Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:57–61
28:57Page 392
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ”هَذِهِ بَعْضُ مَعاذِيرِهِمْ قالَها فَرِيقٌ مِنهم مِمَّنْ غَلَبَهُ الحَياءُ عَلى أنْ يُكابِرَ ويُجاهِرَ بِالتَّكْذِيبِ، وغَلَبَهُ إلْفُ ما هو عَلَيْهِ مِن حالِ الكُفْرِ عَلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، فاعْتَذَرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الحارِثَ بْنَ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وناسًا مِن قُرَيْشٍ جاءُوا النَّبِيءَ ﷺ، فَقالَ الحارِثُ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ حَقٌّ، ولَكِنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْنا الهُدى مَعَكَ ونُؤْمِن بِكَ أنْ يَتَخَطَّفَنا العَرَبُ مِن أرْضِنا، ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ، وإنَّما نَحْنُ أكَلَةٌ رَأسٍ، أيْ أنَّ جَمْعَنا يُشْبِعُهُ الرَّأْسُ الواحِدُ مِنَ الإبِلِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ فَهَؤُلاءِ اعْتَرَفُوا في ظاهِرِ الأمْرِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَدْعُو إلى الهُدى.
والتَّخَطُّفُ: مُبالَغَةٌ في الخَطْفِ، وهو انْتِزاعُ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمُرادُ: يَأْسِرُنا الأعْداءُ مَعَهم إلى دِيارِهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ قُرَيْشًا مَعَ قِلَّتِهِمْ عَدًّا وعُدَّةً أتاحَ اللَّهُ لَهم بَلَدًا هو حَرَمٌ آمِنٌ يَكُونُونَ فِيهِ آمَنِينَ مِنَ العَدُوِّ عَلى كَثْرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ، واشْتِغالِهِمْ بِالغارَةِ عَلى
صفحة ١٤٩
جِيرَتِهِمْ وجَبى إلَيْهِمْ ثَمَراتٍ كَثِيرَةً قُرُونًا طَوِيلَةً، فَلَوِ اعْتَبَرُوا لَعَلِمُوا أنَّ لَهم مَنَعَةً رَبّانِيَّةً وأنَّ اللَّهَ الَّذِي أمَّنَهم في القُرُونِ الخالِيَةِ يُؤَمِّنُهم إنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
والتَّمْكِينُ: الجَعْلُ في مَكانٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] . واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في الإعْدادِ والتَّيْسِيرِ.
والجَبْيُ: الجَمْعُ والجَلْبُ ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا. ووَجْهُ الإنْكارِ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْفِي أنَّ ذَلِكَ الحَرَمَ مِن تَمْكِينِ اللَّهِ، فاسْتَفْهَمُوا عَلى هَذا النَّفْيِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ.
وهَذا الإنْكارُ يَقْتَضِي تَوْبِيخًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي نَزَلُوا لِأجْلِها مَنزِلَةَ مَن يَنْفِي أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهم حَرَمًا.
والواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ“ وقالُوا ”. والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ مَكَّنّا لَهم حَرَمًا.
و“ كُلِّ شَيْءٍ ”عامٌّ في كُلِّ ذِي ثَمَرَةٍ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ ثَمَرِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُثْمِرَةِ المَعْرُوفَةِ في بِلادِهِمْ والمُجاوِرَةِ لَهم أوِ اسْتُعْمِلَ“ كُلِّ ”في مَعْنى الكَثْرَةِ.
و“ رِزْقًا ”حالٌ مِن“ ثَمَراتُ ”وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ.
ومَعْنى“ مِن لَدُنّا ”مِن عِنْدِنا، والعِنْدِيَّةُ مَجازٌ في التَّكْرِيمِ والبَرَكَةِ، أيْ رِزْقًا قَدَّرْناهُ لَهم إكْرامًا فَكَأنَّهُ رِزْقٌ خاصٌّ مِن مَكانٍ شَدِيدِ الِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى.
وقَدْ حَصَلَ في خِلالِ الرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيَحْصُلَ لَهم وازِعانِ عَنِ الكُفْرِ بِالنِّعَمِ: وازِعُ إبْطالِ مَعْذِرَتِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، ووازِعُ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ المَكْفُورِ بِهِ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالكَلامِ المَسُوقِ مَساقَ الرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ تِلْكَ نِعْمَةٌ رَبّانِيَّةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا عِلْمَ لَهم فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى
صفحة ١٥٠
كُنْهِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَحَسِبُوا أنَّ الإسْلامَ مُفْضٍ إلى اعْتِداءِ العَرَبِ عَلَيْهِمْ ظَنًّا بِأنَّ حُرْمَتَهم بَيْنَ العَرَبِ مَزِيَّةٌ ونِعْمَةٌ أسْداها إلَيْهِمْ قَبائِلُ العَرَبِ.
وفِعْلُ“ لا يَعْلَمُونَ ”مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ لَيْسُوا ذَوِي عِلْمٍ ونَظَرٍ بَلْ هم جَهَلَةٌ لا يَتَدَبَّرُونَ الأحْوالَ. ونُفِيَ العِلْمُ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ بَعْضَهم أصْحابُ رَأْيٍ فَلَوْ نَظَرُوا وتَدَبَّرُوا لَما قالُوا مَقالَتَهم تِلْكَ.
ولَوْ قُدِّرَ لِفِعْلِ“ يَعْلَمُونَ " مَفْعُولٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ لا يَعْلَمُونَ تَمْكِينَ الحَرَمِ لَهم وأنَّ جَلْبَ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ مِن فَضْلِنا لَما اسْتَقامَ إسْنادُ نَفْيِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ بَلْ كانَ يُسْنَدُ إلى جَمِيعِهِمْ لِإطْباقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى مَقالَةِ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تُجْبى) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُراعاةً لِلْمُضافِ إلَيْهِ وهو (كُلِّ شَيْءٍ) فَأكْسَبَ المُضافَ تَذْكِيرًا.
28:58Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعَرُّضَ لِلِانْتِقامِ شَأْنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ فَهو تَخْوِيفٌ لِقُرَيْشٍ مِن سُوءِ عاقِبَةِ أقْوامٍ كانُوا في مِثْلِ حالِهِمْ مِنَ الأمْنِ والرِّزْقِ فَغَمِطُوا النِّعْمَةَ وقابَلُوها بِالبَطَرِ.
والبَطَرُ: التَّكَبُّرُ. وفِعْلُهُ قاصِرٌ مِن بابِ فَرِحَ، فانْتِصابُ ”مَعِيشَتَها“ بَعْدَ ”بَطِرَتْ“ عَلى تَضْمِينِ ”بَطِرَتْ“ مَعْنى (كَفَرَتْ)؛ لِأنَّ البَطَرَ وهو التَّكَبُّرُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الِاعْتِرافِ بِما يُسْدى إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ.
والمُرادُ: بَطِرَتْ حالَةَ مَعِيشَتِها، أيْ نِعْمَةَ عَيْشِها.
والمَعِيشَةُ هُنا اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى العَيْشِ، والمُرادُ حالَتُهُ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، ويُعْلَمُ أنَّها حالَةٌ حَسَنَةٌ مِن قَوْلِهِ ”بَطِرَتْ“ وهي حالَةُ الأمْنِ والرِّزْقِ.
صفحة ١٥١
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ”مَساكِنِهِمْ“ الَّذِي بُيِّنَ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّهُ في قُوَّةِ تِلْكَ المَساكِنِ. وبِذَلِكَ صارَتِ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ الحاضِرِ بِمَرْأى السّامِعِ، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. والتَّقْدِيرُ: فَمَساكِنُهم لَمْ تَسْكُنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا.
والسُّكْنى: الحُلُولُ في البَيْتِ ونَحْوِهِ في الأوْقاتِ المَعْرُوفَةِ بِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ زَمَنًا طَوِيلًا.
ومَعْنى ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لَمْ يَتْرُكُوا فِيها خَلَفًا لَهم. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ انْقِراضِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ.
وقَوْلُهُ ”إلّا قَلِيلًا“ احْتِراسٌ أيْ إلّا إقامَةَ المارِّينَ بِها المُعْتَبِرِينَ بِهَلاكِ أهْلِها.
وانْتَصَبَ ”قَلِيلًا“ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن عُمُومِ أزْمانٍ مَحْذُوفَةٍ. والتَّقْدِيرُ: إلّا أزْمانًا قَلِيلًا، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لَمْ تُسْكَنْ سَكَنًا إلّا سَكَنًا قَلِيلًا، والسَّكَنُ القَلِيلُ: هو مُطْلَقُ الحُلُولِ بِغَيْرِ نِيَّةِ إطالَةٍ فَهي إلْمامٌ لا سُكْنى. فَإطْلاقُ السُّكْنى عَلى ذَلِكَ مُشاكَلَةٌ لِيَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ، أيْ لَمْ تُسْكَنْ إلّا حُلُولَ المُسافِرِينَ أوْ إناخَةَ المُنْتَجَعَيْنِ مِثْلَ نُزُولِ جَيْشِ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِحِجْرِ ثَمُودَ واسْتِقائِهِمْ مِن بِئْرِ النّاقَةِ. والمَعْنى: فَتِلْكَ مَساكِنُهم خاوِيَةً خَلاءً لا يَعْمُرُها عامِرٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ بَقاءَها خالِيَةً لِتَبْقى عِبْرَةً ومَوْعِظَةً بِعَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا.
وبِهَذِهِ الآيَةِ يَظْهَرُ تَأْوِيلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ مَرَّ في طَرِيقِهِ إلى تَبُوكَ بِحِجْرِ ثَمُودَ فَقالَ: «لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم أنْ يُصِيبَكَمْ مِثْلُ ما أصابَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ» أيْ خائِفِينَ أيِ اقْتِصارًا عَلى ضَرُورَةِ المُرُورِ لِئَلّا يَتَعَرَّضُوا إلى تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ السُّكْنى الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ انْتِفاءَها بَعْدَ قَوْمِها فَرُبَّما قُدِّرَ إهْلاكُ مَن يَسْكُنُها تَحْقِيقًا لِقَدَرِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهو يُفِيدُ أنَّها لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ فَلا يَحِلُّ فِيها قَوْمٌ آخَرُونَ بَعْدَهم فَعَبَّرَ عَنْ تَداوُلِ السُّكْنى بِالإرْثِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ.
وقَصْرُ إرْثِ تِلْكَ المَساكِنِ عَلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقِيٌّ، أيْ لا يَرِثُها غَيْرُنا. وهو كِنايَةٌ
صفحة ١٥٢
عَنْ حِرْمانِ تِلْكَ المَساكِنِ مِنَ السّاكِنِ. وتِلْكَ الكِنايَةُ رَمْزٌ إلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِها الأوَّلِينَ بِحَيْثُ تَجاوَزَ غَضَبُهُ السّاكِنِينَ إلى نَفْسِ المَساكِنِ فَعاقَبَها بِالحِرْمانِ مِن بَهْجَةِ المَساكِنِ؛ لِأنَّ بَهْجَةَ المَساكِنِ سُكّانُها فَإنَّ كَمالَ المَوْجُوداتِ هو بِهِ قِوامُ حَقائِقِها.
28:59Page 392
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أُعْقِبَ الِاعْتِبارُ بِالقُرى المُهْلِكَةِ بِبَيانِ أشْراطِ هَلاكِها وسَبَبِهِ، اسْتِقْصاءً لِلْإعْذارِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، فَبَيَّنَ لَهم أنْ لَيْسَ مِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُهْلِكَ القُرى المُسْتَأْهِلَةَ الإهْلاكَ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا في القَرْيَةِ الكُبْرى مِنها؛ لِأنَّ القَرْيَةَ الكُبْرى هي مَهْبِطُ أهْلِ القُرى والبَوادِي المُجاوِرَةِ لَها فَلا تَخْفى دَعْوَةُ الرَّسُولِ فِيها ولِأنَّ أهْلَها قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ في الخَيْرِ والشَّرِّ فَهم أكْثَرُ اسْتِعْدادًا لِإدْراكِ الأُمُورِ عَلى وجْهِها فَهَذا بَيانُ أشْراطِ الإهْلاكِ.
والقُرى: هي المَنازِلُ لِجَماعاتٍ مِنَ النّاسِ ذَواتِ البُيُوتِ المَبْنِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ.
وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أظْهَرُ؛ لِأنَّها إذا أُهْلِكَتْ بَقِيَتْ آثارُها وأطْلالُها ولَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُها مِنَ الأجْيالِ الآتِيَةِ بَعْدَها، ويُعْلَمُ أنَّ الحِلَلَ والخِيامَ مِثْلُها بِحُكْمِ دَلالَةِ الفَحْوى.
وإفْراغُ النَّفْيِ في صِيغَةِ ما كانَ فاعِلًا ونَحْوِهِ مِن صِيَغِ الجُحُودِ يُفِيدُ رُسُوخَ هَذِهِ العُدَّةِ واطِّرادَها كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] في سُورَةِ يُونُسَ.
وقُرى بِلادِ العَرَبِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ مَكَّةَ وجُدَّةَ ومِنًى والطّائِفِ ويَثْرِبَ وما حَوْلَها مِنَ القُرى، وكَذَلِكَ قُرى اليَمَنِ، وقُرى البَحْرَيْنِ. وأُمُّ القُرى هي القَرْيَةُ العَظِيمَةُ مِنها، وكانَتْ مَكَّةُ أعْظَمَ بِلادِ العَرَبِ شُهْرَةً، وأذْكَرَها بَيْنَهم، وأكْثَرَها مارَّةً وزُوّارًا لِمَكانِ الكَعْبَةِ فِيها والحَجِّ لَها.
صفحة ١٥٣
والمُرادُ بِإهْلاكِ القُرى إهْلاكُ أهْلِها. وإنَّما عَلَّقَ الإهْلاكَ بِالقُرى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شِدَّةَ الإهْلاكِ بِحَيْثُ يَأْتِي عَلى الأُمَّةِ وأهْلِها، وهو الإهْلاكُ بِالحَوادِثِ الَّتِي لا تَسْتَقِرُّ مَعَها الدِّيارُ، بِخِلافِ إهْلاكِ الأُمَّةِ، فَقَدْ يَكُونُ بِطاعُونٍ ونَحْوِهِ فَلا يَتْرُكُ أثَرًا في القُرى.
وإسْنادُ الخَبَرِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إيماءً إلى أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الإنْذارِ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذا المَقْصِدِ. ولِهَذا وقَعَ الِالتِفاتُ عَنْهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ ”آياتِنا“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الدِّينَ دِينُ اللَّهِ.
وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المَعْلُومِ مِنَ القُرى وهو أهْلُها كَقَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] .
وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفَنَّنٌ في الأسالِيبِ إذْ جَمَعَتِ الِاسْمَ الظّاهِرَ وضَمائِرَ الغَيْبَةِ والخِطابِ والتَّكَلُّمِ.
ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ ما كانَ مِن عادَتِنا في عِبادِنا أنْ نُهْلِكَ أهْلَ القُرى في حالَةِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالإشْراكِ، فالإشْراكُ سَبَبُ الإهْلاكِ، وإرْسالُ رَسُولٍ شَرْطُهُ، فَيَتِمُّ ظُلْمُهم بِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو حالٌ مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ اقْتَضاها الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ، أيْ ما كُنّا مُهْلِكِي القُرى في حالٍ إلّا في حالِ ظُلْمِ أهْلِها.
28:60Page 393
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ تَذْكِيرًا أُدْمِجَ في خِلالِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] بِقَوْلِهِ ”تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مَن لَدُنّا“ أعْقَبَهُ بِأنَّ كُلَّ ما أُوتُوهُ مِن نِعْمَةٍ هو مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا كالأمْنِ والرِّزْقِ، ومِن زِينَتِها كاللِّباسِ والأنْعامِ والمالِ، وأمّا ما عِنْدَ اللَّهِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ مِن ذَلِكَ فَأبْقى لِئَلّا
صفحة ١٥٤
يَحْسَبُوا أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الأمْنِ والرِّزْقِ هو الغايَةَ المَطْلُوبَةَ، فَلا يَتَطَلَّبُوا ما بِهِ تَحْصِيلُ النَّعِيمِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ، وتَحْصِيلُهُ بِالإيمانِ. ولا يَجْعَلُوا ذَلِكَ مُوازِنًا لِاتِّباعِ الهُدى، وإنْ كانَ في اتِّباعِ الهُدى تَفْوِيتُ ما هم فِيهِ مِن أرْضِهِمْ وخَيْراتِها لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ. هَذا وجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها.
و”مِن شَيْءٍ“ بَيانٌ لِـ ”ما أُوتِيتُمْ“ والمُرادُ مِن أشْياءِ المَنافِعِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ لِأنَّ الإيتاءَ شائِعٌ في إعْطاءِ ما يَنْفَعُ.
وقَدِ التَفَتَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا﴾ [القصص: ٥٧] إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”أُوتِيتُمْ“؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ أوْجَبَ تَوْجِيهَ التَّوْبِيخِ مُواجَهَةً إلَيْهِمْ.
والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ زَمَنًا ثُمَّ يَزُولُ.
والزِّينَةُ: ما يُحَسِّنُ الأجْسامَ.
والمُرادُ بِكَوْنِ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، أنَّ أجْناسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا أُوتُوهُ في كَمالِ أجْناسِها، وأمّا كَوْنُهُ أبْقى فَهو بِمَعْنى الخُلُودِ.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ وتَقْرِيرِيٌّ عَلى عَدَمِ عَقْلِ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن أفْسَدَ عَقْلَهُ فَسُئِلُوا: أهم كَذَلِكَ ؟ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَعْقِلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (يَعْقِلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِهِمْ لِتَعَجُّبِ المُؤْمِنِينَ مِن حالِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم لَمّا كانُوا لا يَعْقِلُونَ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الغائِبِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِ الخِطابِ.
28:61Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهْوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هْوَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أحْسَبُ أنَّ مَوْقِعَ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا أنَّ مِمّا أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٦٠] ما كانَ المُشْرِكُونَ يَتَبَجَّحُونَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ مِن وفْرَةِ الأمْوالِ ونَعِيمِ التَّرَفِ حِينَ كانَ مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ ضُعَفاءَ، قالَ تَعالى ”وإذا انْقَلَبُوا إلى
صفحة ١٥٥
أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ“ أيْ مُنَعَّمِينَ، وقالَ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] فَيَظْهَرُ مِن آياتِ القُرْآنِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانَ مِن دَأْبِهِمُ التَّفاخُرُ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ قالَ تَعالى ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] فَلَمّا أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ التَّرَفِ إنْ هو إلّا مَتاعٌ قَلِيلٌ، قابَلَ ذَلِكَ بِالنَّعِيمِ الفائِقِ الخالِدِ الَّذِي أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَحْقِيقَ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ زادَتِ الأُولى بَيانًا، بِأنَّ ما أُوتُوهُ زائِلٌ زَوالًا مُعَوَّضًا بِضِدِّ المَتاعِ والزِّينَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ .
فَماصَدَقَ (مَن) الأُولى هُمُ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللَّهُ الوَعْدَ الحَسَنَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وماصَدَقَ (مَن) الثّانِيَةِ جَمْعٌ هُمُ الكافِرُونَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُشابَهَةِ والمُماثَلَةِ الَّتِي أفادَها كافُ التَّشْبِيهِ، فالمَعْنى أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَيْسُوا سَواءً إذْ لا يَسْتَوِي أهْلُ نَعِيمٍ عاجِلٍ زائِلٍ وأهْلُ نَعِيمٍ آجِلٍ خالِدٍ.
وجُمْلَةُ ”فَهو لاقِيهِ“ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ وعْدٌ مُحَقَّقٌ، والفاءُ لِلتَّسَبُّبِ.
وجُمْلَةُ ”ثُمَّ هو“ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَهي مِن تَمامِ صِلَةِ المَوْصُولِ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِبَيانِ أنَّ رُتْبَةَ مَضْمُونِها في الخَسارَةِ أعْظَمُ مِن مَضْمُونِ الَّتِي قَبِلَها، أيْ لَمْ تَقْتَصِرْ خَسارَتُهم عَلى حِرْمانِهِمْ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ بَلْ تَجاوَزَتْ إلى التَّعْوِيضِ بِالعَذابِ الألِيمِ.
ومَعْنى ”مِنَ المُحْضَرِينَ“ أنَّهُ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْجَزاءِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْبِيخُ في ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ . والمُقابَلَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ المُقْتَضِيَةُ أنَّ الفَرِيقَ المُعَيَّنَ مَوْعُودُونَ بِضِدِّ الحَسَنِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقَ ”المُحْضَرِينَ“ اخْتِصارًا كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] وقَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٧] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences