Ibn 'AshurAl‑Qasas · 28:76–79

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:76–79

28:76Page 394

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦

Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.

صفحة ١٧٤

﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾

كانَ مِن صُنُوفِ أذى أيِمَّةِ الكُفْرِ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ومِن دَواعِيَ تَصَلُّبِهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ - اعْتِزازُهم بِأمْوالِهِمْ؛ وقالُوا: ”لَوْلا أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ“، أيْ عَلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الثَّرْوَةِ، فَهي عِنْدَهم سَبَبُ العَظَمَةِ ونَبْزِهِمُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم ضُعَفاءُ القَوْمِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ تَوْبِيخُهم عَلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] الآيَةَ. رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ بِأسانِيدَ: «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ وسادَتِهِمْ؛ مِنهم عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ قالُوا: أيُرِيدُ مُحَمَّدٌ أنْ نَكُونَ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ - يَعْنُونَ خَبّابًا، وبِلالًا، وعَمّارًا، وصُهَيْبًا، لَوْ طَرَدَ مُحَمَّدٌ عَنْهُ مَوالِيَنا وعَبِيدَنا كانَ أعْظَمَ لَهُ في صُدُورِنا، وأطْمَعَ لَهُ عِنْدَنا، وأرْجى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِنا لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: بِالشّاكِرِينَ» . وكانَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] كَما تَقَدَّمَ.

وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْمُشْرِكِينَ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ بِأمْثالِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، فَضَرَبَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِحالِ تَعاظُمِهِمْ بِأمْوالِهِمْ مَثَلًا بِحالِ قارُونَ مَعَ مُوسى، وإنَّ مَثَلَ قارُونَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونُ مَثَلًا لِأبِي لَهَبٍ ولِأبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - قَبْلَ إسْلامِهِ - في قَرابَتِهِما مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وأذاهُما إيّاهُ، ولِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ في أذاهُ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ وغَيْرِهِ، ولِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِنَ التَّعاظُمِ بِمالِهِ وذَوِيِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١١] فَإنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

فَقَوْلُهُ: إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ قِصَّةٍ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِحالِ بَعْضِ كُفّارِ مَكَّةَ وهم سادَتُهم مِثْلُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ولَها مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِجُمْلَةِ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] .

صفحة ١٧٥

ولِهَذِهِ القِصَّةِ اتِّصالٌ بِانْتِهاءِ قِصَّةِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ المُنْتَهِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦] الآيَةَ.

و”قارُونُ“ اسْمٌ مُعَرَبٌ، أصْلُهُ في العِبْرانِيَّةِ ”قُورَحُ“ بِضَمِّ القافِ مُشْبَعَةً وفَتْحِ الرّاءِ، وقَعَ في تَعْرِيبِهِ تَغْيِيرُ بَعْضِ حُرُوفِهِ لِلتَّخْفِيفِ، وأُجْرِيَ وزْنُهُ عَلى مُتَعارَفِ الأوْزانِ العَرَبِيَّةِ مِثْلَ طالُوتَ وجالُوتَ، فَلَيْسَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفُ اشْتِقاقٍ مِن مادَّةِ ”قَرَنَ“ .

و”قُورَحُ“ هَذا ابْنُ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”دِنْيا“، فَهو قُورَحُ بْنُ يَصْهارَ بْنِ قَهاتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. ومُوسى هو ابْنُ عِمْرَمَ - المُسَمّى عِمْرانَ في العَرَبِيَّةِ - ابْنِ قاهِتَ، فَيَكُونُ يَصاهَرُ أخا عِمْرَمَ. ووَرَدَ في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ أنَّ قُورَحَ هَذا تَألَّبَ مَعَ بَعْضِ زُعَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ رَجُلًا مِنهم عَلى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ جَعَلَ اللَّهُ الكِهانَةَ في بَنِي هارُونَ مِن سِبْطِ ”لاوِي“، فَحَسَدَهم ”قُورَحُ“ إذْ كانَ ابْنَ عَمِّهِمْ، وقالَ لِمُوسى وهارُونَ: ما بالُكُما تَرْتَفِعانِ عَلى جَماعَةِ الرَّبِّ، إنَّ الجَماعَةَ مُقَدَّسَةٌ والرَّبَّ مَعَها، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلى قُورَحَ وأتْباعِهِ وخَسَفَ بِهِمُ الأرْضَ، وذَهَبَتْ أمْوالُ ”قُورَحَ“ كُلُّها، وكانَ ذَلِكَ حِينَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى أبْوابِ ”أرِيحا“ قَبْلَ فَتْحِها. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ جَعْلَ ”قُورَحَ“ رَئِيسًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ وأنَّهُ جَمَعَ ثَرْوَةً عَظِيمَةً.

وما حَكاهُ القُرْآنُ يُبَيِّنُ سَبَبَ نُشُوءِ الحَسَدِ في نَفْسِهِ لِمُوسى؛ لِأنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بِالرِّسالَةِ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ زالَ تَأمُّرُ ”قارُونَ“ عَلى قَوْمِهِ، فَحَقَدَ عَلى مُوسى. وقَدْ أكْثَرَ القُصّاصُ مِن وصْفِ بَذْخَةِ قارُونَ وعَظْمَتِهِ ما لَيْسَ في القُرْآنِ، وما لَهم بِهِ مِن بُرْهانٍ، وتَلَقَّفَهُ المُفَسِّرُونَ حاشا ابْنَ عَطِيَّةَ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ خَبَرِ ”إنَّ“ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وتَعَلَّقَ بِهِ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ وهو سُوءُ عاقِبَةِ الَّذِينَ تَغُرُّهم أمْوالُهم وتَزْدَهِيهِمْ فَلا يَكْتَرِثُونَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالدِّينِ، ويَكْفُرُونَ بِشَرائِعِ اللَّهِ - لِظُهُورِ أنَّ الإخْبارَ عَنْ قارُونَ بِأنَّهُ مِن قَوْمِ مُوسى لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَدَّدَ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يُؤَكَّدَ لَهُ، فَمَصَبُّ التَّأْكِيدِ هو ما بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ المُنْتَهِيَةِ بِالخَسْفِ.

صفحة ١٧٦

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”إنَّ“ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ومَناطِ الِاهْتِمامِ هو مَجْمُوعُ ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ مِنَ العِبَرِ الَّتِي مِنها أنَّهُ مِن قَوْمِ مُوسى، فَصارَ عَدُوًّا لَهُ ولِأتْباعِهِ، فَأمْرُهُ أغْرَبُ مِن أمَرِ فِرْعَوْنَ

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِما في إضافَةِ قَوْمٍ إلى مُوسى مِنَ الإيماءِ إلى أنَ لِقارُونَ اتِّصالًا خاصًّا بِمُوسى فَهو اتِّصالُ القَرابَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ وجُمْلَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾، والفاءُ فِيها لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ، أيْ لَمْ يَلْبَثْ أنْ بَطِرَ النِّعْمَةَ، واجْتَرَأ عَلى ذَوِي قَرابَتِهِ، لِلتَّعْجِيبِ مِن بَغْيِ أحَدٍ عَلى قَوْمِهِ كَما قالَ طَرَفَةُ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقَعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

والبَغْيُ: الِاعْتِداءُ، والِاعْتِداءُ عَلى الأُمَّةِ الِاسْتِخْفافُ بِحُقُوقِها، وأوَّلُ ذَلِكَ خَرْقُ شَرِيعَتِها. وفي الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ مِن قَوْمِ مُوسى تَمْهِيدٌ لِلْكِنايَةِ بِهَذا الخَبَرِ عَنْ إرادَةِ التَّنْظِيرِ بِما عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَغْيِ بَعْضِ قَرابَتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ وهو ما يُسَمّى النَّثْرُ المُتَّزِنُ، أيِ النَّثْرُ الَّذِي يَجِيءُ بِمِيزانِ بَعْضِ بُحُورِ الشِّعْرِ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءَتْ عَلى مِيزانِ مِصْراعٍ مِن بَحْرِ الخَفِيفِ، ووَجْهُ وُقُوعِ ذَلِكَ في القُرْآنِ أنَّ الحالَ البَلاغِيَّ يَقْتَضِي التَّعْبِيرَ بِألْفاظٍ وتَرْكِيبٍ يَكُونُ مَجْمُوعُهُ في مِيزانِ مِصْراعٍ مِن أحَدِ بُحُورِ الشِّعْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ صِلَةُ ”ما“ المَوْصُولَةِ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ الَّذِينَ لا يَمْنَعُونَ أنْ تَقَعَ ”إنَّ“ في افْتِتاحِ صِلَةِ المَوْصُولِ. ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ مِن ذَلِكَ، واعْتُذِرَ عَنْهم بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ في كَلامِ العَرَبِ؛ ولِذَلِكَ تَأوَّلُوا ”ما“ هُنا بِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وأنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَها في مَحَلِّ الصِّفَةِ.

والمَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٌ - بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ - وهو آلَةُ الفَتْحِ، ويُسَمّى المِفْتاحُ أيْضًا، وجَمْعُهُ مَفاتِيحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١٧٧

والكُنُوزُ: جَمْعُ كَنْزٍ وهو مُخْتَزَنُ المالِ مِن صُنْدُوقٍ أوْ خِزانَةٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢] في سُورَةِ ”هُودٍ“، وأنَّهُ كانَ يُقَدَّرُ بِمِقْدارٍ مِنَ المالِ مِثْلَ ما يَقُولُونَ: بَدْرَةُ مالٍ، وأنَّهُ كانَ يُجْعَلُ لِذَلِكَ المِقْدارِ خِزانَةٌ أوْ صُنْدُوقٌ يَسَعُهُ، ولِكُلِّ صُنْدُوقٍ أوْ خِزانَةٍ مِفْتاحُهُ. وعَنْ أبِي رَزِينٍ لَقِيطِ بْنِ عامِرٍ العُقَيْلِيِّ أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ قالَ: ”يَكْفِي الكُوفَةَ مِفْتاحٌ“ أيْ مِفْتاحٌ واحِدٌ، أيْ كَنْزٌ واحِدٌ مِنَ المالِ لَهُ مِفْتاحٌ، فَتَكُونُ كَثْرَةُ المَفاتِيحِ كِنايَةً عَنْ كَثْرَةِ الخَزائِنِ، وتِلْكَ كِنايَةٌ عَنْ وفْرَةِ المالِ، فَهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِثْلَ:

جَبانُ الكَلْبِ مَهْزُولُ الفَصِيلِ

وتَنُوءُ: تَثْقُلُ. ويَظْهَرُ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ بِالعُصْبَةِ باءُ المُلابَسَةِ، أنْ تَثْقُلَ مَعَ العُصْبَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَها، فَهي لِشِدَّةِ ثِقَلِها تَثْقُلُ مَعَ أنَّ حَمَلَتَها عُصْبَةٌ أُولُو قُوَّةٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الباءُ باءُ السَّبَبِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ

ولا كَمِثالِ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ناءَ بِهِ الحِمْلُ، إذا أثْقَلَهُ الحِمْلُ حَتّى أمالَهُ.

وأما قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ بِأنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ فِيهِ قَلْبٌ، فَلا يَقْبَلُهُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ.

والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وأقْرَبُ الأقْوالِ في مِقْدارِها قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّهُ مِن عَشْرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ. وكانَ اكْتَسَبَ الأمْوالَ في مِصْرَ وخَرَجَ بِها.

* * *

﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]

إذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِ ”بَغى عَلَيْهِمْ“، والمَقْصُودُ مِن هَذا الظَّرْفِ القِصَّةُ، ولَيْسَ القَصْدُ بِهِ تَوْقِيتَ البَغْيِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا وهو المَعْنِيُّ في نَظائِرِهِ مِنَ القَصَصِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ بَعْضُهم، إمّا جَماعَةٌ مِنهم وهم أهْلُ المَوْعِظَةِ، وإمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ القَوْمِ؛ لِأنَّ أقْوالَهُ قُدْوَةٌ لِلْقَوْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا قَوْلَهُ.

صفحة ١٧٨

والفَرَحُ يُطْلَقُ عَلى السُّرُورِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ [يونس: ٢٢] في يُونُسَ، ويُطْلَقُ عَلى البَطَرِ والِازْدِهاءِ، وهو الفَرَحُ المُفْرِطُ المَذْمُومُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وهو التَّمَحُّضُ لِلْفَرَحِ. والفَرَحُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو المُفْرِطُ مِنهُ، أيِ الَّذِي تَمْحَضَّ لِلتَّعَلُّقِ بِمَتاعِ ولَذّاتِ النَّفْسِ بِهِ؛ لِأنَّ الِانْكِبابَ عَلى ذَلِكَ يُمِيتُ مِنَ النَّفْسِ الِاهْتِمامَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والمُنافَسَةِ لِاكْتِسابِها، فَيَنْحَدِرُ بِهِ التَّوَغُّلُ في الإقْبالِ عَلى اللَّذّاتِ إلى حَضِيضِ الإعْراضِ عَنِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ والِاهْتِمامِ بِالآدابِ الدِّينِيَّةِ، فَحُذِفَ المُتَعَلِّقُ بِالفِعْلِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّ المَعْنى لا تَفْرَحْ بِلَذّاتِ الدُّنْيا مُعْرِضًا عَنِ الدِّينِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ: وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ. وأحْسَبُ أنَّ الفَرَحَ إذا لَمْ يَعْلَقْ بِهِ شَيْءٌ دَلَّ عَلى أنَّهُ صارَ سَجِيَّةَ المَوْصُوفِ، فَصارَ مُرادًا بِهِ العُجْبُ والبَطَرُ. وقَدْ أُشِيرَ إلى بَيانِ المَقْصُودِ تَعْضِيدًا لِدَلالَةِ المَقامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾، أيِ المُفْرِطِينَ في الفَرَحِ، فَإنَّ صِيغَةَ ”فَعِلٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مَعَ الإشارَةِ إلى تَعْلِيلِ النَّهْيِ، فالجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، والمُبالَغَةُ في الفَرَحِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الإقْبالِ عَلى ما يُفْرَحُ بِهِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الإعْراضَ عَنْ غَيْرِهِ، فَصارَ النَّهْيُ عَنْ شِدَّةِ الفَرَحِ رَمْزًا إلى الإعْراضِ عَنِ الجِدِّ والواجِبِ في ذَلِكَ.

وابْتِغاءُ الدّارِ الآخِرَةِ: طَلَبُها، أيْ طَلَبُ نَعِيمِها وثَوابِها، وعَلِقَ بِفِعْلِ الِابْتِغاءِ قَوْلُهُ: ”فِيما آتاكَ اللَّهُ“ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، أيِ اطْلُبْ بِمُعْظَمِهِ وأكْثَرِهِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَغَلْغُلِ ابْتِغاءِ الدّارِ الآخِرَةِ في ما آتاهُ اللَّهُ، وما آتاهُ هو كُنُوزُ المالِ، فالظَّرْفِيَّةُ هُنا كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] أيْ مِنها ومُعْظَمِها، وقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:

نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُهَـا ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ

أيِ اطْلُبْ بِكُنُوزِكَ أسْبابَ حُصُولِ الثَّوابِ بِالإنْفاقِ مِنها في سَبِيلِ اللَّهِ وما أوْجَبَهُ ورَغَّبَ فِيهِ مِنَ القُرْبانِ ووُجُوهِ البِرِّ.

28:77Page 394

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."

﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الحافَّتَيْنِ بِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

صفحة ١٧٩

والنَّهْيُ في ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ. والنِّسْيانُ كِنايَةٌ عَنِ التَّرْكِ كَقَوْلِهِ في حَدِيثِ الخَيْلِ: ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها، أيْ لا نَلُومُكَ عَلى أنْ تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، أيِ الَّذِي لا يَأْتِي عَلى نَصِيبِ الآخِرَةِ. وهَذا احْتِراسٌ في المَوْعِظَةِ خَشْيَةَ نُفُورِ المَوْعُوظِ مِن مَوْعِظَةِ الواعِظِ؛ لِأنَّهم لَمّا قالُوا لِقارُونَ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أوْهَمُوا أنْ يَتْرُكَ حُظُوظَ الدُّنْيا فَلا يَسْتَعْمِلَ مالَهُ إلّا في القُرُباتِ، فَأُفِيدَ أنَّ لَهُ اسْتِعْمالَ بَعْضِهِ في ما هو مُتِمِحِّضٌ لِنَعِيمِ الدُّنْيا إذا آتى حَقَّ اللَّهِ في أمْوالِهِ. فَقِيلَ: أرادُوا أنَّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ.

والنَّصِيبُ: الحَظُّ والقِسْطُ، وهو فَعِيلٌ مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ ما يُعْطى لِأحَدٍ يُنَصِّبُ لَهُ ويُمَيِّزُ، وإضافَةُ النَّصِيبِ إلى ضَمِيرِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ حَقُّهُ، وأنَّ لِلْمَرْءِ الِانْتِفاعَ بِمالِهِ في ما يُلائِمُهُ في الدُّنْيا خاصَّةً مِمّا لَيْسَ مِنَ القُرُباتِ ولَمْ يَكُنْ حَرامًا. قالَ مالِكٌ: في رَأْيِي مَعْنى ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ تَعِيشُ وتَأْكُلُ وتَشْرَبُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: نَصِيبُ الدُّنْيا هو الحَلالُ كُلُّهُ. وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثالًا لِاسْتِعْمالِ صِيغَةِ النَّهْيِ لِمَعْنى الإباحَةِ. و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ بِالدُّنْيا نَعِيمُها، فالمَعْنى: نَصِيبَكَ الَّذِي هو بَعْضُ نَعِيمِ الدُّنْيا.

* * *

﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾

الإحْسانُ داخِلٌ في عُمُومِ ابْتِغاءِ الدّارِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ هُنا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ الِاحْتِجاجَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ . والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كَإحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ، والمُشَبَّهُ هو الإحْسانُ المَأْخُوذُ مِن أحْسِنْ أيْ إحْسانًا شَبِيهًا بِإحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. ومَعْنى الشَّبَهِ: أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ مِن جِنْسِها. وقَدْ شاعَ بَيْنَ النُّحاةِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الكافِ كافَ التَّعْلِيلِ، ومِثْلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْلِيلَ حاصِلٌ مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ ولَيْسَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا مِن مَعانِي الكافِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الإحْسانِ لِتَعْمِيمِ ما يُحْسِنُ إلَيْهِ، فَيَشْمَلُ نَفْسَهُ وقَوْمَهُ ودَوابَّهُ ومَخْلُوقاتِ اللَّهِ الدّاخِلَةَ في دائِرَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الإحْسانِ إلَيْها. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ

صفحة ١٨٠

اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ» فالإحْسانُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، والإحْسانُ لِكُلِّ شَيْءٍ بِما يُناسِبُهُ، حَتّى الأذى المَأْذُونُ فِيهِ فَبِقَدَرِهِ، ويَكُونُ بِحُسْنِ القَوْلِ وطَلاقَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ اللِّقاءِ.

وعَطْفُ ”لا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ“ لِلتَّحْذِيرِ مِن خَلْطِ الإحْسانِ بِالفَسادِ؛ فَإنَّ الفَسادَ ضِدُّ الإحْسانِ، فالأمْرُ بِالإحْسانِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الفَسادِ، وإنَّما نَصَّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَتْ مَوارِدُ الإحْسانِ والإساءَةِ فَقَدْ يَغِيبُ عَنِ الذِّهْنِ أنَّ الإساءَةَ إلى شَيْءٍ مَعَ الإحْسانِ إلى أشْياءَ يُعْتَبَرُ غَيْرَ إحْسانٍ.

والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُهُمُ الَّتِي هم حالُّونَ بِها، وإذْ قَدْ كانَتْ جُزْءًا مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ فالإفْسادُ فِيها إفْسادٌ مَظْرُوفٌ في عُمُومِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ؛ لِأنَّ العَمَلَ الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللَّهُ لا يَجُوزُ لِعِبادِهِ عَمَلُهُ، وقَدْ كانَ قارُونُ مُوَحِّدًا عَلى دِينِ إسْرائِيلَ، ولَكِنَّهُ كانَ شاكًّا في صِدْقِ مَواعِيدِ مُوسى وفي تَشْرِيعاتِهِ.

28:78Page 395

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1

﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِيَ أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾

جَوابٌ عَنْ مَوْعِظَةِ واعِظِيهِ مِن قَوْمِهِ. وقَدْ جاءَ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ فَلَمْ يُعْطَفْ، وهو جَوابٌ مُتَصَلِّفٌ حاوَلَ بِهِ إفْحامَهم وأنْ يَقْطَعُوا مَوْعِظَتَهم؛ لِأنَّها أمَرَّتْ بَطَرَهُ وازْدِهاءَهُ.

و”إنَّما“ هَذِهِ هي أداةُ الحَصْرِ المُرَكَّبَةُ مِن ”إنَّ“ و”ما“ الكافَّةِ مُصَيَّرَتَيْنِ كَلِمَةً واحِدَةً، وهي الَّتِي حَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَوْصُولَةَ النُّونِ بِمِيمِ ”ما“، والمَعْنى: ما أُوتِيتُ هَذا المالَ إلّا عَلى عِلْمٍ عَلِمْتُهُ.

وضَمِيرُ ”أُوتِيتُهُ“ عائِدٌ إلى ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧] . وبُنِيَ الفِعْلُ لِلنّائِبِ؛ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ مِن كَلامِ واعِظِيهِ.

صفحة ١٨١

و﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ.

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ والتَّحَقُّقِ، أيْ ما أُوتِيتُ المالَ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَمَكُّنِي مِن عِلْمٍ راسِخٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِلْمِ عِلْمَ أحْكامِ إنْتاجِ المالِ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ أنا أعْلَمُ مِنكم بِما تَعِظُونَنِي بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهم لَهُ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦]، ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]، ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] . وقَدْ كانَ قارُونُ مَشْهُورًا بِالعِلْمِ بِالتَّوْراةِ، ولَكِنَّهُ أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ، فَأرادَ بِهَذا الجَوابِ قَطْعَ مَوْعِظَتَهم نَظِيرَ جَوابِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ المُلَقَّبِ بِالأشْدَقِ لِأبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ حِينَ قَدِمَ إلى المَدِينَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ سَنَةَ سِتِّينَ، فَجَعَلَ يُجَهِّزُ الجُيُوشَ ويَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكَّةَ لِقِتالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي خَرَجَ عَلى يَزِيدَ، فَقالَ أبُو شُرَيْحٍ لَهُ: ائْذَنْ لِي أيُّها الأمِيرُ أُحَدِّثُكَ قَوْلًا قامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ مِن يَوْمِ الفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنايَ ووَعاهُ قَلْبِي، وأبْصَرَتْهُ عَيْنايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ ولَمْ يُحَرِّمْها النّاسُ، فَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِها دَمًا ولا يَعْضِدَ شَجَرَةً، فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكم، وإنَّما أذِنَ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأمْسِ، ولْيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ»، فَقالَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ: أنا أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنكَ يا أبا شُرَيْحٍ، إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا ولا فارًّا بِدَمٍ ولا فارًّا بِخَرِبَةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمَ اكْتِسابِ المالِ مِنَ التِّجارَةِ ونَحْوِها، فَأرادَ بِجَوابِهِ إنْكارَ قَوْلِهِمْ: آتاكَ اللَّهُ، صَلَفًا مِنهُ وطُغْيانًا.

وقَوْلُهُ: عِنْدِي صِفَةٌ لِـ عِلْمٍ تَأْكِيدًا لِتَمَكُّنِهِ مِنَ العِلْمِ وشُهْرَتِهِ بِهِ، هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الآيَةِ، وهو الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى عَقِبَهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ الآيَةَ، كَما سَتَعْرِفُهُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا تُسْفِرُ عَنْ أشْكالٍ أُخْرى مِن تَرْكِيبِ نَظْمِ الآيَةِ في مَحْمِلِ مَعْنى ”عَلى“، ومَحْمِلِ المُرادِ مِنَ ”العِلْمِ“، ومَحْمِلِ ”عِنْدِي“، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، فَهي مِنكَ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ الآيَةَ، إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُسْلِمِينَ.

صفحة ١٨٢

والهَمْزَةُ في ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ، تَعْجِيبًا مِن عَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ أهْلَكَ أُمَمًا عَلى بَطَرِهِمُ النِّعْمَةَ وإعْجابِهِمْ لِقُوَّتِهِمْ، ونِسْيانِهِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، تَعْجِيبًا مِن فَواتِ مُراعاةِ ذَلِكَ مِنهُ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ بِغَيْرِهِ مِن بابِ ”حَفِظْتَ شَيْئًا وغابَتْ عَنْكَ أشْياءُ“ .

وعُطِفَ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ . وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ.

والقُوَّةُ: ما بِهِ يُسْتَعانُ عَلى الأعْمالِ الصَّعْبَةِ تَشْبِيهًا لَها بِقُوَّةِ الجِسْمِ الَّتِي تُخَوِّلُ صاحِبَها حَمْلَ الأثْقالِ ونَحْوِها، قالَ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] .

والجَمْعُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قِيلَ: كانَ أشْياعُ قارُونَ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُؤَساءَ جَماعاتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ، فَهو اسْتِئْنافٌ ولَيْسَ عَطْفًا عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مَن قَبْلَهُ. والسُّؤالُ المَنفِيُّ السُّؤالُ في الدُّنْيا ولَيْسَ سُؤالَ الآخِرَةِ. والمَعْنى يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الحاجَةِ إلى السُّؤالِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عِقابِهِمْ عَلى إجْرامِهِمْ، فَهي كِنايَةٌ بِوَسائِطَ. والكَلامُ تَهْدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ لِيَكُونُوا بِالحَذَرِ مِن أنْ يُؤْخَذُوا بَغْتَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ لا يُسْألُ المُجْرِمُ عَنْ جُرْمِهِ قَبْلَ عِقابِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لِلنّاسِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِحَدَّيِ الخَيْرِ والشَّرِّ وأمْهَلَ المُجْرِمَ، فَإذا أخَذَهُ أخَذَهُ بَغْتَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظّالِمَ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» .

28:79Page 395

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩

So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦] إلى آخِرِها مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها وتَعَلَّقَ بِها، فَدَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ خُرُوجَهُ بَيْنَ قَوْمِهِ في زِينَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ كانَ مِن أجْلِ

صفحة ١٨٣

أنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ عَنْ شَيْءٍ مِن سِيرَتِهِ ولَمْ يَتَّعِظْ بِتِلْكَ المَواعِظِ ولا زَمَنًا قَصِيرًا، بَلْ أعْقَبَها بِخُرُوجِهِ هَذِهِ الخِرْجَةَ المَلِيئَةَ صَلَفًا وازْدِهاءً، فالتَّقْدِيرُ: قالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَخَرَجَ، أيْ رَفَضَ المَوْعِظَةَ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ. وتَعْدِيَةُ خَرَجَ بِحَرْفِ ”عَلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى النُّزُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ خُرُوجٌ مُتَعالٍ مُتَرَفِّعٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ خَرَجَ.

والزِّينَةُ: ما بِهِ جَمالُ الشَّيْءِ والتَّباهِي بِهِ مِنَ الثِّيابِ والطِّيبِ والمَراكِبِ والسِّلاحِ والخَدَمِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ. وإنَّما فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ تُعْطَفْ؛ لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ؛ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الزِّينَةُ مِن أنَّها مِمّا يَتَمَنّاهُ الرّاغِبُونَ في الدُّنْيا، وذَلِكَ جامِعٌ لِأحْوالِ الرَّفاهِيَةِ وعَلى أخْصَرِ وجْهٍ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا لَهم أمْيالٌ مُخْتَلِفَةٌ ورَغَباتٌ مُتَفاوِتَةٌ، فَكُلٌّ يَتَمَنّى أُمْنِيَةً مِمّا تَلَبَّسَ بِهِ قارُونُ مِنَ الزِّينَةِ، فَحَصَلَ هَذا المَعْنى مَعَ حُصُولِ الإخْبارِ عَنِ انْقِسامِ قَوْمِهِ إلى مُغْتَرِّينَ بِالزَّخارِفِ العاجِلَةِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وإلى عُلَماءَ يُؤْثِرُونَ الآجِلَ عَلى العاجِلِ، ولَوْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ بِالواوِ والفاءِ لَفاتَتْ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ البَلِيغَةُ فَصارَتِ الجُمْلَةُ إمّا خَبَرًا مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، أوْ جُزْءَ خَبَرٍ مِن قِصَّتِهِ.

والَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا لَمّا قُوبِلُوا بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ كانَ المَعْنِيُّ بِهِمْ عامَّةَ النّاسِ وضُعَفاءَ اليَقِينِ الَّذِينَ تُلْهِيهِمْ زَخارِفُ الدُّنْيا عَمّا يَكُونُ في مَطاوِيها مِن سُوءِ العَواقِبِ، فَتَقْصُرُ بَصائِرُهم عَنِ التَّدَبُّرِ إذا رَأوْا زِينَةَ الدُّنْيا، فَيَتَلَهَّفُونَ عَلَيْها ولا يَتَمَنَّوْنَ غَيْرَ حُصُولِها، فَهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ إلّا أنَّ إيمانَهم ضَعِيفٌ؛ فَلِذَلِكَ عَظُمَ في عُيُونِهِمْ ما عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَذَخِ، فَقالُوا: ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ إنّهُ لَذُو بَخْتٍ وسَعادَةٍ.

وأصْلُ الحَظِّ: القِسْمُ الَّذِي يُعْطاهُ المَقْسُومُ لَهُ عِنْدَ العَطاءِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما قُسِمَ لَهُ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا.

والتَّوْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ التَّعَجُّبِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُنْكِرُ حَظَّهُ فَيُؤَكِّدُهُ المُتَكَلِّمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском