Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:133–139

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:133–139

3:133Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

﴿سارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ .

قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (سارِعُوا) دُونَ واوِ عَطْفٍ.

تَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ سارِعُوا. . مَنزِلَةَ البَيانِ، أوْ بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِجُمْلَةِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ مُسارَعَةٌ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. ولِكَوْنِ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ يَئُولُ إلى الأمْرِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، جازَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ قَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ وسارِعُوا بِالعَطْفِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يُنْبِئُنا بِأنَّهُ يَجُوزُ الفَصْلُ في بَعْضِ الجُمَلِ بِاعْتِبارَيْنِ.

والسُّرْعَةُ المُشْتَقُّ مِنها سارِعُوا مَجازٌ في الحِرْصِ والمُنافَسَةِ والفَوْرِ إلى عَمَلِ الطّاعاتِ الَّتِي هي سَبَبُ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ حَقِيقَةً، وهي سُرْعَةُ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ عِنْدَ التَّنْفِيرِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» .

صفحة ٨٩

والمُسارَعَةُ عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها تَتَعَلَّقُ بِأسْبابِ المَغْفِرَةِ، وأسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَعْلِيقُها بِذاتِ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ عَلى إرادَةِ أحْوالِها عِنْدَ ظُهُورِ عَدَمِ الفائِدَةِ في التَّعَلُّقِ بِالذّاتِ.

وجِيءَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، مُجَرَّدَةً عَنِ مَعْنى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ، قَصْدَ المُبالِغَةِ في طَلَبِ الإسْراعِ، والعَرَبُ تَأْتِي بِما يَدُلُّ في الوَضْعِ عَلى تَكَرُّرِ الفِعْلِ وهم يُرِيدُونَ التَّأْكِيدَ والمُبالَغَةَ دُونَ التَّكْرِيرِ، ونَظِيرُهُ التَّثْنِيَةُ في قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] .

وتَنْكِيرُ مَغْفِرَةٍ ووَصْلُها بِقَوْلِهِ مِن رَبِّكم مَعَ تَأنِّي الإضافَةِ بِأنْ يُقالَ إلى مَغْفِرَةِ رَبِّكم، لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى التَّعْظِيمِ، ووَصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ في نَظِيرَتِها في آيَةِ سُورَةِ الحَدِيدِ. والعَرْضُ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ الطُّولَ، ولَيْسَ هو المُرادُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ الشَّيْءَ العَرِيضَ هو الواسِعُ في العُرْفِ بِخِلافِ الطَّوِيلِ غَيْرِ العَرِيضِ فَهو ضَيِّقٌ، وهَذا كَقَوْلِ العُدَيْلِ:

ودُونَ يَدِ الحَجّاجِ مِن أنْ تَنالَنِي بِساطٌ بِأيْدِي النّاعِجاتِ عَرِيضُ

وذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّساعِ. ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ لِيُوافِقَ قَوْلَ الجُمْهُورِ مِن عُلَمائِنا بِأنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، وأنَّها في السَّماءِ، وقِيلَ: هو عَرْضُها حَقِيقَةً، وهي مَخْلُوقَةٌ الآنَ لَكِنَّها أكْبَرُ مِنَ السَّماواتِ وهي فَوْقَ السَّماواتِ تَحْتَ العَرْشِ، وقَدْ رُوِيَ: «العَرْشُ سَقْفُ الجَنَّةِ» . وأمّا مَن قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقِ الآنَ وسَتُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ الأنْدَلُسِيُّ الظّاهِرِيُّ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأنْ تُخْلَقَ في سَعَةِ الفَضاءِ الَّذِي كانَ يَمْلَؤُهُ السَّماواتُ والأرْضُ أوْ في سَعَةِ فَضاءٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ. وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وفي حَدِيثِ رُؤْيا رَآها النَّبِيءُ ﷺ وهو الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي

صفحة ٩٠

فِيهِ قَوْلُهُ «إنَّ جِبْرِيلَ ومِيكالَ قالا لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعَ فَإذا فَوْقَهُ مِثْلُ السَّحابِ، قالا: هَذا مَنزِلُكَ، قالَ: فَقُلْتُ: دَعانِي أدْخُلْ مَنزِلِي، قالا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنزِلَكَ» .

3:134Page 67

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

أعْقَبَ وصْفَ الجَنَّةِ بِذِكْرِ أهْلِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِها، ولَمْ يَزَلِ العُقَلاءُ يَتَخَيَّرُونَ حُسْنَ الجِوارِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ:

‌

مَن مَبْلَغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلِّها أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِ

وجُمْلَةُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ الجَنَّةِ عَقِبَ ذِكْرِ النّارِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَعَرَّفُوا مَنِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم: فَإنْ أُرِيدَ بِالمُتَّقِينَ أكْمَلُ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّقْوى، فَإعْدادُها لَهم لِأنَّهم أهْلُها - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - الَّذِينَ لا يَلِجُونَ النّارَ أصْلًا - عَدْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ويَكُونُ عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ قَدْ أخَذُوا بِحَظِّ الدّارَيْنِ، لِمُشابِهَةِ حالِهِمْ حالَ الفَرِيقَيْنِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وبِمِقْدارِ الِاقْتِرابِ مِن أحَدِهِما يَكُونُ الأخْذُ بِنَصِيبٍ مِنهُ، وأُرِيدَ المُتَّقُونَ في الجُمْلَةِ فالإعْدادُ لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم مُقَدَّرُونَ مِن أهْلِها في العاقِبَةِ.

وقَدْ أجْرى عَلى المُتَّقِينَ صِفاتِ ثَناءٍ وتَنْوِيهٍ، هي لَيْسَتْ جِماعَ التَّقْوى، ولَكِنَّ اجْتِماعَها في مَحَلِّها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَحَلَّ المَوْصُوفَ بِها قَدِ اسْتَكْمَلَ ما بِهِ التَّقْوى، وتِلْكَ هي مُقاوَمَةُ الشُّحِّ المُطاعِ، والهَوى المُتَّبَعِ.

الصِّفَةُ الأُولى: الإنْفاقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. والإنْفاقُ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وهو الصَّدَقَةُ وإعْطاءُ المالِ والسِّلاحِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والسَّرّاءُ فَعْلاءُ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ

صفحة ٩١

سَرَّهُ سَرًّا وسُرُورًا. والضَّرّاءُ مِن ضَرَّهُ، أيْ في حالَيِ الِاتِّصافِ بِالفَرَحِ والحُزْنِ، وكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما هُنا لِأنَّ السَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ عَنِ الفِكْرَةِ في شَأْنِ غَيْرِهِمْ، والضَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ وقِلَّةُ مَوْجِدَةٍ. فَمُلازَمَةُ الإنْفاقِ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ نَفْعِ الغَيْرِ بِالمالِ، الَّذِي هو عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ، فَقَدْ صارَ لَهم خُلُقًا لا يَحْجُبُهم عَنْهُ حاجِبٌ ولا يَنْشَأُ ذَلِكَ إلّا عَنْ نَفْسٍ طاهِرَةٍ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: الكاظِمِينَ الغَيْظَ. وكَظْمُ الغَيْظِ إمْساكُهُ وإخْفاؤُهُ حَتّى لا يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وأمْسَكَ فَمَها، قالَ المُبَرِّدُ: فَهو تَمْثِيلٌ لِلْإمْساكِ مَعَ الِامْتِلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ أقْوى القُوى تَأْثِيرًا عَلى النَّفْسِ القُوَّةُ الغاضِبَةُ فَتَشْتَهِي إظْهارَ آثارِ الغَضَبِ، فَإذا اسْتَطاعَ إمْساكَ مَظاهِرِها، مَعَ الِامْتِلاءِ مِنها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَزِيمَةٍ راسِخَةٍ في النَّفْسِ، وقَهْرِ الإرادَةِ لِلشَّهْوَةِ، وهَذا مِن أكْبَرِ قُوى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَفْوُ عَنِ النّاسِ فِيما أساءُوا بِهِ إلَيْهِمْ. وهي تَكْمِلَةٌ لِصِفَةِ كَظْمِ الغَيْظِ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ لِأنَّ كَظْمَ الغَيْظِ قَدْ تَعْتَرِضُهُ نَدامَةٌ فَيَسْتَعْدِي عَلى مَن غاظَهُ بِالحَقِّ، فَلَمّا وُصِفُوا بِالعَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَظْمَ الغَيْظِ وصْفٌ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ، مُسْتَمِرٌّ مَعَهم. وإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ في نَفْسٍ سَهُلَ ما دُونَها لَدَيْها.

وبِجِماعِها يَجْتَمِعُ كَمالُ الإحْسانِ ولِذَلِكَ ذَيَّلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَها بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُحْسِنُونَ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ.

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ٩٢

إنْ كانَ عَطْفَ فَرِيقٍ آخَرَ، فَهم غَيْرُ المُتَّقِينَ الكامِلِينَ، بَلْ هم فَرِيقٌ مِنَ المُتَّقِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وإنْ كانَ عَطْفَ صِفاتِ، فَهو تَفْضِيلٌ آخَرُ لِحالِ المُتَّقِينَ بِأنْ ذَكَرَ أوَّلًا حالَ كَمالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ تَدارُكِهِمْ نَقائِصَهم.

والفاحِشَةُ الفَعْلَةُ المُتَجاوِزَةُ الحَدِّ في الفَسادِ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] واشْتِقاقُها مِن فَحَشَ بِمَعْنى قالَ قَوْلًا ذَمِيمًا، كَما في قَوْلِ عائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا»، أوْ فَعَلَ فِعْلًا ذَمِيمًا، ومِنهُ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] .

ولا شَكَّ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ فَعَلُوا الفَواحِشَ، وظُلْمُ النَّفْسِ هو الذُّنُوبُ الكَبائِرُ، وعَطْفُها هُنا عَلى الفَواحِشِ كَعَطْفِ الفَواحِشِ عَلَيْها في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] . فَقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الفاحِشَةُ هي الكَبِيرَةُ المُتَعَدِّيَةُ إلى الغَيْرِ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ القاصِرَةُ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وهَذا تَفْسِيرٌ عَلى مَعْنى المِثالِ.

والذِّكْرُ في قَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذِكْرُ القَلْبِ وهو ذِكْرُ ما يَجِبُ لِلَّهِ عَلى عَبْدِهِ، وما أوْصاهُ بِهِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وأمّا ذِكْرُ اللِّسانِ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ومَعْنى ذِكْرِ اللَّهِ هُنا ذِكْرُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ أيِ السِّتْرُ لِلذُّنُوبِ، وهو مَجازٌ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ، ولِذَلِكَ صارَ يُعَدّى إلى الذَّنْبِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ كَما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] . ولَمّا كانَ طَلَبُ الصَّفْحِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ نَدامَةٍ، ونِيَّةِ إقْلاعٍ عَنِ الذَّنْبِ، وعَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْهِ، كانَ الِاسْتِغْفارُ في لِسانِ الشّارِعِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ، إذْ كَيْفَ يَطْلُبُ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ مَن هو مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ، أوْ عازِمٌ عَلى مُعاوَدَتِهِ، ولَوْ طَلَبَ ذَلِكَ في تِلْكَ الحالَةِ لَكانَ أكْثَرَ إساءَةً مِنَ

صفحة ٩٣

الذَّنْبِ، فَلِذَلِكَ عُدَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا رُتْبَةً مِن مَراتِبِ التَّقْوى. ولَيْسَ الِاسْتِغْفارُ مُجَرَّدَ قَوْلِ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِاللِّسانِ والقائِلُ مُلْتَبِسٌ بِالذُّنُوبِ. وعَنْ رابِعَةَ العَدَوِيَّةِ أنَّها قالَتْ: ”اسْتِغْفارُنا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِغْفارِ“ وفي كَلامِها مُبالَغَةٌ فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالقَوْلِ مَأْمُورٌ بِهِ في الدِّينِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لِتَذَكُّرِ الذَّنْبِ والحِيلَةِ لِلْإقْلاعِ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فاسْتَغْفِرُوا وجُمْلَةِ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ .

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ، والمَقْصُودُ تَسْدِيدُ مُبادَرَتِهِمْ إلى اسْتِغْفارِ اللَّهِ عَقِبَ الذَّنْبِ، والتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وبِالنَّصارى في زَعْمِهِمْ أنَّ عِيسى رَفَعَ الخَطايا عَنْ بَنِي آدَمَ بِبَلِيَّةِ صَلْبِهِ.

وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا إتْمامٌ لِرُكْنَيِ التَّوْبَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ يُشِيرُ إلى النَّدَمِ، وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الإصْرارِ، وهَذانِ رُكْنا التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، وأمّا تَدارُكُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ فَإنَّما يَكُونُ مَعَ الإمْكانِ، وفِيهِ تَفْصِيلٌ إذا تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ، وكَيْفَ يُؤْخَذُ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ التَّدارُكِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ذَكَرُوا أيْ: ذَكَرُوا اللَّهَ في حالِ عَدَمِ الإصْرارِ. والإصْرارُ: المَقامُ عَلى الذَّنْبِ، ونَفْيُهُ هو مَعْنى الإقْلاعِ. وقَوْلُهُ وهم يَعْلَمُونَ حالٌ ثانِيَةٌ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ أيْ يَعْلَمُونَ سُوءَ فِعْلِهِمْ، وعِظَمَ غَضَبِ الرَّبِّ، ووُجُوبَ التَّوْبَةِ إلَيْهِ، وأنَّهُ تَفَضَّلَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فَمَحا بِها الذُّنُوبَ الواقِعَةَ.

وقَدِ انْتَظَمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا﴾ وقَوْلِهِ ولَمْ يُصِرُّوا وقَوْلِهِ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ الأرْكانُ الثَّلاثَةُ الَّتِي يَنْتَظِمُ مِنها مَعْنى التَّوْبَةِ في كَلامِ أبِي حامِدٍ

صفحة ٩٤

الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِن إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ إذْ قالَ وهي عِلْمٌ، وحالٌ، وفِعْلٌ. فالعِلْمُ هو مَعْرِفَةُ ضُرِّ الذُّنُوبِ، وكَوْنِها حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، فَإذا عُلِمَ ذَلِكَ بِيَقِينٍ ثارَ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمٌ لِلْقَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ ما يُحِبُّهُ مِنَ القُرْبِ مِن رَبِّهِ، ورِضاهُ عَنْهُ، وذَلِكَ الألَمُ يُسَمّى نَدَمًا، فَإذا غَلَبَ هَذا الألَمُ عَلى القَلْبِ انْبَعَثَ مِنهُ في القَلْبِ حالَةٌ تُسَمّى إرادَةً وقَصْدًا إلى فِعْلٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، فَتَعَلُّقُهُ بِالحالِ هو تَرْكُ الذَّنْبِ (الإقْلاعُ)، وتَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ هو العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ (نَفْيُ الإصْرارِ)، وتَعَلُّقُهُ بِالماضِي بِتَلافِي ما فاتَ.

فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى انْفِعالِ القَلْبِ.

وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا إشارَةٌ إلى الفِعْلِ وهو الإقْلاعُ ونَفْيُ العَزْمِ عَلى العَوْدَةِ.

وقَوْلُهُ وهم يَعْلَمُونَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ المُثِيرِ لِلِانْفِعالِ النَّفْسانِيِّ. وقَدْ رَتَّبَ هاتِهِ الأرْكانَ في الآيَةِ بِحَسْبِ شِدَّةِ تَعَلُّقِها بِالمَقْصُودِ: لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَحْصُلُ بَعْدَ الذَّنْبِ، فَيَبْعَثُ عَلى التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ الِاسْتِغْفارَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وأمّا العِلْمُ بِأنَّهُ ذَنْبٌ، فَهو حاصِلٌ مِن قَبْلِ حُصُولِ المَعْصِيَةِ، ولَوْلا حُصُولُهُ لَما كانَتِ الفَعْلَةُ مَعْصِيَةً. فَلِذَلِكَ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الذِّكْرِ ونَفْيِ الإصْرارِ، عَلى أنَّ جُمْلَةَ الحالِ لا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ مَضْمُونِها بَعْدَ حُصُولِ مَضْمُونِ ما جِيءَ بِهِ قَبْلَها في الأخْبارِ والصِّفاتِ.

ثُمَّ إنَّ أرْكانَ الإصْرارِ، وهو الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّنْبِ، كَما فُسِّرَ بِهِ كانَ نَفْيُهُ بِمَعْنى الإقْلاعِ لِأجْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ عازِمٌ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ بِحَسْبِ الظّاهِرِ لا يَرْجِعُ إلى ذَنْبٍ نَدِمَ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ أُرِيدَ بِالإصْرارِ اعْتِقادُ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَنَفْيُهُ هو التَّوْبَةُ الخالِصَةُ، وهو يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الإقْلاعِ مَعَهُ، إذِ التَّلَبُّسُ بِالذَّنْبِ لا يَجْتَمِعُ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنَ الآنِ.

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

صفحة ٩٥

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِلتَّوْبَةِ بِسَدادِ عَمَلِهِمْ: مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وقَبُولِ اللَّهِ مِنهم.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ صارُوا أحْرِياءَ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي اسْتَوْجَبُوا الإشارَةَ لِأجْلِها.

وهَذا الجَزاءُ وهو المَغْفِرَةُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، تَفْصِيلًا مِنهُ: بِأنْ جَعَلَ الإقْلاعَ عَنِ المَعاصِي سَبَبًا في غُفْرانِ ما سَلَفَ مِنها. وأمّا الجَنّاتُ فَإنَّما خَلَصَتْ لَهم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، ولَوْ أُخِذُوا بِسالِفِ ذُنُوبِهِمْ لَما اسْتَحَقُّوا الجَنّاتِ. فالكُلُّ فَضْلٌ مِنهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِإنْشاءِ مَدْحِ الجَزاءِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هو. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾ فَهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ وهو كَثِيرٌ فَصِيحٌ في الكَلامِ وسُمِّيَ الجَزاءُ أجْرًا لِأنَّهُ كانَ عَنْ وعْدٍ لِلْعامِلِ بِما عَمِلَ. والتَّعْرِيفُ في العامِلِينَ لِلْعَهْدِ أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ هَذا الجَزاءُ، وهَذا تَفْضِيلٌ لَهُ ولِلْعَمَلِ المُجازى عَلَيْهِ أيْ إذا كانَ لِأصْنافِ العامِلِينَ أُجُورٌ، كَما هو المُتَعارَفُ، فَهَذا نِعْمَ الأجْرُ لِعامِلٍ.

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: تَمْهِيدٌ لِإعادَةِ الكَلامِ عَلى ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهَذا مُقَدِّمَةُ التَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ الآتِيَتَيْنِ. ابْتُدِئَتْ هاتِهِ المُقَدِّمَةُ بِحَقِيقَةٍ تارِيخِيَّةٍ: وهي الِاعْتِبارُ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

صفحة ٩٦

وجِيءَ بِقَدْ، الدّالَّةِ عَلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنِ انْكِسارِ الخَواطِرِ مِن جَرّاءِ الهَزِيمَةِ الحاصِلَةِ لَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّهم يُقاتِلُونَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ، وبَعْدَ أنْ ذاقُوا حَلاوَةَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ اللَّهَ جَعَلَ سُنَّةَ هَذا العالَمِ أنْ تَكُونَ الأحْوالُ فِيهِ سِجالًا ومُداوَلَةً، وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ . واللَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَحْسَبُ أنَّ النَّصْرَ حَلِيفُهم. ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ وانْقَرَضَتْ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .

والسُّنَنُ جَمْعُ سُنَّةٍ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي السِّيرَةُ مِنَ العَمَلِ أوِ الخُلُقِ الَّذِي يُلازِمُ صُدُورَ العَمَلِ عَلى مِثالِها قالَ لَبِيدٌ:

مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

وقالَ خالِدٌ الهُذَلِيُّ يُخاطِبُ أبا ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيَّ:

فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سُرَّتُها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها

وقَدْ تَرَدَّدَ اعْتِبارُ أيِّمَةِ اللُّغَةِ إيّاها اسْمًا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ، أوِ اسْمَ مَصْدَرِ سَنَّ، إذْ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ السَّنُ بِمَعْنى وضْعِ السُّنَّةِ، وفي الكَشّافِ في قَوْلِهِ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] في سُورَةِ الأحْزابِ: سُنَّةَ اللَّهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ تُرْبًا وجَنْدَلا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ كَما أُقِيمَ تُرْبًا وجَنْدَلًا مَقامَ تَبًّا وسُحْقًا في النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، الَّتِي هي مِن شَأْنِ المَصادِرِ، وأنَّ المَعْنى تُرابٌ لَهُ وجَنْدَلٌ لَهُ أيْ حُصِبَ بِتُرابٍ ورُجِمَ بِجَنْدَلٍ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُخْتارُ صاحِبِ القامُوسِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في مادَّةِ سَنَّ ما يَقْتَضِي أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ المَصْدَرِ، ولا أتى بِها عَقِبَ فِعْلِ سَنَّ، ولا ذَكَرَ مَصْدَرًا لِفِعْلِ سَنَّ. وعَلى هَذا يَكُونُ فِعْلُ سَنَّ هو المُشْتَقُّ مِنَ السُّنَّةِ اشْتِقاقَ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ، وهو اشْتِقاقٌ نادِرٌ. والجارِي بِكَثْرَةٍ عَلى ألْسِنَةِ المُفَسِّرِينَ والمُعَبِّرِينَ: أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ مَصْدَرِ سَنَّ ولَمْ يَذْكُرُوا لِفِعْلِ سَنَّ مَصْدَرًا

صفحة ٩٧

قِياسِيًّا. وفي القُرْآنِ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرًا ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] وفَسَّرُوا السُّنَنَ هُنا بِسُنَنِ اللَّهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ.

والمَعْنى: قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم أحْوالٌ لِلْأُمَمِ، جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، هي عادَةُ اللَّهِ في الخَلْقِ، وهي أنَّ قُوَّةَ الظّالِمِينَ وعُتُوَّهم عَلى الضُّعَفاءِ أمْرٌ زائِلٌ، والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ المُحِقِّينَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِ رَبِّهِمْ وأُرِيدَ النَّظَرُ في آثارِهِمْ لِيَحْصُلَ مِنهُ تَحَقُّقُ ما بَلَغَ مِن أخْبارِهِمْ، أوِ السُّؤالُ عَنْ أسْبابِ هَلاكِهِمْ، وكَيْفَ كانُوا أُولِي قُوَّةٍ، وكَيْفَ طَغَوْا عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، فاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِمُشاهَدَةِ المُخْبِرِ عَنْهم مُشاهَدَةَ عَيانٍ، فَإنَّ لِلْعَيانِ بَدِيعَ مَعْنًى لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَلَغَتْهم أخْبارُ المُكَذِّبِينَ، ومِنَ المُكَذِّبِينَ عادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وأصْحابُ الرَّسِّ، وكُلُّهم في بِلادِ العَرَبِ يَسْتَطِيعُونَ مُشاهَدَةَ آثارِهِمْ، وقَدْ شَهِدَها كَثِيرٌ مِنهم في أسْفارِهِمْ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أهَمِّيَّةِ عِلْمِ التّارِيخِ لِأنَّ فِيهِ فائِدَةَ السَّيْرِ في الأرْضِ، وهي مَعْرِفَةُ أخْبارِ الأوائِلِ، وأسْبابِ صَلاحِ الأُمَمِ وفَسادِها. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السَّيْرُ في الأرْضِ حِسِّيٌّ ومَعْنَوِيٌّ، والمَعْنَوِيُّ هو النَّظَرُ في كُتُبِ التّارِيخِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِلنّاظِرِ العِلْمُ بِأحْوالِ الأُمَمِ، وما يَقْرُبُ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يَحْصُلُ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ لِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ.

وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ دُونَ مُطالَعَةِ الكُتُبِ لِأنَّ في المُخاطَبِينَ مَن كانُوا أُمِّيِّينَ، ولِأنَّ المُشاهِدَةَ تُفِيدُ مَن لَمْ يَقْرَأْ عِلْمًا وتَقْوًى عِلْمَ مَن قَرَأ التّارِيخَ أوْ قَصَّ عَلَيْهِ.

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

تَذْيِيلٌ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ الحاضِرِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم مِنَ الأجْيالِ، والإشارَةُ إمّا إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإمّا إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ وهو القُرْآنُ.

صفحة ٩٨

والبَيانُ: الإيضاحُ وكَشْفُ الحَقائِقِ الواقِعَةِ. والهُدى: الإرْشادُ إلى ما فِيهِ خَيْرُ النّاسِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ. والمَوْعِظَةُ: التَّحْذِيرُ والتَّخْوِيفُ. فَإنْ جَعَلْتَ الإشارَةَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] الآيَةَ فَإنَّها بَيانٌ لِما غَفَلُوا عَنْهُ مِن عَدَمِ التَّلازُمِ بَيْنَ النَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، ولا بَيْنَ الهَزِيمَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ، وهي هُدًى لَهم لِيَنْتَزِعُوا المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، فَإنَّ سَبَبَ النَّجاحِ حَقًّا هو الصَّلاحُ والِاسْتِقامَةُ، وهي مَوْعِظَةٌ لَهم لِيَحْذَرُوا الفَسادَ ولا يَغْتَرُّوا كَما اغْتَرَّ عادٌ إذْ قالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أسْبابِ الفَشَلِ. والوَهَنُ: الضَّعْفُ، وأصْلُهُ ضَعْفُ الذّاتِ: كالجِسْمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] والحَبْلُ في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقًا

وهُوَ هُنا مَجازٌ في خَوَرِ العَزِيمَةِ وضِعْفِ الإرادَةِ وانْقِلابِ الرَّجاءِ يَأْسًا، والشَّجاعَةِ جُبْنًا، واليَقِينِ شَكًّا، ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ. وأمّا الحُزْنُ فَهو شِدَّةُ الأسَفِ البالِغَةُ حَدَّ الكَآبَةِ والِانْكِسارِ. والوَهَنُ والحَزَنُ حالَتانِ لِلنَّفْسِ تَنْشَآنِ عَنِ اعْتِقادِ الخَيْبَةِ والرُّزْءِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما الِاسْتِسْلامُ وتَرْكُ المُقاوَمَةِ. فالنَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ والحُزْنِ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِما وهو الِاعْتِقادُ، كَما يُنْهى أحَدٌ عَنِ النِّسْيانِ، وكَما يُنْهى أحَدٌ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ في نَحْوِ لا أرَيَنَّ فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا أيْ لا تَتْرُكْهُ يَحُلُّ فِيهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ عَلى هَذا النَّهْيِ قَوْلَهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلَخْ. وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ لَهم بِالنَّصْرِ المُسْتَقْبَلِ، فالعُلُوُّ هُنا مَجازِيٌّ وهو عُلُوُّ المَنزِلَةِ.

صفحة ٩٩

والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قُصِدَ بِهِ تَهْيِيجُ غَيْرَتِهِمْ عَلى الإيمانِ إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم لَمّا لاحَ عَلَيْهِمُ الوَهَنُ والحَزَنُ مِنَ الغَلَبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن ضَعُفَ يَقِينُهُ فَقِيلَ لَهم: إنْ عَلِمْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ الإيمانَ، وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها عَدَمُ تَحْقِيقِ شَرْطِها، إتْمامًا لِهَذا المَقْصِدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском