Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:178–182

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:178–182

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] والمَقْصُودُ مُقابَلَةُ الإعْلامِ بِخِلافِ الحُسْبانِ في حالَتَيْنِ: إحْداهُما تَلُوحُ لِلنّاظِرِ حالَةَ ضُرٍّ، والأُخْرى تَلُوحُ حالَةَ خَيْرٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ كِلْتا الحالَتَيْنِ عَلى خِلافِ ما يَتَراءى لِلنّاظِرِينَ.

ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] إذْ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِحُزْنِهِ، لِأنَّهم لا يَضُرُّونَ اللَّهَ شَيْئًا، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ خَبَرًا لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ وإخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ: أنْ لا يَحْسَبُوا أنَّ بَقاءَهم نَفْعٌ لَهم بَلْ هو إمْلاءٌ لَهم يَزْدادُونَ بِهِ آثامًا، لِيَكُونَ أخْذُهم بَعْدَ

صفحة ١٧٥

ذَلِكَ أشَدَّ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفاعِلُ الفِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِتاءِ الخِطابِ.

فالخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانٍ لَمْ يَقَعْ، فالنَّهْيُ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ أوْ عَنْ حُسْبانٍ هو خاطِرٌ خَطَرَ لِلرَّسُولِ ﷺ غَيْرَ أنَّهُ حُسْبانُ تَعَجُّبٍ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ أنَّ الإمْلاءَ لَيْسَ خَيْرًا لَهم، أوِ المُخاطَبُ الرَّسُولُ والمَقْصُودُ غَيْرُهُ، مِمَّنْ يَظُنُّ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِثْلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، أوِ المُرادُ مِنَ الخِطابِ كُلُّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ.

وعَلى قِراءَةِ - الياءِ التَّحْتِيَّةِ - فالنَّهْيُ مَقْصُودٌ بِهِ بُلُوغَهُ إلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ، ويُمِرَّ عَيْشَهم بِهَذا الوَعِيدِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَحْسَبُونَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ. والإمْلاءُ: الإمْهالُ في الحَياةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَأْخِيرُ حَياتِهِمْ، وعَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ في الحَرْبِ، حَيْثُ فَرِحُوا بِالنَّصْرِ يَوْمَ أُحُدٍ، وبِأنَّ قَتْلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا أكْثَرَ مِن قَتْلاهم.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإمْلاءِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْمالِهِمْ في كَيْدِ المُسْلِمِينَ وحَرْبِهِمْ وعَدَمُ الأخْذِ عَلى أيْدِيهِمْ بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطِّوَلَ في المَرْعى، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَلْوِ بِالواوِ وهو سَيْرُ البَعِيرِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ قالُوا: أمْلَيْتُ لِلْبَعِيرِ والفَرَسِ إذا وسَّعْتُ لَهُ في القَيْدِ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنَ الخَبَبِ والرَّكْضِ، فَشُبِّهَ فِعْلُهُ بِشِدَّةِ السَّيْرِ، وقالُوا: أمْلَيْتُ لِزَيْدٍ في غَيِّهِ أيْ تَرَكْتُهُ: عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وأمْلى اللَّهُ لِفُلانٍ أخَّرَ عِقابَهُ، قالَ تَعالى ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] واسْتُعِيرَ التَّمَلِّي لِطُولِ المُدَّةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ فَقالُوا: مَلَّأكَ اللَّهُ حَبِيبَكَ تَمْلِيئَةً، أيْ أطالَ عُمُرَكَ مَعَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ (أنَّ) أُخْتُ إنَّ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ولَيْسَتِ الزّائِدَةُ، وقَدْ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ كَلِمَةً واحِدَةً كَما تُكْتَبُ إنَّما المُرَكَّبَةُ مِن (إنَّ) أُخْتِ أنَّ و(ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ، الَّتِي هي حَرْفُ حَصْرٍ بِمَعْنى (ما) و(إلّا)، وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً وهو اصْطِلاحٌ حَدَثَ بَعْدَ كِتابَةِ المَصاحِفِ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا في الرَّسْمِ القَدِيمِ، عَلى هَذا اجْتَمَعَتْ كَلِماتُ

صفحة ١٧٦

المُفَسِّرِينَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ. وأنا أرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هي أنَّما أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ وأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أنْ) و(ما) الكافَّةِ الزّائِدَةِ وأنَّها طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأنَّ المَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا انْحِصارَ إمْهالِنا لَهم في أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لِأنَّهم لَمّا فَرِحُوا بِالسَّلامَةِ مِنَ القَتْلِ وبِالبَقاءِ بِقَيْدِ الحَياةِ قَدْ أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمُ اعْتِقادَ أنَّ بَقاءَهم ما هو إلّا خَيْرٌ لَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَ القَتْلَ شَرًّا لَهم، إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِجَزاءِ الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ. فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ في ظَنِّهِمْ.

ولِهَذا يَكُونُ رَسْمُهم كَلِمَةَ أنَّما المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ في المُصْحَفِ جارِيًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ اصْطِلاحُ الرَّسْمِ. و﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَكُونُ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ صارَ كالمَتْرُوكِ، وسُلِكَتْ طَرِيقَةُ الإبْدالِ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، ثُمَّ التَّفْصِيلِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ الظَّنِّ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ يَسْتَدْعِي تَشَوُّفَ السّامِعِ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها الظَّنُّ، وهي مَدْلُولُ المَفْعُولِ الثّانِي، فَإذا سَمِعَ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِن نَفْسِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وزادَ تَقْرِيرًا.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ حُسْبانِ الإمْلاءِ، خَيْرًا، أيْ ما هو بِخَيْرٍ لِأنَّهم يَزْدادُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ إثْمًا.

و(إنَّما) هَذِهِ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) حَرْفُ التَّوْكِيدِ و(ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ وهي أداةُ حَصْرٍ أيْ: ما نُمْلِي لَهم إلّا لِيَزْدادُوا إثْمًا، أيْ فَيَكُونُ أخْذُهم بِهِ أشَدَّ. فَهو قَصْرُ قَلْبٍ.

ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْلِي لَهم ويُؤَخِّرُهم وهم عَلى كُفْرِهِمْ فَيَزْدادُونَ إثْمًا في تِلْكَ المُدَّةِ، فَيَشْتَدُّ عِقابُهم عَلى ذَلِكَ، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ الإمْلاءُ لَهم خَيْرًا لَهم، بَلْ هو شَرٌّ لَهم.

واللّامُ ﴿لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ لامُ العاقِبَةِ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: إنَّما نُمْلِي لَهم فَيَزْدادُونَ إثْمًا، فَلَمّا كانَ ازْدِيادُ الإثْمِ

صفحة ١٧٧

ناشِئًا عَنِ الإمْلاءِ، كانَ كالعِلَّةِ لَهُ، لا سِيَّما وازْدِيادُ الإثْمِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَهو حِينَ أمْلى لَهم عَلِمَ أنَّهم يَزْدادُونَ بِهِ إثْمًا، فَكانَ الِازْدِيادُ مِنَ الإثْمِ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالعِلَّةِ، أمّا عِلَّةُ الإمْلاءِ في الحَقِيقَةِ ونَفْسُ الأمْرِ فَهي شَيْءٌ آخَرُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ حِكْمَةِ خَلْقِ أسْبابِ الضَّلالَةِ وأهْلِهِ والشَّياطِينِ والأشْياءِ الضّارَّةِ. وهي مَسْألَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها في عِلْمِ الكَلامِ، وهي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ الحِكْمَةِ في شَأْنِهِ. وتَعْلِيلُ النَّهْيِ عَلى حُسْبانِ الإمْلاءِ لَهم خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ حاصِلٌ، لِأنَّ مَدارَهُ عَلى التَّلازُمِ بَيْنَ الإمْلاءِ لَهم وبَيْنَ ازْدِيادِهِمْ مِنَ الإثْمِ في مُدَّةِ الإمْلاءِ.

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو رُجُوعٌ إلى بَيانِ ما في مُصِيبَةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ دُنْيا وأُخْرى، فَهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦] بَيَّنَ هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ دَوامَ اللَّبْسِ في حالِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ واخْتِلاطِهِمْ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ زَمانًا كانَتِ الحِكْمَةُ في مِثْلِهِ تَقْتَضِي بَقاءَهُ وذَلِكَ أيّامَ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ هِجْرَتِهِمْ وشِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الِاقْتِناعِ مِنَ النّاسِ بِحُسْنِ الظّاهِرِ حَتّى لا يَبْدَأ الِانْشِقاقُ مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الإيمانُ في النُّفُوسِ، وقَرَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ المُقامَ في أمْنٍ، أرادَ اللَّهُ تَعالى تَنْهِيَةِ الِاخْتِلاطِ وأنْ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وكانَ المُنافِقُونَ يَكْتُمُونَ نِفاقَهم لَمّا رَأوْا أمْرَ المُؤْمِنِينَ في إقْبالٍ، ورَأوُا انْتِصارَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهم ويُظْهِرَ نِفاقَهم، بِأنْ أصابَ المُؤْمِنِينَ بِقَرْحِ الهَزِيمَةِ حَتّى أظْهَرَ المُنافِقُونَ فَرَحَهم بِنُصْرَةِ المُشْرِكِينَ، وسَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِفاقَهم بادِيًا لِلْعِيانِ كَما قالَ:

صفحة ١٧٨

جَزى اللَّهُ المَصائِبَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِها عَدُوِّي مِن صَدِيقِي

وماصَدَقَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ هو اشْتِباهُ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في ظاهِرِ الحالِ.

وحَرْفا ”عَلى“ الأوَّلُ والثّانِي، في قَوْلِهِ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّمَكُّنُ مِن مَعْنى مَجْرُورِها ويَتَبَيَّنُ الوَصْفُ المُبْهَمُ في الصِّلَةِ بِما ورَدَ بَعْدَ ”حَتّى“ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَيُعْلَمُ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو عَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ.

ومَعْنى ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَفْيُ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا لِلَّهِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلامِ الجُحُودِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] إلَخْ.

فَقَوْلُهُ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ الخالِصِ والمُنافِقِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَلَيْهِ مُخاطَبٌ بِهِ المُسْلِمُونَ كُلُّهم بِاعْتِبارِ مَن فِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصِ مِنَ النِّفاقِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُلْ: لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ الخِطابِ أكْثَرُ مِنَ المُرادِ بِلَفْظِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ عَلى ما هم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةٌ لِلْجُحُودِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ المُفِيدُ أنَّ هَذا الوَذْرَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ بَعْدَ وقْتِ الإخْبارِ ولا واقِعًا مِنهُ تَعالى إلى أنْ يَحْصُلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، فَإذا حَصَلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ صارَ هَذا الوَذْرَ مُمْكِنًا، فَقَدْ تَتَعَلَّقُ الإرادَةُ بِحُصُولِهِ وبِعَدَمِ حُصُولِهِ، ومَعْناهُ رُجُوعٌ إلى الِاخْتِيارِ بَعْدَ الإعْلامِ بِحالَةِ الِاسْتِحالَةِ.

ولِحَتّى اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بَعْدَ نَفْيِ الجُحُودِ، فَمَعْناها تَنْهِيَةُ الِاسْتِحالَةِ: ذَلِكَ أنَّ الجُحُودَ أخَصُّ مِنَ النَّفْيِ لِأنَّ أصْلَ وضْعِ الصِّيغَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لامِ الجُحُودِ مُنافٍ لِحَقِيقَةِ اسْمِ كانَ المَنفِيَّةِ، فَيَكُونُ حُصُولُهُ كالمُسْتَحِيلِ، فَإذا غَيّاهُ المُتَكَلِّمُ بِغايَةٍ كانَتْ تِلْكَ الغايَةُ غايَةً لِلِاسْتِحالَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الجُحُودِ، ولَيْسَتْ

صفحة ١٧٩

غايَةً لِلنَّفْيِ حَتّى يَكُونَ مَفْهُومُها أنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ الغايَةِ يَثْبُتُ ما كانَ مَنفِيًّا، وهَذا كُلُّهُ لَمْحٌ لِأصْلِ وضْعِ صِيغَةِ الجُحُودِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُبالَغَةِ النَّفْيِ لا لِغَلَبَةِ اسْتِعْمالِها في مَعْنى مُطْلَقِ النَّفْيِ، وقَدْ أهْمَلَ التَّنْبِيهَ عَلى إشْكالِ الغايَةِ هُنا صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وتَنَبَّهَ لَها أبُو حَيّانٍ، فاسْتَشْكَلَها حَتّى اضْطُرَّ إلى تَأْوِيلِ النَّفْيِ بِالإثْباتِ، فَجَعَلَ التَّقْدِيرَ: إنَّ اللَّهَ يُخَلِّصُ بَيْنَكم بِالِامْتِحانِ حَتّى يَمِيزَ. وأخَذَ هَذا التَّأْوِيلَ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَ تَأْوِيلًا أحْسَنَ، وهو أنْ يَجْعَلَ مَفْهُومَ الغايَةِ مُعَطِّلًا لِوُجُودِ قَرِينَةٍ عَلى عَدَمِ إرادَةِ المَفْهُومِ، ولَكِنْ فِيما ذَكَرْتُهُ وُضُوحٌ وتَوْقِيفٌ عَلى اسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ رَشِيقٍ.

و(مِنَ) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ مَعْناها الفَصْلُ أيْ فَصْلُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مِنَ الآخَرِ، وهو مَعْنى أثْبَتَهُ ابْنُ مالِكٍ وبَحَثَ فِيهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقِيلَ: الخِطابُ بِضَمِيرِ ”ما أنْتُمْ“ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَتْرُكُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ جاهِلِينَ بِأحْوالِكم مِنَ النِّفاقِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَمِيزَ بِفَتْحِ ياءِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ مِن مازَ يَمِيزُ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ المِيمِ وياءٍ بَعْدَها مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن مَيَّزَ مُضاعَفِ مازَ.

وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أرادَ أنْ يُمَيِّزَ لَكُمُ الخَبِيثَ فَتَعْرِفُوا أعْداءَكم، ولَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِ اللَّهِ إطْلاعُكم عَلى الغَيْبِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ أسْبابًا مِن شَأْنِها أنْ تَسْتَفِزَّ أعْداءَكم فَيُظْهِرُوا لَكُمُ العَداوَةَ فَتَطَّلِعُوا عَلَيْهِمْ، وإنَّما قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ نِظامَ هَذا العالَمِ مُؤَسَّسًا عَلى اسْتِفادَةِ المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، والنَّتائِجِ مِن مُقَدِّماتِها.

صفحة ١٨٠

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَجُوزُ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ حَتّى لا يَجْعَلَهُ المُنافِقُونَ حُجَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، في نَفْيِ الوَحْيِ والرِّسالَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ إلّا ما أطْلَعَ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ أنْ لا يُفْشِيَ ما أسَرَّهُ اللَّهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] الآيَةَ، فَيَكُونُ كاسْتِثْناءٍ مِن عُمُومِ لِيُطْلِعَكم. ويَجُوزُ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما يُفِيدُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ مِنِ انْتِفاءِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ كاسْتِثْناءٍ مِن مُفادِ الغَيْبِ أيْ: إلّا الغَيْبَ الرّاجِعَ إلى إبْلاغِ الشَّرِيعَةِ، وأمّا ما عَداهُ فَلَمْ يَضْمَنِ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إطْلاعَهم عَلَيْهِ بَلْ قَدْ يُطْلِعُهم، وقَدْ لا يُطْلِعُهم، قالَ تَعالى ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .

وقَوْلُهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ فالمَقْصُودُ مِنهُ الإيمانُ الخاصُّ، وهو التَّصْدِيقُ بِأنَّهم لا يَنْطِقُونَ عَنِ الهَوى، وبِأنَّ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلَفُ، فَعَلَيْهِمُ الطّاعَةُ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ أوْ أُرِيدَ الدَّوامُ عَلى الإيمانِ، لِأنَّ الحالَةَ المُتَحَدَّثَ عَنْها قَدْ يُتَوَقَّعُ مِنها تَزَلْزُلُ إيمانِ الضُّعَفاءِ ورَواجُ شُبَهِ المُنافِقِينَ، ومَوْقِعُ ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ ظاهِرٌ عَلى الوَجْهَيْنِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ ”فَآمِنُوا“ خِطابًا لِلْكُفّارِ مِنَ المُنافِقِينَ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ لِلْكَفّارِ فالأمْرُ بِالإيمانِ ظاهِرٌ، ومُناسَبَةُ تَفْرِيعِهِ عَمّا تَقَدَّمَ انْتِهازُ فُرَصِ الدَّعْوَةِ حَيْثُما تَأتَّتْ.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

﴿ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

عَطْفٌ عَلى (ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا أُنْزِلَ في شَأْنِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ، كَما حَكى اللَّهُ

صفحة ١٨١

عَنْهم في سُورَةِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ بِحالٍ أنْ يَكُونَ نازِلًا في شَأْنِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُبَرَّءُونَ مِن هَذا الفِعْلِ ومِن هَذا الحُسْبانِ، ولِذَلِكَ قالَ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَنعِ الزَّكاةِ، أيْ فِيمَن مَنَعُوا الزَّكاةَ، وهَلْ يَمْنَعُها يَوْمَئِذٍ إلّا مُنافِقٌ. ولَعَلَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى حُسْبانِهِ خَيْرًا أنَّهم حَسِبُوا أنْ قَدِ اسْتَبْقَوْا مالَهم وتَنَصَّلُوا عَنْ دَفْعِهِ بِمَعاذِيرَ قُبِلَتْ مِنهم.

أمّا شُمُولُها لِمَنعِ الزَّكاةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِعُمُومِ صِلَةِ المَوْصُولِ إنْ كانَ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، فَبِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِتاءِ الخِطابِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَحْسِبَنَّ - بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ السِّينِ.

وقَوْلُهُ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ، وقَدْ يُبْنى كَلامُهُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ مَعَ الأفْعالِ الَّتِي تَطْلُبُ اسْمًا وخَبَرًا، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ فَصْلًا مَعَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، يَعْنِي فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا ضَمِيرُ فَصْلٍ ولِذَلِكَ حَكى أبُو البَقاءِ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرًا واقِعًا مَوْقِعَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مِن إنابَةِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ عَنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ، ولَعَلَّ الَّذِي حَسَّنَهُ أنَّ المَعادَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا يُهْتَدى إلَيْهِ بِضَمِيرِ النَّصْبِ، بِخِلافِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ كالعُمْدَةِ في الكَلامِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البُخْلِ المُسْتَفادِ مِن يَبْخَلُونَ، مِثْلُ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، ومِثْلُ قَوْلِهِ:

إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ

ثُمَّ إذا كانَ ضَمِيرَ فَصْلٍ فَأحَدُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ

صفحة ١٨٢

ضَمِيرِ الفَصْلِ عَلَيْهِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَوْقِيَّةِ فالمَحْذُوفُ مُضافٌ حَلَّ المُضافُ إلَيْهِ مَحَلَّهُ، أيْ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا، وعَلى قِراءَةِ التَّحْتِيَّةِ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بُخْلَهم خَيْرًا.

والبُخْلُ - بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ - ويُقالُ: بَخَلٌ بِفَتْحِهِما، وفِعْلُهُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ مَضْمُومُ العَيْنِ في الماضِي والمُضارِعِ. وبَقِيَّةُ العَرَبِ تَجْعَلُهُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ، وبِلُغَةِ غَيْرِ أهْلِ الحِجازِ جاءَ القُرْآنُ لِخِفَّةِ الكَسْرَةِ والفَتْحَةِ ولِذا لَمْ يُقْرَأْ إلّا بِها. وهو ضِدُّ الجُودِ، فَهو الِانْقِباضُ عَلى إعْطاءِ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، هَذا حَقِيقَتُهُ، ولا يُطْلَقُ عَلى مَنعِ صاحِبِ شَيْءٍ غَيْرُ مالٍ أنْ يَنْتَفِعَ غَيْرُهُ بِشَيْئِهِ بِدُونِ مَضَرَّةٍ عَلَيْهِ إلّا مَجازًا، وقَدْ ورَدَ في أثَرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «البَخِيلُ الَّذِي أُذْكَرُ عِنْدَهُ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ» ويَقُولُونَ: بَخِلَتِ العَيْنُ بِالدُّمُوعِ، ويُرادِفُ البُخْلَ الشُّحُّ، كَما يُرادِفُ الجُودَ السَّخاءُ والسَّماحُ.

وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ كَوْنِهِ خَيْرًا، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

وتَعْطُو بِرَخْصٍ غَيْرِ شِئْنٍ. . .

وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، عَلى أنَّ في هَذا المُقامِ إفادَةَ نَفْيِ تَوَهُّمِ الواسِطَةِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وجُمْلَةُ (( سَيُطَوَّقُونَ) ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ . ”ويُطَوَّقُونَ“ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطّاقَةِ، وهي تَحَمُّلُ ما فَوْقَ القُدْرَةِ أيْ سَيَحْمِلُونَ ما بَخِلُوا بِهِ، أيْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وِزْرًا يَوْمَ القِيامَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوْقِ، وهو ما يُلْبَسُ تَحْتَ الرَّقَبَةِ فَوْقَ الصَّدْرِ، أيْ تُجْعَلُ أمْوالُهم أطْواقًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيُعَذَّبُونَ بِحَمْلِها، وهَذا كَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنِ اغْتَصَبَ شِبْرًا مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ يَوْمَ القِيامَةِ» . والعَرَبُ يَقُولُونَ في أمْثالِهِمْ: تَقَلَّدَها (أيِ الفِعْلَةَ الذَّمِيمَةَ) طَوْقَ الحَمامَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالمَعْنى أنَّهم يُشَهَّرُونَ بِهَذِهِ المَذَمَّةِ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ، ويَلْزَمُونَ عِقابَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ الباخِلِينَ وغَيْرِهِمْ: بِأنَّ المالَ مالُ اللَّهِ، وما مِن بَخِيلٍ إلّا سَيَذْهَبُ ويَتْرُكُ مالَهُ، والمُتَصَرِّفُ

صفحة ١٨٣

فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هو اللَّهُ، فَهو يَرِثُ السَّماواتِ والأرْضَ، أيْ يَسْتَمِرُّ مُلْكُهُ عَلَيْهِما بَعْدَ زَوالِ البَشَرِ كُلِّهِمُ المُنْتَفِعِينَ بِبَعْضِ ذَلِكَ، وهو يَمْلِكُ ما في ضِمْنِها تَبَعًا لَهُما، وهو عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُ النّاسُ مِن بُخْلٍ وصَدَقَةٍ، فالآيَةُ مَوْعِظَةٌ ووَعِيدٌ ووَعْدٌ لِأنَّ المَقْصُودَ لازِمُ قَوْلِهِ (خَبِيرٌ) .

3:181–182Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ

صفحة ١٨٤

وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .

وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن أسْلافِهِمْ، فَذُكِرَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، وهي الِاجْتِراءُ عَلى اللَّهِ ورُسُلِهِ، واتِّحادُ الضَّمائِرِ مَعَ اخْتِلافِ المُعادِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في المَحامِدِ والمَذامِّ الَّتِي تُناطُ بِالقَبائِلِ. قالَ الحَجّاجُ في خُطْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ دَيْرِ الجَماجِمِ يُخاطِبُ أهْلَ العِراقِ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ أضْمَرْتُمُ الشَّرَّ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ يَوْمُ الزّاوِيَةِ وما يَوْمُ الزّاوِيَةِ. . إلَخْ، مَعَ أنَّ فِيهِمْ مَن ماتَ ومَن طَرَأ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ أثَرُ الكُتُبِ عَلى الكُتُبِ أيْ سَيُجازَوْنَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَفْحٍ، ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا﴾ وهو أمْرُ اللَّهِ بِأنْ يَدْخُلُوا النّارَ.

والذَّوْقُ حَقِيقَتُهُ إدْراكُ الطُّعُومِ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا في الإحْساسِ بِالعَذابِ فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الذَّوْقَ في العُرْفِ يَسْتَتْبِعُ تَكَرُّرَ ذَلِكَ الإحْساسِ لِأنَّ الذَّوْقَ يَتْبَعُهُ الأكْلُ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”ذُوقُوا“ اسْتِعارَةً.

صفحة ١٨٥

وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الذَّوْقِ عَلى الإحْساسِ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ، ووَرَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْعَذابِ المُشاهَدِ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ لِعِظَمِ هَوْلِهِ مِمّا يُتَساءَلُ عَنْ سَبَبِهِ. وعَطَفَ قَوْلَهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَلى مَجْرُورِ الباءِ، لِيَكُونَ لِهَذا العَذابِ سَبَبانِ: ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ، وعَدْلُ اللَّهِ تَعالى، فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أوْجَبَ حُصُولَ العَذابِ، وعَدْلُ اللَّهِ أوْجَبَ كَوْنَ هَذا العَذابِ في مِقْدارِهِ المُشاهَدِ مِنَ الشِّدَّةِ حَتّى لا يَظُنُّونَ أنَّ في شِدَّتِهِ إفْراطًا عَلَيْهِمْ في التَّعْذِيبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском