Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:26–33

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:26–33

28:26–28Page 388

قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦

One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."

قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."

قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨

[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."

﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾

حَذَفَ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن شُعَيْبٍ مِنَ الجَزاءِ بِإضافَتِهِ وإطْعامِهِ، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى عَرْضِ إحْدى المَرْأتَيْنِ عَلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْعَمَلِ في ماشِيَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم بِبَيْتِهِمْ رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وقَدْ كَبُرَ أبُوهُما فَلَمّا رَأتْ أمانَتَهُ ووَرَعَهُ رَأتْ أنَّهُ خَيْرُ مَن يُسْتَأْجَرُ لِلْعَمَلِ عِنْدَهم لِقُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ وأمانَتِهِ.

والتّاءُ في ”أبَتِ“ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ خاصَّةً، وهي يَجُوزُ كَسْرُها وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فَتْحُها وبِهِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ عِلَّةٌ لِلْإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِئْجارِهِ، أيْ لِأنَّ مِثْلَهُ مَن يُسْتَأْجَرُ. وجاءَتْ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ مُرْسَلَةٍ مَثَلًا؛ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ ومُطابَقَةِ الحَقِيقَةِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ، فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في ”القَوِيُّ الأمِينُ“ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ. والخِطابُ في ”مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُوَجَّهٌ إلى شُعَيْبٍ، وصالِحٌ لِأنْ يَعُمَّ كُلَّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ لِتَتِمَّ صَلاحِيَّةُ هَذا الكَلامِ لِأنْ يُرْسَلَ مَثَلًا. فالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَأْجَرَ المُسْتَأْجِرُ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ إذْ لا يُرادُ بِالصِّلَةِ هُنا وصْفُ خاصٍّ بِمُعَيَّنٍ.

وجَعْلُ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُسْنَدًا إلَيْهِ بِجَعْلِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ جَعْلَ ”القَوِيُّ

صفحة ١٠٦

الأمِينُ“ خَبَرًا مَعَ صِحَّةِ جَعْلِ ”القَوِيُّ الأمِينُ“ هو المُسْنَدَ إلَيْهِ فَإنَّهُما مُتَساوِيانِ في المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالتَّعْرِيفِ في المَوْصُولِ المُضافِ إلَيْهِ ”خَيْرَ“، وفي المُعَرَّفِ بِاللّامِ هُنا العُمُومُ في كِلَيْهِما، فَأُوثِرَ بِالتَّقْدِيمِ في جُزْأيِ الجُمْلَةِ ما هو أهَمُّ وأوْلى بِالعِنايَةِ وهو خَيْرُ أجِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ”اسْتَأْجَرَهُ“ فَوَصْفُ الأجِيرِ أهَمُّ في مَقامِ تَعْلِيلِها ونَفْسُ السّامِعِ أشَدُّ تَرَقُّبًا لِحالِهِ.

ومَجِيءُ هَذا العُمُومِ عَقِبَ الحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ العُمُومُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصادِفًا المَحَزَّ مِنَ البَلاغَةِ إذْ صارَ إثْباتُ الأمانَةِ والقُوَّةِ لِهَذا المُتَحَدَّثِ عَنْهُ إثْباتًا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ. فَتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: اسْتَأْجِرْهُ فَهو قَوِيٌّ أمِينٌ وإنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَ مُسْتَأْجِرٌ القَوِيُّ الأمِينُ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ وعَلى إيجازِ الحَذْفِ وعَلى المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وبِذَلِكَ اسْتَوْفَتْ غايَةَ مُقْتَضى الحالِ فَكانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ.

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ (أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ) . يُرِيدُ أسْألُهُ أنْ يُؤَيِّدَنِي بِقَوِيٍّ أمِينٍ أسْتَعِينُ بِهِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ إلى المَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما إنْ كانَتا حاضِرَتَيْنِ مَعًا دُونَ غَيْرِهِما مِن بَناتِ شُعَيْبٍ لِتَعَلُّقِ القَضِيَّةِ بِشَأْنِهِما، أوْ تَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِما لِحُضُورِهِما في ذِهْنِ مُوسى بِاعْتِبارِ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالسَّقْيِ لَهُما إنْ كانَتِ الأُخْرى غائِبَةً حِينَئِذٍ.

وفِيهِ جَوازُ عَرْضِ الرَّجُلِ مَوْلاتِهِ عَلى مَن يَتَزَوَّجُها رَغْبَةً في صَلاحِهِ. وجَعَلَ لِمُوسى اخْتِيارَ إحْداهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَها وكانَتِ الَّتِي اخْتارَها مُوسى صَفُّورَةَ، وهي الصُّغْرى كَما جاءَ في رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما اخْتارَها دُونَ أُخْتِها؛ لِأنَّها الَّتِي عَرَفَ أخْلاقَها بِاسْتِحْيائِها وكَلامِها فَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَها عِنْدَهُ.

وكانَ هَذا التَّخْيِيرُ قَبْلَ انْعِقادِ النِّكاحِ، فَلَيْسَ فِيهِ جَهْلُ المَعْقُودِ عَلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ حَرْفُ ”عَلى“ مَن صِيَغِ الشَّرْطِ في العُقُودِ. و”تَأْجُرُنِي“ مُضارِعُ أجَرَهُ مِثْلُ نَصَرَهُ إذا كانَ أجِيرًا لَهُ. والحِجَجُ اسْمٌ

صفحة ١٠٧

جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الحاءِ وهي السَّنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الحَجِّ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَقَعُ كُلَّ سَنَةٍ ومَوْسِمُ الحَجِّ يَقَعُ في آخِرِ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ.

والتِزامُ جَعْلِ تَزْوِيجِهِ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ الإجارَةِ بَيْنَهُما عَرْضٌ مِنهُ عَلى مُوسى، ولَيْسَ بِعَقْدِ نِكاحٍ ولا إجارَةٍ حَتّى يَرْضى مُوسى. وفي هَذا العَرْضِ دَلِيلٌ لِمَسْألَةِ جَمْعِ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ عَقْدِ الإجارَةِ. والمَسْألَةُ أصْلُها مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ «المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَتَزَوَّجْها، وزَوَّجَها مِن رَجُلٍ كانَ حاضِرًا مَجْلِسَهُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُصْدِقُها فَزَوَّجَهُ إيّاها بِما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، أيْ عَلى أنْ يُعَلِّمَها إيّاهُ» .

والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ المُقارِنَ لِعَقْدِ النِّكاحِ إنْ كانَ مِمّا يُنافِي عَقْدَ النِّكاحِ فَهو باطِلٌ، ويُفْسَخُ النِّكاحُ قَبْلَ البِناءِ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَداقِ المِثْلِ. وأمّا غَيْرُ المُنافِي لِعَقْدِ النِّكاحِ فَلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ يُلْغى الشَّرْطُ. وعَنْ مالِكٍ أيْضًا: تُكْرَهُ الشُّرُوطُ كُلُّها ابْتِداءً فَإنْ وقَعَ مَضى. وقالَ أشْهَبُ، وأصْبَغُ: الشَّرْطُ جائِزٌ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وهو الحَقُّ لِلْآيَةِ، ولِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَقُّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ عَلَيْهِ الفُرُوجَ» .

وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ جُعِلَتْ مَهْرًا لِلْبِنْتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَشْرُوطَ التِزامُ الإجارَةِ لا غَيْرُ، وأمّا المَهْرُ فَتابِعٌ لِما يُعْتَبَرُ في شَرْعِهِمْ رُكْنًا في النِّكاحِ، والشَّرائِعُ قَدْ تَخْتَلِفُ في مَعانِي الماهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّهُما جَعَلا المَهْرَ مَنافِعَ إجارَةِ الزَّوْجِ لِشُعَيْبٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضاها؛ لِأنَّها سَمِعَتْ وسَكَتَتْ بِناءً عَلى عَوائِدَ مَرْعِيَّةٍ عِنْدَهم بِأنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ المَنافِعِ أبُوها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِوَلِيِّ المَرْأةِ بِالأصالَةِ إنْ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْمَهْرِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ عَوائِدَ الأُمَمِ مُخْتَلِفَةٌ في تَزْوِيجِ ولاياهم. وإذْ قَدْ كانَ في الآيَةِ إجْمالٌ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً في الِاحْتِجاجِ عَلى جَوازِ جَعْلِ مَهْرِ المَرْأةِ مَنافِعَ مِن إجارَةِ زَوْجِها فَيَرْجِعُ النَّظَرُ في صِحَّةِ جَعْلِ المَهْرِ إجارَةً إلى التَّخْرِيجِ عَلى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، والدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ، فَإنَّ مَنافِعَ الإجارَةِ ذاتُ قِيمَةٍ فَلا مانِعَ مِن أنْ تُجْعَلَ مَهْرًا. والتَّحْقِيقُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ مَكْرُوهٌ ويَمْضِي. وأجازَهُ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ

صفحة ١٠٨

حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ جَعْلُ المَهْرِ مَنافِعَ حُرٍّ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنافِعَ عَبْدٍ. ولَمْ يَرَ في الآيَةِ دَلِيلًا؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ فَوَقَعَ الإجْمالُ فِيها. ووافَقَهُ ابْنُ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.

وإذْ قَدْ كانَ حُكْمُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مُخْتَلِفًا في جَعْلِهِ شَرْعًا لَنا كانَ حُجَّةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَزادَها ضَعْفًا في هَذِهِ الآيَةِ الإجْمالُ الَّذِي تَطَرَّقَها فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ودَلِيلُ الجَوازِ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ. فَإنْ كانَتِ المَنافِعُ المَجْعُولَةُ مَهْرًا حاصِلَةً قَبْلَ البِناءِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْضُها أوْ جَمِيعُها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ البِناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ رَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى النِّكاحِ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ وهو مَكْرُوهٌ غَيْرُ باطِلٍ. وإلى الإجارَةِ بِعِوَضٍ غَيْرِ قابِلٍ لِلتَّبْعِيضِ بِتَبْعِيضِ العَمَلِ، فَإذا لَمْ يُتِمَّ الأجِيرُ العَمَلَ في هَذِهِ رَجَعَتْ إلى مَسْألَةِ عَجْزِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بَعْدَ أنْ قَبَضَ الأجْرَ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ وفي حَدِيثِ «المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَظَهَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها وأنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ لَهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. قالَ: هَلْ عِنْدَكَ ما تُصْدِقُها ؟ إلى أنْ قالَ لَهُ ﷺ التَمَسَ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ قالَ: ما عِنْدِي ولا خاتَمٌ مِن حَدِيدٍ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهُ: ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا لِسُوَرٍ سَمّاها. قالَ لَهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. وفي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيءَ أمَرَهُ أنْ يُعَلِّمَها عِشْرِينَ آيَةً مِمّا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ وتَكُونُ امْرَأتَهُ» . فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ كانَ الحَدِيثُ جارِيًا عَلى وفْقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ وكانَ حُجَّةً لِصِحَّةِ جَعْلِ الصَّداقِ إجارَةً عَلى عَمَلٍ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ كَما هو المَشْهُورُ في كُتُبِ الصَّحِيحِ فالقِصَّةُ خُصُوصِيَّةٌ يُقْتَصَرُ عَلى مَوْرِدِها.

ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ في الآيَةِ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ. ووَرَدَ في سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ رَعى غَنَمَ يَثْرُونَ وهو شُعَيْبٌ، ولا غَرَضَ لِلْقُرْآنِ في بَيانِ ذَلِكَ. ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ إلى الأجْرِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنْكاحُهُ البِنْتَ فَإذا لَمْ نَأْخُذْ بِهَذا الظّاهِرِ كانَتِ الآيَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْأجْرِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِن سَوْقِ القِصَّةِ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم في أُجُورِ الأعْمالِ، وكانَتْ لِلْقَبائِلِ عَوائِدُ في ذَلِكَ. وقَدْ أدْرَكْتُ

صفحة ١٠٩

مُنْذُ أوَّلِ هَذا القَرْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّ راعِيَ الغَنَمِ لَهُ في كُلِّ عامٍ قَمِيصٌ وحِذاءٌ يُسَمّى بَلْغَةً ونَحْوُ ذَلِكَ لا أضْبُطُهُ الآنَ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ جَعَلَ ذَلِكَ إلى مُوسى تَفَضُّلًا مِنهُ أنِ اخْتارَهُ ووَكَّلَهُ إلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ حالُهُ في مُنْتَهى الحِجَجِ الثَّمانِ مِن رَغْبَةٍ في الزِّيادَةِ.

و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الذّاتِ والنَّفْسِ مَجازًا، والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإتْمامُ العَشْرِ مِن نَفْسِكَ، أيْ لا مِنِّي، يَعْنِي: أنَّ الإتْمامَ لَيْسَ داخِلًا في العُقْدَةِ الَّتِي هي مِنَ الجانِبَيْنِ فَكانَ مَفْهُومُ الظَّرْفِ مُعْتَبَرًا هُنا.

واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عَلى أنَّ لِلْأبِ إنْكاحَ ابْنَتِهِ البِكْرِ بِدُونِ إذْنِها وهو أخْذٌ بِظاهِرِها إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِئْذانِها. ولِمَن يَمْنَعُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: إنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يُرِيدُ الصّالِحِينَ بِالنّاسِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ. قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ خُلُقِهِ لِصاحِبِهِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ ما قَصَدَ بِهِ قائِلُهُ الفَخْرَ والتَّمَدُّحَ، فَأمّا ما كانَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوِ المُعامَلَةِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لِداعٍ حَسَنٍ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .

و”أشُقَّ عَلَيْكَ“ مَعْناهُ: أكُونَ شاقًّا عَلَيْكَ، أيْ مُكَلِّفَكَ مَشَقَّةً، والمَشَقَّةُ: العُسْرُ والتَّعَبُ والصُّعُوبَةُ في العَمَلِ. والأصْلُ أنْ يُوصَفَ بِالشّاقِّ العَمَلُ المُتْعِبُ، فَإسْنادُ ”أشُقَّ“ إلى ذاتِهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المَشَقَّةِ، أيْ ما أُرِيدُ أنْ أشْتَرِطَ عَلَيْكَ ما فِيهِ مَشَقَّتُكَ. وهَذا مِنَ السَّماحَةِ الوارِدِ فِيها حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذا باعَ، سَمَحًا إذا اشْتَرى» . . .

وجُمْلَةُ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ حِكايَةٌ لِجَوابِ مُوسى عَنْ كَلامِ شُعَيْبٍ. واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ وهو ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ إلى آخِرِهِ. وهَذا قَبُولُ مُوسى لِما أوْجَبَهُ شُعَيْبٌ وبِهِ تَمَّ التَّعاقُدُ عَلى النِّكاحِ وعَلى الإجارَةِ، أيِ الأمْرُ عَلى ما شَرَطْتَ عَلَيَّ وعَلَيْكَ. وأطْلَقَ بَيْنِي وبَيْنَكَ مَجازًا في مَعْنى الثُّبُوتِ واللُّزُومِ والِارْتِباطِ، أيْ كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِهِ.

صفحة ١١٠

و”أيَّما“ مَنصُوبٌ بِـ ”قَضَيْتُ“ . و”أيَّ“ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ (ما) . وزِيدَتْ بَعْدَها ”ما“ لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِيرَ المَوْصُولُ شَبِيهًا بِأسْماءِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ ما في اسْمِ المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ يُكْسِبُهُ عُمُومًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ جَوابٌ كَجَوابِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ كُلُّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ في مُنْتَهى الأجَلِ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعاقُدُ المُفادُ بِجُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“ والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، أيْ فَلا تَعْتَدِي عَلَيَّ. فَنَفى جِنْسَ العُدْوانِ الَّذِي مِنهُ عُدْوانُ مُسْتَأْجِرِهِ. واسْتَشْهَدَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ وعَلى شُعَيْبٍ بِشَهادَةِ اللَّهِ.

وأصْلُ الوَكِيلِ: الَّذِي وُكِّلَ إلَيْهِ الأمْرُ، وأرادَ هُنا أنَّهُ وُكِّلَ عَلى الوَفاءِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ، حَتّى إذا أخَلَّ أحَدُهُما بِشَيْءٍ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذَهُ. ولَمّا ضُمِّنَ الوَكِيلُ مَعْنى الشّاهِدِ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”عَلى“ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) .

والعِبْرَةُ مِن سِياقَةِ هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو ما تَضَمَّنَتْهُ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ ومَناقِبِ أهْلِ الكَمالِ، وكَيْفَ هَيَّأ اللَّهُ تَعالى مُوسى لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ بِأنْ قَلَّبَهُ في أطْوارِ الفَضائِلِ، وأعْظَمُها مُعاشَرَةُ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ ومُصاهَرَتُهُ، وما تَتَضَمَّنَهُ مِن خِصالِ المُرُوءَةِ والفُتُوَّةِ الَّتِي اسْتَكَنَّتْ في نَفْسِهِ مِن فِعْلِ المَعْرُوفِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، والرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ، والزُّهْدِ، والقَناعَةِ، وشُكْرِ رَبِّهِ عَلى ما أسْدى إلَيْهِ، ومِنَ العَفافِ والرَّغْبَةِ في عِشْرَةِ الصّالِحِينَ، والعَمَلِ لَهم، والوَفاءِ بِالعَقْدِ، والثَّباتِ عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ خاتِمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفَهُ بِالرِّسالَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن خِصالِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أبْداها شُعَيْبٌ مِن حُبِّ القِرى، وتَأْمِينِ الخائِفِ، والرِّفْقِ في المُعامَلَةِ، لِيَعْتَبِرَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ إنْ كانَ لَهُمُ اعْتِبارٌ في مُقايَسَةِ تِلْكَ الأحْوالِ بِأجْناسِها مِن أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَهْتَدُوا إلى أنَّ ما عَرَفُوهُ بِهِ مِن زَكِيِّ الخِصالِ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وتَقْوِيمِ سِيرَتِهِ، وإعانَتِهِ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، وتَزَوُّجِهِ أفْضَلَ امْرَأةٍ مِن نِساءِ قَوْمِهِ، إنْ هي إلّا خِصالٌ فاذَّةٌ فِيهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وإنْ هي إلّا

صفحة ١١١

بِوارِقُ لِانْهِطالِ سَحابِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ولِيَأْتَسِيَ المُسْلِمُونَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ مِن أخْلاقِ أهْلِ النُّبُوءَةِ والصَّلاحِ.

28:29Page 389

۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩

And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."

﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نارًا لَعَلِّيَ آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جِذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾

لَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ غَرَضٌ في سِياقِ القِصَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (قَضى أوْفاهُما وأطْيَبَهُما إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ) أيْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ المُسْتَقْبَلَ لا يَصْدُرُ مِن مِثْلِهِ إلّا الوَفاءُ التّامُّ، ووَرَدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في أحادِيثَ ضَعِيفَةِ الأسانِيدِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِمِثْلِ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

والأهْلُ مِن إطْلاقِهِ الزَّوْجَةُ كَما في الحَدِيثِ «واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا» .

وفِي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ صِهْرَهُ في الذَّهابِ إلى مِصْرَ لِافْتِقادِ أُخْتِهِ وآلِهِ. وبَقِيَّةُ القِصَّةِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا زِيادَةَ قَوْلِهِ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ وذَلِكَ مُساوٍ لِقَوْلِهِ هُنا ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠] .

والجِذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، وقُرِئَ بِالوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّها، وهي العُودُ الغَلِيظُ. قِيلَ مُطْلَقًا وقِيلَ المُشْتَعِلُ وهو الَّذِي في القامُوسِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَوَصْفُ الجِذْوَةِ بِأنَّها مِنَ النّارِ وصْفٌ مُخَصَّصٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو وصْفٌ كاشِفٌ، و”مِن“ عَلى الأوَّلِ بَيانِيَّةٌ وعَلى الثّانِي تَبْعِيضِيَّةٌ.

28:30–31Page 389

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠

But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."

وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.

صفحة ١١٢

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّيَ أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]

تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا مُخالَفَةَ ألْفاظٍ مِثْلِ ”أتاها“ هُنا و”جاءَها“ هُناكَ. و”إنِّيَ أنا اللَّهُ“ هُنا، و”إنَّهُ أنا اللَّهُ“ هُناكَ بِضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الجَلالَةِ هُنالِكَ، وضَمِيرِ الشَّأْنِ هُنا، وهُما مُتَساوِيانِ في المَوْقِعِ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ شَأْنُهُ عَظِيمٌ. وقَوْلُهُ هُنا ”رَبُّ العالَمِينَ“ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ قِيلَتْ لَهُ حِينَئِذٍ.

والقَوْلُ في نُكْتَةِ تَقْدِيمِ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ إصْدارِ أمْرِهِ لَهُ بِإلْقاءِ العَصا كالقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّ وصْفَ رَبِّ العالَمِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ مُسَخَّرَةٌ لَهُ لِيُثَبِّتَ بِذَلِكَ قَلْبَ مُوسى مِن هَوْلِ تَلَقِّي الرِّسالَةِ.

”وأنْ ألْقِ“ هُنا و”ألْقِ“ هُناكَ، و”اسْلُكْ“ هُنا و”أدْخِلْ“ هُناكَ. وتِلْكَ المُخالَفَةُ تَفَنُّنٌ في تَكْرِيرِ القِصَّةِ لِتَجَدُّدِ نَشاطِ السّامِعِ لَها، وإلّا زِيادَةَ ﴿مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ وهَذا وادٍ في سَفْحِ الطُّورِ. وشاطِئُهُ: جانِبُهُ وضَفَّتُهُ.

ووَصْفُ الشّاطِئِ بِالأيْمَنِ إنْ حُمِلَ الأيْمَنُ عَلى أنَّهُ ضِدُّ الأيْسَرِ فَهو أيْمَنُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ واقِعٌ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ مِن جَعْلِ القِبْلَةِ هي الجِهَةَ الأصْلِيَّةَ لِضَبْطِ الواقِعِ، وهم يَنْعَتُونَ الجِهاتِ بِاليَمِينِ واليَسارِ ويُرِيدُونَ هَذا المَعْنى، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

عَلى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أيْمُنُ صَوْبِهِ وأيْسَرُهُ عَلى السِّتارِ فَيَذْبُلِ

وعَلى ذَلِكَ جَرى اصْطِلاحُ المُسْلِمِينَ في تَحْدِيدِ المَواقِعِ الجُغْرافِيَّةِ ومَواقِعِ الأرَضِينَ، فَيَكُونُ الأيْمَنُ يَعْنِي الغَرْبِيَّ لِلْجَبَلِ، أيْ جِهَةَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الطُّورِ.

صفحة ١١٣

ألا تَرى أنَّهم سَمَّوُا اليَمَنَ يَمَنًا؛ لِأنَّهُ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ بابَ الكَعْبَةِ، وسَمَّوُا الشّامَ شامًا؛ لِأنَّهُ عَلى شامِ المُسْتَقْبِلِ لِبابِها، أيْ عَلى شَمالِهِ، فاعْتَبَرُوا اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ، وهَذا هو المُلائِمُ لِقَوْلِهِ الآتِي وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ.

وأمّا جَعْلُهُ بِمَعْنى الأيْمَنِ لِمُوسى فَلا يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] فَإنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ لِمُوسى هُناكَ.

وإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ تَفْضِيلٌ مِنَ اليُمْنِ، وهو البَرَكَةُ فَهو كَوَصْفِهِ بِـ المُقَدَّسِ في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] .

والبُقْعَةُ بِضَمِّ الباءِ ويَجُوزُ فَتْحُها هي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها.

والمُبارَكَةُ لِما فِيها مِنِ اخْتِيارِها لِنُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُوسى. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ ”نُودِيَ“ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ مَصْدَرَ هَذا النِّداءِ وتَكُونُ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ، أيْ سَمِعَ كَلامًا خارِجًا مِنَ الشَّجَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا نَعْتًا ثانِيًا لِلْوادِ أوْ حالًا فَتَكُونُ ”مِن“ اتِّصالِيَّةً، أيْ مُتَّصِلًا بِالشَّجَرَةِ، أيْ عِنْدَها، أيِ البُقْعَةِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالشَّجَرَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَدَلَ عَنِ التَّنْكِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها شَجَرَةٌ مَقْصُودَةٌ، ولَيْسَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إذا لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ الشَّجَرَةِ، والَّذِي في التَّوْراةِ أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ كانَتْ مِن شَجَرِ العُلَّيْقِ (وهو مِن شَجَرِ العِضاهِ) وقِيلَ هي عَوْسَجَةٌ والعَوْسَجُ مِن شَجَرِ العِضاهِ أيْضًا. وزِيادَةُ ”أقْبِلْ“ وهي تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ”لا تَخَفْ“ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أدْبَرَ خَوْفًا مِنَ الحَيَّةِ كانَ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى طَلَبِ إقْبالِهِ، فَكانَ الكَلامُ هُنالِكَ إيجازًا وكانَ هُنا مُساواةً تَفَنُّنًا في حِكايَةِ القِصَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ هُنا ولَمْ يُحْكَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمُفادِ ”ولا تَخَفْ“ . وفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقِ أمْنِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ وجَعْلِهِ مِن جُمْلَةِ الآمِنِينَ، فَإنَّهُ أشَدُّ في تَحْقِيقِ الأمْنِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّكَ آمِنٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ ”﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]“ خَفِيَ فِيهِ مُحَصَّلُ المَعْنى المُنْتَزَعِ مِن تَرْكِيبِهِ فَكانَ مَجالَ تَرَدُّدِ المُفَسِّرِينَ في تَبْيِينِهِ، واعْتَكَرَتْ مَحامِلُ كَلِماتِهِ فَما

صفحة ١١٤

اسْتَقامَ مَحْمَلُ إحْداها إلّا وناكَدَهُ مَحْمَلُ أُخْرى. وهي ألْفاظُ: جَناحٍ، ورَهَبٍ، وحَرْفِ ”مِنَ“ . فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تُوَصِّلُ إلى مُسْتَقَرٍّ. وقَدِ اسْتُوعِبَتْ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وإنَّ قَوْلَهُ ”مِنَ الرَّهَبِ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ”ولّى مُدْبِرًا“ عَلى أنَّ ”مِنَ“ حَرْفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أدْبَرَ لِسَبَبِ الخَوْفِ، وهَذا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ إذْ لا داعِيَ لِتَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ ما زَعَمُوهُ عَلى ما فِيهِ مِن طُولِ الفَصْلِ بَيْنَ فِعْلِ ”ولّى“ وبَيْنَ ”مِنَ الرَّهَبِ“ .

وقِيلَ الجَناحُ: اليَدُ، ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ اليَدِ؛ لِأنَّهُ يُفْضِي إمّا إلى تَكْرِيرِ مُفادِ قَوْلِهِ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ وحَرْفُ العَطْفِ مانِعٌ مِنِ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ. وادِّعاءُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي كَما في الكَشّافِ بَعِيدٌ، أوْ يُؤَوَّلُ بِأنْ وضْعَ اليَدِ عَلى الصَّدْرِ يُذْهِبُ الخَوْفَ كَما عُزِيَ إلى الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلى مُجاهِدٍ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وهَذا مَيْلٌ إلى أنَّ الجَناحَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرادٌ بِهِ يَدُ الإنْسانِ. ولِلْجَناحِ حَقِيقَةٌ ومَجازاتٌ بَيْنَ مُرْسَلٍ واسْتِعارَةٍ وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ في تَصارِيفِ مَعانِيهِ، ولَيْسَ وُرُودُهُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِمَعْنًى بِقاضٍ بِحَمْلِهِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. ولِذا فالوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ“ تَمْثِيلٌ بِحالِ الطّائِرِ بَدَلًا مِن أنْ تَطِيرَ خَوْفًا. وهَذا مَأْخُوذٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ وأصْلُهُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والرَّهَبُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ الخَوْفُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] .

والمَعْنى: انْكَفِفْ عَنِ التَّخَوُّفِ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ. وفي الكَلامِ إيجازٌ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] فَقَوْلُهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ“ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (الرَّهَبِ) بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وهي لُغاتٌ فَصِيحَةٌ.

28:32Page 389

ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢

Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

صفحة ١١٥

﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾“ والإشارَةُ إلى العَصا، وبَياضِ اليَدِ. والبُرْهانُ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ. و”مِن“ لِلِابْتِداءِ، و”إلى“ لِلِانْتِهاءِ المَجازِيِّ، أيْ حُجَّتانِ عَلى أنْ أُرْسِلَ بِهِما إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ لِتَضَمُّنِها أنَّهم بِحَيْثُ يُقْرَعُونَ بِالبَراهِينِ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ تَمَكَّنُ الكُفْرِ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى كانَ كالجِبِلَّةِ فِيهِمْ وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ”كانُوا“ . قَوْلُهُ ”قَوْمًا“ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفِسْقُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَذانِكَ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِن (ذانِكَ) عَلى الأصْلِ في التَّثْنِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِ نُونِ (فَذانِكَ) وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ. وعَلَّلَها النَّحْوِيُّونَ بِأنَّ تَضْعِيفَ النُّونِ تَعْوِيضٌ عَلى الألْفِ مِن (ذا) و(تا) المَحْذُوفَةِ لِأجْلِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ. وفي الكَشّافِ: أنَّ التَّشْدِيدَ عِوَضٌ عَنْ لامِ البُعْدِ الَّتِي تَلْحَقُ اسْمَ الإشارَةِ فَلِذَلِكَ قالَ (فالمُخَفَّفُ مُثَنّى ذاكَ والمُشَدَّدُ مُثَنّى ذَلِكَ) . وهَذا أحْسَنُ.

28:33Page 389

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣

He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾

جَرى التَّأْكِيدُ عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِنَ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ لِيَتَحَقَّقَ السّامِعُ وُقُوعَها، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ ”اضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ“ . والمَعْنى: فَأخافَ أنْ يَذْكُرُوا قَتْلِيَ القِبْطِيَّ فَيَقْتُلُونِي. فَهَذا كالِاعْتِذارِ وهو يَعْلَمُ أنَّ رِسالَةَ اللَّهِ لا يُتَخَلَّصُ مِنها بِعُذْرٍ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ في أمْنٍ إلَهِيٍّ مِن أعْدائِهِ. فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالدُّعاءِ، ومُقَدِّمَةٌ لِطَلَبِ تَأْيِيدِهِ بِهارُونَ أخِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском