Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:42–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:42–47

28:42Page 390

وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢

And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1

صفحة ١٢٧

﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾

إتْباعُهم بِاللَّعْنَةِ في الدُّنْيا جَعْلُ اللَّعْنَةِ مُلازِمَةً لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى؛ فَقَدَّرَ لَهم هَلاكًا لا رَحْمَةَ فِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُلازَمَةِ بِالإتْباعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ التّابِعَ لا يُفارِقُ مَتْبُوعَهُ، وكانَتْ عاقِبَةُ تِلْكَ اللَّعْنَةِ إلْقاءَهم في اليَمِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاللَّعْنَةِ لَعْنُ النّاسِ إيّاهم، يَعْنِي أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَلْعَنُونَهم.

وجَزاؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم مِنَ المَقْبُوحِينَ، والمَقْبُوحُ المَشْتُومُ بِكَلِمَةِ (قُبِّحَ)، أيْ قَبَّحَهُ اللَّهُ أوِ النّاسُ، أيْ جَعَلَهُ قَبِيحًا بَيْنَ النّاسِ في أعْمالِهِ أيْ مَذْمُومًا، يُقالُ: قَبَحَهُ بِتَخْفِيفِ الباءِ فَهو مَقْبُوحٌ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويُقالُ: قَبَّحَهُ بِتَشْدِيدِ الباءِ إذا نَسَبَهُ إلى القَبِيحِ فَهو مُقَبَّحٌ، كَما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِمّا قالَتِ العاشِرَةُ: («فَعِنْدَهُ أقُولُ فَلا أُقَبَّحُ» ) أيْ فَلا يُجْعَلُ قَوْلِي قَبِيحًا عِنْدَهُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ.

والإشارَةُ إلى الدُّنْيا بِـ ”هَذِهِ“ لِتَهْوِينِ أمْرِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ.

والتَّخالُفُ بَيْنَ صِيغَتَيْ قَوْلِهِ ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾؛ لِأنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا قَدِ انْتَهى أمْرُها بِإغْراقِهِمْ؛ أوْ لِأنَّ لَعْنَ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في الدُّنْيا يَكُونُ في أحْيانِ يَذْكُرُونَهم، فَكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَقْتَضِي الدَّوامَ فَجِيءَ مَعَهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وأمّا تَقْبِيحُ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَهو دائِمٌ مَعَهم مُلازِمٌ لَهم فَجِيءَ في جانِبِهِ بِالِاسْمِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الدَّوامَ والثَّباتَ.

وضَمِيرُ ”هم“ في قَوْلِهِ ”هم مِنَ المَقْبُوحِينَ“ لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولَكِنَّهُ ضَمِيرُ مُبْتَدَأٍ، وبِهِ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً دالَّةً عَلى ثَباتِ التَّقْبِيحِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

28:43Page 390

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣

And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ”فَلَمّا أتاها نُودِيَ“ إلى هُنا الِاعْتِبارُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] لِيُقاسَ النَّظِيرُ

صفحة ١٢٨

عَلى النَّظِيرِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ اللَّهُ أرْسَلَهُ حَقًّا لَكانَ أُرْسِلَ إلى الأجْيالِ مِن قَبْلِهِ، ولَما كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ الأجْيالَ الَّتِي قَبْلَهم بِدُونِ رِسالَةِ رَسُولٍ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلى الجِيلِ الأخِيرِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ إتْمامًا لِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أنَّها جاءَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لا رِسالَةَ فِيها، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ سَبْقَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ شَيْءٌ واقِعٌ بِشَهادَةِ التَّواتُرِ، وأنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ رُسُلَهم إهْلاكُ القُرُونِ الأُولى، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِاسْتِمْرارِ إرْسالِ الرُّسُلِ مُتَعاقِبِينَ بَلْ كانُوا يَجِيئُونَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ فَإذا كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إبْطالَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعِلَّةِ تَأخُّرِ زَمانِها سَفْسَطَةً ووَهَمًا، فَإنَّ دَلِيلَهم مَقْدُوحٌ فِيهِ بِقادِحِ القَلْبِ، بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوا إلى الأُمَمِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ جاءَ مُوسى بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ لَمّا بَهَرَهم أمْرُ الإسْلامِ لاذُوا بِاليَهُودِ يَسْتَرْشِدُونَهم في طُرُقِ المُجادَلَةِ الدِّينِيَّةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَخْلِطُونَ ما يُلَقِّنُهُمُ اليَهُودُ مِنَ المُغالَطاتِ بِما اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ مِن تَضْلِيلِ أيِمَّةِ الشِّرْكِ، فَيَأْتُونَ بِكَلامٍ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وهو مِن مُجادَلاتِ الأُمِّيِّينَ، ومَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ القُرْآنُ يَدْمَغُ باطِلَهم بِحُجَّةِ الحَقِّ بِإلْزامِهِمْ تَناقُضَ مَقالاتِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ فَهي حُجَّةٌ بِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ القُرُونِ الأُولى.

وأمّا ذِكْرُ إهْلاكِهِمْ فَهو إدْماجٌ لِلنِّذارَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ تَخَلُّصٌ مِن قِصَّةِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَأْيِيدِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَقْصُودُ قَوْلُهُ (﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾) .

ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ أعْرَضَ عَنْ بَيانِ حِكْمَةِ الفِتَرِ الَّتِي تَسْبِقُ إرْسالَ الرُّسُلِ، واقْتَصَرَ عَلى بَيانِ الحِكْمَةِ في الإرْسالِ عَقِبَها؛ لِأنَّهُ المُهِمُّ في مَقامِ نَقْضِ حُجَّةِ المُبْطِلِينَ

صفحة ١٢٩

لِلرِّسالَةِ أوِ اكْتِفاءً بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واقِعٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، وهو المَقْصُودُ هُنا، وأمّا حِكْمَةُ الفَصْلِ بِالفِتَرِ فَشَيْءٌ فَوْقَ مَراتِبِ عُقُولِهِمْ. فَأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ إلى بَيانِ حِكْمَةِ الإرْسالِ عَقِبَ الفَتْرَةِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ ”مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى“ إلى الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ لِتَكْذِيبِها رُسُلَ اللَّهِ.

فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى يُحْتاجَ مَعَهم إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ، فَمَوْقِعُ التَّأْكِيدِ هو قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ .

والكِتابُ: التَّوْراةُ الَّتِي خاطَبَ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والبَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي إدْراكُ العَقْلِ، سُمِّيَ بَصِيرَةً اشْتِقاقًا مِن بَصَرِ العَيْنِ، وجُعِلَ الكِتابُ بَصائِرَ بِاعْتِبارِ عِدَّةِ دَلائِلِهِ وكَثْرَةِ بَيِّناتِهِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى، قالَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] .

والقُرُونُ الأُولى: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمُ لُوطٍ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ، قالَ تَعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] . وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .

والنّاسُ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولِمَن يُرِيدُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِ مِثْلِ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا مِن عَرَبِ اليَمَنِ، وهَدًى ورَحْمَةً لَهم، ولِمَن يَقْتَبِسُ مِنهم قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . ومِن جُمْلَةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّوْراةُ تَحْذِيرُها مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.

وضَمِيرُ ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“ عائِدٌ إلى النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالتَّوْراةِ، أيْ فَكَذَلِكَ إرْسالُ مُحَمَّدٍ لَكم هُدًى ورَحْمَةٌ لَعَلَّكم تَتَذَكَّرُونَ.

28:44Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤

And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا بَطَلَتْ شُبْهَتُهُمُ الَّتِي حاوَلُوا بِها إحالَةَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ نُقِلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ رِسالَتِهِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ؛ وذَلِكَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أخْبارِ رِسالَةِ

صفحة ١٣٠

مُوسى مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِهِ لَوْلا أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا تَخَلُّصٌ مِنَ الِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ في قِصَّةِ مُوسى إلى الصَّرِيحِ مِن إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وجِيءَ في الِاسْتِدْلالِ بِطَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ حَيْثُ بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْجُودًا في المَكانِ الَّذِي قَضى اللَّهُ فِيهِ أمْرَ الوَحْيِ إلى مُوسى، لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى أنَّ مِثْلَهُ ما كانَ يَعْمَلُ ذَلِكَ إلّا عَنْ مُشاهَدَةٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ بِغَيْرِ المُشاهَدَةِ لَهُ مَفْقُودٌ مِنهُ ومِن قَوْمِهِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ مَعْرِفَةٍ بِأخْبارِ الرُّسُلِ، كَما كانَ أهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا انْتَفى طَرِيقُ العِلْمِ المُتَعارَفِ لِأمْثالِهِ تَعَيَّنَ أنَّ طَرِيقَ عِلْمِهِ هو إخْبارُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِخَبَرِ مُوسى.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ نَفْيًا لِوُجُودِهِ هُناكَ، وحُضُورِهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنَ الشّاهِدِينَ أهْلُ الشَّهادَةِ، أيِ الخَبَرِ اليَقِينِ، وهم عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أشْهَدَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْراةِ وما فِيها، ألا تَرى أنَّهُ ذَمَّهم بِكَتْمِهِمْ بَعْضَ ما تَتَضَمَّنُهُ التَّوْراةُ مِنَ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] . والمَعْنى ما كُنْتَ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ ولا مِمَّنْ تَلَقّى أخْبارَ ذَلِكَ بِالخَبَرِ اليَقِينِ المُتَواتِرِ مِن كُتُبِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَتَعَيَّنَ أنَّ طَرِيقَ عِلْمِكَ بِذَلِكَ وحْيُ اللَّهِ تَعالى.

والأمْرُ المَقْضِيُّ: هو أمْرُ النُّبُوءَةِ لِمُوسى إذْ تَلَقّاها مُوسى.

وقَوْلُهُ ﴿بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ هو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وأصْلُهُ بِالجانِبِ الغَرْبِيِّ، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ، وإنْ أنْكَرَهُ نُحاةُ البَصْرَةِ، وأكْثَرُوا مِنَ التَّأْوِيلِ، والحَقُّ جَوازُهُ.

والجانِبُ الغَرْبِيُّ هو الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا بِوَصْفِ شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ أيْ عَلى بَيْتِ القِبْلَةِ.

28:45Page 391

وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥

But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2

﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ خَفِيَ اتِّصالُ هَذا الِاسْتِدْراكِ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، وكَيْفَ يَكُونُ اسْتِدْراكًا وتَعْقِيبًا لِلْكَلامِ الأوَّلِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ.

صفحة ١٣١

فَبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣]“ مَسُوقٌ مَساقَ إبْطالِ تَعْجَبِ المُشْرِكِينَ مِن رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ لَمْ يَسْبِقْها رِسالَةُ رَسُولٍ إلى آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، كَما عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ آنِفًا، فَذَكَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُوسى كَذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وأنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى أثارُوا مِثْلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَكَما كانَتْ رِسالَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَذَلِكَ كانَتْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمَعْنى: فَكانَ المُشْرِكُونَ حَقِيقِينَ بِأنْ يُنَظِّرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ بِرِسالَةِ مُوسى، ولَكِنَّ اللَّهَ أنْشَأ قُرُونًا أيْ أُمَمًا بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وزَمَنِهِمْ، فَتَطاوَلَ الزَّمَنُ فَنَسِيَ المُشْرِكُونَ رِسالَةَ مُوسى فَقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] . وحَذْفُ بَقِيَّةِ الدَّلِيلِ وهو تَقْدِيرُ: فَنَسُوا، لِلْإيجازِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ كَما قالَ تَعالى عَنِ اليَهُودِ حِينَ صارُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقالَ عَنِ النَّصارى: ﴿أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤] وقالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ”﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]“، فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ لا إلى القُرُونِ.

فَتَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِدْراكَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ”ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى“ وأنَّ ما بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ هَذا اسْتِطْرادٌ. وهَذا أحْسَنُ في بَيانِ اتِّصالِ الِاسْتِدْراكِ مِمّا احْتَفَلَ بِهِ صاحِبُ الكَشّافِ. ولِلَّهِ دَرُّهُ في اسْتِشْعارِهِ، وشَكَرَ اللَّهُ مَبْلَغَ جُهْدِهِ. وهو بِهَذا مُخالِفٌ لِمَوْقِعِ الِاسْتِدْراكَيْنِ الآتِيَيْنِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] . والعُمُرُ الأمَدُ، كَقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] .

* * *

﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ هَذا تَكْرِيرٌ لِلدَّلِيلِ بِمَثَلٍ آخَرَ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ ”﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]“ أيَّ ما كُنْتَ مَعَ مُوسى في وقْتِ التَّكْلِيمِ، ولا كُنْتَ في أهْلِ مَدْيَنَ إذْ جاءَهم مُوسى وحَدَثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شُعَيْبٍ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ.

صفحة ١٣٢

والثَّواءُ: الإقامَةُ.

وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لا إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتْلُو آياتِ اللَّهِ عَلى المُشْرِكِينَ.

والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ قِصَّةَ مُوسى في أهْلِ مَدْيَنَ مِن قَوْلِهِ ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] . وبِمِثْلِ هَذا المَعْنى قالَ مُقاتِلٌ وهو الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ نَظْمُ الكَلامِ، ولَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ لَكانَ أنْ يُقالَ: تَشْهَدُ فِيهِمْ آياتِنا.

وجُمْلَةُ ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ عَلى حَسَبِ تَفْسِيرِ مُقاتِلٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”كُنْتَ“ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِاخْتِلافِ زَمَنِها مَعَ زَمَنِ عامِلِها كَما هو ظاهِرٌ. والمَعْنى: ما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ كَما يُقِيمُ المُسافِرُونَ فَإذا قَفَلُوا مِن أسْفارِهِمْ أخَذُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهم بِما شاهَدُوا في البِلادِ الأُخْرى.

والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ظاهِرٌ، أيْ ما كُنْتَ حاضِرًا في أهْلِ مَدْيَنَ فَتَعْلَمَ خَبَرَ مُوسى عَنْ مُعايَنَةٍ ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَكَ بِوَحْيِنا فَعَلَّمْناكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولَكِنّا أوْحَيْنا بِذَلِكَ، إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾؛ لِأنَّ المَقْصِدَ الأهَمَّ هو إثْباتُ وُقُوعِ الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ وقَوْلِ أمْثالِهِمْ ”﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]“ وتُعْلَمَ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ مَعَ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [القصص: ٤٦] الآيَةَ، فالِاحْتِجاجُ والتَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها تَحَدٍّ بِما عَلِمَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن خَبَرِ القِصَّةِ الماضِيَةِ.

28:46Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦

And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ .

جانِبُ الطُّورِ: هو الجانِبُ الغَرْبِيُّ، وهو الجانِبُ الأيْمَنُ المُتَقَدِّمُ وصَفَهُ بِذَيْنِكَ

صفحة ١٣٣

الوَصْفَيْنِ، فَعُرِّيَ عَنِ الوَصْفِ هُنا؛ لِأنَّهُ صارَ مَعْرُوفًا، وقُيِّدَ الكَوْنُ المَنفِيُّ بِظَرْفِ ”نادَيْنا“ أيْ بِزَمَنِ نِدائِنا.

وحَذْفُ مَفْعُولِ النِّداءِ لِظُهُورِ أنَّهُ نِداءُ مُوسى مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وهو النِّداءُ لِمِيقاتِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وإنْزالُ ألْواحِ التَّوْراةِ عَقِبَ تِلْكَ المُناجاةِ كَما حُكِيَ في الأعْرافِ، وكانَ ذَلِكَ في جانِبِ الطُّورِ إذْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَ الطُّورِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] وهو نَفْسُ المَكانِ الَّذِي نُودِيَ فِيهِ مُوسى لِلْمَرَّةِ الأُولى في رُجُوعِهِ مِن دِيارِ مَدْيَنَ كَما تَقَدَّمَ، فالنِّداءُ الَّذِي في قَوْلِهِ هُنا إذْ نادَيْنا غَيْرُ النِّداءِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] الآيَةَ لِئَلّا يَكُونَ تَكْرارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ. وهَذا الِاحْتِجاجُ بِما عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن خَبَرِ اسْتِدْعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُناجاةِ. وتِلْكَ القِصَّةُ لَمْ تُذْكَرْ في هَذِهِ السُّورَةِ وإنَّما ذُكِرَتْ في سُورَةٍ أُخْرى مِثْلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ كَلِمَةُ ”لَكِنْ“ بِسُكُونِ النُّونِ هُنا بِاتِّفاقِ القُرّاءِ فَهي حَرْفٌ لا عَمَلَ لَهُ فَلَيْسَ حَرْفَ عَطْفٍ لِفِقْدانِ شَرْطَيْهِ: تَقَدُّمِ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ، وعَدَمِ الوُقُوعِ بَعْدَ واوِ عَطْفٍ. وعَلَيْهِ فَحَرْفُ لَكِنْ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاسْتِدْراكِ لا عَمَلَ لَهُ وهو مُعْتَرِضٌ. والواوُ الَّتِي قَبْلَ ”لَكِنْ“ اعْتِراضِيَّةٌ.

والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ناشِئٌ عَنْ دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ عَلى مَعْنى: ما كانَ عِلْمُكَ بِذَلِكَ لِحُضُورِكَ، ولَكِنْ كانَ عِلْمُكَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ.

فانْتِصابُ ”رَحْمَةً“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِعامِلِ نَصْبٍ مَأْخُوذٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفِيُ الكَوْنِ في قَوْلِهِ ”﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ كانَ عَلَمُكَ رَحْمَةً مِنّا؛ وإمّا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ رَحِمْناكَ رَحْمَةً بِأنْ عَلَّمْناكَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ رَحْمَةً، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”لِتُنْذِرَ قَوْمًا“ .

صفحة ١٣٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”رَحْمَةً“ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلِ ”لِتُنْذِرَ“ فَيَكُونُ فِعْلُ ”لِتُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِ مَحْذُوفٍ هو مَصَبُّ الِاسْتِدْراكِ. وفي هَذِهِ التَّقادِيرِ تَوْفِيرُ مَعانٍ وذَلِكَ مِن بَلِيغِ الإيجازِ. وعُدِلَ عَنْ: ”رَحْمَةً مِنّا“، إلى ”﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾“ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مَعْنى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ العِنايَةِ بِهِ عِنايَةَ الرَّبِّ بِالمَرْبُوبِ.

ويَتَعَلَّقُ ”لِتَنْذِرَ قَوْمًا“ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَصْدَرُ ”رَحْمَةً“ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والقَوْمُ: قُرَيْشٌ والعَرَبُ، فَهُمُ المُخاطِبُونَ ابْتِداءً بِالدِّينِ وكُلُّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانا نَذِيرَيْنِ حِينَ لَمْ تَكُنْ قَبِيلَةُ قُرَيْشٍ مَوْجُودَةً يَوْمَئِذَ ولا قَبائِلُ العَرَبِ العَدْنانِيَّةُ، وأمّا القَحْطانِيَّةُ فَلَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إبْراهِيمُ؛ لِأنَّ اشْتِقاقَ نَسَبِ قُرَيْشٍ كانَ مِن عَدْنانَ وعَدْنانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إسْماعِيلَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.

وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى قُرَيْشٍ أوْ عَلى العَرَبِ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ الَّتِي بُعِثَ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّ المِنَّةَ عَلَيْهِمْ أوْفى إذْ لَمْ تَسْبِقْ لَهم شَرِيعَةٌ مِن قَبْلُ، فَكانَ نِظامُهم مُخْتَلًّا غَيْرَ مَشُوبٍ بِإثارَةٍ مِن شَرِيعَةٍ مَعْصُومَةٍ، فَكانُوا في ضَرُورَةٍ إلى إرْسالِ نَذِيرٍ، ولِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرانِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَ النِّذارَةِ بِهِمْ ولا ما يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهم مِمَّنْ أنْذَرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِهِ مِثْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وأهْلِ مَدْيَنَ.

وفِي قَوْلِهِ ”لِتُنْذِرَ“ مَعَ قَوْلِهِ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا بِالكُفْرِ حَدًّا لا يَتَجاوَزُهُ حِلْمُ اللَّهِ تَعالى.

والتَّذَكُّرُ: هو النَّظَرُ العَقْلِيُّ في الأسْبابِ الَّتِي دَعَتْ إلى حِكْمَةِ إنْذارِهِمْ وهي تَناهِي ضَلالِهِمْ فَوْقَ جَمِيعِ الأُمَمِ الضّالَّةِ إذْ جَمَعُوا إلى الإشْراكِ مَفاسِدَ جَمَّةً مِن قَتْلِ النُّفُوسِ، وارْتِزاقٍ بِالغاراتِ وبِالمُقامَرَةِ، واخْتِلاطِ الأنْسابِ، وانْتِهاكِ الأعْراضِ. فَوَجَبَ تَذْكِيرُهم بِما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ.

وتَقَدَّمَ آنِفًا نَظِيرُ قَوْلِهِ ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“ .

28:47Page 391

وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1

صفحة ١٣٥

﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ”﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]“؛ لِأنَّ الإنْذارَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ.

و”لَوْلا“ الأُولى حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيِ انْتِفاءُ جَوابِها لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها، وهو حَرْفٌ يَلْزَمُ الِابْتِداءَ فالواقِعُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَإ الواقِعِ بَعْدَ ”لَوْلا“ واجِبُ الحَذْفِ وهو مُقَدَّرٌ بِكَوْنٍ عامٍّ. والمُبْتَدَأُ هُنا هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن (أنْ وفِعْلِ تُصِيبَهم) والتَّقْدِيرُ: لَوْلا إصابَتُهم بِمُصِيبَةٍ، وقَدْ عُقِبَ الفِعْلُ المَسْبُوكُ بِمَصْدَرٍ بِفِعْلٍ آخَرَ، وهو ”فَيَقُولُوا“، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ هَذا الفِعْلُ المَعْطُوفُ في الِانْسِباكِ بِمَصْدَرٍ، وهو مَعْطُوفٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. فَهَذا المَعْطُوفُ هو المَقْصُودُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ”أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى“ فالمَقْصُودُ هو (أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى) .

وإنَّما حِيكَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ ولَمْ يَقُلْ: ولَوْلا أنْ يَقُولُوا رَبَّنا إلَخْ حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ إلى آخِرِهِ، لِنُكْتَةِ الِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن إصابَةِ المُصِيبَةِ فَوُضِعَتْ في مَوْضِعِ المُبْتَدَإ دُونَ مَوْضِعِ الظَّرْفِ لِتُساوِيَ المُبْتَدَأ المَقْصُودَ مِن جُمْلَةِ شَرْطِ (لَوْلا) فَيُصْبِحَ هو وظَرْفُهُ عُمْدَتَيْنِ في الكَلامِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: ولَوْلا إصابَتُهم بِمُصِيبَةٍ يَعْقُبُها قَوْلُهم ”رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ“ إلَخْ لَما عَبَأْنا بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم أهْلُ عِنادٍ وتَصْمِيمٍ عَلى المَفَرِّ.

فَجَوابُ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]“، أيْ ولَكِنّا أعْذَرْنا إلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ لِنَقْطَعَ مَعْذِرَتَهم. وجَوابُ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ لَوْلا الرَّحْمَةُ بِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ لَكانُوا مُسْتَحِقِّينَ حُلُولَ المُصِيبَةِ بِهِمْ.

و”لَوْلا“ الثّانِيَةُ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، أيْ أرْسَلْتَ إلَيْنا قَبْلَ أنْ تَأْخُذَنا بِعَذابٍ فَتُصْلِحَ أحْوالَنا، وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِنا. وانْتَصَبَ ”فَنَتَّبِعَ“ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا في جَوابِ التَّحْضِيضِ.

صفحة ١٣٦

وضَمِيرُ ”تُصِيبَهم“ عائِدٌ إلى القَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلُ. والمُرادُ ”بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ ما سَلَفَ مِنَ الشِّرْكِ.

والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ، أيْ يَحِلُّ بِهِ مِنَ الأحْوالِ، وغَلَبَ اخْتِصاصُها بِما يَحِلُّ بِالمَرْءِ مِنَ العُقُوبَةِ والأذى.

والباءُ في ”بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ عُقُوبَةٌ كانَ سَبَبُها ما سَبَقَ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ. والمُرادُ بِها هُنا عَذابُ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وهي ما يَجْتَرِحُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الفاحِشَةِ.

و”ما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ ما اعْتَقَدُوهُ مِنَ الإشْراكِ وما عَمِلُوهُ مِن آثارِ الشِّرْكِ.

والأيْدِي مُسْتَعارٌ لِلْعُقُولِ المُكْتَسِبَةِ لِعَقائِدِ الكُفْرِ. فَشُبِّهَ الِاعْتِقادُ القَلْبِيُّ بِفِعْلِ اليَدِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ المُشْرِكِينَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، ولَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ؛ لِأنَّ أدِلَّةَ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ مُسْتَقِرَّةٌ في الفِطْرَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْهم فَلَمْ يُصِبْهم بِالمَصائِبِ حَتّى أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى أُصُولِ الأشْعَرِيِّ، وما بَيَّنَهُ أصْحابُ طَرِيقَتِهِ مِثْلُ القُشَيْرِيِّ، وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ: أنَّ ذَنْبَ الإشْراكِ لا عُذْرَ فِيهِ لِصاحِبِهِ؛ لِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ قَدْ دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن عَهْدِ آدَمَ بِحَيْثُ لا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ عاقِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَهُ في الفِطْرَةِ إذْ أخَذَ عَهْدَهُ بِهِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]) كَما بَيَّناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ولَكِنَّ اللَّهَ يَرْأفُ بِعِبادِهِ إذا طالَتِ السُّنُونَ وانْقَرَضَتِ القُرُونُ، وصارَ النّاسُ مَظِنَّةَ الغَفْلَةِ فَيَتَعَهَّدُهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلتَّذْكِيرِ بِما في الفِطْرَةِ ولِيُشَرِّعُوا لَهم ما بِهِ صَلاحُ الأُمَّةِ.

فالمُشْرِكُونَ الَّذِينَ انْقَرَضُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُؤاخَذُونَ بِشِرْكِهِمْ ومُعاقَبُونَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَعاقَبَهم عَلَيْهِ بِالدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ولَكِنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم،

صفحة ١٣٧

والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ولَمْ يُصَدِّقُوهم مُسْتَحِقُّونَ عَذابَ الدُّنْيا زِيادَةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] .

وأمّا الفِرَقُ الَّذِينَ يُعِدُّونَ دَلِيلَ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ عَقْلِيًّا مِثْلَ الماتُرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَمَعْنى الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском