Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:60–67
29:60Page 403
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] فَإنَّ اللَّهَ لَمّا هَوَّنَ بِها أمْرَ المَوْتِ في مَرْضاةِ اللَّهِ وكانُوا مِمَّنْ لا يَعْبَأُ بِالمَوْتِ عَلِمَ أنَّهم يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إنّا لا نَخافُ المَوْتَ، ولَكِنّا نَخافُ الفَقْرَ والضَّيْعَةَ. واسْتِخْفافُ العَرَبِ بِالمَوْتِ سَجِيَّةٌ فِيهِمْ كَما أنَّ خَشْيَةَ المَعَرَّةِ مِن سَجاياهم كَما بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فَأعَقَبَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم بِأنَّ رِزْقَهم عَلى اللَّهِ وأنَّهُ لا يُضَيِّعُهم. وضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ بِرِزْقِ الدَّوابِّ، ولِلْمُناسَبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] مِن تَوَقُّعِ الَّذِينَ يُهاجِرُونَ مِن مَكَّةَ أنْ لا يَجِدُوا رِزْقًا في البِلادِ الَّتِي يُهاجِرُونَ إلَيْها، وهو أيْضًا مُناسِبٌ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ ذِكْرِ التَّوَكُّلِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩]، وفي الحَدِيثِ «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا» .
ولَعَلَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ وما في الحَدِيثِ مَقْصُودٌ بِهِ المُؤْمِنُونَ الأوَّلُونَ؛ ضَمِنَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لِتُوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِمْ أمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ لِلْهِجْرَةِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وتَوَكُّلِهِمْ هو حَقُّ التَّوَكُّلِ، أيْ أكْمَلُهُ وأحْزَمُهُ، فَلا يَضَعُ نَفْسَهُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مَن لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهم.
صفحة ٢٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَأيِّنْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ خَبَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنهُ إفادَةُ الحُكْمِ بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرَكَّبًا في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى ضَمانِ رِزْقِ المُتَوَكِّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وتَمْثِيلُهُ لِلتَّقْرِيبِ بِضَمانِ رِزْقِ الدَّوابِّ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَسِيرُ في الأرْضِ لا تَحْمِلُ رِزْقَها، وهي السَّوائِمُ الوَحْشِيَّةُ، والقَرِينَةُ عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ هو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ الَّذِي هو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ وجْهِ سَوْقِ قَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾؛ ولِذَلِكَ عَطَفَ وإيّاكم عَلى ضَمِيرِ دابَّةٍ. والمَقْصُودُ: التَّمْثِيلُ في التَّيْسِيرِ والإلْهامِ لِلْأسْبابِ المُوصِلَةِ، وإنْ كانَتْ وسائِلُ الرِّزْقِ مُخْتَلِفَةٌ.
والحَمْلُ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، أيْ تَسِيرُ غَيْرَ حامِلَةٍ رِزْقَها لا كَما تَسِيرُ دَوابُّ القَوافِلِ حامِلَةً رِزْقَها، وهو عَلَفُها فَوْقَ ظُهُورِها بَلْ تَسِيرُ تَأْكُلُ مِن نَباتِ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ مَجازًا في التَّكَلُّفِ لَهُ، مِثْلَ قَوْلِ جَرِيرٍ:
حُمِّلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فاصْطَبَرْتَ لَهُ
أيْ لا تَتَكَلَّفُ لِرِزْقِها. وهَذا حالُ مُعْظَمِ الدَّوابِّ عَدا النَّمْلَةِ والفارَةِ، قِيلَ وبَعْضُ الطَّيْرِ كالعَقْعَقِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: يَرْزُقُها اللَّهُ، لِيُفِيدَ بِالتَّقْدِيمِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ يَرْزُقُها لا غَيْرُهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ أصْنامًا لَيْسَ بِيَدِها رِزْقٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾، فالمَعْنى: اللَّهُ يَرْزُقُكم وهو السَّمِيعُ لِدُعائِكُمُ العَلِيمُ بِما في نُفُوسِكم مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ في أعْمالِكم وتَوَكُّلِكم ورَجائِكم مِنهُ الرِّزْقَ.
29:61Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
صفحة ٢٦
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾
هَذا الكَلامُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] تَعْجِيبًا مِن نَقائِضِ كُفْرِهِمْ، أيْ هم كَفَرُوا بِاللَّهِ وإنْ سَألَهم سائِلٌ عَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ ذَلِكَ، ولا يُثْبِتُونَ لِأصْنامِهِمْ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ، فَكَيْفَ يَلْتَقِي هَذا مَعَ ادِّعائِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعَنْ إبْطالِ إشْراكِهِمْ بِهِ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا.
وهَذا الإلْزامُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ إذا سُئِلُوا إلّا الِاعْتِرافَ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الواقِعِ؛ ولِأنَّ القُرْآنَ يُتْلى عَلَيْهِمْ كُلَّما نَزَلَ مِنهُ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، ويَتْلُوهُ المُسْلِمُونَ عَلى مَسامِعِهِمْ، فَلَوِ اسْتَطاعُوا إنْكارَ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ لَصَدَعُوا بِهِ.
وضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِينَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ واسْتَعْجَلُوا بِالعَذابِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وتَخْصِيصُ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَظاهِرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِما في حَرَكَتِهِما مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ المِنَّةِ عَلى النّاسِ؛ إذْ ناطَ بِحَرَكَتِهِما أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وضَبْطَ الشُّهُورِ والفُصُولِ.
وتَسْخِيرُ الشَّيْءِ: إلْجاؤُهُ لِعَمَلٍ شَدِيدٍ، وأحْسَبُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، سَواءٌ كانَ المُسَخَّرُ - بِالفَتْحِ - ذا إرادَةٍ أمْ كانَ جَمادًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
29:62Page 403
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
صفحة ٢٧
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
هَذا إلْزامٌ آخَرُ لَهم بِإبْطالِ شِرْكِهِمْ وافْتِضاحِ تَناقِضِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمْ مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وإنَّما جاءَ أُسْلُوبُ هَذا الِاسْتِدْلالِ مُخالِفًا لِأُسْلُوبِ الَّذِي قَبْلَهُ والَّذِي بَعْدَهُ، فَعَدَلَ عَنْ تَرْكِيبِ ولَئِنْ سَألْتَهم تَفَنُّنًا في الأسالِيبِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ.
وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالرِّزْقِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ تَعالى يَرْزُقُ عِبادَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ المُخْتارُ في تَصَرُّفِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى مَقادِيرِ حاجاتِهِمْ ولا عَلى ما يَبْدُو مِنَ الِانْتِفاعِ بِما يُرْزَقُونَهُ.
وبَسْطُ الرِّزْقِ: إكْثارُهُ، وقَدْرُهُ: تَقْلِيلُهُ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الرّازِقُ لِأحْوالِ الرِّزْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧] فَجَمَعَ بَيْنَ ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ في أوَّلِها وبَيْنَ كَوْنِ الآياتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في آخِرِها.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ اللَّهُ لا غَيْرُهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدِرُ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ البَسْطِ والقَدْرِ.
وزِيادَةُ لَهُ بَعْدَ ويَقْدِرُ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ آيَةِ سُورَةِ الرَّعْدِ وآيَةِ القَصَصِ لِلتَّعْرِيضِ بِتَبْصِيرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ابْتُلُوا في أمْوالِهِمْ مِنِ اعْتِداءِ المُشْرِكِينَ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ آنِفًا: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ [العنكبوت: ٦٠] بِأنَّ ذَلِكَ القَدْرَ في الرِّزْقِ هو لَهم لا عَلَيْهِمْ؛ لِما يَنْجَرُّ لَهم مِنهُ مِنَ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، فَغُلِّبَ في هَذا الغَرَضِ جانِبُ المُؤْمِنِينَ؛ ولِهَذا لَمْ يُعَدَّ يَقْدِرُ بِحَرْفِ ”عَلى“ كَما هو مُقْتَضى مَعْنى القَدْرِ
صفحة ٢٨
كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] . وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِالفَقْرِ، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنْ هاجَرْنا لَمْ نَجِدْ ما نُنْفِقُ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ عائِدٌ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَن يَشاءُ عامٌّ لَيْسَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنَ عُمُومَهُ بِقَوْلِهِ: مِن عِبادِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِفَرِيقٍ ويَقْدِرُ لِفَرِيقٍ.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جارٍ عَلى حِكْمَةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها النّاسُ، وأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ صَبْرَ الصّابِرِينَ وجَزَعَ الجازِعِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، قالَ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] .
29:63Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
أُعِيدَ أُسْلُوبُ السُّؤالِ والجَوابِ لِيَتَّصِلَ رَبْطُ الأدِلَّةِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى قُرْبٍ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ لا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تُنْزِلُ المَطَرَ كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآيَةُ، فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُنْكِرُوها وهي تَقْرَعُ أسْماعَهم.
وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِانْفِرادِهِ تَعالى بِإنْزالِ المَطَرِ أنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وإنْ كانَ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ المُسَبَّباتِ إلى أسْبابِها العادِيَةِ كَما تَبَيَّنَ في بَحْثِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ العَقْلِيَّيْنِ في قَوْلِهِمْ: أنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ، أنَّهُ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ في كَلامِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَنْسُبُونَ الإنْباتَ إلى أصْنامِهِمْ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّ سَبَبَ الإنْباتِ وهو المَطَرُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَلْزَمُهم أنَّ الإنْباتَ مِنَ اللَّهِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وفِي هَذا الإدْماجِ اسْتِدْلالٌ تَقْرِيبِيٌّ لِإثْباتِ البَعْثِ كَما قالَ: ”فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ
صفحة ٢٩
اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“، وقالَ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] .
ولَمّا كانَ سِياقُ الكَلامِ هُنا في مَساقِ التَّقْرِيرِ كانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِلتَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ إلْجاءً لَهم إلى الإقْرارِ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو اللَّهُ دُونَ أصْنامِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِزِيادَةِ ”مِن“ في آيَةِ البَقَرَةِ، وفي آيَةِ الجاثِيَةِ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الجاثية: ٥] .
وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ إلى مَوْتِ الأرْضِ، أيْ مَوْتِ نَباتِها يَكُونُ بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْها في فُصُولِ الجَفافِ أوْ في سِنِيِّ الجَدْبِ؛ لِأنَّهُ قابَلَهُ بِكَوْنِ إنْزالِ المَطَرِ لِإرادَتِهِ إحْياءَ الأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مَوْتُها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مَوْتَ الأرْضِ كانَ بَعْدَ حَياةٍ سَبَقَتْ مِن نَوْعِ هَذِهِ الحَياةِ، فَصارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ بِإحْياءِ الأرْضِ وإماتَتِها، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُحْيِيَ الحَيَوانِ ومُمِيتَهُ بِطَرِيقَةِ لَحْنِ الخِطابِ.
فانْتَظَمَ مِن هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [العنكبوت: ٦١] إلى هُنا أُصُولُ صِفاتِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، وهي: الخَلْقُ، والرِّزْقُ، والإحْياءُ، والإماتَةُ، مِن أجْلِ ذَلِكَ عُقِّبَتْ بِأمْرِ اللَّهِ نَبِيئَهُ ﷺ بِأنْ يَحْمَدَهُ بِكَلامٍ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالحَمْدِ.
* * *
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾
لَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ، ولَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ لَيْسَ لِأصْنامِهِمْ شِرْكٌ في هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي هي أُصُولُ نِظامِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ المَوْجُوداتِ - فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِإبْطالِ شِرْكِهِمْ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ ولا تَأْوِيلَهُ بَعْدَ أنْ قَرَعَتْ أسْماعَهم دَلائِلُهُ وهم واجِمُونَ لا يُبْدُونَ تَكْذِيبًا، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ صِدْقُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما دَعاهم إلَيْهِ وكَذِبُهم فِيما تَطاوَلُوا بِهِ عَلَيْهِ في أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى أنْ نَصَرَهُ بِالحُجَّةِ نَصْرًا يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهُ بِالقُوَّةِ. وتِلْكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَحِقُّ أنْ يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْها؛ إذْ
صفحة ٣٠
هُوَ الَّذِي لَقَّنَها رَسُولَهُ ﷺ بِكِتابِهِ وما كانَ يَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ.
فَهَذا الحَمْدُ المَأْمُورُ بِهِ مُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهو الحُجَجُ المُتَقَدِّمَةُ، ولَيْسَ خاصًّا بِحُجَّةِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ القُيُودِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ أنْ تَرْجِعَ إلى جَمِيعِها، وكَذَلِكَ تَرْجِعُ مَعَها مُتَعَلِّقاتُها - بِكَسْرِ اللّامِ - وقَرِينَةُ المَقامِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، ألا تَرى أنَّ كُلَّ حُجَّةٍ مِن تِلْكَ الحُجَجِ تَسْتَأْهِلُ أنْ يُحْمَدُ اللَّهُ عَلى إقامَتِها ؟ فَلا تَخْتَصُّ بِالحَمْدِ حُجَّةُ إنْزالِ المَطَرِ، فَقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلِذَلِكَ لا يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعْتِراضًا.
و﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ مِن حَمْدِ اللَّهِ عَلى وُضُوحِ الحُجَجِ إلى ذَمِّ المُشْرِكِينَ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَتَفَطَّنُونَ لِنُهُوضِ تِلْكَ الحُجَجِ الواضِحَةِ، فَكَأنَّهم لا عَقْلَ لَهم؛ لِأنَّ وُضُوحَ الحُجَجِ يَقْتَضِي أنْ يَفْطِنَ لِنَتائِجِها كُلُّ ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا عُقُولَ لَهم.
وإنَّما أُسْنِدَ عَدَمُ العَقْلِ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّ مِن عُقَلائِهِمْ وأهْلِ الفِطَنِ مِنهم مَن وضُحَتْ لَهُ تِلْكَ الحُجَجُ، فَمِنهم مَن آمَنُوا، ومِنهم مَن أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ عِنادًا.
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهْيَ الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
هَذا الكَلامُ مُبَلَّغٌ إلى الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَإنَّ عُقَلاءَهم آثَرُوا باطِلَ الدُّنْيا عَلى الحَقِّ الَّذِي وضَحَ لَهم، ودَهْماءَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِغَيْرِ أُمُورِ الدُّنْيا، وجَمِيعَهم أنْكَرُوا البَعْثَ، فَأعْقَبَ اللَّهُ ما أوْضَحَهُ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا كالخَيالِ، وأنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ هي الحَياةُ الحَقُّ، والمُرادُ بِالحَياةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ، وذَلِكَ يَسْرِي إلى الحَياةِ نَفْسِها.
صفحة ٣١
واللَّهْوُ: ما يَلْهُو بِهِ النّاسُ، أيْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنِ الأُمُورِ المُكَدِّرَةِ أوْ يَعْمُرُونَ بِهِ أوْقاتُهُمُ الخَلِيَّةُ عَنِ الأعْمالِ.
واللَّعِبُ: ما يُقْصَدُ بِهِ الهَزْلُ والِانْبِساطُ. وتَقَدَّمُ تَفْسِيرُ اللَّعِبِ واللَّهْوِ ووَجْهُ حَصْرِ الحَياةِ الدُّنْيا فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والحَصْرُ ادِّعائِيٌّ كَما تَقَدَّمَ.
وقَدْ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِتَوْجِيهِ اسْمِ الإشارَةِ إلى الحَياةِ وهي إشارَةُ تَحْقِيرٍ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ، كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ مُشِيرًا إلى المَوْتِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَـاءَهَـا
ولَمْ تُوَجَّهِ الإشارَةُ إلى الحَياةِ في سُورَةِ الأنْعامِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ما يَقْتَضِي تَحْقِيرُ الحَياةِ، فَجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ تَحْقِيرِها، وأمّا آيَةُ سُورَةِ الأنْعامِ فَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] فَذَكَرَ لَهم في تِلْكَ الآيَةِ ما سَيَظْهَرُ لَهم إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ مِن ذَهابِ حَياتِهِمُ الدُّنْيا سُدًى.
وأمّا تَقْدِيمُ ذِكْرِ اللَّهْوِ هُنا وذِكْرِ اللَّعِبِ في سُورَةِ الأنْعامِ فَلِأنَّ آيَةَ سُورَةِ الأنْعامِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى اسْمِ إشارَةٍ يُقْصَدُ مِنهُ تَحْقِيرُ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الِابْتِداءُ بِأنَّها لَعِبٌ مُشِيرًا إلى تَحْقِيرِها؛ لِأنَّ اللَّعِبَ أعْرَقُ في قِلَّةِ الجَدْوى مِنَ اللَّهْوِ.
ولَمّا أُشِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها زادَهُ تَصْرِيحًا بِأنَّ الحَياةَ الآخِرَةَ هي الحَياةُ الحَقُّ، فَصِيغَ لَها وزْنُ الفِعْلانِ الَّذِي هو صِيغَةٌ تُنْبِئُ عَنْ مَعْنى التَّحَرُّكِ تَوْضِيحًا لِمَعْنى كَمالِ الحَياةِ بِقَدْرِ المُتَعارَفِ، فَإنَّ التَّحَرُّكَ والِاضْطِرابَ أمارَةٌ عَلى قُوَّةِ الحَيَوِيَّةِ في الشَّيْءِ مِثْلَ الغَلَيانِ واللَّهَبانِ.
وهم قَدْ جَهِلُوا الحَياةَ الآخِرَةَ مِن أصْلِها؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ دَلِيلُهُ ما تَقَدَّمَ، أوْ هو الجَوابُ مُقَدَّمًا.
29:65–66Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
صفحة ٣٢
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولْيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
أفادَتِ الفاءُ تَفْرِيعَ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والمُفَرَّعُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لَيْسَ هو واحِدًا مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ بِخُصُوصِهِ، ولَكِنَّهُ مَجْمُوعُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ قُوَّةُ الحَدِيثِ عَنْهم وما تَقْتَضِيهِ الفاءُ، والتَّقْدِيرُ: هم ”أيِ المُشْرِكُونَ“ عَلى ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وإلْغائِهِمْ ما في أحْوالِهِمْ مِن دَلائِلِ الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِها - لا يَضْرَعُونَ إلّا إلى اللَّهِ، فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ، فَضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ.
وهَذا انْتِقالٌ إلى إلْزامِهِمْ بِما يَقْتَضِيهِ دُعاؤُهم حِينَ لا يُشْرِكُونَ فِيهِ إلَهًا آخَرَ مَعَ اللَّهِ بَعْدَ إلْزامِهِمْ بِمُوجِباتِ اعْتِرافاتِهِمْ، فَإنَّهم يَدْعُونَ أصْنامَهم في شُئُونٍ مِن أحْوالِهِمْ ويَسْتَنْصِرُونَهم، ولَكِنَّهم إذا أصابَهم هَوْلٌ تَوَجَّهُوا بِتَضَرُّعِهِمْ إلى اللَّهِ.
وإنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ حالَ خَوْفِهِمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ ما في سُورَةِ يُونُسَ وما في سُورَةِ الإسْراءِ لِأنَّ أسْفارَهم في البَرِّ كانُوا لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها خَوْفٌ يَعُمُّ جَمِيعَ السَّفَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُسافِرُونَ قَوافِلَ، مَعَهم سِلاحُهم، ويَمُرُّونَ بِسُبُلٍ يَأْلَفُونَها فَلا يَعْتَرِضُهم خَوْفٌ عامٌّ، فَأمّا سَفَرُهم في البَحْرِ فَإنَّهم يَفْرَقُونَ مِن هَوْلِهِ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم وفْرَةُ عَدَدٍ ولا قُوَّةُ عُدَدٍ، فَهم يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ بِطَلَبِ النَّجاةِ، ولَعَلَّهم لا يَدْعُونَ أصْنامَهم حِينَئِذٍ.
فَأمّا تَسْخِيرُ المَخْلُوقاتِ فَما كانُوا يَطْمَعُونَ بِهِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا كانَ يُخامِرُهُمُ الخَوْفُ عِنْدَ رُكُوبِهِمْ في البَحْرِ لِقِلَّةِ الفَهْمِ بِرُكُوبِهِ؛ إذْ كانَ مُعْظَمُ أسْفارِهِمْ في البَرارِي.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَعْدِيَةُ الرُّكُوبِ بِحَرْفِ ”في“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] في سُورَةِ هُودٍ. والإخْلاصُ: التَّمْحِيضُ والإفْرادُ.
والدِّينُ: المُعامَلَةُ. والمُرادُ بِهِ هُنا الدُّعاءُ، أيْ دَعَوُا اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ أصْنامُهم. ويُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ .
صفحة ٣٣
فَجِيءَ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا إلى الإشْراكِ في حِينِ حُصُولِهِمْ في البَرِّ، أيْ أسْرَعُوا إلى ما اعْتادُوهُ مِن زِيارَةِ أصْنامِهِمْ والذَّبْحِ لَها. والمُفاجَأةُ عُرْفِيَّةٌ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الإرْساءُ في البَرِّ والوُصُولُ إلى مَواطِنِهِمْ، فَكانُوا يُبادِرُونَ بِإطْعامِ الطَّعامِ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ.
واللّامُ في ”لِيَكْفُرُوا“ لامُ التَّعْلِيلِ وهي لامُ كَيْ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ يُشْرِكُونَ، والكُفْرُ هُنا لَيْسَ هو الشِّرْكُ، ولَكِنَّهُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فَإنَّ الإيتاءَ بِمَعْنى الإنْعامِ، وبِقَرِينَةِ تَفْرِيعِهِ عَلى ”يُشْرِكُونَ“، فالعِلَّةُ مُغايِرَةٌ لِلْمَعْلُولِ، وكُفْرانُ النِّعْمَةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإشْراكِ؛ لِأنَّهم لَمّا بادَرُوا إلى شُئُونِ الإشْراكِ فَقَدْ أخَذُوا يَكْفُرُونَ النِّعْمَةَ، فاللّامُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ شَبَّهَ المُسَبَّبَ بِالعِلَّةِ الباعِثَةِ فاسْتُعِيرَ لَهُ حَرْفُ التَّعْلِيلِ عِوَضًا عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ.
وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ في قِراءَةِ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبَ. وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِها، فَهي لامُ الأمْرِ، وهي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ تُسَكَّنُ وتُكْسَرُ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وهو عَطْفُ جُمْلَةِ التَّهْدِيدِ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ إلَخْ. . . نَظِيرَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الرُّومِ: ”﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤]“ .
والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ القَصِيرُ زَمَنُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى التَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ.
29:67Page 404
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾
هَذا تَذْكِيرٌ خاصٌّ لِأهْلِ مَكَّةَ، وإنَّما خُصُّوا مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قُدْوَةٌ لِجَمِيعِ القَبائِلِ؛ ألا تَرى أنَّ أكْثَرَ قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَنْتَظِرُونَ ماذا يَكُونُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَلَمّا أسْلَمَ أهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أقْبَلَتْ وُفُودُ القَبائِلِ مُعْلِنَةً إسْلامَهم.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] بِاعْتِبارِ ما
صفحة ٣٤
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الجُمْلَةُ مِن تَقْرِيعِهِمْ عَلى كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وجُعِلَتْ نِعْمَةُ أمْنِ بَلَدِهِمْ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ رُؤْيَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ مَفْعُولُ يَرَوْا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] في سُورَةِ القَصَصِ، وقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في بُحْبُوحَةٍ مِنَ الأمْنِ، وكانَ غَيْرُهم مِنَ القَبائِلِ حَوْلَ مَكَّةَ وما بَعُدَ مِنها يَغْزُو بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَغاوَرُونَ ويَتَناهَبُونَ، وأهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ لا يَعْدُو عَلَيْهِمْ أحَدٌ مَعَ قِلَّتِهِمْ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ عَلَيْهِمْ.
والباطِلُ: هو الشِّرْكُ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. ونِعْمَةُ اللَّهِ المُرادُ بِها الجِنْسُ الَّذِي مِنهُ إنْجاؤُهم مِنَ الغَرَقِ، وما عَداهُ مِنَ النِّعَمِ المَحْسُوسَةِ المَعْرُوفَةِ، ومِنَ النِّعَمِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لَوْ تَأمَّلُوا لَأدْرَكُوا عِظَمَها، ومِنها نِعْمَةُ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
والمُضارِعُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ دالٌّ عَلى تَجَدُّدِ الفِعْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences