Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:12–19
28:12Page 386
۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢
And We had prevented from him [all] wet nurses before,1 so she said, "Shall I direct you to a household that will be responsible for him for you while they are to him [for his upbringing] sincere?"
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ”لِأُخْتِهِ“ . والتَّحْرِيمُ: المَنعُ، وهو تَحْرِيمٌ تَكْوِينِيٌّ، أيْ قَدَّرْنا في نَفْسِ الطِّفْلِ الِامْتِناعَ مِنَ التِقامِ أثْداءِ المَراضِعِ وكَراهَتَها لِيَضْطَرَّ آلُ فِرْعَوْنَ إلى البَحْثِ عَنْ مُرْضِعٍ يَتَقَبَّلُ ثَدْيَها؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ وامْرَأتَهُ حَرِيصانِ عَلى حَياةِ الطِّفْلِ، ومِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ اللَّهُ إرْضاعَهُ مِن أُمِّهِ مُدَّةً تَعَوَّدَ فِيها بِثَدْيِها.
صفحة ٨٤
ومَعْنى مِن قَبْلُ مِن قَبْلِ التِقاطِهِ وهو إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ وإرادَتُهُ في الأزَلِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَقالَتْ“ فاءٌ فَصِيحَةٌ تُؤْذِنُ بِجُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ فَأظْهَرَتْ أُخْتُهُ نَفْسَها كَأنَّها مَرَّتْ بِهِمْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. وإنَّما قالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ فَشا في النّاسِ طَلَبُ المَراضِعِ لَهُ وتَبْدِيلُ مُرْضِعَةٍ عَقِبَ أُخْرى حَتّى عُرِضَ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ في حِصَّةٍ قَصِيرَةٍ، وذَلِكَ بِسُرْعَةِ مَقْدِرَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وكَثْرَةِ تَفْتِيشِهِمْ عَلى المَراضِعِ حَتّى ألْفَوْا عَدَدًا كَثِيرًا في زَمَنٍ يَسِيرٍ، وأيْضًا لِعَرْضِ المَراضِعِ أنْفُسَهُنَّ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا شاعَ أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ مُرْضِعًا.
وعَرَضَتْ سَعْيَها في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في العَرْضِ تَلَطُّفًا مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ وإيعادًا لِلظِّنَّةِ عَنْ نَفْسِها.
ومَعْنى يَكْفُلُونَهُ يَتَعَهَّدُونَ بِحِفْظِهِ وإرْضاعِهِ. فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ عادَتَهم في الإرْضاعِ أنْ يُسَلَّمَ الطِّفْلُ إلى المَرْأةِ الَّتِي تُرْضِعُهُ يَكُونُ عِنْدَها كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ؛ لِأنَّ النِّساءَ الحَرائِرَ لَمْ يَكُنَّ يَرْضَيْنَ بِتَرْكِ بُيُوتِهِنَّ والِانْتِقالِ إلى بُيُوتِ آلِ الأطْفالِ الرُّضَعاءِ. كَما جاءَ في خَبَرِ إرْضاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ حَلِيمَةَ بِنْتِ وهْبٍ في حَيِّ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَدَفَعَهُ فِرْعَوْنُ إلَيْها وأجْرى لَها وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها.
والعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ أنَّ النُّصْحَ مِن سَجاياهم ومِمّا ثَبَتَ لَهم فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَنْصَحُونَ لَهُ كَما قِيلَ ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ الكَفالَةَ أمْرٌ سَهْلٌ بِخِلافِ النُّصْحِ والعِنايَةِ.
وتَعْلِيقُ لَهُ بِـ ناصِحُونَ لَيْسَ عَلى مَعْنى التَّقْيِيدِ؛ بَلْ لِأنَّهُ حِكايَةُ الواقِعِ. فالمَعْنى: أنَّ النُّصْحَ مِن صِفاتِهِمْ فَهو حاصِلٌ لَهُ كَما يَحْصُلُ لِأمْثالِهِ حَسَبَ سَجِيَّتِهِمْ. والنُّصْحُ: العَمَلُ الخالِصُ الخَلِيُّ مِنَ التَّقْصِيرِ والفَسادِ.
28:13Page 386
فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣
So We restored him to his mother that she might be content and not grieve and that she would know that the promise of Allāh is true. But most of them [i.e., the people] do not know.
صفحة ٨٥
﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ في سُورَةِ طه. وقَوْلُهُ ”ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ“ فَإنَّما تَأْكِيدُ حَرْفِ كَيْ بِمُرادِفِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ لِلتَّنْصِيصِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُثْبَتِ لا عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ.
وضَمِيرُ ”أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ“ عائِدٌ إلى النّاسِ المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ أوْ إلى رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ، ومِنَ النّاسِ بَنُو إسْرائِيلَ.
والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ نَصْبِ الدَّلِيلِ لَها عَلى أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أيْ فَعَلِمَتْ ذَلِكَ وحْدَها وأكْثَرُ القَوْمِ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم بَيْنَ مُشْرِكِينَ وبَيْنَ مُؤْمِنِينَ، تَقادَمَ العَهْدُ عَلى إيمانِهِمْ، وخَلَتْ أقْوامُهم مِن عُلَماءَ يُلَقِّنُونَهم مَعانِيَ الدِّينِ، فَأصْبَحَ إيمانُهم قَرِيبًا مِنَ الكُفْرِ.
ومَوْضِعُ العِبْرَةِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنَّها تَتَضَمَّنُ أُمُورًا ذاتَ شَأْنٍ فِيها ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فَأوَّلُ ذَلِكَ وأعْظَمُهُ: إظْهارُ أنَّ ما عَلِمَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ ”يَحْذَرُونَ“ وأنَّ الحَذَرَ لا يُنَجِّي مِنَ القَدَرِ.
وثانِيهِ: إظْهارُ أنَّ العُلُوَّ الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ عُلُوَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا في دَفْعِ عَواقِبِ الجَبَرُوتِ والفَسادِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وثالِثُهُ: أنَّ تَمْهِيدَ القِصَّةِ بِعُلُوِّ فِرْعَوْنَ وفَسادِ أعْمالِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ الِانْتِقامِ مِنهُ، والأخْذُ بِناصِرِ المُسْتَضْعَفِينَ لِيَحْذَرَ الجَبابِرَةُ سُوءَ عاقِبَةِ ظُلْمِهِمْ، ولِيَرْجُوَ الصّابِرُونَ عَلى الظُّلْمِ أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لَهم.
ورابِعُهُ: الإشارَةُ إلى حِكْمَةِ ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] في
صفحة ٨٦
جانِبِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] في جانِبِ فِرْعَوْنَ إذْ كانُوا فَرِحِينَ بِاسْتِخْدامِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَدْبِيرِ قَطْعِ نَسْلِهِمْ.
وخامِسُهُ: أنَّ إصابَةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بَغْتَةً مِن قِبَلِ مَن أمَّلُوا مِنهُ النَّفْعَ أشَدُّ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِ وأوْقَعُ حَسْرَةً عَلى المُسْتَبْصِرِ، وأدُلُّ عَلى أنَّ انْتِقامَ اللَّهِ يَكُونُ أعْظَمَ مِنِ انْتِقامِ العَدُوِّ كَما قالَ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] مَعَ قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] .
وسادِسُهُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ بِحُكْمِ التَّعَقُّلِ أنْ تُسْتَأْصَلَ أُمَّةٌ كامِلَةٌ لِتَوَقُّعِ مُفْسِدٍ فِيها لِعَدَمِ التَّوازُنِ بَيْنَ المَفْسَدَتَيْنِ، ولِأنَّ الإحاطَةَ بِأفْرادِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ مُتَعَذِّرَةٌ فَلا يَكُونُ المُتَوَقَّعُ فَسادُهُ إلّا في الجانِبِ المَغْفُولِ عَنْهُ مِنَ الأفْرادِ فَتَحْصُلُ مَفْسَدَتانِ هُما أخْذُ البَرِيءِ وانْفِلاتُ المُجْرِمِ.
وسابِعُهُ: تَعْلِيمُ أنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ بِتَهْيِئَةِ الأسْبابِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأهْلَكَ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ بِحادِثٍ سَماوِيٍّ ولَما قَدَّرَ لِإهْلاكِهِمْ هَذِهِ الصُّورَةَ المُرَتَّبَةَ، ولَأنْجى مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ إنْجاءً أسْرَعَ ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ بِمُشاهَدَةِ تَنَقُّلاتِ الأحْوالِ ابْتِداءً مِن إلْقاءِ مُوسى في اليَمِّ إلى أنْ رَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَتَكُونُ في ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ﴿قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ولِيَتَوَسَّمُوا مِن بِوارِقِ ظُهُورِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وانْتِقالِ أحْوالِ دَعْوَتِهِ في مَدارِجِ القُوَّةِ أنَّ ما وعَدَهم بِهِ واقِعٌ بِأخَرَةٍ.
وثامِنُهُ: العِبْرَةُ بِأنَّ وُجُودَ الصّالِحِينَ مِن بَيْنِ المُفْسِدِينَ يُخَفِّفُ مِن لَأْواءِ فَسادِ المُفْسِدِينَ، فَإنَّ وُجُودَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ كانَ سَبَبًا في صَدِّ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِ الطِّفْلِ مَعَ أنَّهُ تَحَقَّقَ أنَّهُ إسْرائِيلِيٌّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] كَما قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ.
وتاسِعُهُ: ما في قَوْلِهِ ”﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾“ مِنَ الإيماءِ إلى تَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ بَعْدَ حِينٍ، ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ وعِيدَهم لا مَفَرَّ لَهم مِنهُ.
وعاشِرُهُ: ما في قَوْلِهِ ”﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾“ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المَرْءَ يُؤْتى مِن جَهْلِهِ النَّظَرَ في أدِلَّةِ العَقْلِ.
صفحة ٨٧
ولِما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العِبَرِ اكْتَفى مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِطالِعِها عَنِ الخُطْبَةِ الَّتِي حَقُّهُ أنْ يَخْطُبَ بِها في النّاسِ حِينَ حُلُولِهِ بِالعِراقِ مِن قِبَلِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُكْتَفِيًا بِالإشارَةِ مَعَ التِّلاوَةِ فَقالَ ﴿طسم﴾ [القصص: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وأشارَ إلى جِهَةِ الشّامِ يُرِيدُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ، ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الحِجازِ، يَعْنِي أخاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وأنْصارَهُ، (﴿ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ [القصص: ٦]) وأشارَ إلى العِراقِ يَعْنِي الحَجّاجَ ﴿مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] .
28:14Page 387
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤
And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.
﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ هَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ المُرَتَّبَةِ عَلى حَسَبِ ظُهُورِها في الخارِجِ. وهَذا الِاعْتِراضُ نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣] فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ لَها قَدْ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] . فَلَمّا انْتَهى إلى حِكايَةِ رَدِّهِ إلى أُمِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] إلى آخِرِهِ كَمَّلَ ما فِيهِ وفاءُ وعْدِ اللَّهِ إيّاها بِهَذا الِاسْتِطْرادِ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ وإنَّما أُوتِيَ الحُكْمَ، أعْنِي النُّبُوَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن أرْضِ مَدْيَنَ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ، إلّا قَوْلَهُ واسْتَوى فَقِيلَ: إنَّ اسْتَوى بِمَعْنى بَلَغَ أشُدَّهُ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا، والحَقُّ أنَّ الأشُدَّ كَمالُ القُوَّةِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ جَمْعُ شِدَّةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ بِوَزْنِ نِعْمَةٍ، وأنْعُمٍ، وهي هَيْئَةٌ بِمَعْنى القُوَّةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ المُفْرَدِ. وأنَّ الِاسْتِواءَ: كَمالُ البِنْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الزَّرْعِ ﴿فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ولِهَذا أُرِيدَ لِمُوسى الوَصْفُ بِالِاسْتِواءِ ولَمْ يُوصَفْ يُوسُفُ إلّا بِبُلُوغِ الأشُدِّ خاصَّةً؛ لِأنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا طُوالًا كَما في الحَدِيثِ «كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ» فَكانَ كامِلَ الأعْضاءِ ولِذَلِكَ كانَ وكْزُهُ القِبْطِيَّ قاضِيًا عَلى المَوْكُوزِ. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، والعِلْمُ: المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ.
28:15Page 387
وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥
And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."
صفحة ٨٨
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾
طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ تُنْبِئُ عَنْها القِصَّةُ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى يَفَعَ وشَبَّ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ فَكانَ مَعْدُودًا مِن أهْلِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: كانَ يُدْعى مُوسى ابْنَ فِرْعَوْنَ.
وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] عَطَفَ جُزْءَ القِصَّةِ عَلى جُزْءٍ آخَرَ مِنها، وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لَعَلَّهُ بِأنَّ أمَّهُ كانَتْ تَتَّصِلُ بِهِ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ وكانَتْ تَقُصُّ عَلَيْهِ نَبَأهُ كُلَّهُ.
والمَدِينَةُ هي مَنفِيسُ قاعِدَةُ مِصْرَ الشَّمالِيَّةُ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ بِـ دَخَلَ. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ، أيْ مُتَمَكِّنًا مِن حِينِ غَفْلَةٍ.
وحِينُ الغَفْلَةِ: هو الوَقْتُ الَّذِي يَغْفُلُ فِيهِ أهْلُ المَدِينَةِ عَمّا يَجْرِي فِيها وهو وقْتُ اسْتِراحَةِ النّاسِ وتُفَرِّقِهِمْ وخُلُوِّ الطَّرِيقِ مِنهم. قِيلَ: كانَ ذَلِكَ في وقْتِ القَيْلُولَةِ وكانَ مُوسى مُجْتازًا بِالمَدِينَةِ وحْدَهُ، قِيلَ لِيَلْحَقَ بِفِرْعَوْنَ إذْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ مَرَّ بِتِلْكَ المَدِينَةِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الوَقْتِ الإشارَةُ إلى أنَّ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] الآياتِ ومُقَدِّمَةً لِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِن أرْضِ مِصْرَ.
والإشارَتانِ في قَوْلِهِ ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ .
واسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا لا يُراعى فِيهِ بُعْدٌ ولا قُرْبٌ، فَلِذَلِكَ قَدْ تَكُونُ الإشارَتانِ مُتَماثِلَتَيْنِ كَما هُنا وكَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]“ ويَجُوزُ اخْتِلافُهُما كَقَوْلِ المُتَلَمِّسِ:
صفحة ٨٩
ولا يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُرادُ بِهِ إلّا الأذَلّانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
هَذا عَلى الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ∗∗∗ وذا يُشَجُّ فَلا يَرْثِي لَهُ أحَدُ
والشِّيعَةُ: الجَماعَةُ المُنْتَمِيَةُ إلى أحَدٍ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] . والعَدُوُّ: الجَماعَةُ الَّتِي يُعادِيها مُوسى، أيْ يُبْغِضُها. فالمُرادُ بِالَّذِي مِن شِيعَتِهِ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وبِالَّذِي مِن عَدُّوِهِ رَجُلٌ مِنَ القِبْطِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. والعَدُوُّ وصْفٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
ومَعْنى كَوْنِ ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ أنَّ مُوسى كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِإخْبارِ قِصَّةِ التِقاطِهِ مِنَ اليَمِّ وأنْ تَكُونَ أُمُّهُ قَدْ أفْضَتْ إلَيْهِ بِخَبَرِها وخَبَرِهِ كَما تَقَدَّمَ، فَنَشَأ مُوسى عَلى عَداوَةِ القِبْطِ وعَلى إضْمارِ المَحَبَّةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وأمّا وكْزُهُ القِبْطِيَّ فَلَمْ يَكُنْ إلّا انْتِصارًا لِلْحَقِّ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، ولِذَلِكَ لَمّا تَكَرَّرَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ ذاكَ الإسْرائِيلِيِّ وبَيْنَ قِبْطِيٍّ آخَرَ وأرادَ مُوسى أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ لَمْ يَقُلْ لَهُ القِبْطِيُّ: إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَنْصُرَ قَوْمَكَ، وإنَّما قالَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] .
قِيلَ: كانَ القِبْطِيُّ مِن عَمَلَةِ مَخْبِزِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَحْمِلَ حَطَبًا إلى الفُرْنِ فَدَعا إسْرائِيلِيًّا لِيَحْمِلَهُ فَأبى، فَأرادَ أنْ يُجْبِرَهُ عَلى حَمْلِهِ، وأنْ يَضَعَهُ عَلى ظَهْرِهِ فاخْتَصَما وتَضارَبا ضَرْبًا شَدِيدًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقاتُلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ.
والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو التَّخْلِيصُ مِن شِدَّةٍ أوِ العَوْنُ عَلى دَفْعِ مَشَقَّةٍ. وإنَّما يَكُونُ الطَّلَبُ بِالنِّداءِ فَذِكْرُ الِاسْتِغاثَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الإسْرائِيلِيَّ كانَ مَغْلُوبًا وأنَّ القِبْطِيَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ وكانَ ظالِمًا إذْ لا يُجْبَرُ أحَدٌ عَلى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ.
والوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ بِجُمْعِ أصابِعِها كَصُورَةِ عَقْدِ ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ، ويُسَمّى الجُمْعَ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ.
و”فَقَضى عَلَيْهِ“ جُمْلَةٌ تُقالُ بِمَعْنى ماتَ لا تُغَيَّرُ. فَفاعِلُ ”قَضى“ مَحْذُوفٌ أبَدًا عَلى مَعْنى قَضى عَلَيْهِ قاضٍ وهو المَوْتُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى
صفحة ٩٠
المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ إذْ لا يَقْضِي بِالمَوْتِ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ: ١٤] . وقِيلَ ضَمِيرُ ”فَقَضى“ عائِدٌ إلى مُوسى ولَيْسَ هَذا بِالبَيِّنِ. فالمَعْنى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَماتَ القِبْطِيُّ. وكانَ هَذا قَتْلَ خَطَأٍ صادَفَ الوَكْزُ مَقاتِلَ القِبْطِيِّ، ولَمْ يُرِدْ مُوسى قَتْلَهُ. ووَقَعَ في سِفْرِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي أنَّ مُوسى لَمّا رَأى المِصْرِيَّ يَضْرِبُ العِبْرانِيَّ التَفَتَ هُنا وهُناكَ ورَأى أنْ لَيْسَ أحَدٌ فَقَتَلَ المِصْرِيَّ وطَمَرَهُ في الرَّمْلِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: ماذا كانَ مِن أمْرِ مُوسى حِينَ فُوجِئَ بِمَوْتِ القِبْطِيِّ. وحِكايَةُ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُوسى لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ حِينَئِذٍ إلّا النَّظَرُ في العاقِبَةِ الدِّينِيَّةِ. وقَوْلُهُ هو كَلامُهُ في نَفْسِهِ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الضَّرْبَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَلَيْها المَوْتُ أوْ إلى المَوْتِ المُشاهَدِ مِن ضَرْبَتِهِ، أوْ إلى الغَضَبِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ مَوْتُ القِبْطِيِّ. والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ أوْقَدَ غَضَبَهُ حَتّى بالَغَ في شِدَّةِ الوَكْزِ. وإنَّما قالَمُوسى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ في الشَّرائِعِ البَشَرِيَّةِ فَإنَّ حِفْظَ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ مِن أُصُولِ الأدْيانِ كُلِّها. وكانَ مُوسى يَعْلَمُ دِينَ آبائِهِ لَعَلَّهُ بِما تَلَقّاهُ مِن أُمِّهِ المَرْأةِ الصّالِحَةِ في مُدَّةِ رَضاعِهِ وفي مُدَّةِ زِيارَتِهِ إيّاها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ شِدَّةِ غَضَبِهِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إذْ لَوْلا الخاطِرُ الشَّيْطانِيُّ لاقْتَصَرَ عَلى القِبْطِيِّ أوْ كَفَّهُ عَنِ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ، فَلَمّا كانَ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لِلْإنْسانِ وكانَتْ لَهُ مَسالِكُ إلى النُّفُوسِ اسْتَدَلَّ مُوسى بِفِعْلِهِ المُؤَدِّي إلى قَتْلِ نَفْسٍ أنَّهُ فِعْلٌ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، ولَوْلاها لَكانَ عَمَلُهُ جارِيًا عَلى الأحْوالِ المَأْذُونَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ هو الخَيْرُ، وأنَّهُ الفِطْرَةُ، وأنَّ الِانْحِرافَ عَنْها يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ غَيْرِ فِطْرِيٍّ، وهو تَخَلُّلُ نَزْغِ الشَّيْطانِ في النَّفْسِ.
ومُتَعَلِّقُ ”عَدُوٌّ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ أيْ عَدُوٌّ لِآدَمَ وذُرِّيَّةِ آدَمَ.
صفحة ٩١
ورَتَّبَ عَلى الإخْبارِ عَنْهُ بِالعَداوَةِ وصْفَهُ بِالإضْلالِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَعْمَلُ لِإلْحاقِ الضُّرِّ بِعَدُوِّهِ. ومُبِينٌ وصْفٌ لِـ مُضِلٌّ لا خَبَرٌ ثانٍ ولا ثالِثٌ.
28:16Page 387
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦
He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القصص: ١٥]؛ لِأنَّ الجَزْمَ بِكَوْنِ ما صَدَرَ مِنهُ عَمَلًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وتَغْرِيرِهِ، يَشْتَمِلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ، وأنْ يَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ بِالِاعْتِرافِ بِخَطَئِهِ، ويُفَرَّعُ عَلَيْهِ طَلَبُ غُفْرانِهِ. وسَمّى فِعْلَهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن أثَرِ فَرْطِ الغَضَبِ لِأجْلِ رَجُلٍ مِن شِيعَتِهِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَمْلِكَ مِن غَضَبِهِ فَكانَ تَعْجِيلُهُ بِوَكْزِ القِبْطِيِّ وكْزَةً قاتِلَةً ظُلْمًا جَرَّهُ لِنَفْسِهِ. وسَمّاهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ضَلالًا ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] .
وأرادَ بِظُلْمِهِ نَفْسَهُ أنَّهُ تَسَبَّبَ لِنَفْسِهِ في مَضَرَّةِ إضْمارِ القِبْطِ قَتْلَهُ، وأنَّهُ تَجاوَزَ الحَدَّ في عِقابِ القِبْطِيِّ عَلى مُضارَبَتِهِ الإسْرائِيلِيَّ. ولَعَلَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ الظّالِمَ مِنهُما وذَلِكَ انْتِصارٌ جاهِلِيٌّ كَما قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ يَمْدَحُ قَوْمَهُ:
إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ
وقَدِ اهْتَدى مُوسى إلى هَذا كُلِّهِ بِالإلْهامِ إذْ لَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ في القِبْطِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ مِمّا تَلَقّاهُ مَن أُمِّهِ وقَوْمِها مَن تَدَيُّنٍ بِبَقايا دِينِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
ولا التِفاتَ في هَذا إلى جَوازِ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ النَّبِيءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا، ولا مَسْألَةِ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ النَّبِيءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَفْرُوضَةٌ فِيما تَقَرَّرَ حُكْمُهُ مِنَ الذُّنُوبِ بِحَسَبِ شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيءِ أوْ شَرْعِ نَبِيٍّ هو مُتَّبِعُهُ مِثْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ لِوُجُودِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ وهو مِن أتْباعِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، أيِ اسْتَجابَ اسْتِغْفارَهُ فَعَجَّلَ لَهُ بِالمَغْفِرَةِ.
صفحة ٩٢
وجُمْلَةُ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وجُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] كانَ اعْتِراضُها إعْلامًا لِأهْلِ القُرْآنِ بِكَرامَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾؛ عَلَّلَ المَغْفِرَةَ لَهُ بِأنَّهُ شَدِيدُ الغُفْرانِ ورَحِيمٌ بِعِبادِهِ، مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِصِيغَةِ القَصْرِ إيماءً إلى أنَّ ما جاءَ بِهِ هو مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ وما حَفَّهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْناها.
28:17Page 387
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧
He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إعادَةُ ”قالَ“ أفادَ تَأْكِيدًا لَفِعْلِ ”﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]“ . أُعِيدَ القَوْلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اتِّصالِ كَلامِ مُوسى حَيْثُ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُ بِجُمْلَتَيْ ”﴿فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]“ . ونَظْمُ الكَلامِ: قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، رَبِّ بِما أنْعَمْتَ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مُسْتَأْنَفًا عَنْ قَوْلِهِ فَغَفَرَ لَهُ؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ يُوحى إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ في ”﴿بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾“ و”ما“ مَوْصُولَةٌ. وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ، والحَذْفُ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِالَّذِي أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً وماصَدَقَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، هو ما أُوتِيَهُ مِنَ الحِكْمَةِ والعِلْمِ فَتَمَيَّزَتْ عِنْدَهُ الحَقائِقُ، ولَمْ يَبْقَ لِلْعَوائِدِ والتَّقالِيدِ تَأْثِيرٌ عَلى شُعُورِهِ. فَأصْبَحَ لا يَنْظُرُ الأشْياءَ إلّا بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ومِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ظَهِيرًا وعَوْنًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وأرادَ مَن يُتَوَسَّمُ مِنهُمُ الإجْرامُ، وأرادَ بِهِمُ الَّذِينَ يَسْتَذِلُّونَ النّاسَ ويَظْلِمُونَهم؛ لِأنَّ القِبْطِيَّ أذَلَّ الإسْرائِيلِيَّ بِغَصْبِهِ عَلى تَحْمِيلِهِ الحَطَبَ دُونَ رِضاهُ.
ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ ساقَهُ مَساقَ الِاعْتِبارِ عَنْ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ وُثُوقًا بِأنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً.
واقْتِرانُ جُمْلَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما
صفحة ٩٣
يُعامَلُ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ فَيَقْتَرِنُ خَبَرُهُ ومُتَعَلِّقُهُ بِالفاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَزاءِ الشَّرْطِ، وخاصَّةً إذا كانَ المَوْصُولُ مَجْرُورًا مُقَدَّمًا، فَإنَّ المَجْرُورَ المُقَدَّمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَيُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ تَكُونُوا وإعْطائِهِ جَوابًا مَجْزُومًا. والظَّهِيرُ: النَّصِيرُ.
وقَدْ دَلَّ هَذا النَّظْمُ عَلى أنَّ مُوسى أرادَ أنْ يَجْعَلَ عَدَمَ مُظاهَرَتِهِ لِلْمُجْرِمِينَ جَزاءً عَلى نِعْمَةِ الحِكْمَةِ، والعِلْمِ بِأنْ جَعَلَ شُكْرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ الِانْتِصارَ لِلْحَقِّ وتَغْيِيرَ الباطِلِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُغَيِّرِ الباطِلَ والمُنْكَرَ وأقَرَّهُما فَقَدْ صانَعَ فاعِلَهُما، والمُصانَعَةُ مُظاهَرَةٌ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ أنَّ مُوسى لَمّا أصْبَحَ مِنَ الغَدِ فَوَجَدَ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ في أمْسِهِ يَسْتَصْرِخُهُ عَلى قِبْطِيٍّ آخَرَ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ، وفاءً بِوَعْدِهِ رَبَّهُ إذْ قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّ القِبْطِيَّ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ والإسْرائِيلِيَّ مُوَحِّدٌ.
وقَدْ جَعَلَ جُمْهُورٌ مِنَ السَّلَفِ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةً عَلى مَنعِ إعانَةِ أهْلِ الجَوْرِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ. ولَعَلَّ وجْهَ الِاحْتِجاجِ بِها أنَّ اللَّهَ حَكاها عَنْ مُوسى في مَعْرِضِ التَّنْوِيهِ بِهِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ القَوْلِ الحَقِّ.
28:18–19Page 387
فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨
And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."
فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩
And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ أصْبَحَ خائِفًا مِن أنْ يُطالَبَ بِدَمِ القِطْبِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ وهو يَتَرَقَّبُ، أيْ يُراقِبُ ما يُقالُ في شَأْنِهِ لِيَكُونَ مُتَحَفِّزًا لِلِاخْتِفاءِ، أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ خَبَرَ قَتْلِ القِبْطِيِّ لَمْ يَفْشُ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ في وقْتٍ تَخْلُو فِيهِ أزِقَّةُ المَدِينَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مُوسى يَتَرَقَّبُ أنْ يَظْهَرَ أمْرُ القِبْطِيِّ المَقْتُولِ.
و”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ، أيْ فَفاجَأهُ أنَّ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَنْصِرُهُ اليَوْمَ.
صفحة ٩٤
والتَّعْرِيفُ في الأمْسِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِأمْسِهِ إذْ لَيْسَ هو أمْسًا لِوَقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.
والِاسْتِصْراخُ: المُبالَغَةُ في الصُّراخِ، أيِ النِّداءِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في القِصَّةِ الماضِيَةِ بِالِاسْتِغاثَةِ فَخُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ.
وقَوْلُ مُوسى لَهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ تَذَمُّرٌ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ إذْ كانَ اسْتِصْراخُهُ السّالِفُ سَبَبًا في قَتْلِ نَفْسٍ، وهَذا لا يَقْتَضِي عَدَمَ إجابَةِ اسْتِصْراخِهِ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ التَّشاؤُمِ واللَّوْمِ عَلَيْهِ في كَثْرَةِ خُصُوماتِهِ.
والغَوِيُّ: الشَّدِيدُ الغَوايَةِ، وهي الضَّلالُ وسُوءُ النَّظَرِ، أيْ أنَّكَ تُشادُّ مَن لا تُطِيقُهُ ثُمَّ تَرُومُ الغَوْثَ مِنِّي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ ظالِمٌ أوْ مُفْسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِعَدُوِّهِ.
والبَطْشُ: الأخْذُ بِالعُنْفِ، والمُرادُ بِهِ الضَّرْبُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”عَدُوٌّ لَهُما“ أنَّهُ قِبْطِيٌّ. ورُبَّما جُعِلَ عَدُوًّا لَهُما؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ لِلْإسْرائِيلِيِّ مَعْرُوفَةٌ فاشِيَةٌ بَيْنَ القِبْطِ وأمّا عَداوَتُهُ لِمُوسى فَلِأنَّهُ أرادَ أنْ يَظْلِمَ رَجُلًا، والظُّلْمُ عَدُوٌّ لِنَفْسِ مُوسى؛ لِأنَّهُ نَشَأ عَلى زَكاءِ نَفْسٍ هَيَّأها اللَّهُ لِلرِّسالَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.
والجَبّارُ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِمّا يُضِرُّ بِالنّاسِ، ويُؤاخِذُ النّاسَ بِالشِّدَّةِ دُونَ الرِّفْقِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] .
والمَعْنى: إنَّكَ تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مُتَصَرِّفًا بِالِانْتِقامِ وبِالشِّدَّةِ ولا تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِأنْ تَسْعى في التَّراضِي بَيْنَهُما. ويَظْهَرُ أنَّ كَلامَ القِبْطِيِّ زَجْرٌ لِمُوسى عَنِ البَطْشِ بِهِ، وصارَ بَيْنَهُما حِوارًا أعْقَبَهُ مَجِيءُ رَجُلٍ مِن أقْصى المَدِينَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences