Ibn 'AshurAn‑Naml · 27:65–75

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:65–75

27:65–66Page 383

قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥

Say, "None in the heavens and earth knows the unseen except Allāh, and they do not perceive when they will be resurrected."

بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦

Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ .

لَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ إلَهِيَّةَ أصْنامِ المُشْرِكِينَ بِالأدِلَّةِ المُتَظاهِرَةِ فانْقَطَعَ دابِرُ عَقِيدَةِ الإشْراكِ ثُنِّيَ عِنانُ الإبْطالِ إلى أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ وهو ادِّعاءُ عِلْمِ الغَيْبِ بِالكَهانَةِ وإخْبارِ الجِنِّ، كَما كانَ يَزْعُمُهُ الكُهّانُ والعَرّافُونَ وسَدَنَةُ الأصْنامِ. ويُؤْمِنُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وفي مَعالِمِ التَّنْزِيلِ وغَيْرِهِ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ حِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ فَما كانَ سُؤالُهم عَنْ ذَلِكَ إلّا لِظَنِّهِمْ أنَّ ادِّعاءَ العِلْمِ بِوَقْتِها مِن شَأْنِ النُّبُوَّةِ تَوَصُّلًا لِجَحْدِ النُّبُوَّةِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهم وقْتَ السّاعَةِ فَأبْطَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَزاعِمَ إبْطالًا عامًّا مِعْيارُهُ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ”إلّا اللَّهُ“ . وهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ أعْنِي خُصُوصَ الكُهّانِ وسَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ. وإنَّما سَلَكَ مَسْلَكَ العُمُومِ لِإبْطالِ ما عَسى أنْ يُزْعَمَ مِن ذَلِكَ، ولِأنَّ العُمُومَ أكْثَرُ فائِدَةً وأوْجَزُ، فَإنَّ ذَلِكَ حالُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن بَيْنِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ. فالقَصْدُ هُنا تَزْيِيفُ آثارِ الشِّرْكِ وهو الكِهانَةُ ونَحْوُها. وإذْ قَدْ كانَتِ المَخْلُوقاتُ لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ السَّماواتِ أوْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِانْحِصارِ عَوالِمِ المَوْجُوداتِ في ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ في قُوَّةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ، ولَكِنْ أُطْنِبَ الكَلامُ لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى تَعْمِيمِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها فَإنَّ مَقامَ عِلْمِ العَقِيدَةِ مَقامُ بَيانٍ يُناسِبُهُ الإطْنابُ.

واسْتِثْناءُ إلّا اللَّهُ مِنهُ لِتَأْوِيلِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ بِمَعْنى: أحَدٌ،

صفحة ٢٠

فَهُوَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ وهو واقِعٌ مِن كَلامٍ مَنفِيٍّ. فَحَقَّ المُسْتَثْنى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ في اللُّغَةِ الفُصْحى فَلِذَلِكَ جاءَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لَكانَتِ اللُّغَةُ الفُصْحى تَنْصِبُ المُسْتَثْنى.

وبَعْدُ فَإنَّ دَلائِلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ وعَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مُتَوافِرَةٌ فَلِذَلِكَ يَجْرِي اسْتِعْمالُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَتَوَهَّمُ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا وُقُوفًا عِنْدَ ظاهِرِ صِلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في السَّماءِ والأرْضِ.

وأمّا مَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنْ يُظْهِرَهُ عَلى الغَيْبِ فَذَلِكَ داخَلٌ في عِلْمِ اللَّهِ قالَ تَعالى عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ. فَأضافَ ”غَيْبِ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ.

وأرْدَفَ هَذا الخَبَرَ بِإدْماجِ انْتِفاءِ عِلْمِ هَؤُلاءِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ بَلْ جَحَدُوا وُقُوعَهُ إثارَةً لِلتَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ لِشِدَّةِ عِنايَةِ القُرْآنِ بِإثْباتِهِ وتَسْفِيهِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ. فَذَلِكَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، أيْ إنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ ما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ.

و”أيّانَ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ وهو مُعَلَّقُ فِعْلِ ”يَشْعُرُونَ“ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ. وهَذا تَوَرُّكٌ وتَعْيِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ بَلْهَ شُعُورُهم بِوَقْتِهِ.

و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم بِـ ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وهو ارْتِقاءٌ إلى ما هو أغْرَبُ وأشَدُّ ارْتِقاءً مِن تَعْيِيرِهِمْ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ إلى وصْفِ عِلْمِهِمْ بِالآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن أوَّلِ أحْوالِها وهو الواسِطَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الدُّنْيا بِأنَّهُ عِلْمٌ مُتَدارَكٌ أوْ مُدْرَكٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ بِهَمْزِ وصْلٍ في أوَّلِهِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَدارَكَ) فَأُدْغِمَتْ تاءُ التَّفاعُلِ في الدّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما بَعْدَ أنْ سَكَنَتْ واجْتُلِبَ

صفحة ٢١

هَمْزُ الوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. قالَ الفَرّاءُ وشَمِرٌ: وهو تَفاعُلٌ مِنَ الدَّرَكِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اللَّحاقُ. وقَدِ امْتَلَكَتِ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في تَصْوِيرِ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تُثارُ مِنهُ حَيْرَةٌ لِلنّاظِرِ في تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ هَذا الإضْرابِ وكَيْفَ يَكُونانِ ارْتِقاءً عَلى مَضْمُونِ هَذا الِانْتِقالِ، وذَكَرُوا وُجُوهًا مُثْقَلَةً بِالتَّكَلُّفِ.

والَّذِي أراهُ في تَفْسِيرِها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ اللُّغَوِيِّ أنَّ مَعْنى التَّدارُكِ هو أنَّ عِلْمَ بَعْضِهِمْ لَحِقَ عِلْمَ بَعْضٍ آخَرَ في أمْرِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ، وهو جِنْسٌ، لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ حَصَلَ مِن مَعْناهُ عُلُومٌ عَدِيدَةٌ بِعَدَدِ أصْنافِ الجَماعاتِ الَّتِي هي مَدْلُولُ الضَّمِيرِ فَصارَ المَعْنى: تَدارَكَتْ عُلُومُهم بَعْضُها بَعْضًا.

وذَلِكَ صالِحٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ وهو التَّلاحُقُ الَّذِي هو اسْتِعْمالٌ مَجازِيٌّ يُساوِي الحَقِيقَةَ، أيْ تَدارَكَتْ عُلُومُ الحاضِرِينَ مَعَ عُلُومِ أسْلافِهِمْ، أيْ تَلاحَقَتْ وتَتابَعَتْ فَتَلَقّى الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ عِلْمَهم في الآخِرَةِ وتَقَلَّدُوها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا نَظَرٍ، وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ ويُشْعِرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] .

الوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في الِاخْتِلاطِ والِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ التَّدارُكَ والتَّلاحُقَ يَلْزَمُهُ التَّداخُلُ كَما إذا لَحِقَتْ جَماعَةً مِنَ النّاسِ جَماعَةٌ أُخْرى أيْ لَمْ يُرْسُوا عَلى أمْرٍ واخْتَلَفَتْ أقْوالُهُمُ اخْتِلافًا يُؤْذِنُ بِتَناقُضِها، فَهم يَنْفُونَ البَعْثَ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي إثْباتَ البَعْثِ ولَكِنَّهم لا يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَتَزَوَّدُونَ تارَةً لِلْآخِرَةِ بِبَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِنها: أنَّهم كانُوا يَحْبِسُونَ الرّاحِلَةَ عَلى قَبْرِ صاحِبِها ويَتْرُكُونَها لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ صاحِبَها يَرْكَبُها ويُسَمُّونَها البَلِيَّةَ فَذَلِكَ مِنِ اضْطِرابِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ.

وفِعْلُ المُضِيِّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أصْلِهِ. وحَرْفُ ”في“ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُسْتَعْمَلٌ في السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الآخِرَةِ.

ويَجُوزُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ”ادّارَكَ“ مُبالَغَةً في (أدْرَكَ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا

صفحة ٢٢

تَقْدِيرُهُ: إدْراكُهم، أيْ حَصَلَ لَهم عِلْمُهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ في اليَوْمِ الَّذِي يُبْعَثُونَ فِيهِ، أيْ يَوْمَئِذٍ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ فِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى التَّحَقُّقِ، ويَكُونُ حَرْفُ ”في“ عَلى أصْلِهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (بَلْ أدْرَكَ) بِهَمْزِ قَطْعٍ وسُكُونِ الدّالِ، ومَعْناهُ؛ انْتَهى عِلْمُهم في الآخِرَةِ. يُقالُ أدْرَكَ، إذا فَنِيَ. وفي ثُبُوتِ مَعْنى فَنِيَ لِفِعْلِ ”أدْرَكَ“ خِلافٌ بَيْنِ أيِمَّةِ اللُّغَةِ فَقَدْ أثْبَتَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ في رِوايَةِ شَمِرٍ عَنْهُ قالَ شَمِرٌ: ولَمْ أسْمَعْهُ لِغَيْرِهِ، وأثْبَتَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ وصاحِبُ القامُوسِ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ في لُغَةِ العَرَبِ وما عَلِمْتُ أحَدًا قالَ: أدْرَكَ الشَّيْءُ إذا فَنِيَ. وأقُولُ قَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ: أدْرَكَتِ الثِّمارُ، إذا انْتَهى نُضْجُها. ونَسَبَهُ في تاجِ العَرُوسِ لِلَّيْثِ ولِابْنِ جِنِّي وحَسْبُكَ بِإثْباتِ هَؤُلاءِ الأثْباتِ. قالَ الكَواشِيُّ في تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ: المَعْنى فَنِيَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ مِن أدْرَكَتِ الفاكِهَةُ، إذا بَلَغَتِ النُّضْجَ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِفَنائِها وزَوالِها.

فَحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وقَدْ تَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما يَعْلَمُونَ في شَأْنِ الآخِرَةِ وهو ما اشْتُهِرَ عَنْهم مِن إنْكارِ الحَياةِ الآخِرَةِ، أوْ قَدِ اضْطَرَبَ ما يَعْلَمُونَهُ في شَأْنِ الآخِرَةِ وأنَّهم سَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ في يَوْمِ الدّارِ الآخِرَةِ.

وحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ: ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ فَإنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِالحَياةِ الآخِرَةِ، أيْ جَهِلُوا الحَياةَ الآخِرَةَ.

أمّا عَدَدُ القِراءاتِ الشّاذَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَبَلَغَتْ عَشْرًا.

وأمّا جُمْلَةٌ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها فَهو إضْرابُ انْتِقالٍ لِلِارْتِقاءِ مِن كَوْنِهِمُ اضْطَرَبَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، أوْ تَقَلَّدَ خَلَفُهم ما لَقَّنَهُ سَلَفُهم، أوْ مِن أنَّهُمُ انْتَفى عِلْمُهم في الآخِرَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرابَ في العِلْمِ قَدْ أثارَ فِيهِمْ شَكًّا مِن وُقُوعِ الآخِرَةِ. و”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ في شَكٍّ ناشِئٍ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ ودَوامِهِ، والظَّرْفِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ.

صفحة ٢٣

وجُمْلَةُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ ارْتِقاءٌ ثالِثٌ وهو آخِرُ دَرَجاتِ الِارْتِقاءِ في إثْباتِ ضَلالِهِمْ وهو أنَّهم عُمْيانٌ عَنْ شَأْنِ الآخِرَةِ.

و”عَمُونَ“: جَمْعُ عَمٍ بِالتَّنْوِينِ وهو فَعِلٌ مِنَ العَمى، صاغُوا لَهُ مِثالَ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العَمى، وهو تَشْبِيهُ عَدَمِ العِلْمِ بِالعَمى، وعادِمُ العِلْمِ بِالأعْمى. وقالَ زُهَيْرٌ:

وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ

فَشَبَّهَ ضَلالَهم عَنِ البَعْثِ بِالعَمى في عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المَطْلُوبِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ مِنها عَمُونَ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، جَعَلَ عَماهم وضَلالَهم في إثْباتِ الآخِرَةِ كَأنَّهُ ناشِئٌ لَهم مِنَ الآخِرَةِ إذْ هي سَبَبُ عَماهم، أيْ إنْكارُها سَبَبُ ضَلالِهِمْ. وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن إنْكارِ وجُودِها عَمُونِ، فالمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَمُونَ“ . وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وصِيغَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما في قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها.

وتَرْتِيبُ هَذِهِ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ تَرْتِيبٌ لِتَنْزِيلِ أحْوالِهِمْ؛ فَوُصِفُوا أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم تَلَقَّفُوا في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن شُئُونِها عِلْمًا مُضْطَرِبًا أوْ جَهْلًا فَخَبَطُوا في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، فَأعْقَبَهم عَمًى وضَلالَةٌ بِحَيْثُ إنَّ هَذِهِ الِانْتِقالاتِ مُنْدَرِجَةٌ مُتَصاعِدَةٌ حَتّى لَوْ قِيلَ: بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَهم في شَكٍّ مِنها فَهم مِنها عَمُونَ لَحَصَلَ المُرادُ. ولَكِنْ جاءَتْ طَرِيقَةُ التَّدَرُّجِ بِالإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ أجْزَلَ وأبْهَجَ وأرْوَعَ وأدَلَّ عَلى أنَّ كُلًّا مِن هَذِهِ الأحْوالِ المُرَتَّبَةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ المُعْتَبِرُ بِاسْتِقْلالِهِ لا بِكَوْنِهِ مُتَفَرِّعًا عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذا البَيانُ هو ما أشَرْتُ إلَيْهِ آنِفًا عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ادّارَكَ مِن خَفاءِ تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ الإضْرابِ الأوَّلِ.

وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ يَشْعُرُونَ، ويُبْعَثُونَ، عِلْمُهم، هم في شَكٍّ، هم مِنها عَمُونَ عائِدَةٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾

صفحة ٢٤

و”مَن“ هَذِهِ وإنْ كانَتْ مِن صِيَغِ العُمُومِ فالضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ عائِدَةٌ إلَيْها بِتَخْصِيصِ عُمُومِها بِبَعْضِ مَن في الأرْضِ وهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مِنَ الكُهّانِ والعَرّافِينَ وسَدَنَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ يَسْتَقْسِمُونَ لِلنّاسِ بِالأزْلامِ، وهو تَخْصِيصٌ لَفْظِيٌّ مِن دَلالَةِ السِّياقِ وهو مِن قِسْمِ المُخَصَّصِ المُنْفَصِلِ اللَّفْظِيِّ. والخِلافُ الواقِعُ بَيْنَ عُلَماءِ الأُصُولِ في اعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ خِلافًا لَفْظِيًّا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَإنَّ ضَمِيرَ بُعُولَتُهُنَّ عائِدٌ إلى المُطَلَّقاتِ الرَّجْعِيّاتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الَّذِي هو عامُّ لِلرَّجْعِيّاتِ وغَيْرِهِنَّ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ هُنا لَيْسَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أعَمُّ مِن ماصَدَقَ مَن في قَوْلِهِ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ.

27:67–68Page 383

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧

And those who disbelieve say, "When we have become dust as well as our forefathers, will we indeed be brought out [of the graves]?

لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨

We have been promised this, we and our forefathers, before. This is not but legends of the former peoples."

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

أعْقَبَ وصْفَ عَمايَةِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أرَتْهُمُ البَعْثَ مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ القَوْلَ هُنا إلى جَمِيعِ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ خُصُوصِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ الجُمْلَةَ؛ لِأنَّها غايَرَتِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّها أعَمُّ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ المَقالَةَ وهي ما أفادَتْهُ الصِّلَةُ مِن كَوْنِهِمْ كافِرِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالُوا بِكُفْرِهِمْ أئِذا كُنّا تُرابًا إلى آخِرِهِ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ.

أتَوْا بِالإنْكارِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِتَجْهِيلِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وتَعْجِيزِهِ عَنِ الجَوابِ بِزَعْمِهِمْ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ لِمُجاراةِ كَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِالإنْكارِ. والتَّأْكِيدُ تَهَكُّمٌ.

صفحة ٢٥

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (﴿إذا كُنّا تُرابًا﴾) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةِ (إذا) عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ لِلتَّخْفِيفِ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، أوْ بِجَعْلِ (إذا) ظَرْفًا مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو (إنّا لَمُخْرَجُونَ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ في ”أئِذا“ و”أئِنَّنا“ عَلى اعْتِبارِ تَكْرِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في الثّانِيَةِ لِتَأْكِيدِ الأُولى، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو خَفَّفَ الثّانِيَةَ مِنَ الهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ وعاصِمًا وحَمْزَةَ حَقَّقاهُما. وهَؤُلاءِ كُلُّهم حَذَفُوا نُونَ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ (إنَّ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (أئِذا) بِهَمْزَتَيْنِ و(إنَّنا) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وبِنُونَيْنِ اكْتِفاءً بِالهَمْزَةِ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ، وكُلُّها اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ حِكايَةُ مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ الأوَّلَ وقَعَ مُؤَخَّرًا عَنْ ”نَحْنُ“ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ووَقَعَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ هُنا، وتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ سَواءٌ في أصْلِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”وُعِدْنا“ وقَعَ بَعْدَ نائِبِ الفاعِلِ في الآيَتَيْنِ. وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ عَنْ تَقْدِيمِهِ عَلى تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ الواقِعِ نائِبًا عَلى الفاعِلِ. وقَدْ ناطَها في الكَشّافِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو الغَرَضُ المُعْتَمَدُ بِالذِّكْرِ وبِسَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِ. وبَيَّنَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ بِأنَّ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ كانَ بِوَضْعِ المَنصُوبِ بَعْدَ المَرْفُوعِ وذَلِكَ مَوْضِعُهُ. وأمّا ما في سُورَةِ النَّمْلِ فَقُدِّمَ المَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ لِكَوْنِهِ فِيها أهَمَّ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ ”﴿إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾“ والَّذِي قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ”﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢]“ فالجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُناكَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ تُرابًا وعِظامًا، والجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُنا في سُورَةِ النَّمْلِ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ وكَوْنُ آبائِهِمْ تُرابًا لا جُزْءَ هُناكَ مِن بِناهم ”جَمْعُ بِنْيَةٍ“ عَلى - أيْ باقِيًا - صُورَةِ نَفْسِهِ أيْ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وهو حَيٌّ. ولا شُبْهَةَ أنَّها أدْخَلُ عِنْدَهم في تَبْعِيدِ البَعْثِ فاسْتَلْزَمَ زِيادَةَ الِاعْتِناءِ بِالقَصْدِ إلى ذِكْرِهِ فَصَيَّرَهُ هَذا العارِضُ أهَمَّ اهـ.

وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ حَكَتْ أُسْلُوبًا مِن مَقالِهِمْ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ قالُوا أئِذا مِتْنا لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا.

صفحة ٢٦

وبَعْدُ فَقَدْ حَصَلَ في الِاخْتِلافِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.

والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وهي القِصَّةُ والحِكايَةُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. والمَعْنى: ما هَذا إلّا كَلامٌ مُعادٌ قالَهُ الأوَّلُونَ وسَطَرُوهُ وتَلَقَّفَهُ مَن جاءَ بَعْدَهم ولَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنهُ.

27:69Page 383

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩

Say, [O Muḥammad], "Proceed [i.e., travel] through the land and observe how was the end of the criminals."

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾

أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ولِذَلِكَ فَصَلَ فِعْلَ ”قُلْ“ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. والمُناسَبَةُ في المَوْضِعَيْنِ هي المَوْعِظَةُ بِحالِ المُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ وإجْرامٌ. والوَعِيدُ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم إلّا أنَّها هُنالِكَ عُطِفَتْ بِـ ثُمَّ انْظُرُوا وهُنا بِالفاءِ فانْظُرُوا وهُما مُتَئايِلانِ. وذَكَرَ هُنالِكَ عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَ هُنا عاقِبَةَ المُجْرِمِينَ: والمُكَذِّبُونَ مُجْرِمُونَ. والِاخْتِلافُ بَيْنَ الحِكايَتَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.

27:70Page 383

وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠

And grieve not over them or be in distress from what they conspire.

﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ كانَتِ الرَّحْمَةُ غالِبَةً عَلى النَّبِيءِ ﷺ والشَّفَقَةُ عَلى الأُمَّةِ مِن خِلالِهِ، فَلَمّا أُنْذِرَ المُكَذِّبُونَ بِهَذا الوَعِيدِ تَحَرَّكَتِ الشَّفَقَةُ في نَفْسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرَبَطَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِهَذا التَّشْجِيعِ أنْ لا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ إذا أصابَهم ما أُنْذِرُوا بِهِ. وكانَ مِن رَحْمَتِهِ ﷺ حِرْصُهُ عَلى إقْلاعِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِهِ والمَكْرِ بِهِ، فَألْقى اللَّهُ في رُوعِهِ رِباطَةَ جاشٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ .

والضَّيْقُ: بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ. وحَقِيقَتُهُ: عَدَمُ كِفايَةِ المَكانِ أوِ الوِعاءِ لِما يُرادُ حُلُولُهُ فِيهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الحالَةِ

صفحة ٢٧

الحَرِجَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ كَراهِيَةِ شَيْءٍ فَيُحِسُّ المَرْءُ في مَجارِي نَفَسِهِ بِمِثْلِ ضَيْقٍ عَرَضَ لَها. وإنَّما هو انْضِغاطٌ في أعْصابِ صَدْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.

والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، أيْ لا تَكُنْ مُلْتَبِسًا ومَحُوطًا بِشَيْءٍ مِنَ الضَّيْقِ بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ.

والمَكْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن مَكْرِهِمْ.

27:71–72Page 383

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢

Say, "Perhaps it is close behind you [i.e., very near] - some of that for which you are impatient.

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ”﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا﴾ [النمل: ٦٧]“ . والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم، أيْ لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ.

والمُرادُ بِالوَعْدِ ما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ زَمانِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَهَكُّمٍ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ومَن أطْلَعَهُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ مِن عِبادِهِ المُصْطَفَيْنَ.

والجَوابُ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامٍ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ يَسْألُوا عَنْ وقْتِ العِيدِ لِيُقَدِّمُوهُ بِالإيمانِ. و”عَسى“ لِلرَّجاءِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيبِ مَعَ التَّحْقِيقِ.

و”رَدِفَ“ تَبِعَ بِقُرْبٍ. وعُدِّيَ بِاللّامِ هُنا مَعَ أنَّهُ صالِحٌ لِلتَّعْدِيَةِ بِنَفْسِهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (اقْتَرَبَ) أوِ اللّامُ لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ شَكَرَ لَهُ. والمَعْنى: رَجاءَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَرِيبَ الزَّمَنِ. وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ٢٨

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تَسْتَعْجِلُونَ أيْ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

27:73Page 383

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣

And indeed, your Lord is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful."

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾

مَوْقِعُ هَذا مَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ عَلى قَوْلِهِ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ أيْ أنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم هو مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهَذا خَبَرٌ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْخِيرَ الوَعِيدِ أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أزْمِنَةَ التَّأْخِيرِ أزْمِنَةُ إمْهالٍ فَهم فِيها بِنِعْمَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ. وقَدْ كُنّا قَدَّمْنا مَسْألَةَ أنَّ نِعْمَةَ الكافِرِ نِعْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ لَيْسَتْ نِعْمَةً والخِلافُ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ.

والتَّعْبِيرُ بِـ ”ذُو فَضْلٍ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضْلَ مِن شُئُونِهِ. وتَنْكِيرُ ”فَضْلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ النّاسِ لا إلى حالِ النَّبِيءِ ﷺ، فالتَّأْكِيدُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْوِيضِ بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ. و”لَكِنَّ“ اسْتِدْراكٌ ناشِئٌ عَنْ عُمُومِ الفَضْلِ مِنهُ تَعالى فَإنَّ عُمُومَهُ وتَكَرُّرَهُ يَسْتَحِقُّ بِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ فَيَشْكُرُوهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا مَتى هَذا الوَعْدُ فَإنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ تَهَكُّمًا وتَعْجِيزًا في زَعْمِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ قَدْرَ نِعْمَةِ الإهْمالِ.

27:74Page 383

وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤

And indeed, your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾

مَوْقِعُ هَذا مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ قَدْ أضْمَرُوا المَكْرَ وأعْلَنُوا الِاسْتِهْزاءَ فَحالُهم لا يَقْتَضِي إمْهالَهم ؟ فَيُجابُ بِأنَّ الَّذِي أمْهَلَهم مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ وما أعْلَنُوهُ وأنَّهُ أمْهَلَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها.

صفحة ٢٩

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم يُكِنُّونَ أشْياءَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، مِنها: أنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، وأنَّهم تُخامِرُ نُفُوسَهم خَواطِرُ إخْراجِهِ وإخْراجِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا الِاسْتِئْنافُ لَمّا كانَ ذا جِهَةٍ مِن مَعْنى وصْفِ اللَّهِ بِإحاطَةِ العِلْمِ عَطَفَ جُمْلَتَهُ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ اللَّهِ بِالفَضْلِ، فَحَصَلَ بِالعَطْفِ غَرَضٌ ثانٍ مُهِمٌّ، وحَصَلَ مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

وأمّا التَّوْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ فَهو عَلى نَحْوِ تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِتَنْزِيلِ السّائِلِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ وذَلِكَ تَلْوِيحٌ بِالعِتابِ.

و”تُكِنُّ“ تُخْفِي وهو مِن (أكَنَّ) إذا جَعَلَ شَيْئًا كانًّا، أيْ حاصِلًا في كِنٍّ. والَكِنَّ: المَسْكَنُ. وإسْنادُ ”تُكِنُّ“ إلى الصُّدُورِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّ الصُّدُورَ مَكانَهُ. والإعْلانُ: الإظْهارُ.

27:75Page 383

وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥

And there is nothing concealed1 within the heaven and the earth except that it is in a clear Register.2

﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ وهو في مَعْنى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّها ذُكِرَ مِنها عِلْمُ اللَّهِ بِضَمائِرِهِمْ فَذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ.

وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا؛ لِأنَّهُ جَدِيرٌ بِالِاسْتِقْلالِ بِذاتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعْلِيمٌ لِصِفَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وتَنْبِيهٌ لَهم مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ لِما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ. والغائِبَةُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الغائِبِ والتّاءُ فِيهِ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كالتّاءِ في العافِيَةِ، والعاقِبَةِ، والفاتِحَةِ. وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الغَيْبِ وهو ضِدُّ الحُضُورِ، والمُرادُ: الغائِبَةُ عَنْ عِلْمِ النّاسِ. اسْتَعْمَلَ الغَيْبَ في الخَفاءِ مَجازًا مُرْسَلًا.

والكِتابُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ الكِتابُ لِما فِيهِ مِنَ التَّحَقُّقِ وعَدَمِ قَبُولِ التَّغْيِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا غَيْبِيًّا يُسَجَّلُ فِيهِ ما سَيَحْدُثُ.

والمُبِينُ: المُفَصَّلُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُفَصَّلَ يَكُونُ بَيِّنًا واضِحًا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ حَقِيقَةُ شَيْءٍ مِمّا خَفِيَ عَلى العالَمِينَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما

صفحة ٣٠

يَتَلَقّاهُ الرُّسُلُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَهو حَقٌّ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِهِ. ومِن ذَلِكَ ما كانَ الحَدِيثُ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا بِما جاءَ فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском