Ibn 'AshurAl-'Ankabut · 29:68–69

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:68–69

29:68Page 404

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾

لَمّا أوْفاهم ما يَسْتَأْهِلُونَهُ مِن تَشْنِيعِ أحْوالِهِمْ وسُوءِ انْتِظامِ شُئُونِهِمْ جاءَ في عَقِبِهِ بِتَذْيِيلٍ يَجْمَعُها في أنَّها افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، ثُمَّ جَزاهُمُ الجَزاءَ الأوْفى اللّائِقَ بِحالِهِمْ وهو أنَّ النّارَ مَثْواهم.

وافْتَتَحَ تَشْخِيصُ حالِهِمْ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ هم أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ وكَذَّبُوا بِالحَقِّ تَوْجِيهًا لِأذْهانِ السّامِعِينَ نَحْوَ البَحْثِ هَلْ يَجِدُونَ أظْلَمَ مِنهم، حَتّى إذا أجادُوا التَّأمُّلَ واسْتَقْرَوْا مَظانَّ الظُّلْمَةِ واسْتَعْرَضُوا أصْنافَهم تَيَقَّنُوا أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ ظُلْمٌ أشَدُّ مِن ظُلْمِ هَؤُلاءِ.

صفحة ٣٥

وإنَّما كانُوا أشَدَّ الظّالِمِينَ ظُلْمًا لِأنَّ الظُّلْمَ الِاعْتِداءُ عَلى أحَدٍ بِمَنعِهِ مِن حَقِّهِ، وأشَدُّ مِنَ المَنعِ أنْ يَمْنَعَهُ مُسْتَحِقَّهُ ويُعْطِيَهُ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ، وأنْ يُلْصِقَ بِأحَدٍ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِحْقاقَ وعَدَمَهُ قَدْ يَثْبُتانِ بِحُكْمِ العَوائِدِ، وقَدْ يَثْبُتانِ بِأحْكامِ الشَّرائِعِ، وقَدْ يَثْبُتانِ بِقَضايا العُقُولِ السَّلِيمَةِ وهو أعْلى مَراتِبِ الثُّبُوتِ. ومَدارُ أُمُورِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ بِأنْ سَلَبُوا عَنْهُ ما هو مُتَّصِفٌ بِهِ مِن صِفاتِ الإلَهِيَّةِ الثّابِتَةِ بِدَلالَةِ العُقُولِ، وأثْبَتُوا لَهُ ما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ بِدَلالَةِ العُقُولِ، وعَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ ونُكْرانِ دَلالَةِ المُعْجِزَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها العَقْلُ، وعَلى رَمْيِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ بِشَهادَةِ العَقْلِ والعادَةِ الَّتِي عَرَفُوها مِنهُ بُهْتانًا وكَذِبًا، فَكانُوا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ وضَعُوا أشْياءَ في مَواضِعَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَواضِعَها، فَكانُوا أظْلَمَ النّاسِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإمْكانِ أقْوى مِن عَدَمِ الحُصُولِ.

وتَقْيِيدُ الِافْتِراءِ بِالحالِ المُؤَكِّدَةِ في قَوْلِهِ: كَذِبًا لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ الِافْتِراءِ؛ لِأنَّ اسْمَ الكَذِبِ مُشْتَهَرٌ القُبْحَ في عُرْفِ النّاسِ، وإنَّما اخْتِيرَ الِافْتِراءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ الِاخْتِلاقَ تَعَمُّدًا لا تُخالِطُهُ شُبْهَةٌ.

وتَقْيِيدُ تَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ لِإدْماجِ ذَمِّ المُكَذِّبِينَ بِنُكْرانِ نِعْمَةِ إرْسالِ الحَقِّ إلَيْهِمُ الَّتِي لَمْ يُقَدِّرُوها قَدْرَها، وكانَ شَأْنُ العُقَلاءِ أنْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ ويَرْحَلُوا في طَلَبِهِ، وهَؤُلاءِ جاءَهُمُ الحَقُّ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَكَذَّبُوا بِهِ.

وأيْضًا فَإنَّ ”لَمّا“ التَّوْقِيتِيَّةَ تُؤْذِنُ بِأنَّ تَكْذِيبَهم حَصَلَ بِدارًا عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ، أيْ دُونَ أنْ يَتْرُكُوا لِأنْفُسِهِمْ مُهْلَةَ النَّظَرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتَقْرِيرٌ لَها؛ لِأنَّ في جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها إيذانًا إجْمالِيًّا بِجَزاءٍ فَظِيعٍ يَتَرَقَّبُهم، فَكانَ بَيانُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾، وهو بِألْفاظِهِ ونَظْمِهِ يُفِيدُ تَمَكُّنَهم مِن عَذابِ جَهَنَّمَ؛ إذْ جُعِلَتْ مَثْواهم.

فالمَثْوى: مَكانُ الثَّواءِ. والثَّواءُ: الإقامَةُ الطَّوِيلَةُ والسُّكْنى.

صفحة ٣٦

وعَلَّقَ ذَلِكَ بِعُنْوانِ الكافِرِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ.

والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلُ بِأنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا وكَذَّبُوا بِالحَقِّ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانَ بِضَمِيرِهِمْ، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِإحْضارِهِمْ بِوَصْفِ الكُفْرِ.

والهَمْزَةُ في ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وأصْلُها: إمّا الإنْكارُ بِتَنْزِيلِ المُقِرِّ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِيَكُونَ إقْرارُهُ أشَدَّ لُزُومًا لَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِفْهامِ، فَلَمّا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ أفادَتِ التَّقْرِيرَ؛ لِأنَّ إنْكارَ النَّفْيِ إثْباتٌ لِلْمَنفِيِّ، وهو إثْباتٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ. وهَذا التَّقْرِيرُ بِالهَمْزَةِ هو غالِبُ اسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ النَّفْيِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ

فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنى التَّقْرِيرِ بِشَهادَةِ الذَّوْقِ ولِياقَةِ مَقامِ مَدْحِ الخَلِيفَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ لِمَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ. جُعِلَ كَوْنُ جَهَنَّمَ مَثْواهم أمْرًا مُسَلَّمًا مَعْرُوفًا بِحَيْثُ يُقِرُّ بِهِ كُلُّ مَن يُسْألُ عَنْهُ، كِنايَةً عَنْ تَحَقُّقِ المَغَبَّةِ عَلى طَرِيقَةِ إيماءِ الكِنايَةِ.

29:69Page 404

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩

And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.

﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾

خُتِمَ تَوْبِيخُ المُشْرِكِينَ وذَمُّهم بِالتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ إظْهارًا لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ، فَلا يَخْلُو مَقامُ ذَمِّ أعْدائِهِمْ عَنِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الأعْداءَ غَيْظًا وتَحْقِيرًا.

والَّذِينَ جاهَدُوا في اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الأوَّلُونَ، فالمَوْصُولُ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ. وهَذا الجِهادُ هو الصَّبْرُ عَلى الفِتَنِ والأذى ومُدافَعَةِ كَيْدِ العَدُوِّ، وهو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] إذْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ جِهادُ القِتالِ كَما عَلِمْتَ مِن قَبْلُ.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ سَبَبُ الخَبَرِ. ومَعْنى ﴿جاهَدُوا فِينا﴾

صفحة ٣٧

جاهَدُوا في مَرْضاتِنا والدِّينِ الَّذِي اخْتَرْناهُ لَهم. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، يُقالُ: هي ظَرْفِيَّةُ تَعْلِيلٍ تُفِيدُ مُبالَغَةً في التَّعْلِيلِ.

والهِدايَةُ: الإرْشادُ والتَّوْفِيقُ بِالتَّيْسِيرِ القَلْبِيِّ والإرْشادِ الشَّرْعِيِّ، أيْ لَنَزِيدَنَّهم هُدًى. وسُبُلُ اللَّهِ: الأعْمالُ المُوصِلَةُ إلى رِضاهُ وثَوابِهِ، شُبِّهَتْ بِالطُّرُقِ المُوصِلَةِ إلى مَنزِلِ الكَرِيمِ المُكْرِمِ لِلضَّيْفِ.

والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا مُحْسِنِينَ، أيْ كانَ عَمَلُ الحَسَناتِ شِعارَهم وهو عامٌّ. وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم في عِدادِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. وهَذا أوْقَعُ في إثْباتِ الفَوْزِ لَهم مِمّا لَوْ قِيلَ: فَأُولَئِكَ المُحْسِنُونَ؛ لِأنَّ في التَّمْثِيلِ بِالأُمُورِ المُقَرَّرَةِ المَشْهُورَةِ تَقْرِيرًا لِلْمَعانِي؛ ولِذَلِكَ جاءَ في تَعْلِيمِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ قَوْلُهُ: «كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ» .

والمَعِيَّةُ: هُنا مَجازٌ في العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِهِمْ.

والجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ بِما فِيها مِن مَعْنى العُمُومِ. وإنَّما جِيءَ بِها مَعْطُوفَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُهِمَّ مِن سَوْقِها هو ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، فَعُطِفَتْ عَلى حالَتِهِمُ الأُخْرى وأفادَتِ التَّذْيِيلَ بِعُمُومِ حُكْمِها.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ إيماءٌ إلى تَيْسِيرِ طَرِيقِ الهِجْرَةِ الَّتِي كانُوا يَتَأهَّبُونَ لَها أيّامَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

* * *

صفحة ٣٨

صفحة ٣٩

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الرُّومِ

هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ الرُّومِ في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وأصْحابِهِ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّورَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ ورَدَ فِيها ذِكْرُ اسْمِ الرُّومِ ولَمْ يَرِدْ في غَيْرِها مِنَ القُرْآنِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِالِاتِّفاقِ، حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ، ولَمْ يَذْكُرْها صاحِبُ ”الإتْقانِ“ في السُّوَرِ المُخْتَلَفِ في مَكِّيَّتِها ولا في بَعْضِ آيِها. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَكُونُ عِنْدَهُ مَدَنِيَّةً. قالَ أبُو سَعِيدٍ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ وفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ”﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]“ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] وكانَ يَقْرَؤُها ”غَلَبَتْ“ بِفَتْحِ اللّامِ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يُتابِعْهُ أحَدٌ، وأنَّهُ قَرَأ ”وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيُغْلَبُونَ“ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، ونَسَبَ مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ إلى عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ. وتَأوَّلَها أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ آخِذًا مِنَ ”الكَشّافِ“ بِأنَّها إشارَةٌ إلى غَلَبِ المُسْلِمِينَ عَلى الرُّومِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وغَلَبَهُمُ المُسْلِمُونَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ تِسْعٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ يَظْهَرَ أهْلُ فارِسَ عَلى الرُّومِ؛ لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ أوْثانٍ. وعَنْ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ بِناءً عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ تُشِيرُ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وهو يَرى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، وأنَّ الَّذِي كانَ فَرْضًا قَبْلَ الهِجْرَةِ هو رَكْعَتانِ في أيِّ وقْتٍ تَيَسَّرِ لِلْمُسْلِمِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى شُذُوذٍ.

وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والثَّمانُونَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الِانْشِقاقِ

صفحة ٤٠

وقَبْلَ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّ غَلَبَ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كانَ في عامِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ؛ ولِذَلِكَ اسْتَفاضَتِ الرِّواياتُ، وكانَ بَعْدَ قَتْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ.

واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ غَلَبَ الرُّومِ لِلْفُرْسِ وقَعَ بَعْدَ مُضِيِّ سَبْعِ سِنِينَ مِن غَلَبِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ الَّذِي نَزَلَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ السُّورَةُ. ومَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ - بِتَقْدِيمِ التّاءِ المُثَنّاةِ - فَقَدْ حُمِلَ عَلى التَّصْحِيفِ كَما رَواهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ القُشَيْرِيِّ، يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَ سُورَةِ الرُّومِ كانَ في إحْدى عَشْرَةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ كانَتْ في سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ انْتِصارَ الرُّومِ عَلى فارِسَ يُوافِقُ يَوْمُهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

وعَدَدُ آيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ تِسْعٌ وخَمْسُونَ. وفي عَدَدِ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ سِتُّونَ.

وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، والواحِدِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَمّا تَحارَبَ الفُرْسُ والرُّومُ الحَرْبَ الَّتِي سَنَذْكُرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ﴾ [الروم: ٢] وتَغَلَّبَ الفُرْسُ عَلى الرُّومِ - كانَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرِحِينَ بِغَلَبِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ؛ لِأنَّ الفُرْسَ كانُوا مُشْرِكِينَ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ كِتابٍ، فَكانَ حالُهم أقْرَبَ إلى حالِ قُرَيْشٍ؛ ولِأنَّ عَرَبَ الحِجازِ ٧٢ والعِراقِ كانُوا مِن أنْصارِ الفُرْسِ، وكانَ عَرَبُ الشّامِ مِن أنْصارِ الرُّومِ، فَأظْهَرَتْ قُرَيْشٌ التَّطاوُلَ عَلى المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ مَقْتًا لَهم وإبْطالًا لِتَطاوُلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ الرُّومَ عَلى الفُرْسِ بَعْدَ سِنِينَ؛ فَلِذَلِكَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، وراهَنَ أبُو بَكْرٍ المُشْرِكِينَ عَلى ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي.

* * *

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ

أوَّلُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِها عَلى ما سَرَّ المُشْرِكِينَ مِن تَغَلُّبِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، فَقَمَعَ اللَّهُ تَعالى تَطاوُلَ المُشْرِكِينَ بِهِ وتَحَدّاهم بِأنَّ العاقِبَةَ لِلرُّومِ في الغَلَبِ عَلى الفُرْسِ بَعْدَ سِنِينَ قَلِيلَةٍ.

صفحة ٤١

ثُمَّ تَطَرَّقَ مِن ذَلِكَ إلى تَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا تَغُوصُ أفْهامُهم في الِاعْتِبارِ بِالأحْداثِ ولا في أسْبابِ نُهُوضِ وانْحِدارِ الأُمَمِ مِنَ الجانِبِ الرَّبّانِيِّ، ومِن ذَلِكَ إهْمالُهُمِ النَّظَرَ في الحَياةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهَلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ المُماثِلَةِ لَهم في الإشْراكِ بِاللَّهِ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى ذِكْرِ البَعْثِ.

واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ ولِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى بِدَلائِلَ مِن آياتِ اللَّهِ في تَكْوِينِ نِظامِ العالَمِ ونِظامِ حَياةِ الإنْسانِ.

ثُمَّ حَضَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ وأثْنى عَلَيْهِ.

ونَظَّرَ بَيْنَ الفَضائِلِ الَّتِي يَدْعُو إلَيْها الإسْلامُ وبَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ ورَذائِلِهِمْ، وضَرَبَ أمْثالًا لِإحْياءِ مُخْتَلَفِ الأمْواتِ بَعْدَ زَوالِ الحَياةِ عَنْها ولِإحْياءِ الأُمَمِ بَعْدَ يَأْسِ النّاسِ مِنها، وأمْثالًا لِحُدُوثِ القُوَّةِ بَعْدَ الضَّعْفِ وبِعَكْسِ ذَلِكَ.

وخَتَمَ ذَلِكَ بِالعَوْدِ إلى إثْباتِ البَعْثِ ثُمَّ بِتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ ووَعْدِهِ بِالنَّصْرِ.

ومِن أعْظَمِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ الإسْلامَ دِينٌ فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْهِ، وأنَّ مَنِ ابْتَغى غَيْرَهُ دِينًا فَقَدْ حاوَلَ تَبْدِيلَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأنّى لَهُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском