Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:104–109

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:104–109

3:104–105Page 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

هَذا مُفَرَّعٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ: لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ لَهم نِعْمَةَ نَقْلِهِمْ مِن حالَتَيْ شَقاءٍ وشَناعَةٍ إلى حالَتَيْ نَعِيمٍ وكَمالٍ، وكانُوا قَدْ ذاقُوا بَيْنَ الحالَتَيْنِ الأمَّرَيْنِ ثُمَّ الأحْلَوَيْنِ، فَحَلَبُوا الدَّهْرَ أشَطْرَيْهِ، كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ عَزْمِهِمْ إلى انْتِشالِ غَيْرِهِمْ مِن سُوءِ ما هو فِيهِ إلى حُسْنى ما هم عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً خَيِّرَةً. وفي غَرِيزَةِ البَشَرِ حُبُّ المُشارِكَةِ في الخَيْرِ لِذَلِكَ تَجِدُ الصَّبِيَّ إذا رَأى شَيْئًا أعْجَبَهُ نادى مَن هو حَوْلَهُ لِيَراهُ مَعَهُ.

ولِذَلِكَ كانَ هَذا الكَلامُ حَرِيًّا بِأنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، ولَوْ عُطِفَ بِها لَكانَ أُسْلُوبًا عَرَبِيًّا إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ

صفحة ٣٧

مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ الكَلامُ السّابِقُ لَكانَ هو حَرِيًّا بِأنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَلا يَكُونُ مَذْكُورًا لِأجْلِ التَّفَرُّعِ عَنْ غَيْرِهِ والتَّبَعِ.

وفِيهِ مِن حُسْنِ المُقابَلَةِ في التَّقْسِيمِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الخَطابَةِ: وذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كُفْرَهم وصَدَّهُمُ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآيَةَ.

وقابَلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ الآيَةَ.

وصِيغَةُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ صِيغَةُ وُجُوبٍ لِأنَّها أصْرَحُ في الأمْرِ مِن صِيغَةِ افْعَلُوا لِأنَّها أصْلُها. فَإذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَيْنَهم مِن قِبَلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فالأمْرُ لِتَشْرِيعِ الوُجُوبِ، وإذا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا بَيْنَهم مِن قَبْلُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ووُجُوبِهِ، وفِيهِ زِيادَةُ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وقَدْ كانَ الوُجُوبُ مُقَرَّرًا مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى مِثْلِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، أوْ بِأوامِرَ نَبَوِيَّةٍ. فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ الوُجُوبِ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

والأُمَّةُ الجَماعَةُ والطّائِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] .

وأصْلُ الأُمَّةِ مِن كَلامِ العَرَبِ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَؤُمُّ قَصْدًا واحِدًا: مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ دِينٍ، أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، ويَتَعَيَّنُ ما يَجْمَعُها بِالإضافَةِ أوِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِمْ: أُمَّةُ العَرَبِ وأُمَّةُ غَسّانَ وأُمَّةُ النَّصارى.

والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ مِنكم إنْ كانَ هم أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ كَما هو ظاهِرُ

صفحة ٣٨

الخِطاباتِ السّابِقَةِ آنِفًا جازَ أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً وقُدِّمَ البَيانُ عَلى المُبَيَّنِ ويَكُونُ ماصَدَقَ الأُمَّةِ نَفْسُ الصَّحابَةِ، وهم أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ المَعْنى: ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَهَذِهِ الأُمَّةُ أصْحابُ هَذا الوَصْفِ قَدْ أُمِرُوا بِأنْ يُكَوِّنُوا مِن مَجْمُوعِهِمُ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، والمَقْصُودُ تَكْوِينُ هَذا الوَصْفِ لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ هو التَّخَلُّقُ بِهَذا الخُلُقِ فَإذا تَخَلَّقُوا بِهِ تَكَوَّنَتِ الأُمَّةُ المَطْلُوبَةُ. وهي أفْضَلُ الأُمَمِ. وهي أهْلُ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ المَنشُودَةِ لِلْحُكَماءِ مِن قَبْلُ، فَجاءَتِ الآيَةُ بِهَذا الأمْرِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَلِيغِ المُوجَزِ.

وفِي هَذا مُحَسِّنُ التَّجْرِيدِ: جُرِّدَتْ مِنَ المُخاطَبِينَ أُمَّةٌ أُخْرى لِلْمُبالَغَةِ في هَذا الحُكْمِ كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مِن بَنِيهِ أنْصارٌ. والمَقْصُودُ: ولْتَكُونُوا آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَكُونُوا أُمَّةً هَذِهِ صِفَتُها، وهَذا هو الأظْهَرُ فَيَكُونُ جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ خُوطِبُوا بِأنْ يَكُونُوا دُعاةً إلى الخَيْرِ، ولا جَرَمَ فَهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الشَّرِيعَةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُباشَرَةً، فَهم أوْلى النّاسِ بِتَبْلِيغِها. وأعْلَمُ بِمَشاهِدِها وأحْوالِها، ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ «لِيُبَلِّغَ الشّاهِدُ الغائِبَ ألا هَلْ بَلَّغْتُ» وإلى هَذا المَحْمَلِ مالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

ويَجُوزُ أيْضًا، عَلى اعْتِبارِ الضَّمِيرِ خِطابًا لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ والفَرِيقُ، أيْ: ولْيَكُنْ بَعْضُكم فَرِيقًا يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَيَكُونُ الوُجُوبُ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الضَّحّاكُ، والطَّبَرِيُّ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَهم خاصَّةُ أصْحابِ الرَّسُولِ وهم خاصَّةُ الرُّواةِ.

وأقُولُ: عَلى هَذا يَثْبُتُ حُكْمُ الوُجُوبِ عَلى كُلِّ جِيلٍ بَعْدَهم بِطَرِيقِ القِياسِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ الهُدى. ومِنَ النّاسِ مَن لا يَسْتَطِيعُ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ،

صفحة ٣٩

والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآيَةَ.

وإنْ كانَ الخِطابُ بِالضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِكَوْنِ المُخاطَبِ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إيّاهم أيْضًا، كانَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لا مَحالَةَ، وكانَ المُرادُ بِالأُمَّةِ الطّائِفَةَ، إذْ لا يَكُونُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم مَأْمُورِينَ بِالدُّعاءِ إلى الخَيْرِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بَلْ يَكُونُ الواجِبُ عَلى الكِفايَةِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والطَّبَرِيُّ، ومَن تَبِعَهم، وعَلى هَذا فَيَكُونُ المَأْمُورُ جَماعَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما المَقْصُودُ حُصُولُ هَذا الفِعْلِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الأُمَّةِ وُقُوعُهُ.

عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً بِمَعْنى أنْ يَكُونُوا هُمُ الأُمَّةَ، ويَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، إقامَةُ ذَلِكَ فِيهِمْ وأنْ لا يَخْلُوا عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ الحاجَةِ، ومِقْدارِ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، ويَكُونُ هَذا جارِيًا عَلى المُعْتادِ عِنْدَ العَرَبِ مِن وصْفِ القَبِيلَةِ بِالصِّفاتِ الشّائِعَةِ فِيها الغالِبَةِ عَلى أفْرادِها كَقَوْلِهِمْ: باهِلَةُ لِئامٍ، وعُذْرَةُ عُشّاقٍ.

وعَلى هَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَجْرِي الِاعْتِباراتُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ كَما سَيَأْتِي.

إنَّ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ تَتَفاوَتُ: فَمِنها ما هو بَيِّنٌ يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ فَيَقُومُ بِهِ أهْلُهُ، وهَذا هو المُسَمّى بِفَرْضِ الكِفايَةِ، يَعْنِي إذا قامَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ كَفى عَنْ قِيامِ الباقِينَ، وتَتَعَيَّنُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ بِها بِتَوَفُّرِ شُرُوطِ القِيامِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيها. كالقُوَّةِ عَلى السِّلاحِ في الحَرْبِ، وكالسِّباحَةِ في إنْقاذِ الغَرِيقِ، والعِلْمِ بِأُمُورِ الدِّينِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وكَذَلِكَ تَعَيُّنُ العَدَدِ الَّذِي يَكْفِي لِلْقِيامِ بِذَلِكَ الفِعْلِ مِثْلَ كَوْنِ الجَيْشِ نِصْفَ عَدَدِ جَيْشِ العَدُوِّ، ولَمّا كانَ الأمْرُ يَسْتَلْزِمُ مُتَعَلِّقًا فالمَأْمُورُ في فَرْضِ الكِفايَةِ الفَرِيقُ الَّذِينَ فِيهِمُ الشُّرُوطُ، ومَجْمُوعُ أهْلِ البَلَدِ، أوِ القَبِيلَةِ،

صفحة ٤٠

لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ، فَإذا قامَ بِهِ العَدَدُ الكافِي مِمَّنْ فِيهِمُ الشُّرُوطُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ، وإذا لَمْ يَقُومُوا بِهِ كانَ الإثْمُ عَلى البَلَدِ أوِ القَبِيلَةِ، لِسُكُوتِ جَمِيعِهِمْ، ولِتَقاعُسِ الصّالِحِينَ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، مَعَ سُكُوتِهِمْ أيْضًا ثُمَّ إذا قامَ بِهِ البَعْضُ فَإنَّما يُثابُ ذَلِكَ البَعْضُ خاصَّةً.

ومَعْنى الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى الإسْلامِ، وبَثُّ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ، فَإنَّ الخَيْرَ اسْمٌ يَجْمَعُ خِصالَ الإسْلامِ: فَفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ فَجاءَنا اللَّهُ بِهَذا الخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ» الحَدِيثَ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى مُغايِرِهِ، وهو أصْلُ العَطْفِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالخَيْرِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الخَيْراتِ، ومِنها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ يَدْعُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ يَدْعُونَ كُلَّ أحَدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .

والمَعْرُوفُ هو ما يُعْرَفُ وهو مَجازٌ في المَقْبُولِ المَرْضِيِّ بِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مَعْرُوفًا كانَ مَأْلُوفًا مَقْبُولًا مَرْضِيًّا بِهِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُقْبَلُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ، وفي الشَّرائِعِ، وهو الحَقُّ والصَّلاحُ، لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ.

والمُنْكَرُ مَجازٌ في المَكْرُوهِ، والكُرْهُ لازِمٌ لِلْإنْكارِ لِأنَّ المُنْكَرَ في أصْلِ اللِّسانِ هو الجَهْلُ ومِنهُ تَسْمِيَةُ غَيْرِ المَأْلُوفِ نَكِرَةً، وأُرِيدَ بِهِ هُنا الباطِلُ والفَسادُ، لِأنَّهُما مِنَ المَكْرُوهِ في الجِبِلَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ.

والتَّعْرِيفُ في الخَيْرِ، والمَعْرُوفِ، والمُنْكَرِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ في المُعامَلاتِ بِحَسْبِ ما يَنْتَهِي إلَيْهِ العِلْمُ والمَقْدِرَةُ فَيُشْبِهُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن عَيَّنَ جَعْلَ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ لِلْبَيانِ،

صفحة ٤١

وتَأوَّلَ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ فَيَصِيرُ المَعْنى: ولْتَكُنْ أُمَّةٌ هي أنْتُمْ أيْ ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ، مُحاوَلَةً لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ومُساواةُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خَيْرِ أُمَّةٍ هاتِهِ الأُمَّةُ، الَّتِي قامَتْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ هُنالِكَ.

والآيَةُ أوْجَبَتْ أنْ تَقُومَ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن أقْسامِ القَوْلِ والكَلامِ، فالمُكَلَّفُ بِهِ هو بَيانُ المَعْرُوفِ، والأمْرُ بِهِ، وبَيانُ المُنْكَرِ، والنَّهْيِ عَنْهُ، وأمّا امْتِثالُ المَأْمُورِينَ والمَنهِيِّينَ لِذَلِكَ، فَمَوْكُولٌ إلَيْهِمْ أوْ إلى وُلاةِ الأُمُورِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهم عَلى فِعْلِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأمّا ما وقَعَ في الحَدِيثِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» فَذَلِكَ مَرْتَبَةُ التَّغْيِيرِ، والتَّغْيِيرُ يَكُونُ بِاليَدِ، ويَكُونُ بِالقَلْبِ أيْ تَمَنِّي التَّغْيِيرِ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلا يَكُونانِ بِهِما.

والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ إنْ كانا ضَرُورِيَّيْنِ كانَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَأْمُرَ ويَنْهى فِيهِما، وإنْ كانا نَظَرِيَّيْنِ، فَإنَّما يَقُومُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فِيهِما أهْلُ العِلْمِ.

ولِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مُبَيَّنَةٌ في الفِقْهِ والآدابِ الشَّرْعِيَّةِ، إلّا أنِّي أُنَبِّهُ إلى شَرْطٍ ساءَ فَهْمُ بَعْضِ النّاسِ فِيهِ وهو قَوْلُ بَعْضِ الفُقَهاءِ: يُشْتَرَطُ ألّا يَجُرَّ النَّهْيُ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ. وهَذا شَرْطٌ قَدْ خَرَمَ مَزِيَّةَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واتَّخَذَهُ المُسْلِمُونَ ذَرِيعَةً لِتَرْكِ هَذا الواجِبِ. ولَقَدْ ساءَ فَهْمُهم فِيهِ إذْ مُرادُ مُشْتَرِطِهِ أنْ يَتَحَقَّقَ الأمْرَ أنَّ أمْرَهُ يَجُرُّ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ لا أنْ يُخافَ أنْ يُتَوَهَّمَ إذِ الوُجُوبُ قَطْعِيٌّ لا يُعارِضُهُ إلّا ظَنٌّ أقْوى.

ولَمّا كانَ تَعْيِينُ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِهَذا الفَرْضِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، ومَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّغْيِيرِ، وإفْهامِ النّاسِ ذَلِكَ، رَأى أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ تَعْيِينَ وُلاةٍ لِلْبَحْثِ عَنْ

صفحة ٤٢

المُناكِرِ وتَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ القِيامِ بِتَغْيِيرِها، وسَمَّوْا تِلْكَ الوِلايَةَ بِالحِسْبَةِ، وقَدْ أوْلى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في هاتِهِ الوِلايَةِ أُمِّ الشِّفاءِ، وأشْهَرُ مِن ولِيَها في الدَّوْلَةِ العَبّاسِيَّةِ ابْنُ عائِشَةَ، وكانَ رَجُلًا صُلْبًا في الحَقِّ، وتُسَمّى هَذِهِ الوِلايَةُ في المَغْرِبِ وِلايَةُ السُّوقِ وقَدْ ولِياها في قُرْطُبَةَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَرْتَنِيلَ القُرْطُبِيُّ المَعْرُوفُ بِالأشَجِّ مِن أصْحابِ ابْنِ القاسِمِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٢٠ . وكانَتْ في الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ وِلايَةُ الحِسْبَةِ مِنَ الوِلاياتِ النَّبِيهَةِ ورُبَّما ضُمَّتْ إلى القَضاءِ كَما كانَ الحالُ في تُونُسَ بَعْدَ الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِفاتِ أُمَّةٍ وهي الَّتِي تَضَمَّنَتْها جُمَلُ ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهم مُفْلِحُونَ: لِأنَّ الفَلاحَ لَمّا كانَ مُسَبِّبًا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ صِفَةٍ لَهم، ويَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حالًا مِن أُمَّةٍ، والواوُ لِلْحالِ.

والمَقْصُودُ بِشارَتُهم بِالفَلاحِ الكامِلِ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها بِدُونِ عَطْفٍ، مِثْلَ فَصْلِ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] لَكِنَّ هَذِهِ عُطِفَتْ أوْ جاءَتْ حالًا لِأنَّ مَضْمُونَها جَزاءً عَنِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي أجْدَرُ بِأنْ تُلْحَقَ بِها.

ومُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَصْرُ صِفَةِ الفَلاحِ عَلَيْهِمْ، فَهو إمّا قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِمَن لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ مَعَ المَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، وإمّا قَصْرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبالَغَةُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ في هَذا المَقامِ بِفَلاحِ غَيْرِهِمْ، وهو مَعْنى قَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ وهو يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ - قَبْلُ - ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] لِما فِيهِ مِن تَمْثِيلِ حالِ التَّفَرُّقِ في أبْشَعِ صُوَرِهِ المَعْرُوفَةِ لَدَيْهِمْ مِن مُطالَعَةِ أخْوالِ اليَهُودِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ إذْ تَكْثُرُ النَّزَعاتُ والنَّزَغاتُ وتَنْشَقُّ الأُمَّةُ بِذَلِكَ انْشِقاقًا شَدِيدًا.

صفحة ٤٣

والمُخاطَبُ بِهِ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ مَعَ أنَّهُ شَكَّ في أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ سائِرَ المُسْلِمِينَ: إمّا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وإمّا بِطَرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحالَةُ الشَّبِيهَةُ بِحالِ اللَّذَيْنِ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا.

وأُرِيدَ بِ ﴿الَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ في أُصُولِ الدِّينِ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، مِن بَعْدِ ما جاءَهم مِنَ الدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنَ الِاخْتِلافِ والِافْتِراقِ. وقُدِّمَ الِافْتِراقُ عَلى الِاخْتِلافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاخْتِلافَ عِلَّةُ التَّفَرُّقِ وهَذا مِنَ المُفاداتِ الحاصِلَةِ مِن تَرْتِيبِ الكَلامِ وذِكْرِ الأشْياءِ مَعَ مُقارَنَتِها، وفي عَكْسِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ والَّذِي يُؤَدِّي إلى الِافْتِراقِ، وهو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّيانَةِ الَّذِي يُفْضِي إلى تَكْفِيرِ بَعْضِ الأُمَّةِ بَعْضًا، أوْ تَفْسِيقِهِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ المَبْنِيَّةِ عَلى اخْتِلافِ مَصالِحِ الأُمَّةِ في الأقْطارِ والأعْصارِ، وهو المُعَبِّرُ عَنْهُ بِالِاجْتِهادِ. ونَحْنُ إذا تَقَصَّيْنا تارِيخَ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ لا نَجِدُ افْتِراقًا نَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا عَنِ اخْتِلافٍ في العَقائِدِ والأُصُولِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الِاجْتِهادِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

والبَيِّناتُ: الدَّلائِلُ الَّتِي فِيها عِصْمَةٌ مِنَ الوُقُوعِ في الِاخْتِلافِ لَوْ قُيِّضَتْ لَها أفْهامٌ.

وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مُقابِلَ قَوْلِهِ في الفَرِيقِ الآخَرِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فالقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وهَذا جَزاءٌ عَلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ وعَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَجَنُّبِ أسْبابِهِ.

3:106–107Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

صفحة ٤٤

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] مِن مَعْنى كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ: أيْ يَكُونُ عَذابٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وهَذا هو الجارِي عَلى أكْثَرِ الِاسْتِعْمالِ في إضافَةِ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ صِفَةً لِيَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ: تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ.

وفِي تَعْرِيفِ هَذا اليَوْمِ بِحُصُولِ بَياضِ وُجُوهٍ وسَوادِ وُجُوهٍ فِيهِ، تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ أصْحابِ الوُجُوهِ المُبْيَضَّةِ، والوُجُوهِ المُسْوَدَّةِ: تَرْهِيبًا لِفَرِيقٍ وتَرْغِيبًا لِفَرِيقٍ آخَرَ. والأظْهَرُ أنَّ عِلْمَ السّامِعِينَ بِوُقُوعِ تَبْيِيضِ وُجُوهٍ وتَسْوِيدِ وُجُوهٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ: في الآياتِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] .

والبَياضُ والسَّوادُ بَياضٌ وسَوادٌ حَقِيقِيّانِ يُوسَمُ بِهِما المُؤْمِنُ والكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهُما بَياضٌ وسَوادٌ خاصّانِ لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَلا داعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ السّابِقِ، سُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ النَّشْرِ المَعْكُوسِ، وفِيهِ إيجازٌ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ، فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ الكافِرُونَ يُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ: وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ.

وقُدِّمَ عِنْدَ وصْفِ اليَوْمِ ذِكْرُ البَياضِ، الَّذِي هو شِعارُ أهْلِ النَّعِيمِ، تَشْرِيفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، ولِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِأنَّ في ذِكْرِ سِمَةِ أهْلِ النَّعِيمِ، عَقِبَ وعِيدِ غَيْرِهِمْ بِالعَذابِ، حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، إذْ

صفحة ٤٥

يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا في يَوْمٍ فِيهِ نُعَيْمٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قَدَّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرَ سِمَةِ أهْلِ العَذابِ تَعْجِيلًا بِمُساءَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ أكَفَرْتُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الكَلامِ لِظُهُورِهِ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُسْتَفْهِمٍ، وذَلِكَ القَوْلُ هو جَوابُ أمّا، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ عَلى أكَفَرْتُمْ لِيَظْهَرَ أنْ لَيْسَ هو الجَوابُ وأنَّ الجَوابَ حُذِفَ بِرُمَّتِهِ.

وقائِلُ هَذا القَوْلِ مَجْهُولٌ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ أهْلُ المَحْشَرِ لَهم وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهم في الدُّنْيا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ رَأوْهم وعَلَيْهِمْ سِمَةُ الكُفْرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَوْضِ «فَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهم ثُمَّ يُخْتَلَجُونَ دُونِي، فَأقُولُ: أصْحابِي، فَيُقالُ إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» والمُسْتَفْهِمُ سَلَفُهم مِن قَوْمِهِمْ أوْ رَسُولِهِمْ، فالِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ مَعَ كِنايَتِهِ عَنْ مَعْنى التَّعَجُّبِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهم، فالِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الإنْكارِ والتَّغْلِيطِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أهْلُ الكِتابِ فَمَعْنى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ تَغْيِيرُهم شَرِيعَةَ أنْبِيائِهِمْ وكِتْمانُهم ما كَتَمُوهُ فِيها، أوْ كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمُوسى وعِيسى، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] وهَذا هو المَحْمَلُ البَيِّنُ، وسِياقُ الكَلامِ ولَفْظُهُ يَقْتَضِيهِ، فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِوَعِيدِ أُولَئِكَ. ووَقَعَتْ تَأْوِيلاتٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَعُوا بِها فِيما حَذَّرَهم مِنهُ القُرْآنُ، فَتَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ: الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» مِثْلَ أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ ماتُوا عَلى ذَلِكَ، فَمَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وعَلى هَذا المَعْنى تَأوَّلَ الآيَةَمالِكُ بْنُ أنَسٍ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ وهو في ثالِثَةِ المَسائِلِ مِن سَماعِهِ مِن كِتابِ المُرْتَدِّينَ والمُحارِبِينَ مِنَ العُتْبِيَّةِ قالَ ما آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ أشَدُّ عَلى أهْلِ الِاخْتِلافِ مِن أهْلِ الأهْواءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ

صفحة ٤٦

تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قالَ مالِكٌ: إنَّما هَذِهِ لِأهْلِ القِبْلَةِ. يَعْنِي أنَّها لَيْسَتْ لِلَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الأُمَمِ قَبْلَنا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ . ورَواهُ أبُو غَسّانَ مالِكٌ الهَرْوِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ الَّذِينَ أحْدَثُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرًا بِالرِّدَّةِ أوْ بِشَنِيعِ الأقْوالِ الَّتِي تُفْضِي إلى الكُفْرِ ونَقْضِ الشَّرِيعَةِ، مِثْلُ الغُرابِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ النُّبُوءَةَ لَعَلِيٍّ، ومِثْلُ غُلاةِ الإسْماعِيلِيَّةِ أتْباعِ حَمْزَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وأتْباعِ الحاكِمِ العُبَيْدِيِّ، بِخِلافِ مَن لَمْ تَبْلُغْ بِهِ مَقالَتُهُ إلى الكُفْرِ تَصْرِيحًا ولا لُزُومًا بَيِّنًا مِثْلِ الخَوارِجِ والقَدَرِيَّةِ كَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفِقْهِ والكَلامِ في حُكْمِ المُتَأوِّلِينَ ومَن يُئَوِّلُ قَوْلَهم إلى لَوازِمَ سَيِّئَةٍ.

وذَوْقُ العَذابِ مَجازٌ لِلْإحْساسِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ عِلاقَتُهُ التَّقْيِيدُ.

3:108–109Page 63

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨

These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

تَذْيِيلاتٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تِلْكَ إلى طائِفَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ السّابِقَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ .

والتِّلاوَةُ اسْمٌ لِحِكايَةِ كَلامٍ لِإرادَةِ تَبْلِيغِهِ بِلَفْظِهِ وهي كالقِراءَةِ إلّا أنَّ القِراءَةَ تَخْتَصُّ بِحِكايَةِ كَلامٍ مَكْتُوبٍ فَيَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المَقْصُودَةُ بِالإشارَةِ هي الآياتُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] إلى هُنا لِأنَّ ما قَبْلَهُ خُتِمَ بِتَذْيِيلٍ قَرِيبٍ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] فَيَكُونُ كُلُّ تَذْيِيلٍ مُسْتَقِلًّا بِطائِفَةِ الجُمَلِ الَّتِي وقَعَ هو عَقِبَها.

وخُصَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ صِحَّةَ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، والمُبْطِلَةِ لِدَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى

صفحة ٤٧

والمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن أمْثالٍ ومَواعِظَ وشَواهِدَ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الإخْبارِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أيْ لِما في نَفْسِ الأمْرِ والواقِعِ، فَهَذِهِ الآياتُ بَيَّنَتْ عَقائِدَ أهْلِ الكِتابِ وفَصَّلَتْ أحْوالَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ومِنَ الحَقِّ اسْتِحْقاقُ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِما عُومِلَ بِهِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ النّاسَ ولَوْ شاءَ ذَلِكَ لِفَعَلَهُ، لَكِنَّهُ وعَدَ بِأنْ لا يَظْلِمَ أحَدًا فَحَقَّ وعْدُهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اسْتِحالَةِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى الظُّلْمَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوى الحُكْمِ، وهو انْتِفاءُ إرادَةِ ظُلْمِ العالَمِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَنْكِيرُ ظُلْمًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ الظُّلْمِ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يُعَدُّ ظُلْمًا في مَجالِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مُنْتَفٍ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى التَّذْيِيلِ: لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو يُرِيدُ صَلاحَ حالِهِمْ، ولا حاجَةَ لَهُ بِإضْرارِهِمْ إلّا لِلْجَزاءِ عَلى أفْعالِهِمْ. فَلا يُرِيدُ ظُلْمَهم، وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأشْياءُ كُلُّها فَلا يَفُوتُهُ ثَوابُ مُحْسِنٍ ولا جَزاءُ مُسِيءٍ.

وتَكْرِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في الجُمَلِ الثَّلاثِ الَّتِي بَعْدَ الأوْلى

صفحة ٤٨

بِدُونِ إضْمارٍ لِلْقَصْدِ إلى أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِها، غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى غَيْرِها، حَتّى تَصْلُحَ لِأنْ يُتَمَثَّلَ بِها، وتَسْتَحْضِرَها النُّفُوسُ وتَحْفَظَها الأسْماعُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском