Ibn 'AshurAl-'Ankabut · 29:41–45

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:41–45

29:41Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البِيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

لَمّا بُيِّنَتْ لَهُمُ الأشْباهُ والأمْثالُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي اتَّخَذَتِ الأصْنامَ مِن دُونِ اللَّهِ فَما أغْنَتْ عَنْهم أصْنامُهم لَمّا جاءَهم عَذابُ اللَّهِ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ لِحالِ جَمِيعِ أُولَئِكَ وحالِ مَن ماثَلَهم مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في اتِّخاذِهِمْ ما يَحْسَبُونَهُ دافِعًا عَنْهم وهو أضْعَفُ مِن أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ - بِحالِ العَنْكَبُوتِ تَتَّخِذُ لِنَفْسِها بَيْتًا تَحْسَبُ أنَّها تَعْتَصِمُ بِهِ مِنَ المُعْتَدِي عَلَيْها، فَإذا هو لا يَصْمُدُ ولا يَثْبُتُ لِأضْعَفِ تَحْرِيكٍ، فَيَسْقُطُ ويَتَمَزَّقُ. والمَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وتُعْلَمُ مُساواةُ غَيْرِهِمْ لَهم في ذَلِكَ بِدَلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ”﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢]“ فَضَمِيرُ اتَّخَذُوا عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.

وجُمْلَةُ اتَّخَذَتْ بَيْتًا حالٌ مِنَ العَنْكَبُوتِ وهي قَيْدٌ في التَّشْبِيهِ. وهَذِهِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها مَعَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ قابِلَةٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزائِها، فالمُشْرِكُونَ أشْبَهُوا العَنْكَبُوتَ في الغُرُورِ بِما أعَدُّوهُ، وأوْلِياؤُهم أشْبَهُوا بَيْتَ العَنْكَبُوتِ في عَدَمِ الغَناءِ عَمَّنِ اتَّخَذُوها وقْتَ الحاجَةِ إلَيْها، وتَزُولُ بِأقَلِّ تَحْرِيكٍ، وأقْصى ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنها نَفْعٌ ضَعِيفٌ، وهو السُّكْنى فِيها وتَوَهُّمُ أنْ تَدْفَعَ عَنْهم كَما يَنْتَفِعُ المُشْرِكُونَ بِأوْهامِهِمْ في أصْنامِهِمْ. وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ: وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

والعَنْكَبُوتُ: صِنْفٌ مِنَ الحَشَراتِ ذاتُ بُطُونٍ وأرْجُلٍ، وهي ثَلاثَةُ أصْنافٍ، مِنها صِنْفٌ يُسَمّى لَيْثَ العَناكِبِ، وهو الَّذِي يَفْتَرِسُ الذُّبابَ، وكُلُّها تَتَّخِذُ لِأنْفُسِها نَسِيجًا تَنْسِجُهُ مِن لُعابِها يَكُونُ خُيُوطًا مَشْدُودَةً بَيْنَ طَرَفَيْنِ مِنَ الشَّجَرِ أوِ

صفحة ٢٥٣

الجُدْرانِ، وتَتَّخِذُ في وسَطِ تِلْكَ الخُيُوطِ جانِبًا أغْلَظَ وأكْثَرَ اتِّصالَ خُيُوطٍ تَحْتَجِبُ فِيهِ وتُفَرِّخُ فِيهِ. وسُمِّيَ بَيْتًا لِشَبَهِهِ بِالخَيْمَةِ في أنَّهُ مَنسُوجٌ ومَشْدُودٌ مِن أطْرافِهِ، فَهو كَبَيْتِ الشِّعْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُبِيِّنَةٌ وجْهَ الشَّبَهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَجْرِي مَجْرى المِثْلِ فَيُضْرَبُ لِقِلَّةِ جَدْوى شَيْءٍ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الأدْيانَ الَّتِي يَعْبُدُ أهْلُها غَيْرَ اللَّهِ هي أحْقَرُ الدِّياناتِ وأبْعَدُها عَنِ الخَيْرِ والرُّشْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً فِيما يَعْرِضُ لِتِلْكَ العِباداتِ مِنَ الضَّلالاتِ كَما تَتَفاوَتُ بُيُوتُ العَنْكَبُوتِ في غِلَظِها بِحَسَبِ تَفاوُتِ الدُّوَيْبّاتِ الَّتِي تَنْسِجُها في القُوَّةِ والضَّعْفِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ . فَتَقْدِيرُ جَوابِ لَوْ هَكَذا: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ مَثَلُهم، أيْ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ انْعِدامَ غَناءِ ما اتَّخَذُوهُ عَنْهم. وأمّا أوْهَنِيَّةُ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فَلا يَجْهَلُها أحَدٌ.

29:42Page 401

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ”

لَمّا نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ بِما تَضَمَّنَهُ التَّمْثِيلُ مِن حَقارَةِ أصْنامِهِمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها وقِلَّةِ جَدْواها بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] المُفِيدِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ - أعْقَبَهُ بِإعْلامِهِمْ بِعِلْمِهِ بِدَقائِقِ أحْوالِ تِلْكَ الأصْنامِ عَلى اخْتِلافِها واخْتِلافِ مُعْتَقَداتِ القَبائِلِ الَّتِي عَبَدَتْها، وأنَّ مِن آثارِ عِلْمِهِ بِها ضَرْبَ ذَلِكَ المَثَلِ لِحالِ مَن عَبَدُوها وحالِها أيْضًا؛ دَفْعًا بِهِمْ إلى أنْ يَتَّهِمُوا عُقُولَهم، وأنَّ عَلَيْهِمُ النَّظَرَ في حَقائِقِ الأشْياءِ تَعْرِيضًا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فَهَذا تَوْقِيفٌ لَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في عِلْمِ حَقائِقِ الأُمُورِ الَّتِي عَلِمَها اللَّهُ وأبْلَغَهم دَلائِلَها النَّظَرِيَّةَ ونَظائِرَها التّارِيخِيَّةَ، وقَرَّبَها إلَيْهِمْ بِالتَّمْثِيلاتِ الحِسِّيَّةِ، فَعَمُوا وصَمُّوا عَنْ هَذا وذاكَ.

و“ ما ”مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً مُعَلِّقَةً فِعْلَ يَعْلَمُ عَنِ العَمَلِ، وتَكُونَ“ مِن ”زائِدَةً لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ في المَعْنى لِـ تَدْعُونَ

صفحة ٢٥٤

ظَهَرَتْ عَلَيْهِ حَرَكَةُ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مَوْجُودًا، ولَكِنَّكم تَدْعُونَ أُمُورًا عَدَمِيَّةً، فَفِيهِ تَحْقِيرٌ لِأصْنامِهِمْ بِجَعْلِها كالعَدَمِ؛ لِأنَّها خُلُوٌّ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِالإلَهِيَّةِ. فَهي في بابِها كالعَدَمِ، فَلَمّا شابَهَتِ المَعْدُوماتِ في انْتِفاءِ الفائِدَةِ المَزْعُومَةِ لَها اسْتُعْمِلَ لَها التَّرْكِيبُ الدّالُّ عَلى نَفْيِ الوُجُودِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ. ولا يَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا قَدْ دَعَوْا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ سابِقَهُ ولاحِقَهُ يَأْباهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، و﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ المائِدَةِ، «وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ: إنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن مَعْرِفَةِ الغَيْبِ.

وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِأنَّها مَوْجُوداتٌ كالعَدَمِ ضَرَبَ لَها مَثَلًا بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ ولِعَبَدَتِها مَثَلًا بِالعَنْكَبُوتِ الَّذِي اتَّخَذَها، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالكَلامُ صَرِيحٌ في إبْطالِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ وفي أنَّها كالعَدَمِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ“ ما ”اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلِّقَةً فِعْلَ يَعْلَمُ عَنِ العَمَلِ، مِن بابِ قَوْلِهِمْ: عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قائِمٌ، أيْ عَلِمْتُ جَوابَهُ. و“ مِن ”بَيانِيَّةٌ لِما في“ ما ”الِاسْتِفْهامِيَّةِ مِنَ الإبْهامِ، أيْ مِن شَيْءٍ مِنَ المَدْعُوّاتِ العَدِيدَةِ في الأُمَمِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ جَوابَ سُؤالِ السّائِلِ“ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ”، أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، ومِن عِلْمِهِ بِذَلِكَ أنَّهُ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ بِالعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، ولِلْمَعْبُوداتِ مَثَلًا بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وأنْتُمْ لَوْ سُئِلْتُمْ: ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، لَتَلَعْثَمْتُمْ ولَمْ تُحِيرُوا جَوابًا؛ فَإنَّ شَأْنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأفْهامِ السَّقِيمَةِ أنْ لا يَسْتَطِيعَ صاحِبُها بَيانَها بِالقَوْلِ وشَرْحَها؛ لِأنَّها لَمّا كانَتْ تَتَألَّفُ مِن تَصْدِيقاتٍ غَيْرِ مُتَلائِمَةٍ لا يَسْتَطِيعُ صاحِبُها تَقْرِيرَها، فَلا يَلْبَثُ قَلِيلًا حَتّى يَفْتَضِحَ فاسِدُ مُعْتَقَدِهِ؛ مِن تَعَذُّرِ إفْصاحِهِ عَنْهُ.

وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَعْلَمُ هُنا مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وأنَّهُ بِمَعْنى“ يَعْرِفُ ”، وجَعَلَ“ ما ”مَوْصُولَةً مَفْعُولَ تَدْعُونَ والعائِدَ مَحْذُوفًا، ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ إسْنادَ العِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ وهو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إلى اللَّهِ يَئُولُ إلى إسْنادِ فِعْلِ المَعْرِفَةِ إلى اللَّهِ بِناءً عَلى إثْباتِ الفَرْقِ بَيْنَ فِعْلِ“ عَلِمَ ”وفِعْلِ“ عَرَفَ ”عِنْدَ مَن

صفحة ٢٥٥

فَسَّرَ المَعْرِفَةَ بِإدْراكِ الشَّيْءِ بِواسِطَةِ آثارِهِ وخَصائِصِهِ المَحْسُوسَةِ، وأنَّها أضْعَفُ مِنَ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ شاعَ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ ونَسَبِها.

وعَنْ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ“ العِلْمُ مَعْرِفَتانِ مُجْتَمِعَتانِ، فَفي قَوْلِكَ: عَرَفْتُ زَيْدًا قائِمًا، يَكُونُ ”قائِمًا“ حالًا مِن ”زَيْدًا“، وفي قَوْلِكَ: عَلِمْتُ زَيْدًا قائِمًا، يَكُونُ ”قائِمًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ ”عَلِمْتُ“ اهــ. يُرِيدُ أنَّ فِعْلَ ”عَرَفَ“ يَدُلُّ عَلى إدْراكٍ واحِدٍ وهو إدْراكُ الذّاتِ، وفِعْلُ ”عَلِمَ“ يَدُلُّ عَلى إدْراكَيْنِ، هُما إدْراكُ الذّاتِ وإدْراكُ ثُبُوتِ حُكْمٍ لَها، عَلى نَحْوِ ما قالَهُ أهْلُ المَنطِقِ في التَّصَوُّرِ والتَّصْدِيقِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ إسْنادُ فِعْلِ المَعْرِفَةِ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُسْنَدُ إلَيْهِ ما يَئُولُ بِمَعْناها.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ في مَعانِي ”ما“ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي بَيَّنَ حَقارَةَ حالِ الأصْنامِ واخْتِلالِ عُقُولِ عابِدِيها فَلَمْ يَعْبَأْ بِفَضْحِها وكَشْفِها بِما يَسُوءُها، مَعَ وفْرَةِ أتْباعِها، ومَعَ أوْهامِ أنَّها لا يَمَسُّها أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا كانَتْ ألْبًا عَلَيْهِ - فَلَوْ كانَ لِلْأصْنامِ حَظٌّ في الإلَهِيَّةِ لَما سَلِمَ مَن ضُرِّها مَن يُحَقِّرُها كَقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]“ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّهُ لَمّا فَضَحَ عُقُولَ عُبّادِها لَمْ يَخْشَهم عَلى أوْلِيائِهِ بَلْهَ ذاتَهُ، فَهو عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ، وحَكِيمٌ لا تَنْطَلِي عَلَيْهِ الأوْهامُ والسَّفاسِطُ بِخِلافِ حالِ هاتِيكَ وأُولَئِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَدْعُونَ“ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ.

29:43Page 401

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾

بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهم فَسادَ مُعْتَقَدِهِمْ في الأصْنامِ، وأعْقَبَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ، نَعى عَلَيْهِمْ هُنا أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِتَفَهُّمِ تِلْكَ الدَّلائِلِ الَّتِي قُرِّبَتْ إلَيْهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، فاسْمُ الإشارَةِ يُبَيِّنُهُ الِاسْمُ المُبْدَلُ مِنهُ وهو الأمْثالُ.

صفحة ٢٥٦

والإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الأذْهانِ، فَإنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ القُرْآنَ حَصَلَ في ذِهْنِهِ بَعْضُ تِلْكَ الأمْثالِ. واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ في القُرْآنِ الَّتِي مِنها هَذا المَثَلُ بِالعَنْكَبُوتِ.

وجُمْلَةُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الِامْتِنانِ والطَّوْلِ؛ لِأنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمْثالَ واسْتِحْضارِ العُلَماءِ المُثُلَ والنَّظائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالخَفِيِّ في إبْرازِ خَبِيئاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ، حَتّى تُرِيَكَ المُتَخَيَّلَ في صُورَةِ المُتَحَقِّقِ والغائِبَ كالمَشاهَدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَزِيَّةِ ضَرْبِ الأمْثالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولِهَذا أُتْبِعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِجُمْلَةِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ. والعَقْلُ هُنا بِمَعْنى الفَهْمِ، أيْ لا يَفْهَمُ مَغْزاها إلّا الَّذِينَ كَمُلَتْ عُقُولُهم فَكانُوا عُلَماءَ غَيْرَ سُفَهاءِ الأحْلامِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها جُهَلاءُ العُقُولِ، فَما بالُكَ بِالَّذِينَ اعْتاضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها بِاتِّخاذِها هُزُءًا وسُخْرِيَةً، فَقالَتْ قُرَيْشٌ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣]، وقَوْلَهُ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] قالُوا: ما يَسْتَحْيِي مُحَمَّدٌ أنْ يُمَثِّلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والبَعُوضِ. وهَذا مِن بُهْتانِهِمْ، وإلّا فَقَدَ عَلِمَ البُلَغاءُ أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، ولِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعَ صاحِبَتِها مَقامًا.

29:44Page 401

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ انْتِفاعِ المُشْرِكِينَ بِالحُجَّةِ ومُقَدِّماتِها ونَتائِجِها المُوَصِّلَةِ إلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ مُسْتَوْفاةً مُغْنِيَةً لِمَن يُرِيدُ التَّأمُّلَ والتَّدَبُّرَ في صِحَّةِ مُقَدَّماتِها بِإنْصافٍ - نُقِلَ الكَلامُ إلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ لِإفادَةِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ؛ إذِ انْتَفَعُوا بِما هو أدَقُّ مِن ذَلِكَ وهو حالَةُ النَّظَرِ والفِكْرِ في دَلالَةِ الكائِناتِ عَلى أنَّ خالِقَها هو

صفحة ٢٥٧

اللَّهُ، وأنْ لا شَيْءَ غَيْرَهُ حَقِيقًا بِمُشارَكَتِهِ في إلَهِيَّتِهِ، فَأفادَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدِ اهْتَدَوْا إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ خِلافًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِذَلِكَ، فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَعْقِلُوها لَيْسُوا بِعالِمِينَ، أخْذًا مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ في قَوْلِهِ: لِلْمُؤْمِنِينَ إذا اعْتُبِرَ المَعْنى الوَصْفِيُّ مِن قَوْلِهِ: لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ أخْذًا مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا اعْتُبِرَ عُنْوانُ المُؤْمِنِينَ لَقَبًا.

والِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِ دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ عَلى انْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الدَّلالَةِ المُفِيدِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ يُشْبِهُ الِاحْتِباكَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ خَلَقَهُما عَلى أحْوالِهِما كُلِّها بِما لَيْسَ بِباطِلٍ. والباطِلُ في كُلِّ شَيْءٍ لا وفاءَ فِيهِ بِما جُعِلَ هو لَهُ. وضِدُّ الباطِلِ الحَقُّ، فالحَقُّ في كُلِّ عَمَلٍ هو إتْقانُهُ وحُصُولُ المُرادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] .

والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ ذاتَهُما والمَوْجُوداتِ المَظْرُوفَةُ فِيهِما. وهَذا الخَلْقُ المُتْقَنُ الَّذِي لا تَقْصِيرَ فِيهِ عَمّا أُرِيدَ مِنهُ هو آيَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ الخالِقِ وعَلى صِفاتِ ذاتِهِ وأفْعالِهِ.

29:45Page 401

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾

بَعْدَ أنْ ضَرَبَ اللَّهُ لِلنّاسِ المَثَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ جاءَ بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ فَسادَ مُعْتَقَدِ المُشْرِكِينَ، ونَوَّهَ بِصِحَّةِ عَقائِدِ المُؤْمِنِينَ بِمُنْتَهى البَيانِ الَّذِي لَيْسَ وراءَهُ مَطْلَبٌ - أقْبَلَ عَلى رَسُولِهِ بِالخِطابِ الَّذِي يَزِيدُ تَثْبِيتَهُ عَلى نَشْرِ الدَّعْوَةِ ومُلازِمَةِ الشَّرائِعِ وإعْلانِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وما فِيهِ زِيادَةُ صَلاحِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ. وما الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا قُدْوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وسَيِّدُهم، فَأمْرُهُ أمْرٌ لَهم كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ بِصِيغَةِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ كَقَوْلِهِ: فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ، فَأمَرَهُ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ؛ إذْ ما فَرَّطَ فِيهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الإرْشادِ.

صفحة ٢٥٨

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ اتْلُ لِيَعُمَّ التِّلاوَةَ عَلى المُسْلِمِينَ وعَلى المُشْرِكِينَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَمَها﴾ [النمل: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [النمل: ٩٢] .

وأمَرَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِأنَّ الصَّلاةَ عَمَلٌ عَظِيمٌ، وهَذا الأمْرُ يَشْمَلُ الأُمَّةَ، فَقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

وعَلَّلَ الأمْرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ بِالإشارَةِ إلى ما فِيها مِنَ الصَّلاحِ النَّفْسانِيِّ فَقالَ: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَمَوْقِعُ ”إنَّ“ هُنا مَوْقِعُ فاءِ التَّعْلِيلِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّعْلِيلَ مُوَجَّهٌ إلى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فاقْتَصَرَ عَلى تَعْلِيلِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ دُونَ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ؛ لِما في هَذا الصَّلاحِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الصَّلاةِ مِن سِرٍّ إلَهِيٍّ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ النّاسُ إلّا بِإرْشادٍ مِنهُ تَعالى؛ فَأخْبَرَ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والمَقْصُودُ أنَّها تَنْهى المُصَلِّيَ.

وإذْ قَدْ كانَتْ حَقِيقَةُ النَّهْيِ غَيْرَ قائِمَةٍ بِالصَّلاةِ تَعَيَّنَ أنَّ فِعْلَ تَنْهى مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنًى مَجازِيٍّ بِعَلاقَةٍ أوْ مُشابَهَةٍ. والمَقْصُودُ أنَّ الصَّلاةَ تُيَسِّرُ لِلْمُصَلِّي تَرْكَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ الصَّلاةَ صارِفَةُ المُصَلِّي عَنْ أنْ يَرْتَكِبَ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ، فَإنَّ المُشاهَدَ يُخالِفُهُ؛ إذْ كَمْ مِن مُصَلٍّ يُقِيمُ صَلاتَهُ ويَقْتَرِفُ بَعْضَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

كَما أنَّهُ لَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها تَصْرِفُ المُصَلِّيَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ما دامَ مُتَلَبِّسًا بِأداءِ الصَّلاةِ؛ لِقِلَّةِ جَدْوى هَذا المَعْنى. فَإنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ يَصْرِفُ المُشْتَغِلَ بِهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ.

وإذْ كانَتِ الآيَةُ مَسُوقَةً لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّلاةِ وبَيانِ مَزِيَّتِها في الدِّينِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الصَّلاةَ تُحَذِّرُ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ تَحْذِيرًا هو مِن خَصائِصِها.

ولِلْمُفَسِّرِينَ طَرائِقُ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ، مِنها ما قالَهُ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ بِهِ ما لِلصَّلاةِ مِن ثَوابٍ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَرَضٌ آخَرُ ولَيْسَ مُنْصَبًّا إلى تَرْكِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولَكِنَّهُ مِن وسائِلِ تَوْفِيرِ الحَسَناتِ لَعَلَّها أنْ تَغْمُرَ السَّيِّئاتِ، فَيَتَعَيَّنَ لِتَفْسِيرِ

صفحة ٢٥٩

هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا مَقْبُولًا أنْ نَعْتَبِرَ حُكْمَها عامًّا في كُلِّ صَلاةٍ فَلا يَخْتَصُّ بِصَلَواتِ الأبْرارِ، وبِذَلِكَ تَسْقُطُ عِدَّةُ وُجُوهٍ مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”وذَلِكَ عِنْدِي بِأنَّ المُصَلِّيَ إذا كانَ عَلى الواجِبِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ صَلُحَتْ بِذَلِكَ نَفْسُهُ، وخامَرَها ارْتِقابُ اللَّهِ تَعالى، فاطَّرَدَ ذَلِكَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وانْتَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ“ اهــ. وفِيهِ اعْتِبارُ قُيُودٍ في الصَّلاةِ لا تُناسِبُ التَّعْمِيمَ وإنْ كانَتْ مِن شَأْنِ الصَّلاةِ الَّتِي يَحِقُّ أنْ يُلَقَّنَها المُسْلِمُونَ في ابْتِداءِ تَلْقِينِهِمْ قَواعِدَ الإسْلامِ.

والوَجْهُ عِنْدِي في مَعْنى الآيَةِ أنْ يُحْمَلَ فِعْلُ تَنْهى عَلى المَجازِ الأقْرَبِ إلى الحَقِيقَةِ، وهو تَشْبِيهُ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِالنَّهْيِ وتَشْبِيهُ الصَّلاةِ في اشْتِمالِها عَلَيْهِ بِالنّاهِي، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الصَّلاةَ تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكِّراتٍ بِاللَّهِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ مِن شَأْنِها أنْ تَكُونَ لِلْمُصَلِّي كالواعِظِ المُذَكِّرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ إذْ يَنْهى سامِعَهُ عَنِ ارْتِكابِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ. وهَذا كَما يُقالُ: صَدِيقُكَ مِرْآةٌ تَرى فِيها عُيُوبَكَ. فَفي الصَّلاةِ مِنَ الأقْوالِ تَكْبِيرٌ لِلَّهِ وتَحْمِيدُهُ وتَسْبِيحُهُ والتَّوَجُّهُ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّحْمِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ، وطَلَبِ الإعانَةِ والهِدايَةِ مِنهُ، واجْتِنابِ ما يُغْضِبُهُ وما هو ضَلالٌ، وكُلُّها تُذَكِّرُ بِالتَّعَرُّضِ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ والإقْلاعِ عَنْ عِصْيانِهِ وما يُفْضِي إلى غَضَبِهِ، فَذَلِكَ صَدٌّ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

وفِي الصَّلاةِ أفْعالٌ هي خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ لِلَّهِ تَعالى مِن قِيامٍ ورُكُوعٍ وسُجُودٍ، وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِلُزُومِ اجْتِلابِ مَرْضاتِهِ والتَّباعُدِ عَنْ سَخَطِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَصُدُّ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

وفِي الصَّلاةِ أعْمالٌ قَلْبِيَّةٌ مِن نِيَّةٍ واسْتِعْدادٍ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِأنَّ المَعْبُودَ جَدِيرٌ بِأنْ تُمْتَثَلَ أوامِرُهُ وتُجْتَنَبَ نَواهِيهِ.

فَكانَتِ الصَّلاةُ بِمَجْمُوعِها كالواعِظِ النّاهِي عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ ولَمْ يَقِلْ تَصُدُّ وتَحُولُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي صَرْفَ المُصَلِّي عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

صفحة ٢٦٠

ثُمَّ النّاسُ في الِانْتِهاءِ مُتَفاوِتُونَ، وهَذا المَعْنى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ هو مِن حِكْمَةِ جَعْلِ الصَّلَواتِ مُوَزَّعَةً عَلى أوْقاتٍ مِنَ النَّهارِ واللَّيْلِ؛ لِيَتَجَدَّدَ التَّذْكِيرُ وتَتَعاقَبَ المَواعِظُ، وبِمِقْدارِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ تَزْدادُ خَواطِرُ التَّقْوى في النُّفُوسِ وتَتَباعَدُ النَّفْسُ مِنَ العِصْيانِ حَتّى تَصِيرَ التَّقْوى مَلِكَةً لَها. ووَراءَ ذَلِكَ خاصِّيَّةٌ إلَهِيَّةٌ جَعَلَها اللَّهُ في الصَّلاةِ يَكُونُ بِها تَيْسِيرُ الِانْتِهاءِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

رَوى أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: إنَّ فُلانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإذا أصْبَحَ سَرَقَ، فَقالَ: سَيَنْهاهُ ما تَقُولُ»، أيْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ.

واعْلَمْ أنَّ التَّعْرِيفَ في قَوْلِهِ: ﴿الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَكُلَّما تَذَكَّرَ المُصَلِّي عِنْدَ صَلاتِهِ عَظَمَةَ رَبِّهِ، ووُجُوبَ طاعَتِهِ، وذَكَرَ ما قَدْ يَفْعَلُهُ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ - كانَتْ صَلاتُهُ حِينَئِذٍ قَدْ نَهَتْهُ عَنْ بَعْضِ أفْرادِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

والفَحْشاءُ: اسْمٌ لِلْفاحِشَةِ، والفُحْشُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المَقْبُولِ. فالمُرادُ مِنَ الفاحِشَةِ: الفَعْلَةُ المُتَجاوِزَةُ ما يُقْبَلُ بَيْنَ النّاسِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ هُنا مِنَ الفاحِشَةِ: تَجاوُزُ الحَدِّ المَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وبِالمُنْكَرِ: ما يُنْكِرُهُ ولا يَرْضى بِوُقُوعِهِ.

وكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الفاحِشَةِ والمُنْكَرِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى اخْتِلافِ جِهَةِ ذَمِّهِ والنَّهْيِ عَنْهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَيَكُونُ عَطْفُ عِلَّةٍ عَلى عِلَّةٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ هو الصَّلاةَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ صَلاةِ الجُمُعَةِ. ويَكُونُ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الصَّلاةِ الَّذِي هو كالِاسْمِ لَها إلى التَّعْبِيرِ عَنْها بِطَرِيقِ الإضافَةِ لِلْإيماءِ إلى تَعْلِيلِ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، أيْ إنَّما كانَتْ ناهِيَةً عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ؛ لِأنَّها ذِكْرُ اللَّهِ وذِكْرُ اللَّهِ أمْرٌ كَبِيرٌ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبٌ المُفاضَلَةَ مَقْصُودٌ بِهِ قُوَّةُ الوَصْفِ كَما في قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، لا تُرِيدُ أنَّهُ أكْبَرُ مِن كَبِيرٍ آخَرَ.

صفحة ٢٦١

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ . والمَعْنى: واذْكُرِ اللَّهَ فَإنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ تَذَكُّرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذِكْرَ اللَّهِ بِاللِّسانِ لِيَعُمَّ ذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها. واسْمُ التَّفْضِيلِ أيْضًا مَسْلُوبٌ المُفاضَلَةَ، ويَكُونُ في مَعْنى قَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ تَذَكُّرَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أيْ مُراقَبَةَ اللَّهِ تَعالى وحَذَرَ غَضَبِهِ، فالتَّفْضِيلُ عَلى بابِهِ، أيْ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مِنَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ النَّهْيِ، وذَلِكَ لِإمْكانِ تَكْرارِ هَذا الذِّكْرِ أكْثَرَ مِن تَكَرُّرِ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ قَرِيبًا مِن قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أفْضَلُ مِن شُكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ: ذِكْرُ اللَّهِ هو الإيمانُ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ واحِدٌ. فَلَمّا أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ وأرادَ أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ البِرِّ - أرْدَفَهُ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ إذْ هو الأصْلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وذَلِكَ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، عادَ بِهِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وتَفْظِيعِ الشِّرْكِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢]“ إلى هُنا.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ وقَوْلُهُ: ﴿تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ .

والصُّنْعُ: العَمَلُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском