُشْرًا“ بِالمُوَحَّدَةِ وبِسُكُونِ الشِّينِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ (﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨])، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧])، وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ هُنالِكَ.

وذُيِّلَ هَذا الدَّلِيلُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ مَعَهُ آلِهَةً؛ لِأنَّ هَذا خاتِمَةُ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِما لا يُنازِعُونَ في أنَّهُ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ فَجِيءَ بَعْدَهُ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ الشِّرْكِ كُلِّهِ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِما أشارَتْ إلَيْهِ التَّذْيِيلاتُ السّابِقَةُ.

27:64Page 383

أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤

Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالحَياةِ الأُولى والثّانِيَةِ وبِإعْطاءِ

صفحة ١٨

المَدَدِ لِدَوامِ الحَياةِ الأُولى مُدَّةً مُقَدَّرَةً. وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإمْدادِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ؛ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ وأنَّهُ يَرْزُقُهم.

وأُدْمِجَ في خِلالِ الِاسْتِفْهامِ قَوْلُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛ لِأنَّ تَسْلِيمَ بَدْئِهِ الخَلْقَ يُلْجِئُهم إلى فَهْمِ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ الَّتِي أحالُوها. ولَمّا كانَ إعادَةُ الخَلْقِ مَحَلَّ جَدَلٍ وكانَ إدْماجُها إيقاظًا وتَذْكِيرًا أُعِيدَ الِاسْتِفْهامُ في الجُمْلَةِ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولِأنَّ الرِّزْقَ مُقارَنٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ فَلَوْ عُطِفَ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ لَتُوُهِّمَ أنَّهُ يَرْزُقُ الخَلْقَ بَعْدَ الإعادَةِ فَيَحْسَبُوا أنَّ رِزْقَهم في الدُّنْيا مِن نِعَمِ آلِهَتِهِمْ.

وإذْ قَدْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ ذُيِّلَتِ الآيَةُ بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِالإتْيانِ بِبُرْهانٍ عَلى عَدَمِ البَعْثِ.

والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

وإضافَةُ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ البُرْهانَ المُعَجَّزِينَ عَلَيْهِ هو بُرْهانُ عَدَمِ البَعْثِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوهُ؛ لِأنَّ الصّادِقَ هو الَّذِي قَوْلُهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. والشَّيْءُ الواقِعُ لا يَعْدِمُ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وجُمّاعُ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ ”﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]“ أنَّها أجْمَلَتِ الِاسْتِدْلالَ عَلى أحَقِّيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وحْدَهُ ثُمَّ فَصَّلَتْ ذَلِكَ بِآياتٍ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إلى قَوْلِهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فابْتَدَأتْ بِدَلِيلٍ قَرِيبٍ مِن بُرْهانِ المُشاهِدَةِ وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما يَأْتِي مِنهُما مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ. ودَلِيلُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وما عَلى وجْهِها مِنها، وهَذا مُلْحَقٌ بِالمُشاهَداتِ.

وانْتَقَلَتْ إلى اسْتِدْلالٍ مِن قَبِيلِ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ وهو ما تَمالَأ عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ اللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الِاضْطِرارِ.

وانْتَقَلَتْ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ في الأرْضِ إذْ جَعَلَ البَشَرَ

صفحة ١٩

خُلَفاءَ في الأرْضِ، وسَخَّرَ لَهُمُ التَّصَرُّفَ بِوُجُوهِ التَّصارِيفِ المُعِينَةِ عَلى هَذِهِ الخِلافَةِ، وهي تَكْوِينُ هِدايَتِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ. وذَلِكَ جامِعٌ لِأصُولَ تَصَرُّفاتِ الخِلافَةِ المَذْكُورَةِ في الِارْتِحالِ والتِّجارَةِ والغَزْوِ.

وتَمَّ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ لِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والإمْدادِ وفي مَطاوِيها جَوامِعُ التَّمَكُّنِ في الأرْضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском