Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:69–75

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:69–75

28:69Page 393

وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩

And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.

﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ هو خالِقُهم ومُرَكِّبُهم عَلى النِّظامِ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ الأفْعالُ والِاعْتِقاداتُ، فَيَكُونُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الخَيْرِ والشَّرِّ وتَغْلِيبِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ اعْتِقادًا وعَمَلًا، وهو يَعْلَمُ ما تُخْفِيهِ صُدُورُهم، أيْ نُفُوسُهم وما يُعْلِنُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ. فَضَمِيرُ ”صُدُورِهِمْ“ عائِدٌ إلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ”يَخْلُقُ ما يَشاءُ“ بِاعْتِبارِ مَعْناها، أيْ ما تُكِنُّ صُدُورُ المَخْلُوقاتِ وما يُعْلِنُونَ. وحَيْثُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ العُقَلاءِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ البَشَرُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وهُمُ المَقْصُودُ مِنَ العُمُومِ في ”ما يَشاءُ“، فَبِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهم يَخْتارُهم ويُجازِيهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيماءٌ إلى عِلَّةِ الِاخْتِيارِ، وإلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهَذا مُنْتَهى الإيجازِ.

وفِي إحْضارِ الجَلالَةِ بِعُنْوانِ ”ورَبُّكَ“ إيماءٌ إلى أنَّ مِمّا تُكِنُّهُ صُدُورُهم بُغْضُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وتَقَدَّمَ ”ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ“ آخِرَ النَّمْلِ.

28:70Page 393

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠

And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.

﴿وهْوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] الآيَةَ. والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ:

صفحة ١٦٧

”ولَهُ الحُكْمُ“، وإنَّما قَدَّمُ عَلَيْهِ ما هو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالحُكْمِ مَعَ إدْماجِ صِفاتِ عَظَمَتِهِ الذّاتِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ افْتِقارَ الكُلِّ إلَيْهِ.

ولِذَلِكَ ابْتُدِئَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الغائِبِ لِيَعُودَ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] إلى هُنا، أيِ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ والفاعِلُ لِتِلْكَ الأفْعالِ الجَلِيلَةِ. والمَذْكُورُ بِعُنْوانِ ”رَبُّكَ“ هو المُسَمّى اللَّهَ، اسْمًا جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الكَمالِ، فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرُهُ، أيْ فَلا تَلْتَبِسُوا فِيهِ ولا تُخْطِئُوا بِادِّعاءِ ما لا يَلِيقُ بِاسْمِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ [يونس: ٣٢] .

وقَوْلُهُ: ”لا إلَهَ إلّا هو“ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ الثّانِي زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَدْلُولِ الخَبَرِ الأوَّلِ، فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ اخْتُصَّ بِالدَّلالَةِ عَلى الإلَهِ الحَقِّ إلّا أنَّ المُشْرِكِينَ حَرَّفُوا أوْ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِلْأصْنامِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها إلَهِيَّةٌ دُونَ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مِن حَقِّ النَّظَرِ أنْ يُعْلَمَ أنْ لا إلَهَ إلّا هو، فَكانَ هَذا إبْطالًا لِلشِّرْكِ بَعْدَ إبْطالِهِ بِحِكايَةِ تَلاشِيهِ عَنْ أهْلِ مِلَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ”وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم“ .

وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ خَبَرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ وهو اسْتِدْلالٌ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِحُجَّةِ أنَّ النّاسَ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم لا يَحْمَدُونَ في الدُّنْيا إلّا اللَّهَ، فَلا تَسْمَعُ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلْعُزّى، مَثَلًا.

فاللّامُ في لَهُ لِلْمِلْكِ، أيْ لا يَمْلِكُ الحَمْدَ غَيْرُهُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، وهو اخْتِصاصٌ حَقِيقِيٌّ.

وتَعْرِيفُ الحَمْدُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ لَهُ كُلُّ حَمْدٍ.

والأُولى هي الدُّنْيا، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِهِ في الدُّنْيا اخْتِصاصٌ لِجِنْسِ الحَمْدِ بِهِ؛ لِأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ مَجازٌ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.

وأمّا الحَمْدُ في الآخِرَةِ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] . واخْتِصاصُ الجِنْسِ بِهِ في الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ.

صفحة ١٦٨

وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ اللّامُ فِيهِ أيْضًا لِلْمِلْكِ، والتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ أيْضًا.

والحُكْمُ: القَضاءُ، وهو تَعْيِينُ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ لِلْغَيْرِ. وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ بِالحُكْمِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فِي الأُولى والآخِرَةِ﴾ عَلَيْهِ، أيْ لَهُ الحُكْمُ في الدّارَيْنِ. والِاخْتِصاصُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الدُّنْيا يَثْبُتُ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلى المَجازِ، وأمّا الحُكْمُ في الآخِرَةِ فَمَقْصُودٌ عَلى اللَّهِ. وفي هَذا إبْطالٌ لِتَصَرُّفِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن تَصَرُّفاتِها وإبْطالٌ لِشَفاعَتِها الَّتِي يَزْعُمُونَها في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] أيْ في الآخِرَةِ إنْ كانَ ما زَعَمْتُمْ مِنَ البَعْثِ.

وأمّا جُمْلَةُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَمَسُوقَةٌ مَساقَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَبَعْدَ أنْ أُثْبِتَ لِلَّهِ كُلُّ حَمْدٍ وكُلُّ حُكْمٍ، أيْ أنَّكم تَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ فَتُمَجِّدُونَهُ ويُجْرِي عَلَيْكم حُكْمَهُ، والمَقْصُودُ بِهَذا إلْزامُهم بِإثْباتِ البَعْثِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ أيْ إلى حُكْمِهِ.

28:71–72Page 394

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١

Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢

Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"

﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِصِفاتِ ذاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِبَدِيعِ مَصْنُوعاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا الِاسْتِدْلالِ إدْماجُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرِ المُشْرِكِينَ جَلائِلَ نِعَمِهِ.

ومِن أبْدَعَ الِاسْتِدْلالِ أنِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ المُتَكَرِّرُ كَلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، والَّذِي يَسْتَوِي في إدْراكِهِ كُلُّ مُمَيِّزٍ، والَّذِي هو أجْلى مَظاهِرِ التَّغَيُّرِ في هَذا العالَمِ، فَهو دَلِيلُ الحُدُوثِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ في التَّكَيُّفِ بِهِ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ في هَذا العالَمِ، حَتّى الأصْنامَ، فَهي تُظْلِمُ وتَسْوَدُّ أجْسامُها بِظَلامِ اللَّيْلِ وتُشْرِقُ وتُضِيءُ بِضِياءِ النَّهارِ، وكانَ الِاسْتِدْلالُ بِتَعاقُبِ الضِّياءِ والظُّلْمَةِ عَلى

صفحة ١٦٩

النّاسِ أقْوى وأوْضَحَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَكْوِينِ أحَدِهِما لَوْ كانَ دائِمًا؛ لِأنَّ قُدْرَةَ خالِقِ الضِّدَّيْنِ وجاعِلِ أحَدِهِما يَنْسَخُ الآخَرَ كُلَّ يَوْمٍ أظْهَرُ مِنها لَوْ لَمْ يَخْلُقْ إلّا أقْواهُما وأنْفَعَهُما؛ ولِأنَّ النِّعْمَةَ بِتَعاقُبِهِما دَوْمًا أشَدُّ مِنَ الإنْعامِ بِأفْضَلِهِما وأنْفَعِهِما؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ دائِمًا لَكانَ مَسْئُومًا، ولَحَصَلَتْ مِنهُ طائِفَةٌ مِنَ المَنافِعِ، وفُقِدَتْ مَنافِعُ ضِدِّهِ، فالتَّنَقُّلُ في النِّعَمِ مَرْغُوبٌ فِيهِ ولَوْ كانَ تَنَقُّلًا إلى ما هو دُونَ. وسِيقَ إلَيْهِمْ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأُسْلُوبِ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا التَّذْكِيرِ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ ولِاشْتِمالٍ عَلى ضِدَّيْنِ مُتَعاقِبَيْنِ، حَتّى لَوْ كانَتْ عُقُولُهم قاصِرَةً عَنْ إدْراكِ دَلالَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لَكانَ في الضِّدِّ الآخَرِ تَنْبِيهٌ لَهم، ولَوْ قَصَّرُوا عَنْ حِكْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كانَ في تَعاقُبِهِما ما يَكْفِي لِلِاسْتِدْلالِ.

وجِيءَ في الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ ”إنْ“؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ فَرْضًا مُخالِفًا لِلْواقِعِ. وعُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الِاسْتِدْلالَ بِعِبْرَةِ خَلْقِ النُّورِ؛ فَلِذَلِكَ فَرَضَ اسْتِمْرارَ اللَّيْلِ، والمَقْصُودُ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ .

والسَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. قالَ في ”الكَشّافِ“: مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ، والمِيمُ مَزِيدَةٌ، ووَزْنُهُ فَعْمَلَ، ونَظِيرُهُ دُلامِصٌ مِنَ الدِّلاصِ اهــ. دُلامِصٌ - بِضَمِّ الدّالِّ وكَسْرِ المِيمِ - مِن صِفاتِ الدِّرْعِ، وأصْلُها دِلاصٌ - بِدالٍ مَكْسُورَةٍ - أيْ بَرّاقَةٌ. ونُسِبَ إلى صاحِبِ ”القامُوسِ“ وبَعْضِ النُّحاةِ أنَّ مِيمَ سَرْمَدٍ أصْلِيَّةً، وأنَّ وزْنَهُ ”فَعْلَلْ“ . والمُرادُ بِجَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ ويَكُونَ خَلَقَ الأرْضَ، فَكانَتِ الأرْضُ مُظْلِمَةً.

والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ.

والِاسْتِفْهامُ في أرَأيْتُمْ تَقْرِيرِيٌّ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ إنْكارِيٌّ وهم مُعْتَرِفُونَ بِهَذا الِانْتِفاءِ، وأنَّ خالِقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ.

والمُرادُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إحاطَةُ أزْمِنَةِ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ انْتِهاءُ جَعْلِهِ سَرْمَدًا.

والإتْيانُ بِالضِّياءِ وبِاللَّيْلِ مُسْتَعارٌ لِلْإيجادِ؛ شُبِّهَ إيجادُ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ

صفحة ١٧٠

مَوْجُودًا بِالإجاءَةِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ المُثُولُ والظُّهُورُ.

والضِّياءُ: النُّورُ، وهو في هَذا العالَمِ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ، وعَبَّرَ بِالضِّياءِ دُونَ النَّهارِ؛ لِأنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ قَدْ تَخِفُّ قَلِيلًا بِنُورِ القَمَرِ، فَكانَ ذِكْرُ الضِّياءِ إيماءً إلى ذَلِكَ.

وفِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَأْتِيكم في المَوْضِعَيْنِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إيجادَ الضِّياءِ وإيجادَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ. وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ. وإذْ قَدِ اسْتَمَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ سُطُوعِ هَذا الدَّلِيلِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تَقْدِرُ عَلى إيجادِ الضِّياءِ - جُعِلُوا كَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أقامَتِ الحُجَّةَ الواضِحَةَ عَلى فَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَفَرَّعَ عَلى تِلْكَ الحُجَّةِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنِ انْتِفاءِ سَماعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”أفَلا تَسْمَعُونَ“ أيْ أفَلا تَسْمَعُونَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ اللَّيْلِ والضِّياءِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. ولَيْسَ قَوْلُهُ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا.

وكَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ في مَقامِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ يُناسِبُهُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ مَقامِ التَّوْبِيخِ ومَقامِ التَّهْوِيلِ.

وعُكِسَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي بِفَرْضِ أنْ يَكُونَ النَّهارُ - وهو انْتِشارُ نُورِ الشَّمْسِ - سَرْمَدًا، بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ كُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ شُعاعُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلى جَمِيعِ سَطْحِ الأرْضِ دَوْمًا.

ووَصْفُ اللَّيْلِ بِـ ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ هي نِعْمَةُ السُّكُونِ فِيهِ، فَإنَّها تَشْمَلُ لَذَّةَ الرّاحَةِ، ولَذَّةَ الخَلاصِ مِنَ الحَرِّ، ولَذَّةَ اسْتِعادَةِ نَشاطِ المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ الَّذِي بِهِ التَّفْكِيرُ والعَمَلُ، ولَذَّةَ الأمْنِ مِنَ العَدُوِّ.

ولَمْ يُوصَفِ الضِّياءُ بِشَيْءٍ؛ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ واخْتِلافِ أنْواعِها.

وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أيْضًا تَنْزِيلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يُبْصِرُونَ الأشْياءَ الدّالَّةَ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِصُنْعِها وهي مِنهم بِمَرْأى الأعْيُنِ.

صفحة ١٧١

وناسَبَ السَّمْعُ دَلِيلَ فَرْضِ سَرْمَدَةِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لَوْ كانَ دائِمًا لَمْ تَكُنْ لِلنّاسِ رُؤْيَةٌ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِشارِ شَيْءٍ مِنَ النُّورِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ المَرْئِيِّ، فالظُّلْمَةُ الخالِصَةُ لا تُرى فِيها المَرْئِيّاتُ؛ ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ اللَّيْلِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ سَماعِهِمْ، وجِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ النَّهارِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ إبْصارِهِمْ.

ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَذْيِيلًا.

28:73Page 394

وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣

And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.

﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

تَصْرِيحٌ بِنِعْمَةِ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، وذَلِكَ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِطَرِيقِ الإدْماجِ بِقَوْلِهِ: ”يَأْتِيكم“، وبِقَوْلِهِ: ”تَسْكُنُونَ فِيهِ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ إلَخْ. . مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١] .

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالنّاسِ حَقِيقَةٌ كُلِّيَّةٌ لَها تَحَقُّقٌ في وُجُودِ أنْواعِها وآحادِها العَدِيدَةِ، والمَجْرُورُ بِـ ”مِن“ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾، وكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لَكم، والمَقْصُودُ إظْهارُ أنَّ هَذا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعْضٌ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِيَتَذَكَّرُوا بِهِما نِعَمًا أُخْرى.

وقَدَّمَ المَجْرُورَ بِـ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ﴾ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمِنَّةِ الرَّحْمَةِ.

وقَدْ سَلَكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ طَرِيقَةُ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَيَعُودُ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى اللَّيْلِ، ويَعُودُ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى النَّهارِ، والتَّقْدِيرُ: ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ فِيهِ، فَحَذَفَ الضَّمِيرَ وجارَّهُ إيجازًا، اعْتِمادًا عَلى المُقابَلَةِ.

والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ والطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . والرِّزْقُ: فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.

صفحة ١٧٢

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولامُ لِتَسْكُنُوا ولامُ ولِتَبْتَغُوا لِلتَّعْلِيلِ، ومَدْخُولاهُما عِلَّتانِ لِلْجَعْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ جَعَلَ.

وعُطِفَ عَلى العِلَّتَيْنِ رَجاءَ شُكْرِهِمْ عَلى هاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِالنّاسِ، فالشَّأْنُ أنْ يَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ مَظاهِرَ الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ وجَلائِلَ النِّعَمِ، فَيَشْكُرُوهُ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَفَرُوا فَلَمْ يَشْكُرُوا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أرَأيْتُمْ“ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ؛ تَخْفِيفًا لِهَمْزَةِ رَأى. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، وهي لُغَةٌ.

28:74–75Page 394

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥

And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.

﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢] مَرَّةً ثانِيَةً؛ لِأنَّ التَّكْرِيرَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ التَّوْبِيخِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَوْمَ نَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَأُعِيدَ ذِكْرُ أنَّ اللَّهَ يُنادِيهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعِيِّ ويَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ يُكَرَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ إنَّما كُرِّرَتْ حِكايَتُهُ وأنَّهُ نِداءٌ واحِدٌ يَقَعُ عَقِبَهُ جَوابُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، ويَقَعُ نَزْعُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ عَلَيْهِمْ، فَهو شامِلٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وجِيءَ بِفِعْلِ المُضِيِّ في نَزَعْنا إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإمّا لِأنَّ الواوَ لِلْحالِ وهي يَعْقُبُها الماضِي بِـ ”قَدْ“ وبِدُونِ ”قَدْ“ أيْ يَوْمَ يَكُونُ ذَلِكَ النِّداءُ وقَدْ أخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وأخْرَجْنا مِن هَؤُلاءِ شَهِيدًا وهو مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولُها.

والنَّزْعُ: جَذْبُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ ما هو مُخْتَلِطٌ بِهِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِإخْراجِ بَعْضٍ مِن جَماعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ

صفحة ١٧٣

عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ تَأْتِي إلى المَحْشَرِ تَتْبَعُ أنْبِياءَها، وهَذا المَجِيءُ الأوَّلُ، ثُمَّ تَأْتِي الأنْبِياءُ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَن آمَنُوا بِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ يَأْتِي النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ والنَّبِيُّ وحْدَهُ ما مَعَهُ أحَدٌ.

والتُفِتَ مِنَ الغِيبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في ونَزَعْنا؛ لِإظْهارِ عَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ، وعُطِفَ فَقُلْنا عَلى ونَزَعْنا؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. والمُخاطَبُ بِـ هاتُوا هُمُ المُشْرِكُونَ، أيْ هاتُوا بُرْهانَكم عَلى إلَهِيَّةِ أصْنامِكم.

وهاتُوا اسْمُ فِعْلٍ مَعْناهُ ناوِلُوا، و”هاتِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، واسْتُعِيرَتِ المُناوَلَةُ لِلْإظْهارِ.

والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، فَهو يَقْتَضِي أنَّهم عَلى الباطِلِ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الشُّرَكاءِ، ولَمّا عَلِمُوا عَجْزَهم مِن إظْهارِ بُرْهانٍ لَهم في جَعْلِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ أيْقَنُوا أنَّ الحَقَّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، أيْ عَلِمُوا عِلْمَ اليَقِينِ أنَّهم لا حَقَّ لَهم في إثْباتِ الشُّرَكاءِ، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ؛ إذْ كانَ يَنْهاهم عَنِ الشِّرْكِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ في الدُّنْيا، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ إذْ ناداهم بِأمْرِ التَّعْجِيزِ في قَوْلِهِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ .

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَشْمَلُ ما كانُوا يَكْذِبُونَهُ مِنَ المَزاعِمِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ وما كانُوا يَفْتَرُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ مِنَ الأصْنامِ، كُلُّ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَهُ.

والضَّلالُ: أصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِعَدَمِ خُطُورِ الشَّيْءِ في البالِ؛ ولِعَدَمِ حُضُورِهِ في المَحْضَرِ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِيهِ.

وعَنْهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ضَلَّ، والمُرادُ: ضَلَّ عَنْ عُقُولِهِمْ وعَنْ مَقامِهِمْ؛ مُثِّلُوا بِالمَقْصُودِ لِلسّائِرِ في طَرِيقٍ حِينَ يُخْطِئُ الطَّرِيقَ فَلا يَبْلُغُ المَكانَ المَقْصُودَ. وعُلِّقَ بِالضَّلالِ ضَمِيرُ ذَواتِهِمْ لِيَشْمَلَ ضَلالَ الأمْرَيْنِ، فَيُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً يُرَوِّجُونَ بِها زَعْمَهم إلَهِيَّةَ الأصْنامِ، ولَمْ يَجِدُوا الأصْنامَ حاضِرَةً لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَوَجِمُوا عَنِ الجَوابِ، وأيْقَنُوا بِالمُؤاخَذَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском