Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:51–59
29:51Page 402
أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١
And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] وهو ارْتِقاءٌ في المُجادَلَةِ.
والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ إنْكارِيٌّ. والمَعْنى: وهَلْ لا يَكْفِيهِمْ مِنَ الآياتِ آياتُ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ مِقْدارٍ مِن مَقادِيرِ إعْجازِهِ آيَةٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ آياتِ القُرْآنِ زُهاءُ سِتَّةِ آلافِ آيَةٍ. ومِقْدارُ كَلِّ ثَلاثِ آياتٍ مِقْدارٌ مُعْجِزٌ، فَيَحْصُلُ مِنَ القُرْآنِ مِقْدارُ ألْفَيْ مُعْجِزَةٍ، وذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
والكِتابُ: القُرْآنُ. وعُدِلَ عَنْ لَفْظِ القُرْآنِ الَّذِي هو كالعَلَمِ عَلَيْهِ إلى لَفْظِ الكِتابِ المَعْهُودِ لِإيمائِهِ إلى مَعْنى تَعْظِيمِهِ بِأنَّهُ المُشْتَهَرُ مِن بَيْنِ كُتُبِ الأنْبِياءِ.
وجُمْلَةُ يُتْلى عَلَيْهِمْ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ؛ لِأنَّ الكِتابَ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْوَصْفِ؛ لِما تُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ التِّلاوَةِ مِنَ الِانْتِشارِ والشُّيُوعِ.
واخْتِيرَ المُضارِعُ دُونَ الوَصْفِ بِأنْ يُقالَ: مَتْلُوًّا عَلَيْهِمْ؛ لِما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ، فَحَصَلَ مِن مادَّةِ يُتْلى ومِن صِيغَةِ المُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى عُمُومِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.
صفحة ١٥
وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ: ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ وما بَعْدَهُ إلى خَمْسِ مَزايا لِلْقُرْآنِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ.
المَزِيَّةُ الأُولى: ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ مِنِ انْتِشارِ إعْجازِهِ وعُمُومِهِ في المَجامِعِ والآفاقِ والأزْمانِ المُخْتَلِفَةِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِإدْراكِ إعْجازِهِ فَرِيقٌ خاصٌّ في زَمَنٍ خاصٍّ شَأْنَ المُعْجِزاتِ المَشْهُودَةِ مِثْلَ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وبُرْءِ الأكْمَهِ، فَهو يُتْلى، ومِن ضِمْنِ تِلاوَتِهِ الآياتُ الَّتِي تُحَدِّتُ النّاسَ بِمُعارَضَتِهِ وسَجَّلَتْ عَلَيْهِمْ عَجْزَهم عَنِ المُعارَضَةِ مِن قَبْلِ مُحاوَلَتِهِمْ إيّاها، فَكانَ كَما قالَ، فَهو مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ، والمُعْجِزاتُ الأُخْرى مُعْجِزاتٌ زائِلَةٌ.
المَزِيَّةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِمّا يُتْلى، فَإنَّ ذَلِكَ أرْفَعُ مِن كَوْنِ المُعْجِزاتِ الأُخْرى أحْوالًا مَرْئِيَّةً؛ لِأنَّ إدْراكَ المَتْلُوِّ إدْراكٌ عَقْلِيٌّ فِكْرِيٌّ، وهو أعْلى مِنَ المُدْرَكاتِ الحِسِّيَّةِ، فَكانَتْ مُعْجِزَةُ القُرْآنِ ألْيَقُ بِما يُسْتَقْبَلُ مِن عُصُورِ العِلْمِ الَّتِي تَهَيَّأتْ إلَيْها الإنْسانِيَّةُ.
المَزِيَّةُ الثّالِثَةُ: ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ فَإنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّعْلِيلِ؛ لِلتَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِالكِتابِ، وفي التَّعْلِيلِ تَتْمِيمٌ لِما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالكِتابِ وبِـ ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾، فالإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى الكِتابِ لِيَسْتَحْضِرَ بِصِفاتِهِ كُلِّها ولِلتَّنْوِيهِ بِهِ بِما تَقْتَضِيهِ الإشارَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ. وتَنْكِيرُ ”رَحْمَةً“ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ لا يُقادَرُ قَدْرُها.
فالكِتابُ المَتْلُوُّ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو رَحْمَةٌ لَهُمُ اشْتِمالَ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى إقامَةِ الشَّرِيعَةِ، وهي رَحْمَةٌ وصَلاحٌ لِلنّاسِ في دُنْياهم، فالقُرْآنُ مَعَ كَوْنِهِ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ومُرْشِدَةً إلى تَصْدِيقِهِ مِثْلَ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ - هو أيْضًا وسِيلَةُ عِلْمٍ وتَشْرِيعٍ وآدابٍ لِلْمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ فَضَلَ غَيْرَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي لا تُفِيدُ إلّا تَصْدِيقَ الرَّسُولِ الآتِي بِها.
المَزِيَّةُ الرّابِعَةُ: ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: وذِكْرى فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى مَواعِظَ ونُذُرٍ وتَعْرِيفٍ بِعَواقِبِ الأعْمالِ، وإعْدادٍ إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو تَذْكِيرٌ بِما في تَذَكُّرِهِ خَيْرُ الدّارَيْنِ، وبِذَلِكَ فَضَلَ غَيْرَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الصّامِتَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ أزْيَدَ مِن كَوْنِ الآتِيَةِ عَلى يَدَيْهِ صادِقًا.
صفحة ١٦
المَزِيَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا مَتْلُوًّا مُسْتَطاعًا إدْراكُ خَصائِصِهِ لِكُلِّ عَرَبِيٍّ، ولِكُلِّ مَن حَذَقَ العَرَبِيَّةَ مِن غَيْرِ العَرَبِ مِثْلَ أيِمَّةِ العَرَبِيَّةِ - يُبْعِدُهُ عَنْ مُشابَهَةِ نَفَثاتِ السَّحَرَةِ والطَّلاسِمِ، فَلا يَسْتَطِيعُ طاعِنٌ أنْ يَزْعُمَ أنَّهُ تَخَيُّلاتٌ كَما قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى ”﴿يا أيُّها السّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩]“ وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُشْرِكِينَ حِينَ رَأوْا مُعْجِزَةَ انْشِقاقِ القَمَرِ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فَأشارَ قَوْلُهُ: يُعْرِضُوا إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ عَنْهم في مُعْجِزَةٍ مَرْئِيَّةٍ.
وعُلِّقَ بِالرَّحْمَةِ والذِّكْرى قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ مَنافِعُ مِنَ القُرْآنِ زائِدَةٌ عَلى ما في المُعْجِزاتِ الأُخْرى مِنَ المَنفَعَةِ الَّتِي هي مَنفَعَةُ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ .
فَهَذِهِ مَزايا عَظِيمَةٌ لِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ، حاصِلَةٌ في حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْبَتِهِ، ومُسْتَقِلَّةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى بَيانِهِ وتَكْمِيلِهِ بِالدَّعْوَةِ وبِتَكْرِيرِها.
واسْتِحْضارُ المُؤْمِنِينَ بِعُنْوانِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دُونَ أنْ يُقالَ: لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِما في لَفْظِ قَوْمٍ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ الإيمانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، أيْ لِقَوْمٍ شِعارُهم أنْ يُؤْمِنُوا، يَعْنِي لِقَوْمٍ شِعارُهُمُ النَّظَرُ والإنْصافُ، فَإذا قامَتْ لَهم دَلائِلُ الإيمانِ آمَنُوا ولَمْ يُكابِرُوا ظُلْمًا وعُلُوًّا، فالفِعْلُ مُرادٌ بِهِ الحالُ القَرِيبَةُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُعْجِزَتِهِ واقْتَرَحُوا آياتٍ أُخْرى لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها.
29:52Page 402
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾
بَعْدَ أنْ ألْقَمَهم حَجَرَ الحُجَّةِ الدّامِغَةِ أُمِرَ بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم لَمّا اسْتَمَرَّ تَكْذِيبُهم بَعْدَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ المَقْصُودِ مِنهُ اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ.
و﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ بِمَعْنى هو كافٍ لِي في إظْهارِ الحَقِّ؛ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ.
صفحة ١٧
والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى الحاكِمِ عُدِّيَ بِظَرْفِ بَيْنِي وبَيْنَكم، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ المَلِكِ:
وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ مِ الحِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الِاكْتِفاءِ بِهِ شَهِيدًا، فَهي تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بَعْدَ أنْ أنْصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ اسْتَمَرَّ في الِانْتِصافِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ وهو أنَّ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الباطِلَ وكَفَرُوا بِاللَّهِ هُمُ الخاسِرُونَ في الحُكُومَةِ والقَضِيَّةِ المَوْكُولَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهم إنْ تَأمَّلُوا في إيمانِهِمْ بِاللَّهِ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدُوا أنْفُسَهم غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِإلَهِيَّتِهِ؛ لِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ ما لَيْسَ حَقِيقًا بِالإلَهِيَّةِ، فَعَلِمُوا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهم آمَنُوا بِالباطِلِ، فالكَلامُ مُوَجَّهٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْلِ حَسّانَ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ أيّامَ جاهِلِيَّتِهِ:
أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ∗∗∗ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ”آمَنُوا“ و”كَفَرُوا“ مُحَسِّنُ المُضادَّةِ وهو الطِّباقُ.
والباطِلُ: ضِدُّ الحَقِّ، أيْ ما لَيْسَ بِحَقِيقٍ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، أيْ ما لَيْسَ بِإلَهٍ حَقٍّ ولَكِنَّهم يَدَّعُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ، وذَلِكَ إيمانُهم بِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ. وأمّا كُفْرُهم بِاللَّهِ فَلِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَكَفَرُوا بِأعْظَمِ صِفاتِهِ وهي الوَحْدانِيَّةُ.
واسْمُ الإشارَةِ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ لَهم قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، مِثْلَ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيْ جُمْلَةِ هُمُ الخاسِرُونَ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ خُسْرانٍ في جانِبِ خُسْرانِهِمْ كالعَدَمِ؛
صفحة ١٨
فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالخُسْرانِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ المُرَكَّبُ المُفِيدُ قَصْرَ الخُسْرانِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الشَّقاوَةُ العُظْمى الأبَدِيَّةُ.
واسْتُعِيرَ الخُسْرانُ لِانْعِكاسِ المَأْمُولِ مِنَ العَمَلِ المُكِدِّ تَشْبِيهًا بِحالِ مَن كَدَّ في التِّجارَةِ لِيَنالَ مالًا فَأفْنى رَأْسَ مالِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] .
29:53–55Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] اسْتِقْصاءً في الرَّدِّ عَلى شُبُهاتِهِمْ، وإبْطالًا لِتَعِلّاتِ إعْراضِهِمُ النّاشِئِ عَنِ المُكابَرَةِ، وهم يُخَيِّلُونَ أنَّهم إنَّما أعْرَضُوا لِعَدَمِ اقْتِناعِهِمْ بِآيَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ .
ومُناسَبَةُ وُقُوعِهِ هُنا أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ كُفْرُهم بِاللَّهِ وكانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُنْذِرُهم عَلى ذَلِكَ بِالعَذابِ وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ - ذَكَرَ تَوَرُّكَهم عَلَيْهِ عَقِبَ ذِكْرِ الكُفْرِ. واسْتِعْجالُ العَذابِ: طَلَبُ تَعْجِيلِهِ، وهو العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ، وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ الِاسْتِخْفافُ بِالوَعِيدِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ. والتَّعْرِيفُ في العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وحُكِيَ اسْتِعْجالُهُمِ العَذابَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالِ اسْتِعْجالِهِمْ لِإفادَةِ التَّعْجِيبِ مِنها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] .
وقَدْ أبْطَلَ ما قَصَدُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ وذَلِكَ أنَّ حُلُولَ العَذابِ لَيْسَ بِيَدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولا جارِيًا عَلى طَلَبِهِمْ واسْتِبْطائِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ هو المُقَدِّرُ لِوَقْتِ حُلُولِهِ بِهِمْ في أجَلٍ قَدَّرَهُ بِعِلْمِهِ.
صفحة ١٩
والمُسَمّى أُرِيدَ بِهِ المُعَيَّنُ المَحْدُودُ، أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَعْنى: لَوْلا الأجَلُ المُعَيَّنُ لِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ لَجاءَهُمُ العَذابُ عاجِلًا؛ لِأنَّ كُفْرَهم يَسْتَحِقُّ تَعْجِيلَ عِقابِهِمْ، ولَكِنْ أرادَ اللَّهُ تَأْخِيرَهُ لِحِكَمٍ عَلِمَها، مِنها إمْهالُهم لِيُؤْمِنَ مِنهم مَن آمَنَ بَعْدَ الوَعِيدِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَفِزُّهُ اسْتِعْجالُهُمُ العَذابَ؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ لا يُخالِفُ ما قَدَّرَهُ بِحِكْمَتِهِ، حَلِيمٌ يُمْهِلُ عِبادَهُ، فالمَعْنى: لَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ في وقْتِ طَلَبِهِمْ تَعْجِيلَهُ، ثُمَّ أنْذَرَهم بِأنَّهُ آتِيهِمْ بَغْتَةً، وأنَّ إتْيانَهُ مُحَقَّقٌ؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ ونُونُ التَّوْكِيدِ، وذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ المُقَدَّرِ لَهُ. وقَدْ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ بَغْتَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ [الأنفال: ٤٢]، فاسْتَأْصَلَ صَنادِيدَهم يَوْمَئِذٍ وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ.
وإذْ قَدْ كانَ اللَّهُ أعَدَّ لَهم عَذابًا أعْظَمَ مِن عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَهم - أعْقَبَ إنْذارَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ بِإنْذارِهِمْ بِالعَذابِ الأعْظَمِ. وأُعِيدَ لِأجْلِهِ ذِكْرُ اسْتِعْجالِهِمْ بِالعَذابِ مُعْتَرَضًا بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ جَوابُ اسْتِعْجالِهِمْ، فَإنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ فَأُنْذِرُوا بِعَذابَيْنِ، أحَدُهُما أعْجَلُ مِنَ الآخَرِ. وفي إعادَةِ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ بِأخْذِهِمْ، فَجُمْلَةُ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ فَهُما عَذابانِ كَما هو مُقْتَضى ظاهِرِ العَطْفِ.
والإحاطَةُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِهِمْ مِنها.
والمُرادُ بِالكافِرِينَ: المُسْتَعْجِلُونَ. واسْتُحْضِرُوا بِوَصْفِ الكافِرِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُوجِبُ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ، واسْتُعْمِلَ اسْمُ الفاعِلِ في الإحاطَةِ المُسْتَقْبَلَةِ مَعَ أنَّ شَأْنَ اسْمِ الفاعِلِ أنْ يُفِيدَ الِاتِّصافَ في زَمَنِ الحالِ، تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ زَمانِ الحالِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في إخْبارِهِ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ بِـ مُحِيطَةٌ، أيْ تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ تَصْوِيرٌ لِلْإحاطَةِ. والغَشَيانُ: التَّغْطِيَةُ والحَجْبُ.
صفحة ٢٠
وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْغَشَيانِ لِتَصْوِيرِهِ تَفْظِيعًا لِحالِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وتَأْكِيدًا لِمَعْنى الغَشَيانِ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العَذابِ وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ احْتِراسٌ عَمّا قَدْ يُوهِمُهُ الغَشَيانُ مِنَ الفَوْقِيَّةِ خاصَّةً، أيْ تُصِيبُهم نارٌ مِن تَحْتِهِمْ تَتَوَهَّجُ إلَيْهِمْ وهم فَوْقَها، ولَمّا كانَ مَعْطُوفًا عَلى الحالِ بِالواوِ، وكانَ غَيْرَ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ قَيْدًا لِـ يَغْشاهم؛ لِأنَّ الغَشَيانَ هو التَّغْطِيَةُ فَتَقْتَضِي العُلُوَّ - تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وهو أنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ مَحْذُوفٌ. وقَدْ عُدَّ هَذا العَمَلُ مِن خَصائِصِ الواوِ في العَطْفِ، أنْ تَعْطِفَ عامِلًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ، كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى:
يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
يُرِيدُ: ومُمْسِكًا رُمْحًا؛ لِأنَّ الرُّمْحَ لا يُتَقَلَّدُ - يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ، وأبُو عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيُّ والجُرْمِيُّ واليَزِيدِيُّ ومَن وافَقَهم يَجْعَلُونَ هَذا مِن قَبِيلِ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى فِعْلٍ صالِحٍ لِلتَّعَلُّقِ بِالمَذْكُورِ، فَيُقَدَّرُ في هَذِهِ الآيَةِ تَضْمِينُ فِعْلِ يَغْشاهم مَعْنى يُصِيبُهم أوْ يَأْخُذُهم، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكِنايَةُ عَنْ أنَّ العَذابَ مُحِيطٌ بِهِمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ الجانِبانِ الأيْمَنُ والأيْسَرُ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكِنايَةِ قَدْ حَصَلَ.
والمَقامُ مَقامُ إيجازٍ؛ لِأنَّهُ مَقامُ غَضَبٍ وتَهْدِيدٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ لِإلْحاحِ الشَّيْطانِ في الوَسْوَسَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَقُولُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ. فالتَّقْدِيرُ: ويَقُولُ اللَّهُ. وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن أيِمَّةِ البَلاغَةِ، أوْ يُقَدَّرُ: ويَقُولُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِجَهَنَّمَ، أوِ التَّقْدِيرُ: ويَقُولُ العَذابُ، بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلنّارِ أصْواتًا كَأنَّها قَوْلُ القائِلِ: ذُوقُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِالنُّونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ.
صفحة ٢١
ومَعْنى ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: جَزاؤُهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لَمّا كانَ بِقَدْرِ المَجْزِيِّ أُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ مَجازًا بِالحَذْفِ.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] وجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] الآيَةَ. وهَذا أمْرٌ بِالهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ عِنادَ المُشْرِكِينَ في تَصْدِيقِ القُرْآنِ وذِكْرِ إيمانِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ آذَنَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِن دارِ المُكَذِّبِينَ إلى دارِ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ وهم أهْلُ المَدِينَةِ، فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ ما بَيْنَ مُسْلِمِينَ وبَيْنَ يَهُودٍ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في جِوارِهِمْ آمَنِينَ مِنَ الفِتَنِ يَعْبُدُونَ رَبَّهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ. وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ مُسْتَضْعَفِينَ قَدْ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا إظْهارَ إيمانِهِمْ خَوْفًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِثْلَ الحارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكانَ لَهُمُ العُذْرُ حِينَ كانُوا لا يَجِدُونَ مَلْجَأً سالِمًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ، وكانَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَطاعُوا الهِجْرَةَ إلى الحَبَشَةِ مِن قَبْلُ، فَلَمّا أسَلَمَ أهْلُ المَدِينَةِ زالَ عُذْرُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ إذْ أصْبَحَ في اسْتِطاعَتِهِمْ أنْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرَكَّبًا في التَّذْكِيرِ بِأنَّ في الأرْضِ بِلادًا يَسْتَطِيعُ المُسْلِمُ أنْ يَقْطُنَها آمِنًا، فَهو كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِـيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
ألا تَراهُ كَيْفَ فَرَّعَ عَلى كَوْنِها رَحْبًا قَوْلَهُ: فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ، وكَذَلِكَ في الآيَةِ فَرَّعَ عَلى كَوْنِها واسِعَةً الأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لِلْخُرُوجِ مِمّا كانَ يُفْتَنُ بِهِ المُسْتَضْعَفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، إذْ يُكْرَهُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
صفحة ٢٢
فالمَعْنى: أنَّ أرْضِي الَّتِي تَأْمَنُونَ فِيها مِن أهْلِ الشِّرْكِ واسِعَةٌ، وهي المَدِينَةُ والقُرى المُجاوِرَةُ لَها مِثْلَ خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ وقَيْنُقاعَ، وما صارَتْ كُلُّها مَأْمَنًا إلّا بَعْدَ أنْ أسْلَمَ أهْلُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ القُرى أحْلافٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ أنَّ عِلَّةَ الأمْرِ لَهم بِالهِجْرَةِ هي تَمْكِينُهم مِن إظْهارِ التَّوْحِيدِ وإقامَةِ الدِّينِ. وهَذا هو المِعْيارُ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي يُفْتَنُ فِيهِ المُسْلِمُ في دِينِهِ وتَجْرِي عَلَيْهِ فِيهِ أحْكامٌ غَيْرُ إسْلامِيَّةٍ.
والنِّداءُ بِعُنْوانِ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ لِتَشْرِيفِ المُضافِ. ومُصْطَلَحُ القُرْآنِ أنَّ (عِبادَ) إذا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ فالمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ غالِبًا، إلّا إذا قامَتْ قَرِينَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]، وعَلَيْهِ فَلا وصْفَ بِـ الَّذِينَ آمَنُوا لِما في المَوْصُولِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ حَقًّا، ولَكِنَّهم فُتِنُوا إلى حَدِّ الإكْراهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَإيّايَ فاءُ التَّفْرِيعِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فاعْبُدُونِ إمّا مُؤَكِّدَةٌ لِلْفاءِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ التَّفْرِيعِ في الفِعْلِ وفي مَعْمُولِهِ، أيْ فَلا تَعْبُدُوا غَيْرِي فاعْبُدُونِ؛ وإمّا مُؤْذِنَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو ناصِبُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ تَأْكِيدًا لِلْعِبادَةِ، والتَّقْدِيرُ: وإيّايَ اعْبُدُوا فاعْبُدُونِ. وهو أنْسَبُ بِدَلالَةِ التَّقْدِيمِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أفادَ الأمْرَ بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ كانَ ذِكْرُ الفاءِ عَلامَةَ تَقْدِيرٍ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ قُصِدَ مِن تَقْدِيرِهِ التَّأْكِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ تَخْفِيفًا، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾
اعْتِراضٌ ثانٍ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ قُصِدَ مِنها تَأْكِيدُ الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] إلى آخِرِها، والوَعْدُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] أيِ المَوْتُ مُدْرِكٌ جَمِيعَ الأنْفُسِ
صفحة ٢٣
ثُمَّ يُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ. وقُصِدَ مِنها أيْضًا تَهْوِينُ ما يُلاقِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأذى في اللَّهِ ولَوْ بَلَغَ إلى المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ لِما يَتَرَقَّبُهم مِن فَضْلِ اللَّهِ وثَوابِهِ الخالِدِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم يَتَرَقَّبُهم جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَرْجِعُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغَيْبَةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥] .
29:58–59Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] .
وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ نُبَوِّئُهم غُرَفًا لِأجْلِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ.
والتَّبْوِئَةُ: الإنْزالُ والإسْكانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] في سُورَةِ يُونُسَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لَنُبَوِّئَنَّهم“ بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ نُونِ العَظَمَةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ لَنُثَوِّيَنَّهم بِمُثَلَّثَةٍ بَعْدَ النُّونِ وتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الواوِ، مِن أثْواهُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا جَعَلَهُ ثاوِيًا، أيْ مُقِيمًا في مَكانٍ.
والغُرَفُ: جَمْعُ غُرْفَةٍ وهو البَيْتُ المُعْتَلى عَلى غَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥] في آخِرِ سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ إلَخْ إنْشاءُ ثَناءٍ وتَعْجِيبٍ عَلى الأجْرِ الَّذِي أُعْطُوهُ؛ فَلِذَلِكَ قُطِعَتْ عَنِ العَطْفِ.
وقَوْلُهُ: الَّذِينَ صَبَرُوا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ
صفحة ٢٤
الَّذِينَ صَبَرُوا. والمُرادُ: صَبْرُهم عَلى إقامَةِ الدِّينِ وتَحَمُّلِ أذى المُشْرِكِينَ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لاقُوهُ، فَتَوَكَّلُوا عَلى رَبِّهِمْ ولَمْ يَعْبَئُوا بِقَطِيعَةِ قَوْمِهِمْ ولا بِحِرْمانِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ، ثُمَّ فارَقُوا أوْطانَهم فِرارًا بِدِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ.
ومِنَ اللَّطائِفِ مُقابَلَةُ غَشَيانِ العَذابِ الكُفّارَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ بِغِشْيانِ النَّعِيمِ المُؤْمِنِينَ مِن فَوْقِهِمْ بِالغُرَفِ ومِن تَحْتِهِمْ بِالأنْهارِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى التَّوَكُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences