Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:62–68

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:62–68

28:62–63Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣

Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2

صفحة ١٥٦

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾

تَخَلُّصٌ مِن إثْباتِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إبْطالِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] مُفِيدَةٌ سَبَبَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُحْضَرِينَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ وزَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم، فَإذا هم لا يَجِدُونَهم يَوْمَ يُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يُنادِيهِمْ“ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ يُحْضَرُونَ ويُنادِيهِمْ، فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفَ مُفْرَداتٍ فَيَكُونَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ عَطْفًا عَلى ﴿يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] فَيَكُونَ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ عَيْنَ يَوْمَ القِيامَةِ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَأْتِيَ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ القِيامَةِ“ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ الإبْدالِ إلى العَطْفِ لِاخْتِلافِ حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاخْتِلافِ العُنْوانِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ يَوْمٍ مُغايِرٍ زِيادَةً في تَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ واوِ العَطْفِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى النِّداءِ. واسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مِن حُصُولِ أمْرٍ فَظِيعٍ، تَقْدِيرُهُ: يَوْمَ يُنادِيهِمْ يَكُونُ ما لا يُوصَفُ مِنَ الرُّعْبِ.

وضَمِيرُ ”يُنادِيهِمُ“ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهم في الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] فالمُنادَوْنَ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ بِكَلِمَةِ ”أيْنَ“ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الشُّرَكاءُ، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ وُجُودِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ يَوْمَئِذٍ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ.

ومَفْعُولا ”تَزْعُمُونَ“ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما ﴿شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِيَ، وهَذا الحَذْفُ اخْتِصارٌ وهو جائِزٌ في مَفْعُولَيْ (ظَنَّ) .

صفحة ١٥٧

وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ فَهي جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .

والَّذِينَ تَصَدَّوْا لِلْجَوابِ هم بَعْضُ المُنادَيْنَ بِـ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ عَلِمُوا أنَّهُمُ الأحْرِياءُ بِالجَوابِ. وهَؤُلاءِ هم أيِمَّةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أهْلِ مَكَّةَ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ وأُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَسادِنِ العُزّى. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْهم بِـ (قالُوا) .

ومَعْنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقَّ بِمَعْنى تَحَقَّقَ وثَبَتَ ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلًا مَعْهُودًا وهو ما عُهِدَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هُمُ الَّذِينَ حَلَّ الإبّانُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَذا القَوْلُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْجَأهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم أضَلُّوا الضّالِّينَ وأغْوَوْهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”حَقَّ“ بِمَعْنى وجَبَ وتَعَيَّنَ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الجَوابُ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِن إجابَةِ ذَلِكَ السُّؤالِ. ويَكُونُ المُرادُ بِالقَوْلِ جِنْسَ القَوْلِ، أيِ الكَلامُ الَّذِي يُقالُ في ذَلِكَ المَقامِ وهو الجَوابُ عَنِ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هم أيِمَّةُ الكُفْرِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ . . . إلَخْ.

والتَّعْرِيفُ في ”القَوْلُ“ الأظْهَرُ أنَّهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ”قالَ“، أيْ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا، أيِ الَّذِينَ كانُوا أحْرى بِأنْ يُجِيبُوا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ تَبِعَةَ المَسْئُولِ عَنْهُ واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُجِّهَ التَّوْبِيخُ إلى جُمْلَتِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَتَصَدّى لِلْجَوابِ الفَرِيقُ الَّذِينَ ثَبَّتُوا العامَّةَ عَلى الشِّرْكِ وأضَلُّوا الدَّهْماءَ.

وابْتَدَءُوا جَوابَهم بِتَوْجِيهِ النِّداءِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ أنَّهُ رَبُّهم، نِداءً أُرِيدَ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ بِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمُ اعْتِرافًا مِنهم بِالعُبُودِيَّةِ وتَمْهِيدًا لِلتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُخْتَرِعِينَ لِدِينِ الشِّرْكِ فَإنَّهم إنَّما تَلَقَّوْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِن سَلَفِهِمْ، والإشارَةُ

صفحة ١٥٨

بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى بَقِيَّةِ المُنادَيْنَ مَعَهم قَصْدًا؛ لِأنْ يَتَمَيَّزُوا عَمَّنْ سِواهم مِن أهْلِ المَوْقِفِ وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِيَزْدادُوا رُعْبًا، وأنْ يَكُونَ لَهم مَطْمَعٌ في التَّخْلِيصِ. و﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم أغْوَوْهم.

وجُمْلَةُ ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾؛ لِأنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهم أغْوَوْهم يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ مُتَعَجِّبٍ كَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ، فَأرادُوا بَيانَ الباعِثِ لَهم عَلى إغْواءِ إخْوانِهِمْ وهو أنَّهم بَثُّوا في عامَّةِ أتْباعِهِمُ الغَوايَةَ المُسْتَقِرَّةَ في نُفُوسِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ يُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ .

وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جُمْلَةِ ”أغْوَيْناهم“ بِأنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا؛ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ هَذا الإغْواءِ بِتَأْكِيدِهِ اللَّفْظِيِّ، وبِإجْمالِهِ في المَرَّةِ الأُولى وتَفْصِيلِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَلَيْسَتْ إعادَةُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تَخْشى بَوادِرَهُ عَلى الأقْرانِ

إنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لَمّا اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ، والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ ”كَما غَوَيْنا“ أفادَ الكَلامُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ؛ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا اخْتَرْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَلامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] في سُورَةِ الإسْراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الآياتِ تُطابِقُ بَيْتَ الأحْوَصِ لِاشْتِمالِهِنَّ عَلى (إذا) .

و”كَما غَوَيْنا“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ إغْواءً يُوقِعُ في نُفُوسِهِمْ غَيًّا مِثْلَ الغَيِّ الَّذِي في قُلُوبِنا. ووَجْهُ الشَّبَهِ في أنَّهم تَلَقَّوُا الغَوايَةَ مِن غَيْرِهِمْ فَأفادَ التَّشْبِيهُ أنَّ المُجِيبِينَ أغْواهم مُغْوُونَ قَبْلَهم، وهم يَحْسَبُونَ هَذا الجَوابَ يَدْفَعُ التَّبِعَةَ عَنْهم ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ

صفحة ١٥٩

السَّيْرَ عَلى قَدَمِ الغاوِينَ يُبَرِّرُ الغَوايَةَ، وهَذا كَما حَكى عَنْهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٦] . وحُذِفَ مَفْعُولُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ الأوَّلِ وهو العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ لِكَثْرَةِ حَذْفِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ عائِدٍ صِلَةٍ هو ضَمِيرُ نَصْبٍ مُتَّصِلٌ وناصُبُهُ فِعْلٌ أوْ وصْفٌ شَبِيهٌ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ ودالٌّ عَلَيْهِ فَكانَ حَذْفُ العائِدِ اخْتِصارًا. وذَكَرَ مَفْعُولَ فِعْلِ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِي اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ في الِاسْتِعْمالِ.

وجُمْلَةُ ”تَبَرَّأْنا إلَيْكَ“ اسْتِئْنافٌ. والتَّبَرُّؤُ: تَفَعُّلٌ مِنَ البَراءَةِ وهي انْتِفاءُ ما يَصِمُ، فالتَّبَرُّؤُ: مُعالَجَةُ إثْباتِ البَراءَةِ وتَحْقِيقُها. وهو يَتَعَدّى إلى مَن يُحاوِلُ إثْباتَ البَراءَةِ لِأجْلِهِ بِحَرْفِ (إلى) الدّالِّ عَلى الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ؛ يُقالُ: إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن كَذا، أيْ أُوَجِّهُ بَراءَتِي إلى اللَّهِ، كَما يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي يَصِمُ بِحِرَفِ (مِنِ) الِاتِّصالِيَّةِ الَّتِي هي لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، قالَ تَعالى ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقَدْ تَدْخُلُ (مِن) عَلى اسْمِ ذاتٍ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مُقَدَّرٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] أيْ مِن كُفْرِكم. والتَّقْدِيرُ: مِن أعْمالِكم وشُئُونِكِمْ إمّا مِن أعْمالٍ خاصَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ أوْ مِن عِدَّةِ أعْمالٍ.

فالمَعْنى هُنا تَحَقُّقُ التَّبَرُّؤِ لَدَيْكَ، والمُتَبَرَّأُ مِنهُ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ فَهي بَيانٌ لِإجْمالِ التَّبَرُّؤِ.

والمَقْصُودُ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المَزْعُومَ أنَّهم شُرَكاءُ وإنَّما قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم مُضِلُّونَ وكانَ هَذا المَقْصِدُ إلْجاءً مِنَ اللَّهِ إيّاهم لِيُعْلِنُوا تَنَصُّلَهم مِنِ ادِّعاءِ أنَّهم شُرَكاءُ عَلى رُءُوسِ المَلَإ، أوْ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ما يُشاهِدُونَ مِن فَظاعَةِ عَذابِ كُلِّ مَنِ ادَّعى المُشْرِكُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ باطِلًا لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . هَذا ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَعانِي.

وتَقْدِيمُ ”إيّانا“ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ دُونَ أنْ يُقالَ يَعْبُدُونَنا لِلِاهْتِمامِ بِهَذا التَّبَرُّؤِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

28:64Page 393

وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤

And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!

صفحة ١٦٠

﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾

هَذا مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ الَّذِينَ نُودُوا بِقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] فَإنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى. فَلَمّا شَعَرُوا بِالمَقْصِدِ مِن نِدائِهِمْ وتَصَدّى كُبَراؤُهم لِلِاعْتِذارِ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ.

وأسْنَدَ فِعْلَ القَوْلِ إلى المَجْهُولِ؛ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْلُومٌ مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ وقالَ اللَّهُ. والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإطْماعِ لِتَعَقُّبِ الإطْماعِ بِاليَأْسِ.

وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَهُمُ الشَّرِكَةَ كَما في آيَةِ الأنْعامِ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] . والدُّعاءُ دُعاءُ الِاسْتِغاثَةِ حَسَبَ زَعْمِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ هو مَحَلُّ التَّأْيِيسِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعانِيَ كَثِيرَةً فَرَضَها المُفَسِّرُونَ؛ وجُمّاعُ أقْوالِهِمْ فِيها أخْذًا ورَدًّا أنْ نَجْمَعَها في أرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم“ . والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والعَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ أحْضَرَ لَهم آلَةَ العَذابِ لِيَعْلَمُوا أنَّ شُرَكاءَهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا. وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ جُمْلَةِ ”ورَأوُا العَذابَ“ .

الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والرُّؤْيَةُ أيْضًا بَصَرِيَّةً، والعَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ وقَدْ رَأوُا العَذابَ فارْتَبَكُوا في الِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَلاصِ، فَقِيلَ لَهم: ادْعُوا شُرَكاءَكم لِخَلاصِكم، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً.

الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي اخْتِصارًا، والعَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ. والمَعْنى: وعَلِمُوا العَذابَ حائِقًا بِهِمْ، والواوُ لِلْعَطْفِ أوِ الحالِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: ماذا

صفحة ١٦١

صَنَعُوا حِينَ تَحَقَّقُوا أنَّهم مُعَذَّبُونَ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّهم لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لَسَلَكُوهُ، ولَكِنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى النَّجاةِ.

وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ ”لَوْ“ حَرْفَ شَرْطٍ وجَوابُها مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ مَفْعُولِ ”يَهْتَدُونَ“ أيْ يَهْتَدُونَ خَلاصًا أوْ سَبِيلًا. والتَّقْدِيرُ: لَتَخَلَّصُوا مِنهُ. وعَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَفِعْلُ ”كانُوا“ مَزِيدٌ في الكَلامِ لِتَوْكِيدِ خَبَرِ ”أنَّ“ أيْ: لَوْ أنَّهم يَهْتَدُونَ اهْتِداءً مُتَمَكِّنًا مِن نُفُوسِهِمْ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ أنَّهم حِينَئِذٍ لا قَرارَةَ لِنُفُوسِهِمْ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يَهْتَدُونَ“ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، فالِاهْتِداءُ مُنْقَطِعٌ مِنهم، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاهْتِداءِ مِن أصْلِهِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ ”لَوْ“ لِلتَّمَنِّي المُسْتَعْمَلِ في التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ اهْتِداؤُهم في حَياتِهِمُ الدُّنْيا كَيْلا يَقَعُوا في هَذا العَذابِ، وفِعْلُ ”كانُوا“ حِينَئِذٍ في مَوْقِعِهِ الدّالِّ عَلى الِاتِّصافِ بِالخَبَرِ في الماضِي، وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يَهْتَدُونَ“ لِقَصْدِ تَجَدُّدِ الهُدى المُتَحَسَّرِ عَلى فَواتِهِ عَنْهم، فَإنَّ الهُدى لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ إلّا إذا اسْتَمَرَّ إلى آخِرِ حَياتِهِ.

ووَجْهٌ خامِسٌ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الدُّنْيا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ورَأوْا آثارَ العَذابِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، أيْ وهم رَأوُا العَذابَ في حَياتِهِمْ، أيْ رَأوْا آثارَ عَذابِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ بِالِاتِّعاظِ وبِالِاسْتِدْلالِ بِحُلُولِ العَذابِ في الدُّنْيا عَلى أنَّ وراءَهُ عَذابًا أعْظَمَ مِنهُ - لاهْتَدَوْا فَأقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ وصَدَّقُوا النَّبِيءَ، ﷺ، وهَذا لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى زائِدًا عَلى ما أفادَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ . فَهَذِهِ عِدَّةُ مَعانٍ يُفِيدُها لَفْظُ الآيَةِ، وكُلُّها مَقْصُودَةٌ، فالآيَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ.

28:65–66Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥

And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"

فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦

But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾

هُوَ يَوْمُ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ

صفحة ١٦٢

بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يَقَعُ فِيهِ؛ لِأنَّ مَقامَ المَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الإطْنابَ في تَعْدادِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّوْبِيخَ. وكُرِّرَتْ جُمْلَةُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“؛ لِأنَّ التَّكْرارَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ المَوْعِظَةِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ.

والمُرادُ: ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ في الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإبْطالِ الشُّرَكاءِ. والمُرادُ بِـ ”المُرْسَلِينَ“ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ”فَكَذَّبُوا رُسُلِي“ . ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، الآياتِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وإنَّما كَذَّبَ كُلُّ فَرِيقٍ مِن أُولَئِكَ رَسُولًا واحِدًا. والَّذِي اقْتَضى صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ إنَّما كَذَّبُوا رُسُلَهم بِعِلَّةِ اسْتِحالَةِ رِسالَةِ البَشَرِ إلى البَشَرِ، فَهم إنَّما كَذَّبُوا بِجِنْسِ المُرْسَلِينَ، ولامُ الجِنْسِ إذا دَخَلَتْ عَلى ”جَمِيعِ“ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ.

والِاسْتِفْهامُ بِـ ”ماذا“ صُورِيٌّ مَقْصُودٌ مِنهُ إظْهارُ بَلْبَلَتِهِمْ. و”ذا“ بَعْدَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ، أيْ ما الَّذِي أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ، أيْ ما جَوابُكم. والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ مُهِمٍّ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَوابُ عَنْ سُؤالِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَوابَ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ مِنهم مَعَ رُسُلِهِمْ في الدُّنْيا.

والمَعْنى: عَمِيَتِ الأنْباءُ عَلى جَمِيعِ المَسْئُولِينَ فَسَكَتُوا كُلُّهم، ولَمْ يُنْتَدَبْ زُعَماؤُهم لِلْجَوابِ كَفِعْلِهِمْ في تَلَقِّي السُّؤالِ السّابِقِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .

ومَعْنى ”عَمِيَتْ“ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ وهو مَأْخُوذٌ مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ لا يَتَبَيَّنُ الأشْياءَ، فَتَصَرَّفَتْ مِنَ العَمى مَعانٍ كَثِيرَةٌ مُتَشابِهَةٌ، يُبَيِّنُها تَعْدِيَةُ الفِعْلِ كَما عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ ”عَلى“ المُناسِبِ لِلْخَفاءِ. ويُقالُ: عَمِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، إذا لَمْ يَعْرِفْ ما يُوَصِّلُ مِنهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:

أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ

والمَعْنى: خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى جَوابٍ، وذَلِكَ مِنَ الحَيْرَةِ والوَهَلِ،

صفحة ١٦٣

فَإنَّهم لَمّا نُودُوا ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] انْبَرى رُؤَساؤُهم فَلَفَّقُوا جَوابًا عَدَلُوا بِهِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِفْهامِ إلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا لِقَوْمِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَلَمّا سُئِلُوا عَنْ جَوابِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَيُوا عَنِ الجَوابِ، فَلَمْ يَجِدُوا مُغالَطَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ مِن سَلَفِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، فَإنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ.

ولِهَذا تَفَرَّعَ عَلى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾، أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاسْتِخْراجِ الآراءِ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ البَهْتِ والبَغْتِ عَلى الجَمِيعِ أنَّهم لا مُتَنَصَّلَ لَهم مِن هَذا السُّؤالِ فَوَجِمُوا.

وإذْ كانَ الِاسْتِفْهامُ لِتَمْهِيدِ أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِالعَذابِ عُلِمَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ عَنْهُ أنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.

28:67Page 393

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧

But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.

﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾

تَخَلَّلَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ ذِكْرُ حالِ الفَرِيقِ المُقابِلِ، وهو فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ تَزْدادُ تَمَيُّزًا بِذِكْرِ أضْدادِها، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٦] مِن أنَّهم حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.

ولَمّا كانَتْ ”أمّا“ تُفِيدُ التَّفْصِيلَ وهو التَّفْكِيكُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ في حُكْمٍ فَهي مُفِيدَةٌ هُنا أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ خاسِرُونَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ ما وقَعَ الإيماءُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] فَإنَّهُ يَكْتَفِي بِتَفْصِيلِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَنْ ذِكْرِ مُقابِلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥] أيْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فَبِضِدِّ ذَلِكَ.

والتَّوْبَةُ هُنا: الإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ والنَّدَمُ عَلى تَقَلُّدِهِ، وعَطْفُ الإيمانِ عَلَيْها لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ إقْلاعٍ عَنْ عَقائِدِ الشِّرْكِ وإحْلالِ عَقائِدِ الإسْلامِ مَحَلَّها؛ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا شاعِرِينَ بِفَسادِ دِينِهِمْ

صفحة ١٦٤

وكانَ يَصُدُّهم عَنْ تَقَلُّدِ شَعائِرِ الإسْلامِ أسْبابٌ مُغْرِيَةٌ مِنَ الأعْراضِ الزّائِلَةِ الَّتِي فُتِنُوا بِها.

و”عَسى“ تَرَجٍّ لِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ مَن يُرْجى مِنهُ الفَلاحُ. و﴿أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أشَدُّ في إثْباتِ الفَلاحِ مِن ”أنْ يُفْلِحَ“، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

28:68Page 393

وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨

And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.

﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾

هَذا مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، وهي جُمْلَةُ ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٦٧] وظاهِرُ عَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أنَّ مَعْناهُ آيِلٌ إلى التَّفْوِيضِ إلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ قُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ لِلِاهْتِداءِ ولَوْ بِمَراحِلَ، وقُلُوبٍ غَيْرِ مُنْفَتِحَةٍ لَهُ فَهي قاسِيَةٌ صَمّاءُ، وأنَّهُ الَّذِي اخْتارَ فَرِيقًا عَلى فَرِيقٍ. وفي ”أسْبابِ النُّزُولِ“ لِلْواحِدِيِّ: قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ جَوابًا لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ حِينَ قالَ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] اهــ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ مِن أهْلِ الطّائِفِ. وهُما المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. فَإذا كانَ اتِّصالُ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] هو مِن جُمْلَةِ ما أجابُوا بِهِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ، ويَخْتارُ مِن بَيْنِ مَخْلُوقاتِهِ لِما يَشاءُ مِمّا يَصْلُحُ لَهُ جِنْسُ ما مِنهُ الِاخْتِيارُ، ومِن ذَلِكَ اخْتِيارُهُ لِلرِّسالَةِ مَن يَشاءُ إرْسالَهُ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ”اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ“، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِيارِ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ؛ والوَجْهانِ لا يَتَزاحَمانِ.

والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو قَوْلُهُ: ”ويَخْتارُ“، فَذَكَرَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ أعْلَمُ بِمَخْلُوقاتِهِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ القَصْرَ في هَذا المَقامِ إنْ لُوحِظَ سَبَبُ النُّزُولِ، أيْ رَبُّكَ وحْدُهُ، لا أنْتُمْ تَخْتارُونَ مَن يُرْسَلُ إلَيْكم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا لِفِعْلِ

صفحة ١٦٥

”يَخْتارُ“، وأنَّ عائِدَ المَوْصُولِ مَجْرُورٌ بِـ ”في“ مَحْذُوفَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ ما لَهم فِيهِ الخَيْرُ، أيْ يَخْتارُ لَهم مِنَ الرُّسُلِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ صالِحٌ بِهِمْ لا ما يَشْتَهُونَهُ مِن رِجالِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى القَصْرِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَهُ مُفِيدَةُ مُجَرَّدِ التَّقَوِّي. وصِيغَةُ ”ما كانَ“ تَدُلُّ عَلى نَفْيٍ لِلْكَوْنِ يُفِيدُ أشَدَّ مِمّا يُفِيدُ لَوْ قِيلَ: ما لَهُمُ الخِيَرَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ.

والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ كَما أنَّ الخَلْقَ مِن خَصائِصِهِ فَكَذَلِكَ الِاخْتِيارُ.

والخِيَرَةُ - بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ -: اسْمٌ لِمَصْدَرِ الِاخْتِيارِ، مِثْلَ الطِّيَرَةِ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ التَّطَيُّرِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: ولا نَظِيرَ لَهُما. وفي ”اللِّسانِ“ ما يُوهِمُ أنَّ نَظِيرَهُما: سَبْيٌ طِيَبَةٌ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ ولا نَقْضُ عَهْدٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَّنْظِيرَ في الزِّنَةِ لا في المَعْنى؛ لِأنَّها زِنَةٌ نادِرَةٌ.

واللّامُ في ”لَهم“ لِلْمِلْكِ، أيْ ما كانُوا يَمْلِكُونَ اخْتِيارًا في المَخْلُوقاتِ حَتّى يَقُولُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . ونَفْيُ المِلْكِ عَنْهم مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ”ما يَشاءُ“؛ لِأنَّ ”ما يَشاءُ“ يُفِيدُ مَعْنى مَلْكِ الِاخْتِيارِ.

وفِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبًّا لِلنَّبِيءِ ﷺ إشارَةٌ إلى أنَّهُ اخْتارَهُ لِأنَّهُ رَبُّهُ وخالِقُهُ، فَهو قَدْ عَلِمَ اسْتِعْدادَهُ لِقَبُولِ رِسالَتِهِ.

* * *

﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ وعُلُوِّهُ عَلى طَرِيقَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِتَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. و”سُبْحانَ“ مَصْدَرٌ نائِبٌ مَنابَ فِعْلِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُضِيفَ ”سُبْحانَ“ إلى اسْمِهِ العَلَمِ دُونَ أنْ يُقالَ: وسُبْحانَهُ، بَعْدَ أنْ قالَ: ”ورَبُّكَ يَعْلَمُ“؛ لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى، وهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ بِذاتِهِ؛ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ

صفحة ١٦٦

جَمِيعِ المَحامِدِ مِمّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الجَلالَةِ في أصْلِ مَعْناهُ قَبْلَ نَقْلِهِ إلى العَلَمِيَّةِ.

والمَجْرُورُ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ. ووَجْهُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيهِ والتَّرْفِيعِ بِـ ”ما يُشْرِكُونَ“ أنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ أحَدٌ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِهِ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ إلّا أهْلُ الشِّرْكِ بِزَعْمِهِمْ أنَّ ما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ إنَّما هو كَمالٌ، مِثْلَ اتِّخاذِ الوَلَدِ أوْ هو مِمّا أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِهِ، ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وزَعَمُوا أنَّ الآلِهَةَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. وقالُوا في التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِالكَمالِ لِلَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском