Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:8–15
27:8–11Page 377
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨
But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.
يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩
O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١
Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.
صفحة ٢٢٦
﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
أُنِّثَ ضَمِيرُ (جاءَها) جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْمِيَةِ النُّورِ نارًا بِحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طَهَ، فَبِنا أنْ نَتَعَرَّضَ هُنا لِما انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ المُفْرَداتِ والتَّراكِيبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ هو بَعْضُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ في طَهَ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]؛ لِأنَّ مَعْنى (بُورِكَ) قُدِّسَ وزُكِّيَ.
وفِعْلُ (بارَكَ) يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: بارَكَكَ اللَّهُ، أيْ: جَعَلَ لَكَ بَرَكَةً. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (نُودِيَ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أيْ: نُودِيَ بِهَذا الكَلامِ.
و(﴿مَن في النّارِ﴾) مُرادٌ بِهِ مُوسى فَإنَّهُ لَمّا حَلَّ في مَوْضِعِ النُّورِ صارَ مُحِيطًا بِهِ فَتِلْكَ الإحاطَةُ تُشْبِهُ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِ (﴿مَن في النّارِ﴾) وهو نَفْسُهُ.
والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِ بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، أوْ بِاسْمِهِ العَلَمِ إنْ أُرِيدَ العُدُولُ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ إيناسًا لَهُ وتَلَطُّفًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «قُمْ أبا تُرابٍ» وكَثِيرٌ التَّلَطُّفُ بِذِكْرِ بَعْضِ ما التَبَسَ بِهِ المُتَلَطَّفُ بِهِ مِن أحْوالِهِ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ هو بِشارَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ النُّبُوءَةِ.
ومَن حَوْلَ النّارِ: هو جِبْرِيلُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِما نُودِيَ بِهِ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلَ إلَيْهِمْ إنارَةُ المَكانِ وتَقْدِيسِهِ إنْ كانَ النِّداءُ بِغَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ بَلْ كانَ مِن لَدُنْ
صفحة ٢٢٧
اللَّهِ تَعالى. فَهَذا التَّبْرِيكُ تَبْرِيكُ ذَواتٍ لا تَبْرِيكَ مَكانٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ (مَن) المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو تَبْرِيكُ الِاصْطِفاءِ الإلَهِيِّ بِالكَرامَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إنْشاءُ تَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَتْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أيْ: أهْلُ هَذا البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ.
﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نُودِيَ بِهِ مُوسى عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ إخْبارًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ مِن أحْوالِ المُحْدَثاتِ لِيَعْلَمَ مُوسى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ جَلالَتَهُ في ذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُبْحانَ اللَّهِ) مُسْتَعْمَلًا لِلتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ المَشْهَدِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ يَقْتَضِي تَذَكُّرَ تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ.
وفِي حَذْفِ مُتَعَلَّقٍ التَّنْزِيهِ إيذانٌ بِالعُمُومِ المُناسِبِ لِمَصْدَرِ التَّنْزِيهِ وهو عُمُومُ الأشْياءِ الَّتِي لا يَلِيقُ إثْباتُها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما يُعْلَمُ تَفْصِيلُها بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ.
فالمَعْنى: ونَزِّهِ اللَّهَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أوَّلِ تِلْكَ الأشْياءِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حالًّا في ذَلِكَ المَكانِ.
وإرْدافُ اسْمِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ (﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾) فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ عَنْ شُئُونِ المُحْدَثاتِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يُشْبِهُ شَأْنُهُ تَعالى شُئُونَهم.
وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والمَعْنى: إعْلامُهُ بِأنَّ أمْرًا مُهِمًّا يَجِبُ عِلْمُهُ وهو أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ تَكْوِينٌ.
وتَقْدِيمُ هَذا بَيْنَ يَدَيْ ما سَيُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ لِإحْداثِ رِباطَةِ جَأْشٍ لِمُوسى لِيَعْلَمَ أنَّهُ خُلِعَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ؛ إذْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الوَحْيُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ إلى أذًى وتَألُّبٍ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَيَصِيرُ رَسُولًا، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ويَنْصُرُهُ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ، ولِيَعْلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِنَ النّارِ وما تَلَقّاهُ مِنَ الوَحْيِ وما سَيُشاهِدُهُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً لَيْسَ بِعَجِيبٍ في جانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتِلْكَ ثَلاثُ كِناياتٍ فَلِذَلِكَ
صفحة ٢٢٨
أتْبَعَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ . والمَعْنى: وقُلْنا: ألْقِ عَصاكَ.
والِاهْتِزازُ: الِاضْطِرابُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الهَزِّ وهو الرَّفْعُ، كَأنَّها تُطاوِعُ فِعْلَ هازٍّ يَهُزُّها. والجانُّ: ذَكَرُ الحَيّاتِ، وهو شَدِيدُ الِاهْتِزازِ وجَمْعُهُ جِنّانٌ (وأمّا الجانُّ بِمَعْنى واحِدِ الجِنِّ فاسْمُ جَمْعِهِ جِنٌّ) . والتَّشْبِيهُ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الحَيّاتِ خَفِيفَةُ التَّحَرُّكِ، وأمّا تَشْبِيهُ العَصا بِالثُّعْبانِ في آيَةِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] فَذَلِكَ لِضَخامَةِ الجِرْمِ.
والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقِهِ. وفِعْلُ (تَوَلّى) مُرادِفُ فِعْلِ (ولّى) كَما هو ظاهِرُ صَنِيعِ القامُوسِ وإنْ كانَ مُقْتَضى ما في فِعْلِ (تَوَلّى) مِن زِيادَةِ المَبْنى أنْ يُفِيدَ (تَوَلّى) زِيادَةً في مَعْنى الفِعْلِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] في سُورَةِ القَصَصِ. ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ قُوَّةِ تَوَلِّيهِ لَمّا رَأى عَصاهُ تَهْتَزُّ هو الدّاعِي لِتَأْكِيدِ فِعْلِ (ولّى) بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فَتَأمَّلْ.
والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) .
والتَّعَقُّبُ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْصِرافِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى جِهَةِ العَقِبِ، أيِ: الخَلْفِ، فَقَوْلُهُ (﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾) تَأْكِيدٌ لِشِدَّةِ تَوَلِّيهِ، أيْ: ولّى تَوَلِّيًا قَوِيًّا لا تَرَدُّدَ فِيهِ. وكانَ ذَلِكَ التَّوَلِّي مِنهُ لِتَغَلُّبِ القُوَّةِ الواهِمَةِ الَّتِي في جِبِلَّةِ الإنْسانِ عَلى قُوَّةِ العَقْلِ الباعِثَةِ عَلى التَّأمُّلِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ إعْطائِهِ النُّبُوءَةَ والتَّأْيِيدَ، إذْ كانَتِ القُوَّةُ الواهِمَةُ مُتَأصِّلَةً في الجِبِلَّةِ سابِقَةً عَلى ما تَلَقّاهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالرِّسالَةِ، وتَأصُّلُ القُوَّةِ الواهِمَةِ يَزُولُ بِالتَّخَلُّقِ وبِمُحارَبَةِ العَقْلِ لِلْوَهْمِ فَلا يَزالانِ يَتَدافَعانِ ويَضْعُفُ سُلْطانُ الوَهْمِ بِتَعاقُبِ الأيّامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ. والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ؛ لِأنَّ خَوْفَهُ قَدْ حَصَلَ. والخَوْفُ الحاصِلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُ رَغَبٍ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً ولَيْسَ خَوْفَ ذَنْبٍ، فالمَعْنى: لا يَجْبُنُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ لِأنِّي أحْفَظُهم.
و﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَحْقِيقٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ
صفحة ٢٢٩
نَهْيُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ انْتِفاءِ مُوجِبِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَشْرِيفِهِ بِمَرْتَبَةِ الرِّسالَةِ إذْ عُلِّلَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ لا يَخافُونَ لَدى اللَّهِ تَعالى.
ومَعْنى (لَدَيَّ) في حَضْرَتِي، أيْ: حِينَ تَلَقِّي رِسالَتِي. وحَقِيقَةُ (لَدَيَّ) مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَها المَكانُ.
وإذا قَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا حَيَّةً حَصَلَ حِينَ الوَحْيُ كانَ تابِعًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الوَحْيِ، وهَذا تَعْلِيمٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ المُرْسَلِينَ مِن رَباطَةِ الجَأْشِ. ولَيْسَ في النَّهْيِ حَطٌّ لِمَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَراتِبِ غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وإنَّما هو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وعَنْ كُلِّ خَوْفٍ يَخافُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] .
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾) ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَّصِلٌ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا إلى مُقاتِلٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الخَوْفِ الواقِعِ فِعْلُهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الخَوْفَ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفَ الَّذِي هو خَوْفُ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ، أيْ: إلّا رَسُولًا ظَلَمَ، أيْ: فَرَطَ مِنهُ ظُلْمٌ، أيْ: ذَنْبٌ قَبْلَ اصْطِفائِهِ لِلرِّسالَةِ، أيْ: صَدَرَ مِنهُ اعْتِداءٌ بِفِعْلِ ما لا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ في مُتَعارَفِ شَرائِعِ البَشَرِ المُتَقَرَّرِ أنَّها عَدْلٌ، بِأنِ ارْتَكَبَ ما يُخالِفُ المُتَقَرَّرَ بَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ أنَّهُ عَدْلٌ (قَبْلَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ) فَهو يَخافُ أنْ يُؤاخِذَهُ اللَّهُ بِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ارْتِكابِهِ وذَلِكَ مِثْلُ كَيْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأخِيهِمْ، واعْتِداءِ مُوسى عَلى القِبْطِيِّ بِالقَتْلِ دُونَ مَعْرِفَةِ المُحِقِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، أيْ: تابَ عَنْ فِعْلِهِ وأصْلَحَ حالَهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَسْكِينُ خاطِرِ مُوسى وتَبْشِيرُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ما كانَ فَرَطَ فِيهِ، وأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ مِمّا قالَهُ يَوْمَ الِاعْتِداءِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، فَأُفْرِغَ هَذا التَّطْمِينُ لِمُوسى في قالَبِ العُمُومِ تَعْمِيمًا لِلْفائِدَةِ.
واسْتِقامَةُ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا المَعْنى يَكُونُ بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ
صفحة ٢٣٠
فِي قَوْلِهِ (﴿فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) . فالتَّقْدِيرُ: إلّا مَن ظَلَمَ مِن قَبْلِ الإرْسالِ وتابَ مَن ظُلْمِهِ فَخافَ عِقابِي فَلا يَخافُ؛ لِأنِّي غافِرٌ لَهُ، وقابِلٌ لِتَوْبَتِهِ؛ لِأنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وانْتَظَمَ الكَلامُ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ اقْتَضاهُ مَقامُ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، ونُسِجَ عَلى مَنسَجِ التَّذْكِرَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِعِلْمِ المُتَخاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أُهْمِلْ تَوْبَتَكَ يَوْمَ اعْتَدَيْتَ وقَوْلَكَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وعَزْمَكَ عَلى الِاسْتِقامَةِ يَوْمَ قُلْتَ: ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] .
ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى خُصُوصِ مَن بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الرَّسُولِ الإصْرارُ عَلى الظُّلْمِ.
ومِن ألْطَفِ الإيماءِ الإتْيانُ بِفِعْلِ (ظَلَمَ)، لِيُومِئَ إلى قَوْلِ مُوسى يَوْمَ ارْتَكَبَ الِاعْتِداءَ: (﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]) ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُوسى نَفْسَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ الضَّحّاكِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، فالكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن ظَلَمَ وبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ مِنَ النّاسِ يُغْفَرُ لَهُ. وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى شَخْصٍ ظَلَمَ ولَيْسَ المُرادُ بِها مُخالَفاتِ بَعْضِ الرُّسُلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ دَعا إلَيْهِ أنَّ الرِّسالَةَ تُنافِي سَبْقَ ظُلْمِ النَّفْسِ. والَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ مِن مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إثْباتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَلا خِلافَ عَلَيْهِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ ظَلَمَ ولَمْ يُبَدِّلْ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ.
أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَزادَ عَلى ما سَلَكَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فَجَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا ظَلَمَ. والَّذِي دَعاهُ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو أحَدُ الدّاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَعَيا الفَرّاءَ والزَّجّاجَ، وهو أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذَلِكَ جَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ظَلَمَ بِما فَرَطَ مِنهُ مِن صَغائِرَ لِيَشْمَلَ مُوسى وهو واحِدٌ مِنهم.
وقَدْ تَحَصَّلَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّ الرُّسُلَ في حَضْرَةِ اللَّهِ (أيْ: حِينَ
صفحة ٢٣١
القِيامِ بِواجِباتِ الرِّسالَةِ) لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لَهُمُ السَّلامَةَ، ولا يَخافُونَ الذُّنُوبَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُمُ العِصْمَةَ. ولا يَخافُونَ عِقابًا عَلى الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهم لا يَقْرَبُونَها، وأنَّ مَن عَداهم إنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ أمِنَ مِمّا يَخافُ مِن عِقابِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ تَدارَكَ ظُلْمَهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولَمْ يَتُبْ يَخَفْ عِقابَ الذَّنْبِ، فَإنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ مَعانٍ دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِثْناءُ بِاحْتِمالَيْهِ، وذَلِكَ إيجازٌ.
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأ (ألا مَن ظَلَمَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (ألا) وتَخْفِيفِ اللّامِ فَتَكُونُ حَرْفَ تَنْبِيهٍ، ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ فِيما رَأيْنا مِن كُتُبِ عِلْمِ القِراءاتِ فَلَعَلَّها رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ.
وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: مَأْخُوذًا، ومُعْطًى، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الشَّيْئَيْنِ تارَةً بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠])، ويَتَعَدّى تارَةً إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المُعْطى بِالباءِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عاوَضَ كَما قالَ تَعالى (﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢])، أيْ: لا تَأْخُذُوا خَبِيثَ المالِ وتُضَيِّعُوا طَيِّبَهُ، فَإذا ذُكِرَ المَفْعُولانِ مَنصُوبَيْنِ تَعَيَّنَ المَأْخُوذُ والمَبْذُولُ بِالقَرِينَةِ وإلّا فالمَجْرُورُ بِالباءِ هو المَبْذُولُ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا مَفْعُولٌ واحِدٌ فَهو المَأْخُوذُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعْمى تَبَدَّلْنَ أبْؤُسًا
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أيْ: أخَذَ حُسْنًا بِسُوءٍ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَعْدَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ هو الَّذِي كانَ ثابِتًا ثُمَّ زالَ وخَلَفَهُ غَيْرُهُ وكَذَلِكَ ما يُفِيدُ مَعْنى (بَعْدَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] فالحالَةُ الحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ مَجْعُولَةً في مَوْضِعِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ.
27:12Page 377
وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢
And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، بَعْدَ أنْ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا أراهُ آيَةً أُخْرى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالتَّأْيِيدِ، وقَدْ مَضى في طَهَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ
صفحة ٢٣٢
أراهُ آيَةً أُخْرى. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يُعَجِّلَ لَهُ ما تَطْمَئِنُّ لَهُ نَفْسُهُ مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عِنْدَ لِقاءِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ (﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾) حالٌ مِن (﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾) أيْ: حالَةَ كَوْنِها آيَةً مِن تِسْعِ آياتٍ، و(﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾) صِفَةٌ لِآياتٍ، أيْ: آياتٌ مَسُوقَةٌ إلى فِرْعَوْنَ. وفي هَذا إيذانٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ إيجازًا وهو أمْرُ اللَّهِ مُوسى بِأنْ يَذْهَبَ إلى فِرْعَوْنَ كَما بُيِّنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
والآياتُ هي: العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والقَحْطُ، وانْفِلاقُ البَحْرِ وهو أعْظَمُها، وقَدْ عُدَّ بَعْضُها في سُورَةِ الأعْرافِ. وجَمَعَها الفَيْرُوزْآبادِي في بَيْتٍ ذَكَرَهُ في مادَّةِ (تِسْعٍ) مِنَ القامُوسِ وهو:
عَصًا سَنَةٌ بَحْرٌ جَـرادٌ وقُـمَّـلٌ يَدٌ ودَمٌ بَعْدَ الضَّفادِعِ طُوفانُ
27:13–14Page 377
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣
But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."
وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤
And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
أوْجَزَ بَقِيَّةَ القِصَصِ وانْتَقَلَ إلى العِبْرَةِ بِتَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الآياتِ، لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَصَدَ مِن هَذا الإيجازِ طَيَّ بِساطِ القِصَّةِ لِيَنْتَقِلَ مِنها إلى قِصَّةِ داوُدَ ثُمَّ قِصَّةِ سُلَيْمانَ المَبْسُوطَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. والمُرادُ بِمَجِيءِ الآياتِ حُصُولُها واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى وهي الآياتُ الثَّمانِ الَّتِي قَبْلَ الغَرَقِ.
والمُبْصِرَةُ: الظّاهِرَةُ. صِيغَ لَها وزْنُ اسْمِ فاعِلِ الإبْصارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وإنَّما المُبْصِرُ النّاظِرُ إلَيْها. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والجُحُودُ: الإنْكارُ بِاللِّسانِ.
(﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) بِمَعْنى أيْقَنَتْ بِها، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ عَلى التَّوَسُّعِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: تَحَقَّقَتْها عُقُولُهم، والسِّينُ والتّاءُ
صفحة ٢٣٣
لِلْمُبالَغَةِ. والظُّلْمُ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِأنَّهم ألْصَقُوا بِهِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ فَظَلَمُوهُ حَقَّهُ.
والعُلُوُّ: الكِبَرُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) حالِيَّةً، فَقَوْلُهُ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) نَشْرٌ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ. فالظُّلْمُ في الجَحْدِ بِها والعُلُوُّ في كَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِها.
وانْتَصَبَ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿جَحَدُوا﴾ [هود: ٥٩]) وجُعِلَ ما هو مَعْلُومٌ مِن حالِهِمْ فِيما لَحِقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المُشاهَدِ لِلسّامِعِينَ فَأمَرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ . والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ.
و(كَيْفَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مُعَلِّقًا فِعْلَ النَّظَرِ عَنِ العَمَلِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ.
27:15Page 378
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥
And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
كَما كانَ في قِصَّةِ مُوسى وإرْسالِهِ إلى فِرْعَوْنَ آياتُ عِبْرَةٍ، ومَثَلٌ لِلَّذِينِ جَحَدُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَذَلِكَ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ ومَلِكَةِ سَبَأٍ وما رَأتْهُ مِن آياتِهِ وإيمانِها بِهِ مَثَلٌ لِعِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ مَلِكَةِ سَبَأٍ إذْ لَمْ يَصُدَّها مُلْكُها عَنِ الِاعْتِرافِ بِآياتِ سُلَيْمانَ فَآمَنَتْ بِهِ، وفي ذَلِكَ مَثَلٌ لِلَّذِينِ اهْتَدَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ داوُدَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذِكْرَ سُلَيْمانَ إذْ كانَ مُلْكُهُ ورِثَهُ مِن أبِيهِ داوُدَ؛ ولِأنَّ في ذِكْرِ داوُدَ مَثَلٌ لِإفاضَةِ الحِكْمَةِ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مُتَصَدِّيًا لَها. وما كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ أيّامَ كانَ فِيهِمْ أحْبارٌ وعُلَماءُ؛ فَقَدْ كانَ داوُدُ راعِيًا غَنَمَ أبِيهِ (يَسِّي) في بَيْتِ لَحْمٍ فَأمَرَ اللَّهُ شَمْوِيلَ النَّبِيءَ أنْ يَجْعَلَ داوُدَ نَبِيئًا في مُدَّةِ مُلْكِ
صفحة ٢٣٤
طالُوتَ (شاوِلَ) . فَما كانَ عَجَبٌ في نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ الأُمِّيِّ بَيْنَ الأُمِّيِّينَ لِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ أنَّ اللَّهَ أعْطى الحِكْمَةَ والنُّبُوءَةَ مُحَمَّدًا ﷺ، ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ولَكِنْ في قَوْمِهِ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩]، فَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] .
فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾) مَعْطُوفًا عَلى (﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧]) إذا جَعَلْنا (إذْ) مَفْعُولًا لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومُناسَبَةُ الذِّكْرِ ظاهِرَةٌ. وبَعْدُ فَفي كُلِّ قِصَّةٍ مِن قَصَصِ القُرْآنِ عِلْمٌ وعِبْرَةٌ وأُسْوَةٌ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِهِ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهم جَحَدُوا نُبُوءَةَ مِثْلِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبإ: ٣١] .
وتَنْكِيرُ (عِلْمًا) لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُ عِلْمٌ بِنُبُوءَةٍ وحِكْمَةٌ كَقَوْلِهِ في صاحِبِ مُوسى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .
وفِي فِعْلِ (آتَيْنا) ما يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عِلْمٌ مُفاضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإيتاءَ أخَصُّ مِن (عَلَّمْناهُ) فَلِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنْ كَلِمَةِ (مَن لَدُنّا) .
وحِكايَةُ قَوْلِهِما: (﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾) كِنايَةً عَنْ تَفْضِيلِهِما بِفَضائِلَ غَيْرِ العِلْمِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾) ومِنهم أهْلُ العِلْمِ وغَيْرُهم، وتَنْوِيهٌ بِأنَّهُما شاكِرانِ نِعْمَتَهُ.
ولِأجْلِ ذَلِكَ عَطَفَ قَوْلَهُما هَذا بِالواوِ دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَمْدًا لِمُجَرَّدِ الشُّكْرِ عَلى إيتاءِ العِلْمِ.
والظّاهِرُ أنَّ حِكايَةَ قَوْلَيْهِما وقَعَتْ بِالمَعْنى، بِأنْ قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنِي، فَلَمّا حُكِيَ القَوْلانِ جُمِعَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ شَكَرَ اللَّهَ عَلى مِنَحِهِ ومِنَحِ قَرِيبِهِ، عَلى أنَّهُ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ
صفحة ٢٣٥
المُشارَكِ لا لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ بَلْ لِإخْفاءِ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ تَواضُعًا كَما قالَ سُلَيْمانُ عَقِبَ هَذا: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] . وجَعَلا تَفْضِيلَهُما عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ دُونَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ أمّا لِأنَّهُما أرادا بِالعِبادِ المُؤْمِنِينَ كُلَّ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ مِنَ الماضِينَ وفِيهِمْ مُوسى وهارُونُ، وكَثِيرٌ مِنَ الأفْضَلِ والمُساوِي، وإمّا لِأنَّهُما اقْتَصَدا في العِبارَةِ إذْ لَمْ يُحِيطا بِمَن نالَهُ التَّفْضِيلُ، وإمّا لِأنَّهُما أرادا بِالعِبادِ أهْلَ عَصْرِهِما فَعَبَّرا بِ (﴿كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ﴾) تَواضُعًا لِلَّهِ. ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُهُما هَذا جَهْرًا وهو الظّاهِرُ كانَ حُجَّةً عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْعالِمِ أنْ يَذْكُرَ مَرْتَبَتَهُ في العِلْمِ لِفَوائِدَ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ إلى أنْ يُحَذِّرَ النّاسَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِمَن لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةٌ مِن أهْلِ الدَّعْوى الكاذِبَةِ والجَعْجَعَةِ الجالِبَةِ، وهَذا حُكْمٌ يُسْتَنْبَطُ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، وإنْ قالاهُ في سِرِّهِما لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الحُجَّةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences