Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:20–25
28:20–21Page 387
وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠
And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."
فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١
So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."
صفحة ٩٥
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
ظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ الرَّجُلَ جاءَ عَلى حِينِ مُحاوَرَةِ القِبْطِيِّ مَعَ مُوسى، فَلِذَلِكَ انْطَوى أمْرُ مُحاوَرَتِهِما إذْ حَدَثَ في خِلالِهِ ما هو أهَمُّ مِنهُ وأجْدى في القِصَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ أقْصى المَدِينَةِ هو ناحِيَةُ قُصُورِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَإنَّ عادَةَ المُلُوكِ السُّكْنى في أطْرافِ المُدُنِ تَوَقِّيًا مِنَ الثَّوْراتِ والغاراتِ؛ لِتَكُونَ مَساكِنُهم أسْعَدَ بِخُرُوجِهِمْ عِنْدَ الخَوْفِ. وقَدْ قِيلَ: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ. وأمّا قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
فَذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ راجِعٌ إلى انْتِقاصِ العُمْرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] .
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الرَّجُلُ، وأنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْرِفُ مُوسى.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أُولُو الشَّأْنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ“ أيْ نُوحٍ في الأعْرافِ، وأرادَ بِهِمْ أهْلَ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ: فالمَعْنى: أنَّ أُولِي الأمْرِ يَأْتَمِرُونَ بِكَ، أيْ يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القَضِيَّةَ رُفِعَتْ إلى فِرْعَوْنَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ الثّانِي: (فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الأمْرَ فَطَلَبَ أنْ يُقْتَلَ مُوسى) . ولَمّا عَلِمَ هَذا الرَّجُلُ بِذَلِكَ أسْرَعَ بِالخَبَرِ لِمُوسى؛ لِأنَّهُ كانَ مُعْجَبًا بِمُوسى واسْتِقامَتِهِ. وقَدْ قِيلَ كانَ هَذا الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: كانَ مِنَ القِبْطِ ولَكِنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ فَسادِ الشِّرْكِ بِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ وهَيَّأهُ لِإنْقاذِ مُوسى مِن يَدِ فِرْعَوْنَ.
والسَّعْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] في سُورَةِ طه. وتَقَدَّمَ بَيانُ حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] في سُورَةِ الإسْراءِ. وجُمْلَةُ ”يَسْعى“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَجُلٌ“
صفحة ٩٦
المَوْصُوفِ بِأنَّهُ مِن أقْصى المَدِينَةِ. و”﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾“ يَتَشاوَرُونَ. وضُمِّنَ مَعْنى (يَهُمُّونَ) فَعُدِّيَ بِالباءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَأْتَمِرُونَ ويَهُمُّونَ بِقَتْلِكَ.
وأصْلُ الِائْتِمارِ: قَبُولُ أمْرِ الآمِرِ فَهو مُطاوِعٌ أمْرَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
أيْ يَضُرُّهُ ما يُطِيعُ فِيهِ أمْرَ نَفْسِهِ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ الِائْتِمارِ عَلى التَّشاوُرِ؛ لِأنَّ المُتَشاوِرِينَ يَأْخُذُ بَعْضُهم أمْرَ بَعْضٍ فَيَأْتَمِرُ بِهِ الجَمِيعُ، قالَ تَعالى ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] .
وجُمْلَةُ ”قالَ يا مُوسى“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”جاءَ رَجُلٌ“؛ لِأنَّ مَجِيئَهُ يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ. ومُتَعَلِّقُ الخُرُوجِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ فاخْرُجْ مِنَ المَدِينَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِالخُرُوجِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ صِلَةٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ النُّصْحِ مُعَدًّى بِاللّامِ. يُقالُ: نَصَحْتُ لَكَ قالَ تَعالى ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ، ووَهَمًا قالُوا: نَصَحْتُكَ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
والتَّرَقُّبُ: حَقِيقَتُهُ الِانْتِظارُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن رَقَبَ إذا نَظَرَ أحْوالَ شَيْءٍ. ومِنهُ سُمِّيَ المَكانُ المُرْتَفِعُ: مَرْقَبَةً ومُرْتَقَبًا، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحَذَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالَ رَبِّ نَجَنِّي﴾“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَرَقَّبُ“؛ لِأنَّ تَرَقُّبَهُ يَشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ بِأنْ يُنَجِّيَهُ.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ. ووَصَفَهم بِالظُّلْمِ؛ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ ولِأنَّهم رامُوا قَتْلَهُ قِصاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ، وذَلِكَ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ الخَطَأ في القَتْلِ لا يَقْتَضِي الجَزاءَ بِالقَتْلِ في نَظَرِ العَقْلِ والشَّرْعِ.
ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِن قِصَّةِ مُوسى مَعَ القِبْطِيِّ وخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ ”ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ“ إلى هُنا هو أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ هَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ بِقُدْرَتِهِ فَأبْرَزَهُ عَلى أتْقَنِ
صفحة ٩٧
تَدْبِيرٍ، وأنَّ النّاظِرَ البَصِيرَ في آثارِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ يَقْتَبِسُ مِنها دَلالَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ في دَعْوَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] . وإنَّ أوْضَحَ تِلْكَ المَظاهِرِ اسْتِقامَةُ السِّيرَةِ ومَحَبَّةُ الحَقِّ، وأنَّ دَلِيلَ عِنايَةِ اللَّهِ بِمَنِ اصْطَفاهُ لِذَلِكَ هو نَصْرُهُ عَلى أعْدائِهِ ونَجاتُهُ مِمّا لَهُ مَنِ المَكائِدِ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ نَظَرُوا في حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ في ذاتِهِ وفي حالِهِمْ مَعَهُ. ثُمَّ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ الآيَةَ إيماءً إلى أنَّ رَسُولَهُ ﷺ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ مِن ظالِمِيهِ.
28:22Page 388
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢
And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّيَ أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ هَذِهِ هِجْرَةٌ نَبَوِيَّةٌ تُشْبِهُ هِجْرَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] . وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقْصِدَ بِلادَ مَدْيَنَ إذْ يَجِدُ فِيها نَبِيئًا يُبَصِّرُهُ بِآدابِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنْ مُوسى يَعْلَمُ إلى أيْنَ يَتَوَجَّهُ ولا مَن سَيَجِدُ في وُجْهَتِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ .
فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ولَمّا خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ هائِمًا عَلى وجْهِهِ فاتَّفَقَ أنْ كانَ مَسِيرُهُ في طَرِيقٍ يُؤَدِّي إلى أرْضِ مَدْيَنَ حِينَئِذٍ قالَ ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَرَجَ مُوسى ولا عِلْمَ لَهُ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِرَبِّهِ.
وتَوَجَّهَ: ولّى وجْهَهُ، أيِ اسْتَقْبَلَ بِسَيْرِهِ تِلْقاءَ مَدْيَنَ.
وتِلْقاءَ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ التِّفْعالِ بِكَسْرِ التّاءِ، ولَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ في كَسْرِ التّاءِ إلّا تِمْثالٍ، وهو بِمَعْنى اللِّقاءِ والمُقارَبَةِ. وشاعَ إطْلاقُ هَذا المَصْدَرِ عَلى جِهَتِهِ فَصارَ مِن ظُرُوفِ المَكانِ الَّتِي تُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: لَمّا تَوَجَّهَ جِهَةَ تَلاقِي مَدْيَنَ، أيْ جِهَةَ تَلاقِي بِلادِ مَدْيَنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٩٨
ومَدْيَنَ: قَوْمٌ مِن ذُرِّيَّةِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وأرْضُ مَدْيَنَ واقِعَةٌ عَلى الشّاطِئِ الغَرْبِيِّ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ، وكانَ مُوسى قَدْ سَلَكَ إلَيْها عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن بَلَدِ (رَعْمَسِيسَ) أوْ (مَنفِيسَ) طَرِيقًا غَرْبِيَّةً جَنُوبِيَّةً فَسَلَكَ بَرِّيَّةً تَمُرُّ بِهِ عَلى أرْضِ العَمالِقَةِ، وأرْضِ الأدُومِيِّينَ، ثُمَّ بِلادِ النَّبَطِ إلى أرْضِ مَدْيَنَ. تِلْكَ مَسافَةُ ثَمانِمِائَةٍ وخَمْسِينَ مِيلًا تَقْرِيبًا. وإذْ قَدْ كانَ مُوسى في سَيْرِهِ ذَلِكَ راجِلًا فَتِلْكَ المَسافَةُ تَسْتَدْعِي مِنَ المُدَّةِ نَحْوًا مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا. وكانَ يَبِيتُ في البَرِّيَّةِ لا مَحالَةَ. وكانَ رَجُلًا جَلْدًا وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ سَواءَ السَّبِيلِ فَلَمْ يَضِلَّ في سَيْرِهِ.
والسَّواءُ: المُسْتَقِيمُ النَّهْجِ الَّذِي لا التِواءَ فِيهِ. وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي في طَيِّها تَوْفِيقُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
28:23–24Page 388
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣
And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤
So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
يَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أنَّهُ بَلَغَ أرْضَ مَدْيَنَ، وذَلِكَ حِينَ ورَدَ ماءَهم. والوُرُودُ هُنا مَعْناهُ الوُصُولُ والبُلُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمُرادُ بِالماءِ مَوْضِعُ الماءِ. وماءُ القَوْمِ هو الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ دِيارُهم؛ لِأنَّ القَبائِلَ كانَتْ تَقْطُنُ عِنْدَ المِياهِ وكانُوا يُكَنُّونَ عَنْ أرْضِ القَبِيلَةِ بِماءِ بَنِي فُلانٍ، فالمَعْنى: ولَمّا ورَدَ، أيْ عِنْدَما بَلَغَ بِلادَ مَدْيَنَ.
ويُناسِبُ الغَرِيبَ إذا جاءَ دِيارَ قَوْمٍ أنْ يَقْصِدَ الماءَ؛ لِأنَّهُ مُجْتَمَعُ النّاسِ فَهُنالِكَ يَتَعَرَّفُ لِمَن يُصاحِبُهُ ويُضِيفُهُ.
و”لَمّا“ حَرْفُ تَوْقِيتِ وُجُودِ شَيْءٍ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، أيْ عِنْدَما حَلَّ بِأرْضِ مَدْيَنَ وجَدَ أُمَّةً.
صفحة ٩٩
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في البَقَرَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَسْقُونَ“ لِتَعْمِيمِ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْقى وهو الماشِيَةُ والنّاسُ، ولِأنَّ الغَرَضَ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ المَسْقِيِّ، ولَكِنْ بِما بَعْدَهُ مِنِ انْزِواءِ المَرْأتَيْنِ عَنِ السَّقْيِ كَما في الكَشّافِ تَبَعًا لِدَلائِلِ الإعْجازِ، فَيَكُونُ مِن تَنْزِيلِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أوِ الحَذْفُ هُنا لِلِاخْتِصارِ كَما اخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ، وأيَّدَهُ شارِحاهُ السَّعْدُ والسَّيِّدُ. وأمّا حَذْفُ مَفاعِيلِ ”تَذُودانِ“ و”لا نَسْقِي“، ”فَسَقى لَهُما“ فَيَتَعَيَّنُ فِيها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ وشارِحاهُ فَشَيْءٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ حَتّى يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ، وإنَّما اسْتِفادَةُ كَوْنِهِما تَذُودانِ غَنَمًا مَرْجِعُها إلى كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ.
ومَعْنى ”مِن دُونِهِمْ“ في مَكانٍ غَيْرِ المَكانِ الَّذِي حَوْلَ الماءِ، أيْ في جانِبٍ مُباعِدٍ لِلْأُمَّةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ ”دُونَ“ أنَّها وصْفٌ لِلشَّيْءِ الأسْفَلِ مِن غَيْرِهِ. وتَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ مُخْتَلِفَةُ العَلاقاتِ، ومِنها ما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ. فَـ ”دُونَ“ بِمَعْنى جِهَةٍ يَصِلُ إلَيْها المَرْءُ بَعْدَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ السّاقُونَ. شَبَّهَ المَكانَ الَّذِي يَبْلُغُ إلَيْهِ الماشِيَ بَعْدَ مَكانٍ آخَرَ بِالمَكانِ الأسْفَلِ مِنَ الآخَرِ كَأنَّهُ يَنْزِلُ إلَيْهِ الماشِي؛ لِأنَّ المَشْيَ يُشَبَّهُ بِالصُّعُودِ وبِالهُبُوطِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
ويُحْذَفُ المَوْصُوفُ بِـ ”دُونَ“ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَيَصِيرُ ”دُونَ“ بِمَنزِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ المَحْذُوفِ.
وحَرْفُ (مِن) مَعَ (دُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”عِنْدَ“، وهو مَعْنًى أثْبَتَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]) . والمَعْنى: ووَجَدَ امْرَأتَيْنِ في جِهَةٍ مُبْتَعِدَةٍ عَنْ جِهَةِ السّاقِينَ.
و”تَذُودانِ“ تَطْرُدانِ. وحَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ عَنِ الماءِ؛ ولِذَلِكَ سَمُّوا القَطِيعَ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدَ فَلا يُقالُ: ذُدْتُ النّاسَ، إلّا مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ «فَلَيُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي» الحَدِيثَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: تَمْنَعانِ إبِلًا عَنِ الماءِ. وفي التَّوْراةِ: أنَّ شُعَيْبًا كانَ صاحِبَ
صفحة ١٠٠
غَنَمٍ وأنَّ مُوسى رَعى غَنَمَهُ. فَيَكُونُ إطْلاقُ ”تَذُودانِ“ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا، أوْ تَكُونُ حَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ كُلِّها عَنْ حَوْضِ الماءِ. وكَلامُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ في تَبْيِينِ حَقِيقَةِ هَذا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّها كانَتْ لَهُما غَنَمٌ، والذَّوْدُ لا يَكُونُ إلّا لِلْماشِيَةِ. والمَقْصُودُ مِن حُضُورِ الماءِ بِالأنْعامِ سَقْيُها. فَلَمّا رَأى مُوسى المَرْأتَيْنِ تَمْنَعانِ أنْعامَهُما مِنَ الشُّرْبِ سَألَهُما: ما خَطْبُكُما ؟ وهو سُؤالٌ عَنْ قِصَّتِهِما وشَأْنِهِما إذْ حَضَرا الماءَ ولَمْ يَقْتَحِما عَلَيْهِ لِسَقْيِ غَنَمِهِما.
وجُمْلَةُ ”قالَ ما خَطْبُكُما“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ .
والخَطْبُ: الشَّأْنُ والحَدَثُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١]، فَأجابَتا بِأنَّهُما كَرِهَتا أنْ تَسْقِيا في حِينِ اكْتِظاظِ المَكانِ بِالرِّعاءِ، وأنَّهُما تَسْتَمِرّانِ عَلى عَدَمِ السَّقْيِ كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ إلى أنْ يَنْصَرِفَ الرِّعاءُ.
والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ.
والإصْدارُ: الإرْجاعُ عَنِ السَّقْيِ، أيْ حَتّى يَسْقِيَ الرِّعاءُ ويُصْدِرُوا مَواشِيَهم، فالإصْدارُ جَعْلُ الغَيْرِ صادِرًا، أيْ حَتّى يَذْهَبَ رِعاءُ الإبِلِ بِأنْعامِهِمْ فَلا يَبْقى الزِّحامُ. وصَدُّهُما عَنِ المُزاحَمَةِ عادَتُهُما كانَتا ذَواتَيْ مُرُوءَةٍ وتَرْبِيَةٍ زَكِيَّةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُصْدِرَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يَصْدُرَ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ الدّالِّ عَلى إسْنادِ الصَّدْرِ إلى الرِّعاءِ، أيْ حَتّى يَرْجِعُوا عَنِ الماءِ، أيْ بِمَواشِيهِمْ؛ لِأنَّ وصْفَ الرِّعاءِ يَقْتَضِي أنَّ لَهم مَواشِيَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهُما كُلَّ يَوْمِ سَقْيٍ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عادَةٌ.
وكانَ قَوْلُهُما ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارًا عَنْ حُضُورِهِما لِلسَّقْيِ مَعَ الرِّجالِ لِعَدَمِ وِجْدانِهِما رَجُلًا يَسْتَقِي لَهُما؛ لِأنَّ الرَّجُلَ الوَحِيدَ لَهُما هو أبُوهُما، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ وُرُودَ الماءِ لِضَعْفِهِ عَنِ المُزاحَمَةِ.
صفحة ١٠١
واسْمُ المَرْأتَيْنِ (لَيّا) و(صَفُّورَةُ) . وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّ أباهُما كاهِنُ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ في ذَلِكَ السِّفْرِ أوَّلَ مَرَّةٍ رَعْوِيلَ، ثُمَّ أعادَ الكَلامَ عَلَيْهِ فَسَمّاهُ يَثْرُونَ، ووَصَفَهُ بِحَمِيِّ مُوسى، فالمُسَمّى واحِدٌ. وقالَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ: يَثْرُونُ بْنُ رَعْوِيلَ لَهُ سَبْعُ بَناتٍ خَرَجَ لِلسَّقْيِ مِنهُما اثْنَتانِ، فَيَكُونُ شُعَيْبٌ هو المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ يَثْرُونَ. والتَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ بِالكاهِنِ اصْطِلاحٌ.؛ لِأنَّ الكاهِنَ يُخْبِرُ عَنِ الغَيْبِ، ولِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى القائِمِ بِأُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ اليَهُودِ. ولِلْجَزْمِ بِأنَّهُ شُعَيْبٌ الرَّسُولُ جَعَلَ عُلَماؤُنا ما صَدَرَ مِنهُ في هَذِهِ القِصَّةَ شَرْعًا سابِقًا، فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسائِلَ مَبْنِيَّةً عَلى أصْلِ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا مِنَ الرُّسُلِ الإلَهِيِّينَ شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ. ومِنها مُباشَرَةُ المَرْأةِ الأعْمالَ والسَّعْيُ في طُرُقِ المَعِيشَةِ، ووُجُوبُ اسْتِحْيائِها، ووِلايَةُ الأبِ في النِّكاحِ، وجَعْلُ العَمَلِ البَدَنِيِّ مَهْرًا، وجَمْعُ النِّكاحِ والإجارَةِ في عَقْدٍ واحِدٍ، ومَشْرُوعِيَّةُ الإجارَةِ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامَ عَلَيْها القُرْطُبِيُّ. وفي أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنِ الِاسْتِنْباطِ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحْكامِ لا يُوجَدُ دَلِيلُهُ في القُرْآنِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لَها مِنَ الكِتابِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا.
وفِي إذْنِهِ لِابْنَتَيْهِ بِالسَّقْيِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُعالَجَةِ المَرْأةِ أُمُورَ مالِها وظُهُورِها في مَجامِعِ النّاسِ إذا كانَتْ تَسْتُرُ ما يَجِبُ سَتْرُهُ، فَإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا حَكاهُ شَرْعُنا ولَمْ يَأْتِ مِن شَرْعِنا ما يَنْسَخُهُ. وأمّا تَحاشِي النّاسِ مِن نَحْوِ ذَلِكَ فَهو مِنَ المُرُوءَةِ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيما تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ والعاداتُ، مُتَبايِنَةٌ فِيهِ، وأحْوالُ الأُمَمِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، وخاصَّةً ما بَيْنَ أخْلاقِ البَدْوِ والحَضَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ.
ودُخُولُ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةُ يُؤْذِنُ بِاقْتِرانِ وُصُولِهِ بِوُجُودِ السّاقِينَ. واقْتِرانُ فِعْلِ (سَقى) بِالفاءِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ بادَرَ فَسَقى لَهُنَّ، وذَلِكَ بِفَوْرِ وُرُودِهِ.
ومَعْنى ”فَسَقى لَهُما“ أنَّهُ سَقى ما جِئْنَ لِيَسْقِينَهُ لِأجْلِهِما، فاللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لا يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ إلّا هُما، أيْ رَأْفَةً بِهِما وغَوْثًا لَهُما. وذَلِكَ مِن قُوَّةِ مُرُوءَتِهِ أنِ اقْتَحَمَ ذَلِكَ العَمَلَ الشّاقَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الإعْياءِ عِنْدَ الوُصُولِ.
والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَلى طَرِيقِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ كانَ جالِسًا مِن قَبْلُ في ظِلٍّ فَرَجَعَ إلَيْهِ. ويَظْهَرُ أنَّ ”تَوَلّى“ مُرادِفُ (ولّى) ولَكِنَّ زِيادَةَ المَبْنى مِن شَأْنِها أنْ تَقْتَضِيَ
صفحة ١٠٢
زِيادَةَ المَعْنى، فَيَكُونُ ”تَوَلّى“ أشَدَّ مِن (ولّى)، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ولّى مُدْبِرًا“ في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ أعْقَبَ إيواءَهُ إلى الظِّلِّ بِمُناجاتِهِ رَبَّهُ إذْ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . لَمّا اسْتَراحَ مِن مَشَقَّةِ المَتْحِ والسَّقْيِ لِماشِيَةِ المَرْأتَيْنِ، والِاقْتِحامِ بِها في عَدَدِ الرِّعاءِ العَدِيدِ، ووَجَدَ بَرْدَ الظِّلِّ تَذَكَّرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ نِعَمًا سابِقَةً أسْداها اللَّهُ إلَيْهِ مِن نَجاتِهِ مِنَ القَتْلِ، وإيتائِهِ الحِكْمَةَ والعِلْمَ، وتَخْلِيصِهِ مِن تَبِعَةِ قَتْلِ القِبْطِيِّ، وإيصالِهِ إلى أرْضٍ مَعْمُورَةٍ بِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، بَعْدَ أنْ قَطَعَ فَيافِيَ ومُفازاتٍ، تَذَكَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وهو في نِعْمَةِ بَرْدِ الظِّلِّ والرّاحَةِ مِنَ التَّعَبِ، فَجاءَ بِجُمْلَةٍ جامِعَةٍ لِلشُّكْرِ والثَّناءِ والدُّعاءِ وهي ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . والفَقِيرُ: المُحْتاجُ فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ شُكْرٌ عَلى نِعَمٍ سَلَفَتْ.
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ مُعْطِي الخَيْرِ.
والخَيْرُ: ما فِيهِ نَفْعٌ ومُلاءَمَةٌ لِمَن يَتَعَلَّقُ هو بِهِ فَمِنهُ خَيْرُ الدُّنْيا ومِنهُ خَيْرُ الآخِرَةِ الَّذِي قَدْ يُرى في صُورَةِ مَشَقَّةٍ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالعَواقِبِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] وقَدْ أرادَ النَّوْعَيْنِ كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْ إيتائِهِ الخَيْرَ بِفِعْلِ ”أنْزَلْتَ“ المُشْعِرِ بِرِفْعَةِ المُعْطى.
فَأوَّلُ ذَلِكَ إيتاءُ الحِكْمَةِ والعِلْمِ.
ومِنَ الخَيْرِ إنْجاؤُهُ مِنَ القَتْلِ، وتَرْبِيَتُهُ الكامِلَةُ في بِذْخَةِ المُلْكِ وعِزَّتِهِ، وحِفْظُهُ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْهِ عَقائِدُ العائِلَةِ الَّتِي رُبِّيَ فِيها فَكانَ مُنْتَفِعًا بِمَنافِعِها مُجَنَّبًا رَذائِلَها وأضْرارَها. ومِنَ الخَيْرِ أنْ جَعَلَ نَصْرَ قَوْمِهِ عَلى يَدِهِ، وأنْ أنْجاهُ مِنَ القَتْلِ الثّانِي ظُلْمًا، وأنْ هَداهُ إلى مَنجًى مِنَ الأرْضِ، ويَسَّرَ لَهُ التَّعْرِيفَ بِبَيْتِ نُبُوءَةٍ، وأنْ آواهُ إلى ظِلٍّ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ ”لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ“ مَوْصُولَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ ”أنْزَلْتَ“؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيما مَضى صارَ مَعْرُوفًا غَيْرَ نَكِرَةٍ، فَقَوْلُهُ ”ما
صفحة ١٠٣
أنْزَلْتَ إلَيَّ“ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ لِتُلائِمَ قَوْلَهُ ”فَقِيرٌ“ أيْ فَقِيرٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ لِأمْثالِهِ.
وأحْسَنُ خَيْرٍ لِلْغَرِيبِ وُجُودُ مَأْوًى لَهُ يَطْعَمُ فِيهِ ويَبِيتُ، وزَوْجَةٌ يَأْنَسُ إلَيْها ويَسْكُنُ.
فَكانَ اسْتِجابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأنْ ألْهَمَ شُعَيْبًا أنْ يُرْسِلَ وراءَهُ لِيُنْزِلَهُ عِنْدَهُ ويُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، كَما أشْعَرَتْ بِذَلِكَ فاءُ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ ”فَجاءَتْهُ إحْداهُما“ .
28:25Page 388
فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥
Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."
﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ عَرَفْتَ أنَّ الفاءَ تُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ لَهُ، فَقَيَّضَ شُعَيْبًا أنْ يُرْسِلَ وراءَ مُوسى لِيُضَيِّفَهُ ويُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، فَذَلِكَ يَضْمَنُ لَهُ أُنْسًا في دارِ غُرْبَةٍ، ومَأْوًى وعَشِيرًا صالِحًا. وتُؤْذِنُ الفاءُ أيْضًا بِأنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَتَرَيَّثْ في الإرْسالِ وراءَهُ فَأرْسَلَ إحْدى البِنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما وهي صَفُّورَةُ فَجاءَتْهُ وهو لَمْ يَزَلْ عَنْ مَكانِهِ في الظِّلِّ.
وذَكَرَ ”تَمْشِي“ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”عَلى اسْتِحْياءٍ“ وإلّا فَإنَّ فِعْلَ ”جاءَتْهُ“ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ”تَمْشِي“ .
و”عَلى“ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ. والمَعْنى: أنَّها مُسْتَحْيِيَةٌ في مَشْيِها، أيْ تَمْشِي غَيْرَ مُتَبَخْتِرَةٍ ولا مُتَثَنِّيَةٍ ولا مُظْهِرَةٍ زِينَةً. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها كانَتْ ساتِرَةً وجْهَها بِثَوْبِها؛ أيْ لِأنَّ سَتْرَ الوَجْهِ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْها، ولَكِنَّهُ مُبالَغَةٌ في الحَياءِ. والِاسْتِحْياءُ مُبالَغَةٌ في الحَياءِ مِثْلُ الِاسْتِجابَةِ قالَ تَعالى ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
وجُمْلَةُ ”قالَتْ“ بَدَلٌ مِن ”جاءَتْهُ“ . وإنَّما بَيَّنَتْ لَهُ الغَرَضَ مِن دَعْوَتِهِ مُبادَرَةً بِالإكْرامِ.
والجَزاءُ: المُكافَأةُ عَلى عَمَلٍ حَسَنٍ أوْ سَيِّئٍ بِشَيْءٍ مِثْلِهِ في الحُسْنِ أوِ الإساءَةِ،
صفحة ١٠٤
قالَ تَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ [سبإ: ١٧] .
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ أبِي يَدْعُوكَ“ حِكايَةٌ لِما في كَلامِها مِن تَحْقِيقِ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلى المُخْبَرِ بِهِ.
والأجْرُ: التَّعْوِيضُ عَلى عَمَلٍ نافِعٍ لِلْمُعَوَّضِ، ومِنهُ سُمِّيَ ثَوابُ الطّاعاتِ أجْرًا، قالَ تَعالى ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] . وانْتَصَبَ ”أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِبَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ أنَّهُ جَزاءُ خَيْرٍ، وهو أنْ أرادَ ضِيافَتَهُ، ولَيْسَ هو المَفْعُولَ المُطْلَقَ لِبَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ أنَّهُ جَزاءُ خَيْرٍ، وهو أنْ أرادَ ضِيافَتَهُ، لَيْسَ هو مِن مَعْنى إجارَةِ الأجِيرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقاوُلٍ ولا شَرْطٍ ولا عادَةٍ.
والجَزاءُ إكْرامٌ، والإجارَةُ تَعاقُدٌ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أباها لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ عَزْمٌ عَلى اسْتِئْجارِ مُوسى. وكانَ فِعْلُ مُوسى مَعْرُوفًا مَحْضًا لا يَطْلَبُ عَلَيْهِ جَزاءً؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ المَرْأتَيْنِ ولا بَيْتَهُما، وكانَ فِعْلُ شُعَيْبٍ كَرَمًا مَحْضًا ومَحَبَّةً لِقِرى كُلِّ غَرِيبٍ، وتَضْيِيفُ الغَرِيبِ مِن سُنَّةِ إبْراهِيمَ فَلا غَرْوَ أنْ يَعْمَلَ بِها رَجُلانِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. و”ما“ في قَوْلِهِ ”ما سَقَيْتَ لَنا“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ سَقْيِكَ، ولامُ ”لَنا“ لامُ العِلَّةِ.
* * *
﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
كانَتِ العَوائِدُ أنْ يُفاتَحَ الضَّيْفُ بِالسُّؤالِ عَنْ حالِهِ ومَقْدِمِهِ فَلِذَلِكَ قَصَّ مُوسى قِصَّةَ خُرُوجِهِ ومَجِيئِهِ عَلى شُعَيْبٍ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا سَألَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، والقَصَصُ: الخَبَرُ. و”قَصَّ عَلَيْهِ“ أخْبَرَهُ.
والتَّعْرِيفُ في ”القَصَصَ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ قَصَصَهُ، أوْ لِلْعَهْدِ، أيِ القَصَصَ المَذْكُورَ آنِفًا. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.
فَطَمْأنَهُ شُعَيْبٌ بِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْ نَفْسِهِ الخَوْفَ؛ لِأنَّهُ أصْبَحَ في مَأْمَنٍ مِن أنْ يَنالَهُ حُكْمُ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ بِلادَ مَدْيَنَ تابِعَةٌ لِمُلْكِ الكَنْعانِيِّينَ وهم أهْلُ بَأْسٍ ونَجْدَةٍ. ومَعْنى نَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ نَهْيُهُ عَنْ ظَنِّ أنْ تَنالَهُ يَدُ فِرْعَوْنَ.
صفحة ١٠٥
وجُمْلَةُ ﴿نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ. ووَصْفُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالظّالِمِينَ تَصْدِيقًا لِما أخْبَرَهُ بِهِ مُوسى مِن رَوْمِهِمْ قَتْلَهُ قِصاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ. وما سَبَقَ ذَلِكَ مِن خَبَرِ عَداوَتِهِمْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences