Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:116–122

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:116–122

3:116Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

صفحة ٦٠

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ وعْدِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.

وإنَّما عَطْفُ الأوْلادِ هُنا لِأنَّ الغَناءَ في مُتَعارَفِ النّاسِ يَكُونُ بِالمالِ والوَلَدِ، فالمالُ يَدْفَعُ بِهِ المَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ في فِداءٍ أوْ نَحْوِهِ، والوَلَدُ يُدافِعُونَ عَنْ أبِيهِمْ بِالنَّصْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وكَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ المَعْطُوفِ في قَوْلِهِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ غَناءِ أوْلادِهِمْ عَنْهم لِدَفْعِ تَوَهُّمِ ما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الأوْلادَ لا يَقْعُدُونَ عَنِ الذَّبِّ عَنْ آبائِهِمْ.

ويَتَعَلَّقُ مِنَ اللَّهِ بِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ عَلى مَعْنى مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ غَناءٍ يَصْدُرُ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالعَفْوِ عَنْ كُفْرِهِمْ.

وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ أيْ شَيْئًا مِن غَناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ . وجِيءَ بِالجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً، عَلى خِلافِ الغالِبِ في أمْثالِها أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ، لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُنْصَبًّا عَلَيْها التَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إنْ فَيَكْمُلُ لَها مِن أدِلَّةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها خَمْسَةُ أدِلَّةٍ هي: التَّأْكِيدُ بِأنَّ، ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ، ووَصْفُ خالِدُونَ.

3:117Page 65

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

صفحة ٦١

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] . إلَخْ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ إنْفاقِهِمُ الأمْوالَ في الخَيْرِ مِن إغاثَةِ المَلْهُوفِ وإعْطاءِ الدِّياتِ في الصُّلْحِ عَنِ القَتْلى.

ضَرَبَ لِأعْمالِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ مَثَلًا، فَشَبَّهَ هَيْئَةَ إنْفاقِهِمُ المُعْجِبِ ظاهِرُها، المُخَيِّبِ آخِرُها، حِينَ يُحْبِطُها الكُفْرُ، بِهَيْئَةِ زَرْعٍ أصابَتْهُ رِيحٌ بارِدَةٌ فَأهْلَكَتْهُ، تَشْبِيهُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. ولَمّا كانَ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لَمْ يَتَوَخَّ فِيهِ مُوالاةَ ما شَبَّهَ بِهِ إنْفاقَهم لِأداةِ التَّمْثِيلِ، فَقِيلَ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، ولَمْ يَقُلْ كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ.

والكَلامُ عَلى الرِّيحِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والصِّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُمِيتُ لِكُلِّ زَرْعٍ أوْ ورَقٍ يَهُبُّ عَلَيْهِ فَيَتْرُكُهُ كالمُحْتَرِقِ، ولَمْ يُعْرَفْ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الصِّرِّ عَلى الرِّيحِ الشَّدِيدِ البَرْدِ وإنَّما الصِّرُّ اسْمُ البَرْدِ. وأمّا الصَّرْصَرُ فَهو الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وقَدْ تَكُونُ بارِدَةً. ومَعْنى الآيَةِ غَنِيٌّ عَنِ التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الصِّرُّ هُنا اسْمًا لِلرِّيحِ البارِدَةِ وجَعَلَهُ مُرادِفَ الصَّرْصَرِ. وقَدْ أقَرَّهُ الكاتِبُونَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الإطْلاقَ في الأساسِ ولا ذَكَرَهُ الرّاغِبُ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿فِيها صِرٌّ﴾ إفادَةُ شِدَّةِ بِرْدِ هَذِهِ الرِّيحِ، حَتّى كَأنَّ جِنْسَ الصِّرِّ مَظْرُوفٌ فِيها، وهي تَحْمِلُهُ إلى الحَرْثِ.

والحَرْثُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مَحْرُوثُ قَوْمٍ أيْ أرْضًا مَحْرُوثَةً والمُرادُ أصابَتْ زَرْعَ حَرْثٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي الحَرْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ السُّورَةِ.

صفحة ٦٢

وقَوْلُهُ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ إدْماجٌ في خِلالِ التَّمْثِيلِ يُكْسِبُ التَّمْثِيلَ تَفْظِيعًا وتَشْوِيهًا ولَيْسَ جُزْءًا مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها. وقَدْ يَذْكُرُ البُلَغاءُ مَعَ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا يَقْصِدُونَ مِنها غَيْرَ التَّحْسِينِ أوِ التَّقْبِيحِ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ

تَنْفِي الرِّياحُ القَذى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ∗∗∗ مِن صَوْبِ سارِيَةٍ بَيْضٌ يَعالِيلُ

فَأجْرى عَلى الماءِ الَّذِي هو جُزْءُ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا أثَرَ لَها في التَّشْبِيهِ.

والسّامِعُونَ عالِمُونَ بِأنَّ عِقابَ الأقْوامِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم غايَةٌ في الشِّدَّةِ، فَذَكَرَ وصْفَهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ السّامِعِينَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] .

وقَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ الضَّمائِرُ فِيهِ عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهم حِينَ لَمْ يَتَقَبَّلْ نَفَقاتِهِمْ بَلْ هم تَسَبَّبُوا في ذَلِكَ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ الإيمانَ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْطًا في قَبُولِ الأعْمالِ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِذَلِكَ وأنْذَرَهم لَمْ يَكُنْ عِقابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ.

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .

الآنَ إذْ كَشَفَ اللَّهُ دَخائِلَ مَن حَوْلَ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أتَمَّ كَشْفٍ، جاءَ مَوْقِعُ التَّحْذِيرِ مِن فَرِيقٍ مِنهم، والتَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، لِلْإخْبارِ عَنْهم

صفحة ٦٣

بِقَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ. وأكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ، دُونَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وهَذا مَوْقِعُ الِاسْتِنْتاجِ في صِناعَةِ الخَطابَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّمْهِيداتِ والإقْناعاتِ. وحَقُّهُ الِاسْتِئْنافُ الِابْتِدائِيُّ كَما هُنا.

والبِطانَةُ - بِكَسْرِ الباءِ - في الأصْلِ داخِلُ الثَّوْبِ، وجَمْعُها بَطائِنُ، وفي القُرْآنِ ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وظاهِرُ الثَّوْبِ يُسَمّى الظِّهارَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - والبِطانَةُ أيْضًا الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ثَوْبٍ آخَرَ، ويُسَمّى الشِّعارَ، وما فَوْقَهُ الدِّثارَ، وفي الحَدِيثِ «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» ثُمَّ أُطْلِقَتِ البِطانَةُ عَلى صَدِيقِ الرَّجُلِ وخِصِّيصِهِ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى شُئُونِهِ، تَشْبِيهًا بِبِطانَةِ الثِّيابِ في شِدَّةِ القُرْبِ مِن صاحِبِها.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً أنَّهم كانُوا يُخالِفُونَهم ويَوَدُّونَهم مِن قَبْلِ الإسْلامِ فَلَمّا أسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ الأنْصارِ بَقِيَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن كانُوا أحْلافَهم مِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ كانَ مِنَ اليَهُودِ مَن أظْهَرُوا الإسْلامَ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى دِينِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فِيهِ زائِدَةٌ و(دُونَ) اسْمُ مَكانٍ بِمَعْنى حَوْلَكم، وهو الِاحْتِمالُ الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَظِيرِهِ ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ المَنهِيَّ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً هُمُ الَّذِينَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم، ودَخائِلُهم تَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِنِ اسْتِبْطانِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ صِفَةٌ لِبِطانَةٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهَذا الوَصْفُ لَيْسَ مِنَ الأوْصافِ الظّاهِرَةِ الَّتِي تُفِيدُ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ عَمّا شارَكَها، لَكِنَّهُ يَظْهَرُ بِظُهُورِ آثارِهِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ هَذا شَأْنُها وسَمْتُها، ووَكَلَهم إلى تَوَسُّمِ الأحْوالِ والأعْمالِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ﴾ جُمْلَتَيْنِ في مَحَلِّ الوَصْفِ أيْضًا عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ عَطْفِ الصِّفاتِ، ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

صفحة ٦٤

أيْ: قَدْ بَيَّنّا لَكم عَلاماتِ عَداوَتِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتَتَوَسَّمُونَ تِلْكَ الصِّفاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يُجْعَلُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ وصْفًا، وتَكُونُ الجُمَلُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفاتٍ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِنا، وهَذِهِ الخِلالُ ثابِتَةٌ لَهم فَهي صالِحَةٌ لِلتَّوْصِيفِ، ولِتَعْلِيلِ النَّهْيِ. ذَلِكَ لِأنَّ العَداوَةَ النّاشِئَةَ عَنِ اخْتِلافِ الدِّينِ عَداوَةٌ مُتَأصِّلَةٌ لا سِيَّما عَداوَةُ قَوْمٍ يَرَوْنَ هَذا الدِّينَ قَدْ أبْطَلَ دِينَهم. وأزالَ حُظُوظَهم كَما سَنُبَيِّنُهُ.

ومَعْنى ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا يُقَصِّرُونَ في خَبالِكم، والألْوُ التَّقْصِيرُ والتَّرْكُ، وفِعْلُهُ: (ألا يَأْلُو)، وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ في هَذا الفِعْلِ فَيُعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهم ضَمَّنُوهُ مَعْنى المَنعِ فِيما يَرْغَبُ فِيهِ المَفْعُولُ، فَقالُوا لا آلُوكَ جَهْدًا، كَما قالُوا لا أدَّخِرُكَ نُصْحًا، فالظّاهِرُ أنَّهُ شاعَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ التَّضْمِينُ مَنسِيًّا، فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى ما يَدُلُّ عَلى الشَّرِّ كَما يُعَدّى إلى ما يَدُلُّ عَلى الخَيْرِ، فَقالَ هُنا ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ في خَبالِكم، ولَيْسَ المُرادُ لا يَمْنَعُونَكم، لِأنَّ الخَبالَ لا يُرْغَبُ فِيهِ ولا يُسْألُ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالبِطانَةِ، لِأنَّ شَأْنَ البِطانَةِ أنْ يَسْعَوْا إلى ما فِيهِ خَيْرُ مَنِ اسْتَبْطَنَهم، فَلَمّا كانَ هَؤُلاءِ بِضِدِّ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ سَعْيِهِمْ بِالضُّرِّ، بِالفِعْلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَعْمَلَ في السَّعْيِ بِالخَيْرِ.

والخَبالُ اخْتِلافُ الأمْرِ وفَسادُهُ، ومِنهُ سُمِّيَ فَسادُ العَقْلِ خَبالًا، وفَسادُ الأعْضاءِ.

وقَوْلُهُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ الوُدُّ: المَحَبَّةُ، والعَنَتُ: التَّعَبُ الشَّدِيدُ، أيْ رَغِبُوا فِيما يُعْنِتُكم وما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ، غَيْرُ زَمانِيَّةٍ، فَفِعْلُ عَنِتُّمْ لَمّا صارَ بِمَعْنى المَصْدَرِ زالَتْ دَلالَتُهُ عَلى المُضِيِّ.

ومَعْنى ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ظَهَرَتْ مِن فَلَتاتِ أقْوالِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فَعَبَّرَ بِالبَغْضاءِ عَنْ دَلائِلِها.

صفحة ٦٥

وجُمْلَةُ ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ حالِيَّةٌ.

والآياتُ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ بِمَعْنى دَلائِلِ سُوءِ نَوايا هَذِهِ البِطانَةِ كَما قالَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ولَمْ يَزَلِ القُرْآنُ يُرَبِّي هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى إعْمالِ الفِكْرِ، والِاسْتِدْلالِ، وتَعَرُّفِ المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها في سائِرِ أحْوالِها: في التَّشْرِيعِ، والمُعامَلَةِ لِيُنْشِئَها أُمَّةَ عِلْمٍ وفِطْنَةٍ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الآياتِ آياتِ فِراسَةٍ وتَوَسُّمٍ، قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أوْ تَفْقَهُونَ، لِأنَّ العَقْلَ أعَمُّ مِنَ العِلْمِ والفِقْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، قُصِدَ مِنهُ المُقابَلَةُ بَيْنَ خُلُقِ الفَرِيقَيْنِ، فالمُؤْمِنُونَ يُحِبُّونَ أهْلَ الكِتابِ، وأهْلُ الكِتابِ يُبْغِضُونَهم، وكُلُّ إناءٍ بِما فِيهِ يَرْشَحُ، والشَّأْنُ أنَّ المَحَبَّةَ تَجْلِبُ المَحَبَّةَ إلّا إذا اخْتَلَفَتِ المَقاصِدُ والأخْلاقُ.

وتَرْكِيبُ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ ونَظائِرِهِ مِثْلُ ها أنا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . ولَمّا كانَ التَّعْجِيبُ في الآيَةِ مِن مَجْمُوعِ الحالَيْنِ قَبْلَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فالعَجَبُ مِن مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في حالِ بُغْضِهِمُ المُؤْمِنِينَ، ولا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ في هَذا التَّرْكِيبِ إلّا والقَصْدُ التَّعَجُّبُ مِن مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ جُمْلَةُ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تُحِبُّونَهم لِأنَّ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ هو مَجْمُوعُ الحالَيْنِ.

ولَيْسَ في هَذا التَّعْجِيبِ شَيْءٌ مِنَ التَّغْلِيطِ، ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ إيقاظٍ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ فَإنَّهُ كالعُذْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ في اسْتِبْطانِهِمْ

صفحة ٦٦

أهْلَ الكِتابِ بَعْدَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا آمَنُوا بِجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِمْ كانُوا يَنْسُبُونَ أهْلَ الكِتابِ إلى هُدًى ذَهَبَ زَمانُهُ، وأدْخَلُوا فِيهِ التَّحْرِيفَ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ إذْ يَرْمُقُونَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ الِازْدِراءِ والضَّلالَةِ واتِّباعِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ. وهَذانَ النَّظَرانِ، مِنّا ومِنهم، هُما أصْلُ تَسامُحِ المُسْلِمِينَ مَعَ قُوَّتِهِمْ، وتَصَلُّبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مَعَ ضَعْفِهِمْ.

* * *

﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ .

جُمْلَةُ وتُؤْمِنُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى تُحِبُّونَهم كَما أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإذا لَقُوكُمْ﴾، مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وكُلُّها أحْوالٌ مُوَزَّعَةٌ عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ وضَمائِرِ الغَيْبَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ وأُكِّدَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ مُراعاةً لِلَفْظِهِ، وأرادَ بِهَذا جَماعَةً مِن مُنافِقِي اليَهُودِ أشْهَرُهم زَيْدُ بْنُ الصِّتِيتِ القَيْنُقاعِيُّ.

والعَضُّ: شَدُّ الشَّيْءِ بِالأسْنانِ. وعَضُّ الأنامِلِ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّحَسُّرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَضَّ أنامِلَ مَحْسُوسًا، ولَكِنْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازَمِهِ في المُتَعارَفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا اضْطَرَبَ باطِنُهُ مِنَ الِانْفِعالِ صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ تُناسِبُ ذَلِكَ الإنْفِعالَ، فَقَدْ تَكُونُ مُعِينَةً عَلى دَفْعِ انْفِعالِهِ كَقَتْلِ عَدُوِّهِ، وفي ضِدِّهِ تَقْبِيلُ مَن يُحِبُّهُ، وقَدْ تَكُونُ قاصِرَةً عَلَيْهِ يَشْفِي بِها بَعْضَ انْفِعالِهِ، كَتَخَبُّطِ الصَّبِيِّ في الأرْضِ إذا غَضِبَ، وضَرْبِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ مِنَ الغَضَبِ، وعَضِّهِ أصابِعَهُ مِنَ الغَيْظِ، وقَرْعِهِ سِنَّهُ مِنَ النَّدَمِ، وضَرْبِ الكَفِّ بِالكَفِّ مِنَ التَّحَسُّرِ، ومِن ذَلِكَ التَّأوُّهُ والصِّياحُ ونَحْوُها، وهي ضُرُوبٌ مِن عَلاماتِ الجَزَعِ، وبَعْضُها جِبِلِّيٌّ كالصِّياحِ، وبَعْضُها عادِيٌّ يُتَعارَفُهُ النّاسُ ويَكْثُرُ بَيْنَهم، فَيَصِيرُونَ يَفْعَلُونَهُ بِدُونِ تَأمُّلٍ، وقالَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ:

صفحة ٦٧

فَأقْبَلَ أقْوامٌ لِئامٌ أذِلَّةٌ يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ الأباهِمِ

وقَوْلُهُ عَلَيْكم عَلى فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ ضَمِيرُ المُسْلِمِينَ، وهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ بِتَقْدِيرِ حالَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أيْ عَلى التِئامِكم وزَوالِ البَغْضاءِ، كَما فَعَلَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ونَظِيرُ هَذا التَّعْلِيقِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

لِتَقْرَعِنَّ عَلى السِّنِّ مِن نَدَمٍ ∗∗∗ إذا تَذَكَّرْتِ يَوْمًا بَعْضَ أخْلاقِي

و﴿مِنَ الغَيْظِ﴾، مِن لِلتَّعْلِيلِ. والغَيْظُ: غَضَبٌ شَدِيدٌ يُلازِمُهُ إرادَةُ الِانْتِقامِ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ كَلامٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مُخاطَبُونَ مُعَيَّنُونَ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَلى الَّذِينَ يَعَضُّونَ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ، وهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا خَلَوْا، فَلا يُتَصَوَّرُ مُشافَهَتُهم بِالدُّعاءِ عَلى التَّعْيِينِ ولَكِنَّهُ كَلامٌ قُصِدَ إسْماعُهُ لِكُلِّ مَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ الِاتِّصافَ بِالغَيْظِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الخِطابِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ عُمُومُ كُلِّ مُخاطَبٍ، نَحْوَ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] .

والدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ بِالغَيْظِ صَرِيحُهُ طَلَبُ مَوْتِهِمْ بِسَبَبِ غَيْظِهِمْ، وهو كِنايَةٌ عَنْ مُلازَمَةِ الغَيْظِ لَهم طُولَ حَياتِهِمْ إنْ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ سَبَبِ غَيْظِهِمْ، وهو حُسْنُ حالِ المُسْلِمِينَ، وانْتِظامُ أمْرِهِمْ، وازْدِيادُ خَيْرِهِمْ، وفي هَذا الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِ ألَمِ الغَيْظِ لَهم، وبِتَعْجِيلِ مَوْتِهِمْ بِهِ، وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ المُكَنِّي بِهِما مُرادٌ هُنا، والتَّكَنِّي بِالغَيْظِ وبِالحَسَدِ عَنْ كَمالِ المُغِيظِ مِنهُ المَحْسُودِ مَشْهُورٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ مُحَسَّدٌ، أيْ هو في حالَةِ نِعْمَةٍ وكَمالٍ.

* * *

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وما بَيْنَها كالِاعْتِراضِ أيْ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ وهو مُطْلِعُكَ عَلى دَخائِلِهِمْ.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

صفحة ٦٨

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ .

زادَ اللَّهُ كَشْفًا لِما في صُدُورِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ تُصِبْكم حَسَنَةٌ والمَسُّ الإصابَةُ، ولا يَخْتَصُّ أحَدُهُما بِالخَيْرِ والآخَرُ بِالشَّرِّ، فالتَّعْبِيرُ بِأحَدِهِما في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالآخَرِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ، تَفَنُّنٌ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - .

والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هُنا الحادِثَةُ أوِ الحالَةُ الَّتِي تَحْسُنُ عِنْدَ صاحِبِها أوْ تَسُوءُ ولَيْسَ المُرادُ بِهِما هُنا الِاصْطِلاحَ الشَّرْعِيَّ.

* * *

﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي أذى العَدُوِّ: بِأنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالصَّبْرِ والحَذَرِ، وعَبَّرَ عَنِ الحَذَرِ بِالِاتِّقاءِ أيِ اتِّقاءَ كَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الضُّرُّ كُلُّهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ في أوَّلِ الآياتِ أنَّهم لا يَضُرُّونَ المُؤْمِنِينَ إلّا أذًى، فالأذى ضُرٌّ خَفِيفٌ، فَلَمّا انْتَفى الضُّرُّ الأعْظَمُ الَّذِي يُحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى شَدِيدِ مُقاوَمَةٍ مِن قِتالٍ وحِراسَةٍ وإنْفاقٍ، كانَ انْتِفاءُ ما بَقِيَ مِنَ الضُّرِّ هَيِّنًا، وذَلِكَ بِالصَّبْرِ عَلى الأذى وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، مَعَ الحَذَرِ مِنهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ الأذى إلى ما يُوصِلُ ضُرًّا عَظِيمًا. وفي الحَدِيثِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ يَدْعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم» .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: ”لا يَضِرْكم“ بِكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى أضَرَّهُ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ الضّادِ

صفحة ٦٩

وضَمِّ الرّاءِ مُشَدَّدَةً - مِن ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، والضَّمَّةُ ضَمَّةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ العَيْنِ عِنْدَ الإدْغامِ لِلتَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ: سُكُونِ الجَزْمِ وسُكُونِ الإدْغامِ، ويَجُوزُ في مِثْلِهِ مِنَ المَضْمُومِ العَيْنِ في المُضارِعِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ في العَرَبِيَّةِ: الضَّمُّ لِإتْباعِ حَرَكَةِ العَيْنِ، والفَتْحُ لِخِفَّتِهِ، والكَسْرُ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا بِالضَّمِّ في المُتَواتِرِ.

3:121–122Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

وُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ مانِعٌ مِن تَعْلِيقِ الظَّرْفِ بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِثْلُ ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وعَلَيْهِ فَهو آتٍ كَما أتَتْ نَظائِرُهُ في أوائِلِ الآيِ والقِصَصِ القُرْآنِيَّةِ، وهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وذَلِكَ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ولا يَأْتِي في هَذا تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مِمّا بَعْدَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تُبَوِّئُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ الغَرَضِ، وقَوْلُهُ هَمَّتْ لا يَصْلُحُ لِتَعْلِيقِ إذْ غَدَوْتَ لِأنَّهُ مَدْخُولُ (إذْ) أُخْرى.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الوَقْعَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّها مِن أوْضَحِ مَظاهِرِ كَيْدِ المُخالِفِينَ في الدِّينِ، والمُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنافِقِينَ وأهْلِ يَثْرِبَ واحِدًا، ودَخِيلَتُهُما سَواءً، وكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ما تُدَبِّرُهُ اليَهُودُ، جَمَعَ اللَّهُ مَكائِدَ الفَرِيقَيْنِ بِذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ الآياتُ تُشِيرُ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ الكائِنَةِ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ نَزَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم مِن أحْلافِهِمْ سَفْحَ جَبَلِ أُحُدٍ، حَوْلَ المَدِينَةِ، لِأخْذِ الثَّأْرِ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الهَزِيمَةِ، فاسْتَشارَ

صفحة ٧٠

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ فِيما يَفْعَلُونَ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالتَّحَصُّنِ بِالمَدِينَةِ حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ المَدِينَةَ قاتَلُوهم في الدِّيارِ والحُصُونِ فَغَلَبُوهم، وإذا رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وأشارَ فَرِيقٌ بِالخُرُوجِ ورَغِبُوا في الجِهادِ وألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ النَّبِيءُ ﷺ بِرَأْيِ المُشِيرِينَ بِالخُرُوجِ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ ثُمَّ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرَدُّدٌ في الخُرُوجِ فَراجَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «لا يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وخَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ إلى جَبَلِ أُحُدٍ وكانَ الجَبَلُ وراءَهم، وصَفَّهم لِلْحَرْبِ، وانْكَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةٍ خَفِيفَةٍ لَحِقَتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَكِيدَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسِ المُنافِقِينَ، إذِ انْخَزَلَ هو وثُلُثُ الجَيْشِ، وكانَ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ، وعَدَدُ جَيْشِ أهْلِ مَكَّةَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِزالِ، ثُمَّ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما عَلى ذَلِكَ الهَمِّ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي لَوْ صارَ عَزْمًا لَكانَ سَبَبَ شَقائِهِما، فَلِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِما بَرَّأهُما اللَّهُ مِن فِعْلِ ما هَمَّتا بِهِ، وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وفِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وما يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تَنْزِلْ واللَّهُ يَقُولُ ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وانْكَشَفَتِ الواقِعَةُ عَنْ مَرْجُوحِيَّةِ المُسْلِمِينَ إذْ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَيِّفٌ وعِشْرُونَ وقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمَئِذٍ: (اعْلُ هُبْلُ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ) وقُتِلَ حَمْزَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَثَّلَتْ بِهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، زَوْجُ أبِي سُفْيانَ، إذْ بَقَرَتْ عَنْ بَطْنِهِ وقَطَعَتْ قِطْعَةً مِن كَبِدِهِ لِتَأْكُلَها لِإحْنَةٍ كانَتْ في قَلْبِها عَلَيْهِ إذْ قَتَلَ أباها عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ أسْلَمَتْ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُها. وشُجَّ وجْهُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ في وقْتِ الغَداةِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أهْلِكَ) ابْتِدائِيَّةٌ.

صفحة ٧١

والأهْلُ: الزَّوْجُ. والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ (غَدَوْتَ) أيْ: مِن بَيْتِ أهْلِكَ وهو بَيْتُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .

و(تُبَوِّئُ) تَجْعَلُ مَباءً أيْ مَكانَ بَوْءٍ.

والبَوْءُ: الرُّجُوعُ، وهو هُنا المَقَرُّ لِأنَّهُ يَبُوءُ إلَيْهِ صاحِبُهُ. وانْتَصَبَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (تُبَوِّئُ) و(مَقاعِدَ) مَفْعُولٌ ثانٍ إجْراءً لِفِعْلِ تُبَوِّئُ مَجْرى تُعْطِي. والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ. وهو مَكانُ القُعُودِ أيِ الجُلُوسِ عَلى الأرْضِ، والقُعُودُ ضِدُّ الوُقُوفِ والقِيامِ، وإضافَةُ مَقاعِدَ لِاسْمِ القِتالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ أطْلَقَ عَلى المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِالقِتالِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيها الجَيْشُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْها لِأنَّها لائِقَةٌ بِحَرَكاتِهِ، فَأطْلَقَ المَقاعِدَ هُنا عَلى مَواضِعِ القَرارِ كِنايَةً، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى ساوى المَقَرَّ والمَكانَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] .

واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ مَقاعِدَ جَرى فِيها عَلى الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ نَقْدٌ إذْ قالَ في رِثاءِ أبِي إسْحاقَ الصّابِئِ:

أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ

ذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ أنَّ ابْنَ سِنانٍ قالَ: إيرادُهُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ مُوافِقٌ لِما يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن تَحْتَمِلُ إضافَتُهُ إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ، ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ سَهْلًا. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: قَدْ جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ في القُرْآنِ فَجاءَتْ مَرْضِيَّةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ ألا تَرى أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском