Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:7–11
28:7Page 386
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧
And We inspired to the mother of Moses, "Suckle him; but when you fear for him, cast him into the river and do not fear and do not grieve. Indeed, We will return him to you and will make him [one] of the messengers."
﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]، إذِ الكُلُّ مِن أجْزاءِ النَّبَإ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]، فَإنَّ الإرادَةَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الذُّلِّ خَلَقَ اللَّهُ المُنْقِذَ لَهم.
والوَحْيُ هُنا وحْيُ إلْهامٍ يُوجَدُ عِنْدَهُ مِنِ انْشِراحِ الصَّدْرِ ما يُحَقِّقُ عِنْدَها أنَّهُ خاطِرٌ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ. فَإنَّ الإلْهامَ الصّادِقَ يَعْرِضُ لِلصّالِحِينَ فَيُوقِعُ في نُفُوسِهِمْ يَقِينًا يُبْعَثُونَ بِهِ إلى عَمَلِ ما أُلْهِمُوا إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَحْيُ بِرُؤْيا صادِقَةٍ رَأتْها. وأمُّ مُوسى لَمْ يُعْرَفِ اسْمُها في كُتُبِ اليَهُودِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ لَها أسْماءً لا يُوثَقُ بِصِحَّتِها.
وقَوْلُهُ ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ أوْحَيْنا. والأمْرُ بِإرْضاعِهِ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ طُوِيَتْ وهي أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ ذَلِكَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ مَظْهَرُ ما أرادَهُ هو الجَنِينَ الَّذِي في بَطْنِ أمِّ مُوسى ووَضَعَتْهُ أُمُّهُ، وخافَتْ عَلَيْهِ اعْتِداءَ أنْصارِ فِرْعَوْنَ عَلى ولِيدِها، وتَحَيَّرَتْ في أمْرِها فَأُلْهِمَتْ أوْ أُرِيَتْ ما قَصَّهُ اللَّهُ هُنا وفي مَواضِعَ أُخْرى.
والإرْضاعُ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ يَتَضَمَّنُ أنْ: أخْفِيهِ مُدَّةً تُرْضِعِيهِ فِيها فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يُعْرَفَ خَبَرُهُ فَألْقِيهِ في اليَمِّ.
وإنَّما أمَرَها اللَّهُ بِإرْضاعِهِ لِتَقْوى بُنْيَتُهُ بِلِبانِ أُمِّهِ فَإنَّهُ أسْعَدُ بِالطِّفْلِ في أوَّلِ عُمُرِهِ مِن لِبانِ غَيْرِها، ولِيَكُونَ لَهُ مِنَ الرَّضاعَةِ الأخِيرَةِ قَبْلَ إلْقائِهِ في اليَمِّ قُوتٌ يَشُدُّ بُنْيَتَهُ فِيما بَيْنَ قَذْفِهِ في اليَمِّ وبَيْنَ التِقاطِ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ وإيصالِهِ إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ
صفحة ٧٤
وابْتِغاءِ المَراضِعِ ودَلالَةِ أُخْتِهِ إيّاهم عَلى أُمِّهِ إلى أنْ أُحْضِرَتْ لِإرْضاعِهِ فَأُرْجِعَ إلَيْها بَعْدَ أنْ فارَقَها بَعْضَ يَوْمٍ. وحَكَتْ كُتُبُ اليَهُودِ أنَّ أُمَّ مُوسى خَبَّأتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ خافَتْ أنْ يَفْشُوَ أمْرُهُ فَوَضَعَتْهُ في سَفَطٍ مُقَيَّرٍ وقَذَفَتْهُ في النَّهْرِ. وقَدْ بَشَّرَها اللَّهُ بِما يُزِيلُ هَمَّها بِأنَّهُ رادُّهُ إلَيْها وزادَ عَلى ذَلِكَ بِما بَشَّرَها بِما سَيَكُونُ لَهُ مِن مَقامٍ كَرِيمٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَحْيَ إلَيْها كانَ عِنْدَ وِلادَتِهِ، وأنَّها أُمِرَتْ بِأنْ تُلْقِيَهُ في اليَمِّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ دَفْعًا لِلضُّرِّ المُحَقَّقِ بِالضُّرِّ المَشْكُوكِ فِيهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ في يَقِينِها بِأنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ.
واليَمُّ: البَحْرُ وهو هُنا نَهْرُ النِّيلِ الَّذِي كانَ يَشُقُّ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ حَيْثُ مَنازِلُ بَنِي إسْرائِيلَ. واليَمُّ في كَلامِ العَرَبِ مُرادِفُ البَحْرِ، والبَحْرُ في كَلامِهِمْ يُطْلَقُ عَلى الماءِ العَظِيمِ المُسْتَبْحَرِ، فالنَّهْرُ العَظِيمُ يُسَمّى بَحْرًا قالَ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، فَإنَّ اليَمَّ مِنَ الأنْهارِ.
وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِثالًا مِن أمْثِلَةِ دَقائِقِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ فَذَكَرَ عِياضٌ في الشِّفاءِ، والقُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّهُ سَمِعَ جارِيَةً أعْرابِيَّةً تُنْشِدُ:
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِأمْرِي كُلِّهِ قَتَلْتُ إنْسانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
مِثْلَ غَزالٍ ناعِمًا في دَلِّهِ ∗∗∗ انْتَصَفَ اللَّيْلُ ولَمْ أُصَلِّهِ
وهِيَ تُرِيدُ التَّوْرِيَةَ بِالقُرْآنِ. فَقالَ لَها: قاتَلَكِ اللَّهُ ما أفْصَحَكِ ! يُرِيدُ ما أبْلَغَكِ (وكانُوا يُسَمُّونَ البَلاغَةَ فَصاحَةً) فَقالَتْ لَهُ (أوَيُعَدُّ هَذا فَصاحَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَجَمَعَ في آيَةٍ واحِدَةٍ خَبَرَيْنِ، وأمْرَيْنِ، ونَهْيَيْنِ، وبِشارَتَيْنِ) .
صفحة ٧٥
فالخَبَرانِ هُما ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ وقَوْلُهُ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ أنَّها سَتَخافُ عَلَيْهِ.
والأمْرانِ هُما: ”أرَضِعَيْهِ“ و”ألْقِيهِ“ .
والنَّهْيانِ: ”ولا تَخافِي“ و”ولا تَحْزَنِي“ .
والبِشارَتانِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .
والخَوْفُ: تَوَقُّعُ أمْرٍ مَكْرُوهٍ، والحُزْنُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَنْشَأُ مِن حادِثٍ مَكْرُوهٍ لِلنَّفْسِ كَفَواتِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ، أوْ فَقْدِ حَبِيبٍ، أوْ بُعْدِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
والمَعْنى: لا تَخافِي عَلَيْهِ الهَلاكَ مِنَ الإلْقاءِ في اليَمِّ، ولا تَحْزَنِي عَلى فِراقِهِ.
والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ وعَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبَيْهِما وهُما تُوَقُّعُ المَكْرُوهِ والتَّفَكُّرُ في وحْشَةِ الفِراقِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلنَّهْيَيْنِ؛ لِأنَّ ضَمانَ رَدِّهِ إلَيْها يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَهْلِكُ وأنَّها لا تَشْتاقُ إلَيْهِ بِطُولِ المَغِيبِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَإدْخالٌ لِلْمَسَرَّةِ عَلَيْها.
28:8Page 386
فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨
And the family of Pharaoh picked him up [out of the river] so that he would become to them an enemy and a [cause of] grief. Indeed, Pharaoh and Hāmān and their soldiers were deliberate sinners.
﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ الِالتِقاطُ افْتِعالٌ مِنَ اللَّقْطِ، وهو تَناوُلُ الشَّيْءِ المُلْقى في الأرْضِ ونَحْوِها بِقَصْدٍ أوْ ذُهُولٍ. أسْنَدَ الِالتِقاطَ إلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ اسْتِخْراجَ تابُوتِ مُوسى مِنَ النَّهْرِ كانَ مِن إحْدى النِّساءِ الحافّاتِ بِابْنَةِ فِرْعَوْنَ حِينَ كانَتْ مَعَ أتْرابِها وداياتِها عَلى ساحِلِ النِّيلِ كَما جاءَ في الإصْحاحِ الثّانِي مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النُّحاةِ بِلامِ كَيْ وهي لامٌ جارَّةٌ مِثْلُ ”كَيْ“، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”التَقَطَهُ“ . وحَقُّ لامِ كَيْ أنْ تَكُونَ جارَّةً لِمَصْدَرٍ مُنْسَبِكٍ مِن (أنِ) المَقَدَّرَةِ بَعْدَ اللّامِ ومِنَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِها فَذَلِكَ المَصْدَرُ هو العِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِن فاعِلِهِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ في
صفحة ٧٦
الآيَةِ اسْتِعْمالًا وارِدًا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ دُونَ الحَقِيقَةِ لِظُهُورِ أنَّهم لَمْ يَكُنْ داعِيهِمْ إلى التِقاطِهِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ولَكِنَّهُمُ التَقَطُوهُ رَأْفَةً بِهِ وحُبًّا لَهُ لِما أُلْقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِن شَفَقَةٍ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ التِقاطِهِمْ إيّاهُ أنْ كانَ لَهم عَدُوًّا في اللَّهِ ومُوجِبَ حَزَنٍ لَهم، شُبِّهَتِ العاقِبَةُ بِالعِلَّةِ في كَوْنِها نَتِيجَةً لِلْفِعْلِ كَشَأْنِ العِلَّةِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ مَعْنى الحَرْفِ إلى مَعْنًى آخَرَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، أيِ اسْتُعِيرَ الحَرْفُ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ مَعْناهُ ثُمَّ تَسْرِي مِنَ المَعْنى إلى الحَرْفِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ المَعانِي خِلافًا لِلسَّكّاكِيِّ.
وضَمِيرُ لَهم يَعُودُ إلى آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ العُنْوانِيِّ؛ لِأنَّ مُوسى كانَ عَدُوًّا لِفِرْعَوْنٍ آخَرَ بَعْدَ هَذا، أيْ لِيَكُونَ لِدَوْلَتِهِمْ وأُمَّتِهِمْ عَدُوًّا وحَزَنًا فَقَدْ كانَتْ بَعْثَةُ مُوسى في مُدَّةِ ابْنِ فِرْعَوْنَ هَذا.
ووَصْفُهُ بِالحَزَنِ وهو مَصْدَرٌ عَلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَزَنًا لَهم لِدَلالَةِ قَوْلِهِ لَهُمُ السّابِقِ. ولَيْسَ هَذا مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلِ قَوْلِكَ: فُلانٌ عَدْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَصْدَرُ واقِعًا مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ فَكانَ مَعْنى المَصْدَرِ قائِمًا بِالمَوْصُوفِ. والمَعْنى هُنا: لِيَكُونَ لَهم حَزَنًا. والإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَزَنِ ولَيْسَ هو حَزَنًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وحَزَنًا بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ وهُما لُغَتانِ كالعَدَمِ والعُدْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ أيْ قَدَّرَ اللَّهُ نَجاةَ مُوسى لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا؛ لِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عِقابًا لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ وعَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
والخاطِئُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَفَرِحَ إذا فَعَلَ الخَطِيئَةَ وهي الإثْمُ والذَّنْبُ، قالَ تَعالى ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] . ومَصْدَرُهُ الخِطْءُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] في الإسْراءِ. وأمّا
صفحة ٧٧
الخَطَأُ وهو ضِدُّ العَمْدِ فَفِعْلُهُ أخْطَأ فَهو مُخْطِئٌ، قالَ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فَعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنَّ الفُصَحاءَ فَرَّقُوا الِاسْتِعْمالَ بَيْنَ مُرْتَكِبِ الخَطِيئَةِ ومُرْتَكِبِ الخَطَإ، وعَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أخْطَأ وخَطِئَ دَرَجَ نَفْطَوَيْهِ، وتَبِعَهُ الجَوْهَرِيُّ، والحَرِيرِيُّ.
وذَهَبَ أبُو عَبِيدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، إلى أنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَرادِفانِ وأنَّهُما لُغَتانِ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ هُنا أنَّهُ جارٍ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، فَقَدْ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَعْنَيَيْنِ وقالَ في الأساسِ أخْطَأ في الرَّأْيِ وخَطِئَ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ. وقِيلَ هُما واحِدٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ أصْلَهُما لُغَتانِ في مَعْنى مُخالَفَةِ الصَّوابِ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ أوْ عَنْ عَمْدٍ، ثُمَّ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ عَلى تَخْصِيصِ أخْطَأ بِفِعْلٍ عَلى غَيْرِ عَمْدٍ، وخَطِئَ بِالإجْرامِ والذَّنْبِ، وهَذا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ اللُّغَةِ. وإنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ الألْفاظِ مِن أحْسَنِ تَهْذِيبِ اللُّغَةِ.
فَأمّا مَحْمَلُ الآيَةِ هُنا فَلا يُناسِبُهُ إلّا أنْ يَكُونَ خاطِئِينَ مِنَ الخَطِيئَةِ لِيَكُونَ الكَلامُ تَعْلِيلًا لِتَكْوِينِ حُزْنِهِمْ مِنهُ بِالإخارَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ آنِفًا.
28:9Page 386
وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩
And the wife of Pharaoh said, "[He will be] a comfort of the eye [i.e., pleasure] for me and for you. Do not kill him; perhaps he may benefit us, or we may adopt him as a son." And they perceived not.1
﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى أنَّ الَّذِينَ انْتَشَلُوهُ جَعَلُوهُ بَيْنَ أيْدِي فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ فَرَقَّتْ لَهُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وصَرَفَتْ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ أنْ هَمَّ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الطِّفْلَ لَيْسَ مِن أبْناءِ القِبْطِ بِلَوْنِ جَلْوَتِهِ ومَلامِحِ وجْهِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَمَلَهُ النَّيْلُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لِظُهُورِهِ أنَّهُ لَمْ يَطُلْ مَكْثُ تابُوتِهِ في الماءِ ولا اضْطِرابُهُ بِكَثْرَةِ التَّنَقُّلِ، فَعَلِمَ أنَّ وقْعَهُ في التّابُوتِ لِقَصْدِ إنْجائِهِ مِنَ الذَّبْحِ. وكانَ ذَلِكَ وقْتَ انْتِشالِهِ مِنَ الماءِ وإخْراجِهِ مِنَ التّابُوتِ. وكانَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ امْرَأةً مُلْهَمَةً لِلْخَيْرِ وقَدَّرَ اللَّهُ نَجاةَ مُوسى بِسَبَبِها. وقَدْ قالَ تَعالى في شَأْنِها ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]
صفحة ٧٨
وهِيَ لَمْ تَرَ عَداوَةَ مُوسى لِآلِ فِرْعَوْنَ ولا حَزِنَتْ مِنهُ؛ لِأنَّها انْقَرَضَتْ قَبْلَ بَعْثَةِ مُوسى.
وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ سُمِّيَتْ آسِيَةَ كَما في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بْنَةُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» ويُفِيدُ قَوْلُها ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حِينَ رَآهُ اسْتَحْسَنَهُ ثُمَّ خالَجَهُ الخَوْفُ مِن عاقِبَةِ أمْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ أنْذَرَتْهُ امْرَأتُهُ بِقَوْلِها ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ .
وارْتَفَعَ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الطِّفْلُ. وحَذَفَهُ؛ لِأنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ حُضُورُهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ هو سَبَبُ قُرَّةِ عَيْنٍ لِي ولَكَ.
وقُرَّةُ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ وهي كِنايَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ ضِدِّها وهو سُخْنَةُ العَيْنِ الَّتِي هي أثَرُ البُكاءِ اللّازِمِ لِلْأسَفِ والحُزْنِ، فَلَمّا كُنِّيَ عَنِ الحُزْنِ بِسُخْنَةِ العَيْنِ في قَوْلِهِمْ في الدُّعاءِ بِالسُّوءِ: أسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ. وقَوْلِ الرّاجِزِ:
أوْهِ أدِيمَ عِرْضِهِ وأسْخِنِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ هُجُوعِ الأعْيُنِ
أتْبَعُوا ذَلِكَ بِأنْ كَنَّوْا عَنِ السُّرُورِ بِضِدِّ هَذِهِ الكِنايَةِ فَقالُوا: قُرَّةُ عَيْنٍ، وأقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، فَحَكى القُرْآنُ ما في لُغَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ مِن دَلالَةٍ عَلى مَعْنى المَسَرَّةِ الحاصِلَةِ لِلنَّفْسِ بِبَلِيغِ ما كَنّى بِهِ العَرَبُ عَنْ ذَلِكَ وهو ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾، ومِن لَطائِفِهِ في الآيَةِ أنَّ المَسَرَّةَ المَعْنِيَّةَ هي مَسَرَّةٌ حاصِلَةٌ مِن مَرْأى مَحاسِنِ الطِّفْلِ كَما قالَ تَعالى ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ قَسَمًا كَما يُقالُ: أيْمُنُ اللَّهِ. فَإنَّ العَرَبَ يُقْسِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ أُقْسِمُ بِما تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اسْتَضافَ نَفَرًا وتَأخَّرَ عَنْ وقْتِ عَشائِهِمْ ثُمَّ حَضَرَ، وفِيهِ قِصَّةٌ إلى أنْ قالَ الرّاوِي: فَجَعَلُوا لا يَأْكُلُونَ لُقْمَةً إلّا رَبَتْ مِن أسْفَلِها أكْثَرَ مِنها. فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِامْرَأتِهِ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذا ؟ فَقالَتْ: وقُرَّةِ عَيْنِي إنَّها الآنَ أكْثَرُ مِن قَبْلُ. فَتَكُونُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أقْسَمْتَ عَلى فِرْعَوْنَ بِما فِيهِ قُرَّةُ عَيْنِها، وقُرَّةُ عَيْنِهِ أنْ لا يَقْتُلَ مُوسى، ويَكُونُ رَفْعُ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفًا، وهو حَذْفٌ
صفحة ٧٩
كَثِيرٌ في نَصِّ اليَمِينِ مِثْلُ: لَعَمْرُكَ. وابْتَدَأتْ بِنَفْسِها في ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي﴾ قَبْلَ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ إدْلالًا عَلَيْهِ لِمَكانَتِها عِنْدَهُ أرادَتْ أنْ تَبْتَدِرَهُ بِذَلِكَ حَتّى لا يَصْدُرَ عَنْهُ الأمْرُ بِقَتْلِ الطِّفْلِ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِها ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فِرْعَوْنُ نَزَّلَتْهُ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خِطابُ فِرْعَوْنَ داخِلًا فِيهِ أهْلُ دَوْلَتِهِ هامانُ والكَهَنَةُ الَّذِينَ ألْقَوْا في نَفْسِ فِرْعَوْنَ أنَّ فَتًى مِن إسْرائِيلَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ مَمْلَكَتَهُ. وهَذا أحْسَنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَمْهِيدًا لِإجابَةِ سُؤْلِها حِينَ أسْنَدَتْ مُعْظَمَ القَتْلِ لِأهْلِ الدَّوْلَةِ وجَعَلَتْ لِفِرْعَوْنَ مِنهُ حَظَّ الواحِدِ مِنَ الجَماعَةِ، فَكَأنَّها تُعَرِّضُ بِأنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ عَنْ رَأْيِهِ فَتُهَوِّنَ عَلَيْهِ عُدُولَهُ في هَذا الطِّفْلِ، عَمّا تَقَرَّرَ مِن قَتْلِ الأطْفالِ. وقِيلَ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ التِفاتٌ عَنْ خِطابِ فِرْعَوْنَ إلى خِطابِ المُوَكِّلِينَ بِقَتْلِ أطْفالِ إسْرائِيلَ كَقَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] .
فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ مَوْقِعُ التَّمْهِيدِ والمُقَدِّمَةِ لِلْعَرْضِ. ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ عَنِ المُقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَهي في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ فاتِّصالُها بِها كاتِّصالِ جُمْلَةِ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ بِها، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ قَضى بِهَذا التَّرْتِيبِ البَلِيغِ بِأنْ جَعَلَ الوازِعَ الطَّبِيعِيَّ عَنِ القَتْلِ وهو وازِعُ المَحَبَّةِ هو المُقَدِّمَةَ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالنَّفْسِ فَهو يُشْبِهُ المَعْلُومَ البَدِيهِيَّ. وجُعِلَ الوازِعُ العَقْلِيُّ بَعْدَ النَّهْيِ عِلَّةً لِاحْتِياجِهِ إلى الفِكْرِ، فَتَكُونُ مُهْلَةُ التَّفْكِيرِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ المُمَهَّدِ بِالوازِعِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يُخْشى جِماحُ السّامِعِ مِنَ النَّهْيِ ورَفْضُهُ إيّاهُ.
ويَتَضَمَّنُ قَوْلُها ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ إزالَةَ ما خامَرَ نَفْسَ فِرْعَوْنَ مِن خَشْيَةِ فَسادِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ فَتًى إسْرائِيلِيٍّ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ لا يَكُونُ هو المَخُوفَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا انْضَمَّ في أهْلِهِمْ وسَيَكُونُ رَبِيَّهم فَإنَّهُ يُرْجى مِنهُ نَفْعُهم وأنْ يَكُونَ لَهم كالوَلَدِ. فَأقْنَعَتْ فِرْعَوْنَ بِقِياسٍ عَلى الأحْوالِ المُجَرَّبَةِ في عَلاقَةِ التَّرْبِيَةِ والمُعاشَرَةِ والتَّبَنِّي والإحْسانِ، وإنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي بِالشَّرِّ. ولِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ الِاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] أيْ وفِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ خَفِيَّ إرادَةِ اللَّهِ مِن
صفحة ٨٠
الِانْتِقامِ مِن أُمَّةِ القِبْطِ بِسَبَبِ مُوسى. ولَعَلَّ اللَّهَ حَقَّقَ لِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ رَجاءَها فَكانَ مُوسى قُرَّةَ عَيْنٍ لَها ولِزَوْجِها، فَلَمّا هَلَكا وجاءَ فِرْعَوْنٌ آخَرُ بَعْدَهُما كانَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن نَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
واخْتِيرَ يَشْعُرُونَ هُنا؛ لِأنَّهُ مِنَ العِلْمِ الخَفِيِّ، أيْ لا يَعْلَمُونَ هَذا الأمْرَ الخَفِيَّ.
28:10Page 386
وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠
And the heart of Moses' mother became empty [of all else]. She was about to disclose [the matter concerning] him had We not bound fast her heart that she would be of the believers.
﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أصْبَحَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (صارَ) فاقْتَضى تَحَوُّلًا مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى أيْ كانَ فُؤادُها غَيْرَ فارِغٍ فَأصْبَحَ فارِغًا.
والفُؤادُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى العَقْلِ واللُّبِّ.
والفَراغُ مَجازِيٌّ. ومَعْنى فَراغِ العَقْلِ مِن أمْرٍ أنَّهُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ احْتِواءِ العَقْلِ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ احْتِواءً مَجازِيًّا، أيْ عَدَمِ جَوَلانِ مَعْنى ذَلِكَ الأمْرِ في العَقْلِ، أيْ تَرْكِ التَّفْكِيرِ فِيهِ.
وإذْ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ فُؤادَ أُمِّ مُوسى لِماذا أصْبَحَ فارِغًا احْتَمَلَتِ الآيَةُ مَعانِيَ تَرْجِعُ إلى مُحْتَمَلاتِ مُتَعَلِّقِ الفَراغِ ما هو. فاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ قَدِيمًا، ومَرْجِعُ أقْوالِهِمْ إلى ناحِيَتَيْنِ: ناحِيَةٍ تُؤْذِنُ بِثَباتِ أُمِّ مُوسى ورِباطَةِ جاشِها، وناحِيَةٍ تُؤْذِنُ بِتَطَرُّقِ الضَّعْفِ والشَّكِّ إلى نَفْسِها.
فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى النّاحِيَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ فارِغٌ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، فَأصْبَحَتْ واثِقَةً بِحُسْنِ عاقِبَتِهِ تَبَعًا لِما ألْهَمَها مِن أنْ لا تَخافَ ولا تَحْزَنَ فَيَرْجِعُ إلى الثَّناءِ عَلَيْها. وهَذا أسْعَدُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الرَّبْطَ مِن تَوابِعِ ما ألْهَمَها اللَّهُ مِن أنْ لا تَخافَ ولا تَحْزَنَ.
فالمَعْنى: أنَّها لَمّا ألْقَتْهُ في اليَمِّ كَما ألْهَمَها اللَّهُ زالَ عَنْها ما كانَتْ تَخافُهُ عَلَيْهِ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ عِنْدَها وقَتْلِهِ؛ لِأنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِن إلْقائِهِ في اليَمِّ ولَمْ يَشْعُرْ بِها أحَدٌ قَدْ
صفحة ٨١
عَلِمَتْ أنَّهُ نَجا. وهَذا المَحْمَلُ يُساعِدُهُ أيْضًا ما شاعَ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خَلِيُّ البالِ: إذا كانَ لا هَمَّ بِقَلْبِهِ. وهو تَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ، والأخْفَشِ، والكِسائِيِّ، وهَذا أحْسَنُ ما فُسِّرَتْ بِهِ وهو مِن مَعْنى الثَّناءِ عَلَيْها بِثَباتِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ شَتّى أنَّهُ قالَ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا ذِكْرَ مُوسى. وفي هَذا شَيْءٌ مِن رِباطَةِ جاشِها إذْ فَرَغَ لُبُّها مِن كُلِّ خاطِرٍ يَخْطُرُ في شَأْنِ مُوسى.
وأمّا زِيادَةُ ما أدّاهُ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: إلّا ذِكْرَ مُوسى، فَلَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ وإلّا فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ.
وهَذا التَّفْسِيرُ يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ الثَّناءِ عَلَيْها بِحُسْنِ ثِقَتِها بِاللَّهِ والإشارَةِ إلى ضَعْفِ الأُمُومَةِ بِالتَّشَوُّقِ إلى ولَدِها وإنْ كانَتْ عالِمَةً بِأنَّهُ يَتَقَلَّبُ في أحْوالٍ صالِحَةٍ بِهِ وبِها.
وأمّا الأقْوالُ الرّاجِعَةُ إلى النّاحِيَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، عَنِ ابْنِ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: الفَراغُ هو ذَهابُ العَقْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أيْ لا عُقُولَ فِيها. وفي الكَشّافِ: أيْ لَمّا سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ طارَ عَقْلُها لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ: أصْبَحَ فارِغًا مِن تَذَكُّرِ الوَعْدِ الَّذِي وعَدَها اللَّهُ إذْ خامَرَها خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ فَقالَتْ في نَفْسِها: إنِّي خِفْتُ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ فَألْقَيْتُهُ بِيَدِي في يَدِ العَدُوِّ الَّذِي أمَرَ بِقَتْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. ولَعَلَّهُ يَعْنِي مِنَ الصَّبْرِ عَلى فَقْدِهِ. وكُلُّ الأقْوالِ الرّاجِعَةِ إلى هَذِهِ النّاحِيَةِ تَرْمِي إلى أنَّ أُمَّ مُوسى لَمْ تَكُنْ جَلِدَةً عَلى تَنْفِيذِ ما أمَرَها اللَّهُ تَعالى وأنَّ اللَّهَ تَدارَكَها بِوَضْعِ اليَقِينِ في نَفْسِها.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما اقْتَضاهُ فِعْلُ أصْبَحَ مِن أنَّها كانَتْ عَلى حالَةٍ غَيْرِ حالَةِ فَراغٍ فَبُيِّنَتْ بِأنَّها كانَتْ تُقارِبُ أنْ تُظْهِرَ أمْرَ ابْنِها مِن شِدَّةِ الِاضْطِرابِ، فَإنَّ الِاضْطِرابَ يَنِمُّ بِها. فالمَعْنى: أصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا وكادَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ تُبْدِيَ خَبَرَ مُوسى في مُدَّةِ إرْضاعِهِ مِن شِدَّةِ الهَلَعِ والإشْفاقِ عَلَيْهِ أنْ يُقْتَلَ. وعَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ عَلى مَعْنى فارِغًا. وهي دَلِيلٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المَحْذُوفِ.
فالتَّقْدِيرُ: فارِغًا إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى فَكادَتْ
صفحة ٨٢
تُظْهِرُ ذِكْرَ مُوسى وتَنْطِقُ بِاسْمِهِ مِن كَثْرَةِ تَرَدُّدِ ذِكْرِهِ في نَفْسِها.
وأمّا عَلى الأقْوالِ الرّاجِعَةِ إلى النّاحِيَةِ الثّانِيَةِ فَجُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾، أيْ كادَتْ لَتُبْدِي أمْرَ مُوسى مِن قِلَّةِ ثَباتِ فُؤادِها.
وعَنْ مُجاهِدٍ: لَمّا رَأتِ الأمْواجَ حَمَلَتِ التّابُوتَ كادَتِ أنْ تَصِيحَ.
والباءُ في بِهِ إمّا لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ المَفْعُولِ بِفِعْلِهِ، والأصْلُ: لَتُبْدِيهُ، وإمّا لِتَضْمِينِ تُبْدِي مَعْنى (تَبُوحُ) وهو أحْسَنُ وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. واللّامُ في لَتُبْدِي فارِقَةٌ بَيْنَ ”إنِ“ المُخَفَّفَةِ و”إنِ“ النّافِيَةِ.
والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ: تَوْثِيقُهُ عَنْ أنْ يَضْعُفَ كَما يُشَدُّ العُضْوُ الوَهِنُ، أيْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بِخَلْقِ الصَّبْرِ فِيهِ. وجَوابُ ”لَوْلا“ هو جُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ .
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: المُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ، أيْ لَوْلا أنْ ذَكَّرْناها ما وعَدْناها فاطْمَأنَّ فُؤادُها. فالإيمانُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّها كانَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ، أوْ أُرِيدَ مِن كامِلاتِ المُؤْمِنِينَ.
واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِتُحْرِزَ رُتْبَةَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يَتَطَرَّقُهُمُ الشَّكُّ فِيما يَأْتِيهِمْ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ.
28:11Page 386
وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١
And she said to his sister, "Follow him"; so she watched him from a distance while they perceived not.
﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ظاهِرُ تَرْتِيبِ الأخْبارِ أنَّها عَلى وفْقِ تَرْتِيبِ مَضامِينِها في الحُصُولِ، وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ مَضْمُونِ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] سابِقًا عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾، أيْ قالَتْ لِأُخْتِهِ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اطْمَأنَّ قَلْبُها لِما أُلْهِمَتْهُ مِن إلْقائِهِ في اليَمِّ، أيْ لَمّا ألْقَتْهُ في اليَمِّ قالَتْ لِأُخْتِهِ: انْظُرِي أيْنَ يُلْقِيهِ اليَمُّ، ومَتى يُسْتَخْرَجُ مِنهُ ؟ وقَدْ عَلِمَتْ أنَّ اليَمَّ لا يُلْقِيهِ بَعِيدًا عَنْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى وعْدِ اللَّهِ بِرَدِّهِ إلَيْها.
صفحة ٨٣
وأُخْتُ مُوسى اسْمُها مَرْيَمُ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ القِصَّةِ في سُورَةِ طه.
والقَصُّ: اتِّباعُ الأثَرِ، اسْتُعْمِلَ في تَتَبُّعِ الذّاتِ بِالنَّظَرِ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ إلى ضَمِيرِ مُوسى دُونَ ذِكْرِ الأثَرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] .
وبَصُرَ بِالشَّيْءِ صارَ ذا بَصَرٍ بِهِ. أيْ باصِرًا لَهُ فَهو يُفِيدُ قُوَّةَ الإبْصارِ، أيْ قُوَّةَ اسْتِعْمالِ حاسَّةِ البَصَرِ وهو التَّحْدِيقُ إلى المُبْصَرِ، فَـ ”بَصُرَ“ أشَدُّ مِن (أبْصَرَ) . فالباءُ الدّاخِلَةُ عَلى مَفْعُولِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِرُؤْيَةِ المَرْئِيِّ حَتّى كَأنَّهُ صارَ باصِرًا بِسَبَبِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الباءَ زائِدَةً لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ فَتُفِيدَ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ في مَعْنى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] في سُورَةِ طه.
والجُنُبُ: بِضَمَّتَيْنِ البَعِيدُ. وهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ يُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، أيْ عَنْ مَكانِ جُنُبٍ.
و”عَنْ“ لِلْمُجاوَزَةِ، والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ حالٍ مِن ضَمِيرِ ”بَصُرَتْ“؛ لِأنَّ المُجاوَزَةَ هُنا مِن أحْوالِ أُخْتِهِ لا مِن صِفاتِ المَكانِ.
و”هم“ أيْ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَ التَقَطُوهُ لا يَشْعُرُونَ بِأنَّ أُخْتَهُ تُراقِبُ أحْوالَهُ وذَلِكَ مِن حَذَقِ أُخْتِهِ في كَيْفِيَّةِ مُراقَبَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences