Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:76–82
27:76Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولَهُ مُناسَبَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] فَإنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكُلُّ ما فِيهِ فَهو مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعْلِيمَ المُسْلِمِينَ شَيْئًا مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ فَهو العِلْمُ الحَقُّ إذا بَلَغَتِ الأفْهامُ إلى إدْراكِ المُرادِ مِنهُ عَلى حَسَبِ مَراتِبِ الدَّلالَةِ الَّتِي أُصُولُها في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ وفي عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ.
ومِن ذَلِكَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن تَحْقِيقِ أُمُورِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الغابِرَةِ مِمّا خَبَطَتْ فِيهِ كُتُبُ بَنِي إسْرائِيلَ خَبْطًا مِن جَرّاءِ ما طَرَأ عَلى كُتُبِهِمْ مِنَ التَّشَتُّتِ والتَّلاشِي وسُوءِ النَّقْلِ مِن لُغَةٍ إلى لُغَةٍ في عُصُورِ انْحِطاطِ الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، ولِما في القُرْآنِ مِنَ الأُصُولِ الصَّرِيحَةِ في الإلَهِيّاتِ مِمّا يَكْشِفُ سُوءَ تَأْوِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ لِكَلِماتِ كِتابِهِمْ في مُتَشابِهِ التَّجْسِيمِ ونَحْوِهِ فَإنَّكَ لا تَجِدُ في التَّوْراةِ ما يُساوِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فالمَعْنى: نَفْيُ أنْ يَكُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ بِإثْباتِ أنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْلِيمٌ لِأهْلِ الكِتابِ. وإنَّما قَصَّ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا وهو ما في بَيانِ الحَقِّ مِنهُ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وأعْرَضَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْمالُ نَواحِي هَدْيِ القُرْآنِ لِلْأُمَمِ فَإنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِأنَّهُ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ وأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يَعْمَهُونَ في ضَلالِهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَدْيِهِ. فاسْتَكْمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما جاءَ بِهِ مِن هَدْيِ بَنِي إسْرائِيلَ لِما يُهِمُّ مِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ. وأكْثَرُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هو ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إبْطالِ قَوْلِهِمْ فِيما يَقْتَضِي إرْشادُهم إلى الحَقِّ أنْ يُبَيَّنَ لَهم، وغَيْرُ
صفحة ٣١
الأكْثَرِ ما لا مَصْلَحَةَ في بَيانِهِ لَهم.
ومِن مُناسَبَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ ما هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، أنَّ ما قَصَّهُ مِمّا جَرى بَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ مَعَ سُلَيْمانَ كانَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ ما في كِتابِ المُلُوكِ الأوَّلِ وكِتابِ الأيّامِ الثّانِي فَفي ذَيْنِكَ الكِتابَيْنِ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ تَحَمَّلَتْ وجاءَتْ إلى أُورَشْلِيمَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِها مَحَبَّةً مِنها في الِاطِّلاعِ عَلى ما بَلَغَ مَسامِعَها مِن عَظَمَةِ مُلْكِ سُلَيْمانَ وحِكْمَتِهِ، وأنَّها بَعْدَ ضِيافَتِها عِنْدَ سُلَيْمانَ قَفَلَتْ إلى مَمْلَكَتِها. ولَيْسَ مِمّا يَصِحُّ في حُكْمِ العَقْلِ وشَواهِدِ التّارِيخِ في تِلْكَ العُصُورِ أنَّ مَلِكَةً عَظِيمَةً كَمَلِكَةِ سَبَأٍ تَعْمِدُ إلى الِارْتِحالِ عَنْ بَلَدِها وتَدْخُلُ بَلَدَ مَلِكٍ آخَرَ غَيْرَ هائِبَةٍ، لَوْلا أنَّها كانَتْ مُضْطَرَّةً إلى ذَلِكَ بِسِياسَةِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضُّرَّيْنِ إذْ كانَ سُلَيْمانُ قَدْ ألْزَمَها بِالدُّخُولِ في دائِرَةِ نُفُوذِ مُلْكِهِ، فَكانَ حُضُورُها لَدَيْهِ اسْتِلامًا واعْتِرافًا لَهُ بِالسِّيادَةِ بَعْدَ أنْ تَنَصَّلَتْ مِن ذَلِكَ بِتَوْجِيهِ الهَدِيَّةِ وبَعْدَ أنْ رَأتِ العَزْمَ مِن سُلَيْمانَ عَلى وُجُوهِ امْتِثالِ أمْرِهِ.
ومِنَ العَجِيبِ إهْمالُ كِتابِ اليَهُودِ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ بِلْقِيسَ إلى عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وهَلْ يُظَنُّ بِنَبِيءٍ أنْ يُقِرَّ الشِّرْكَ عَلى مُنْتَحِلِيهِ.
27:77Page 384
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذا راجِعٌ إلى قَوْلِهِ في طالِعِ السُّورَةِ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ذُكِرَ هُنا لِاسْتِيعابِ جِهاتِ هَدْيِ القُرْآنِ. أمّا كَوْنُهُ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لَهم فَلِأنَّهم لَمّا اهْتَدَوْا بِهِ قَدْ نالُوا الفَوْزَ في الدُّنْيا بِصَلاحِ نُفُوسِهِمْ واسْتِقامَةِ أعْمالِهِمْ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ. والرِّسالَةُ المُحَمَّدِيَّةُ وإنْ كانَتْ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] في سُورَةِ هُودٍ فَرَحْمَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أخَصُّ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَعْرِضِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ [النمل: ٧٣] .
27:78Page 384
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
صفحة ٣٢
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهْوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ بِطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِهِ، وذِكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَقْتَضِي طَعْنَهم فِيهِ بِأنَّهُ لِمُخالَفَةٍ ما في كُتُبِهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ اهْتَدَوْا بِهِ وكانَ لَهم رَحْمَةً فَهم مُوقِنُونَ بِما فِيهِ، تَمَخَّضَ الكَلامُ عَنْ خُلاصَةٍ هي افْتِراقُ النّاسِ في القُرْآنِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ طاعِنٍ، وفَرِيقٍ مُوقِنٍ، فَلا جَرَمَ اقْتَضى ذَلِكَ حُدُوثَ تَدافُعٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهو مِمّا يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ سُؤالًا عَنْ مَدى هَذا التَّدافُعِ، والتَّخالُفِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ومَتى يَنْكَشِفُ الحَقُّ، فَجاءَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَيُعْلَمُ أنَّ القَضاءَ يَقْتَضِي مُخْتَلِفِينَ. وأنَّ كَلِمَةَ ”بَيْنَ“ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا، فَأفادَ أنَّ اللَّهَ يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والطّاعِنِينَ فِيهِ قَضاءً يُبَيِّنُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ. وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِبْطائِهِمُ النَّصْرَ فَإنَّ النَّبِيءَ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما تَقَلَّدَ المُؤْمِنُونَ ما أنْبَأهم بِهِ فالقَضاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَضاءٌ لَهُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ.
وفِيهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى جَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإسْنادُ القَضاءِ إلى اللَّهِ في شَأْنِهِ بِعُنْوانِ أنَّهُ رَبٌّ لَهُ إيماءٌ بِأنَّ القَضاءَ سَيَكُونُ مُرْضِيًا لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ. فَجُعِلَ الرَّسُولُ في هَذا الكَلامِ بِمَقامِ المُبَلِّغِ وجُعِلَ القَضاءُ بَيْنَ أُمَّتِهِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، وتَعْجِيلٌ لِمَسَرَّةِ الرَّسُولِ بِهَذا الإيماءِ.
وإذْ قَدْ أُسْنِدَ القَضاءُ إلى اللَّهِ وعُلِّقَ بِهِ حُكْمٌ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُتَعَلِّقِ غَيْرَ المُتَعَلَّقِ بِهِ وذَلِكَ يُلْجِئُ: إمّا إلى تَأْوِيلِ مَعْنى إضافَةِ الحُكْمِ بِما يُخالِفُ مَعْنى إسْنادِ القَضاءِ إذا اعْتُبِرَ اللَّفْظانِ مُتَرادِفَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، فَيَكُونُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ مِنِ اخْتِصاصِ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ مَقْصُودًا بِهِ ما اشْتُهِرَ بِهِ المُضافُ بِاعْتِبارِ المُضافِ إلَيْهِ. وذَلِكَ أنَّ الكُلَّ يَعْلَمُونَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ هو العَدْلُ ولِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ هو الحَكَمُ العَدْلُ. فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ المُشْتَهَرِ اللّائِقِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ واطِّرادِ عَدْلِهِ، وإمّا أنْ يُؤَوَّلَ الحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ قالَ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقالَ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ولَمْ يَكُنْ يَحْيى حاكِمًا وإنَّما كانَ حَكِيمًا نَبِيئًا فَيَكُونُ
صفحة ٣٣
المَعْنى عَلى هَذا: إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحِكْمَتِهِ، أيْ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، أيْ مِن نَصْرِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ.
ومَآلُ التَّأْوِيلَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.
وبِهِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ في تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، فَإنَّ العَزِيزَ لا يُصانِعُ، والعَلِيمَ لا يَفُوتُهُ الحَقُّ، ويَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ.
27:79Page 384
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ فُرِّعَتِ الفاءُ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ رَبَّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِ القُرْآنِ أمْرًا لِلرَّسُولِ بِأنْ يَطْمَئِنَّ بالًا ويَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فِيما يَقْضِي بِهِ فَإنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِحَقِّهِ، وعَلى مُعانِدِهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فالأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ مُسْتَعْمَلٌ في كِنايَتِهِ وصَرِيحِهِ فَإنَّ مِن لازِمِهِ أنَّهُ أدّى رِسالَةَ رَبِّهِ، وأنَّ إعْراضَ المُعْرِضِينَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ لَيْسَ تَقْصِيرًا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . وهو مَعْنًى تَكَرَّرَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] .
والتَّوَكُّلُ: تَفَعَّلٌ مِن وكَّلَ إلَيْهِ الأمْرَ إذا أسْنَدَ إلَيْهِ تَدْبِيرَهُ ومُباشَرَتَهُ، فالتَّفَعُّلُ لِلْمُبالَغَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] في المائِدَةِ وقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ وقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ مَوْقِعًا لَمْ يُخاطِبِ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن رُسُلِهِ بِمِثْلِهِ فَكانَ ذَلِكَ شَهادَةً لِرَسُولِهِ بِالعَظَمَةِ الكامِلَةِ المُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ ”عَلى“ مِنَ التَّمَكُّنِ، وما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَقِّ مِن مَعْنًى جامِعٍ لِحَقائِقِ الأشْياءِ. وما دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ مُبِينٍ مِنَ الوُضُوحِ والنُّهُوضِ.
وجاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ مَجِيءَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ إشْعارًا بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ فَلا يَتَرَقَّبُ مِن تَوَكُّلِهِ عَلى الحَكَمِ العَدْلِ إلّا أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ
صفحة ٣٤
فِي تَأْيِيدِهِ ونَفْعِهِ. وشَأْنُ ”إنَّ“ إذا جاءَتْ في مَقامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ فَلا تُفِيدُ تَأْكِيدًا ولَكِنَّها لِلِاهْتِمامِ.
وجِيءَ في فِعْلِ التَّوَكُّلِ بِعُنْوانِ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ يَتَضَمَّنُ مَعانِيَ الكَمالِ كُلَّها، ومِن أعْلاها العَدْلُ في القَضاءِ ونَصْرُ المُحِقِّ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَجَّلَتْ مَسَرَّةُ الإيماءِ إلى أنَّ القَضاءَ في جانِبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْنادِهِ القَضاءَ إلى عُنْوانِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ اقْتَضاهُ وُجُودُ مُقْتَضِي جَلْبِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ فَلا يُفِيدُ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصًا ولا تَقَوِّيًا.
والمُبِينُ: الواضِحُ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِامْتِراءُ فِيهِ ولا المُصانَعَةُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ في جانِبِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَثِقَ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ حَقَّهُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ.
27:80Page 384
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْطُرُ في بالِ السّامِعِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ إعْراضِ أهْلِ الشِّرْكِ لِما عَلَيْهِ الرَّسُولُ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ. وهو أيْضًا تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ بِالنَّظَرِ إلى مَدْلُولِهِ الكِنائِيِّ، فَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّوْكِيدِ فِيهِ كَمَوْقِعِهِ في التَّعْلِيلِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وهَذا عُذْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ، ولِكَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِجانِبٍ مِنَ التَّرْكِيبِ وهو الجانِبُ الكِنائِيُّ غَيْرَ الَّذِي عُلِّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِها بِالتَّعْلِيلِ.
والإسْماعُ: إبْلاغُ الكَلامِ إلى المَسامِعِ.
و”المَوْتى“ و”الصُّمُّ“: مُسْتَعارانِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ القَوْلَ الحَقَّ ويُكابِرُونَ مَن يَقُولُهُ لَهم. شُبِّهُوا بِالمَوْتى عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ في انْتِفاءِ فَهْمِهِمْ مَعانِيَ القُرْآنِ،
صفحة ٣٥
وشُبِّهُوا بِالصُّمِّ كَذَلِكَ في انْتِفاءِ أثَرِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ عَنْ نُفُوسِهِمْ.
ولِلْقُرْآنِ أثَرانِ: أحَدُهُما ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي المَقْبُولَةِ لَدى أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ وهي المَعانِي الَّتِي يُدْرِكُها ويُسَلِّمُ لَها مَن تَبْلُغُ إلَيْهِ ولَوْ بِطَرِيقَةِ التَّرْجَمَةِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي في إدْراكِها العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ وهَذا أثَرٌ عَقْلِيٌّ.
والأثَرُ الثّانِي دَلالَةُ نَظْمِهِ وبَلاغَتِهِ عَلى أنَّهُ خارِجٌ عَنْ مَقْدِرَةِ البُلَغاءِ العَرَبِ. وهَذا أثَرٌ لَفْظِيٌّ وهو دَلِيلُ الإعْجازِ وهو خاصٌّ بِالعَرَبِ مُباشَرَةً، وحاصِلٌ لِغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ إذا تَدَبَّرُوا في عَجْزِ البُلَغاءِ مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، فَهَؤُلاءِ يُوقِنُونَ بِأنَّ عَجْزَ بُلَغاءِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ عَلى مُعارَضَتِهِ دالٌّ عَلى أنَّهُ فَوْقَ مَقْدِرَتِهِمْ؛ فالمُشْرِكُونَ شُبِّهُوا بِالمَوْتى بِالنَّظَرِ إلى الأثَرِ الأوَّلِ، وشُبِّهُوا بِالصُّمِّ بِالنَّظَرِ إلى الأثَرِ الثّانِي، فَحَصَلَتِ اسْتِعارَتانِ. ونَفْيُ الإسْماعِ فِيهِما تَرْشِيحانِ لِلِاسْتِعارَتَيْنِ وهُما مُسْتَعارانِ لِانْتِفاءِ مُعالَجَةِ إبْلاغِهِمْ.
ولِأجْلِ اعْتِبارِ كِلا الأثَرَيْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وُرُودُ تَشْبِيهَيْنِ كُرِّرَ ذِكْرُ التَّرْشِيحَيْنِ فَعُطِفَ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ عَلى لا تُسْمِعُ المَوْتى، ولَمْ يُكْتَفَ بِأنْ يُقالَ: إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا الصُّمَّ.
وتَقْيِيدُ الصُّمِّ بِزَمانِ تَوَلِّيهِمْ مُدْبِرِينَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ أوْغَلُ في انْتِفاءِ إسْماعِهِمْ؛ لِأنَّ الأصَمَّ إذا كانَ مُواجِهًا لِلْمُتَكَلِّمِ قَدْ يَسْمَعُ بَعْضَ الكَلامِ بِالصُّراخِ ويَسْتَفِيدُ بَقِيَّتَهُ بِحَرَكَةِ الشَّفَتَيْنِ فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنِ السَّمْعِ.
واسْتَدَلَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ ظاهِرِ «حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ وفِيهِ قَتْلى المُشْرِكِينَ فَناداهم بِأسْمائِهِمْ وقالَ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُنادِي أمْواتًا ؟ فَقالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ لَهم» . فَقالَتْ عائِشَةُ: إنَّما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأتْ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ.
صفحة ٣٦
وهَذا مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ الدَّلالَةِ مِنَ القُرْآنِ ولَوْ بِاحْتِمالٍ مَرْجُوحٍ كَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وإلّا فَإنَّ المَوْتى هُنا اسْتِعارَةٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ.
وضَمِيرا ﴿ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ عائِدانِ إلى الصُّمِّ وهو تَتْمِيمٌ لِلتَّشْبِيهِ حَيْثُ شُبِّهُوا في عَدَمِ بُلُوغِ الأقْوالِ إلى عُقُولِهِمْ بِصُمٍّ ولَّوْا مُدْبِرِينَ فَإنَّ المُدْبِرَ يَبْعُدُ عَنْ مَكانِ مَن يُكَلِّمُهُ فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الِاسْتِماعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
27:81Page 384
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ كَرَّرَ تَشْبِيهَ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بِأنْ شُبِّهُوا في ذَلِكَ بِالعُمْيِ بَعْدَ أنْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ إطْنابًا في تَشْنِيعِ حالِهِمُ المَوْصُوفَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ عِنْدَ البُلَغاءِ في تَكْرِيرِ التَّشْبِيهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَسَّنَ هَذا التَّكْرِيرَ هُنا ما بَيْنَ التَّشْبِيهَيْنِ مِنَ الفُرُوقِ مَعَ اتِّحادِ الغايَةِ؛ فَإنَّهم شُبِّهُوا بِالمَوْتى في انْتِفاءِ إدْراكِ المَعانِي الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ العُقَلاءُ، وبِالصُّمِّ في انْتِفاءِ إدْراكِ بَلاغَةِ الكَلامِ الَّذِي يَضْطَلِعُ بِهِ بُلَغاءُ العَرَبِ. وشُبِّهُوا ثالِثًا بِالعُمْيِ في انْتِفاءِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ طَرِيقِ الهُدى وطَرِيقِ الضَّلالِ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا هَدْيَ دِينِ الإسْلامِ. والغايَةُ واحِدَةٌ وهي انْتِفاءُ اتِّباعِهِمُ الإسْلامَ فَفي تَشْبِيهِهِمْ بِالعُمْيِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ونَفْيُ إنْقاذِهِمْ عَنْ ضَلالَتِهِمْ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأعْمى لا يَبْلُغُ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ بِوَصْفِ الواصِفِ.
والهُدى: الدَّلالَةُ عَلى طَرِيقِ السّائِرِ بِأنْ يَصِفَهُ لَهُ فَيَقُولُ مَثَلًا: إذا بَلَغْتَ الوادِيَ فَخُذِ الطَّرِيقَ الأيْمَنَ.
والَّذِي يَسْلُكُ بِالقَوافِلِ مَسالِكَ الطَّرِيقِ يُسَمّى هادِيًا.
والتَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ يُسَمّى اهْتِداءً. وهَذا التَّرْشِيحُ هو أيْضًا مُسْتَعارٌ لِبَيانِ الحَقِّ والصَّوابِ لِلنّاسِ، والأعْمى غَيْرُ قابِلٍ لِلْهِدايَةِ بِالحالَتَيْنِ حالَةِ الوَصْفِ وهي ظاهِرَةٌ، وحالَةِ الِاقْتِيادِ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يَأْخُذُوا العُمْيَ مَعَهم في أسْفارِهِمْ؛ لِأنَّهم يُعَرْقِلُونَ عَلى القافِلَةِ سَيْرَها.
صفحة ٣٧
وقَوْلُهُ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ يَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً قَرِينَتُها حالِيَّةٌ. شَبَّهَ الدِّينَ الحَقَّ بِالطَّرِيقِ الواضِحَةِ، وإسْنادُ الضَّلالَةِ إلى سالِكِيهِ تَرْشِيحٌ لَها وتَخْيِيلٌ، والضَّلالَةُ أيْضًا مُسْتَعارَةٌ لِعَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ تَبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى عَدَمِ الِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ، وضَمِيرُ ضَلالَتِهِمْ عائِدٌ إلى العُمْيِ، ولِتَأتِّي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الرَّشِيقَةِ عُدِلَ عَنْ تَعْلِيقِ ما حَقُّهُ أنْ يُعَلَّقَ بِالهَدْيِ فَعُلِّقَ بِهِ ما يَقْتَضِيهِ نَفْيُ الهَدْيِ مِنَ الصَّرْفِ والمُباعَدَةِ. فَقِيلَ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ بِتَضْمِينِ ”هادِي“ مَعْنى صارِفٍ. فَصارَ: ما أنْتَ بِهادِي، بِمَعْنى: ما أنْتَ بِصارِفِهِمْ عَنْ ضَلالَتِهِمْ كَما يُقالُ: سَقاهُ عَنِ العَيْمَةِ، أيْ سَقاهُ صارِفًا لَهُ عَنِ العَيْمَةِ، وهي شَهْوَةُ اللَّبَنِ.
وعُدِلَ في الجُمْلَةِ عَنْ صِيغَتَيِ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠] الواقِعَيْنِ عَلى مُسْنَدَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ، إلى تَسْلِيطِ النَّفْيِ هُنا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ النَّفْيِ. وأُكِّدَ ذَلِكَ الثَّباتُ بِالباءِ المَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
ووَجْهُ إيثارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِهَذَيْنِ التَّحْقِيقَيْنِ هو أنَّهُ لَمّا أفْضى الكَلامُ إلى نَفْيِ اهْتِدائِهِمْ وكانَ اهْتِداؤُهم غايَةَ مَطْمَحِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ المَقامُ مُشْعِرًا بِبَقِيَّةٍ مِن طَمَعِهِ في اهْتِدائِهِمْ حِرْصًا عَلَيْهِمْ فَأُكِّدَ لَهُ ما يُقْلِعُ طَمَعَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] . وسَيَجِيءُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الرُّومِ تَوْجِيهٌ لِتَعْدادِ التَّشابِيهِ الثَّلاثَةِ زائِدًا عَلى ما هُنا فانْظُرْهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (وما أنْتَ تَهْدِي) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في مَوْضِعِ المُوَحَّدَةِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهاءِ.
* * *
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِتَرَقُّبِ السّامِعِ مَعْرِفَةَ مَن يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ.
والإسْماعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ٣٨
وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ مَن يُؤْمِنُ لِيَشْمَلَ مَن آمَنُوا مِن قَبْلُ فَيُفِيدُ المُضارِعُ اسْتِمْرارَ إيمانِهِمْ ومَن سَيُؤْمِنُونَ.
وقَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّقْسِيمِ الحاصِلِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] إلى هُنا، أنَّ النّاسَ قِسْمانِ مِنهم مَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ وعَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ حَتّى يُعاجِلَهُ الهَلاكُ ومِنهم مَن كَتَبَ اللَّهُ لَهُ السَّعادَةَ فَيُؤْمِنُ سَرِيعًا أوْ بَطِيئًا قَبْلَ الوَفاةِ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ المُفِيدُ لِلدَّوامِ والثَّباتِ؛ لِأنَّهم إذا آمَنُوا فَقَدْ صارَ الإسْلامُ راسِخًا فِيهِمْ ومُتَمَكِّنًا مِنهم، وكَذَلِكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بِشاشَتُهُ القُلُوبَ.
27:82Page 384
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى التَّذْكِيرِ بِالقِيامَةِ وما ادُّخِرَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ومُناسِبَةُ ذِكْرِها ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] . والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
و”القَوْلُ“ أُرِيدَ بِهِ أخْبارُ الوَعِيدِ الَّتِي كَذَّبُوها مُتَهَكِّمِينَ بِاسْتِبْطاءِ وُقُوعِها بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١]، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ.
والوُقُوعُ مُسْتَعارٌ لِحُلُولِ وقَتِهِ وذَلِكَ مِن وقْتِ تَهَيُّؤِ العالَمِ لِلْفَناءِ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةَ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ حُلُولِ الوَعِيدِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ وهو الوَعِيدُ الأكْبَرُ يَعْنِي وعِيدَ البَعْثِ، فَتُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وهو مِن خَوارِقِ العاداتِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ وُقُوعِهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِنَ المُضِيِّ، أيْ أشْرَفَ وُقُوعُهُ، عَلى أنَّ فِعْلَ المُضِيِّ مَعَ إذا يَنْقَلِبُ إلى الِاسْتِقْبالِ.
والدّابَّةُ: اسْمٌ لِلْحَيِّ مِن غَيْرِ الإنْسانِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّبِيبِ، وهو المَشْيُ عَلى
صفحة ٣٩
الأرْضِ وهو مِن خَصائِصِ الأحْياءِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”دابَّةٍ“ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَدْ رُوِيَتْ في وصْفِ هَذِهِ الدّابَّةِ ووَقْتِ خُرُوجِها ومَكانِها أخْبارٌ مُضْطَرِبَةٌ ضَعِيفَةُ الأسانِيدِ فانْظُرْها في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وغَيْرِهِ إذْ لا طائِلَ في جَلْبِها ونَقْدِها.
وإخْراجُ الدّابَّةِ مِنَ الأرْضِ لِيُرِيَهم كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى إذْ كانُوا قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ. ولا شَكَّ أنَّ كَلامَها لَهم خِطابٌ لَهم بِحُلُولِ الحَشْرِ. وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ الكَلامَ لَهم عَلى لِسانِ دابَّةٍ تَحْقِيرًا لَهم وتَنْدِيمًا عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ أبْلَغِ كَلامٍ وأوْقَعِهِ مِن أشْرَفِ إنْسانٍ وأفْصَحِهِ، لِيَكُونَ لَهم خِزْيًا في آخِرِ الدَّهْرِ يُعَيَّرُونَ بِهِ في المَحْشَرِ. فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ كَلامِ رَسُولٍ كَرِيمٍ فَخُوطِبُوا عَلى لِسانِ حَيَوانٍ بَهِيمٍ. عَلى نَحْوِ ما قِيلَ: اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَإ تَتَوَقَّفُ عَلى المُناسَبَةِ بَيْنَهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإظْهارِ هَذا الخارِقِ لِلْعادَةِ حَيْثُ لَمْ يُوقِنِ المُشْرِكُونَ بِآياتِ القُرْآنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ إلْجاءً لَهم حِينَ لا يَنْفَعُهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ إنَّ النّاسَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“، ومَوْقِعُ ”إنَّ“ في مِثْلِ هَذا التَّعْلِيلُ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (﴿أنَّ النّاسَ﴾) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهي أيْضًا لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَّ) يُؤْذِنُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرِّ وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ، أيْ تُكَلِّمُهم بِحاصِلِ هَذا وهو المَصْدَرُ. والمَعْنى: أنَّها تُسَجِّلُ عَلى النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. وهو تَسْجِيلُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . وحَمْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِما تُكَلِّمُهم بِهِ الدّابَّةُ بِعِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences