Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:19–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:19–22, continued

وجُعِلَ ”بَغْيًا“ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لِيَتَنازَعهُ كُلٌّ مِن فِعْلِ ”اخْتَلَفَ“ ومِن لَفْظِ ”العِلْمُ“ .

وأُخِّرَ ”بَيْنَهم“ عَنْ جَمِيعِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ: لِيَتَنازَعهُ كُلٌّ مِن فِعْلِ ”اخْتَلَفَ“ وفِعْلِ ”جاءَهم“ ولَفْظِ ”العِلْمُ“ ولَفْظِ ”بَغْيًا“ .

وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْسَعُ مَعانِيَ مِن مَعانِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] في سُورَةِ البَيِّنَةِ كَما ذَكَرْناهُ في ذَيْنِكَ المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِلافِ المَقامَيْنِ.

فاخْتِلافُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَشْمَلُ اخْتِلافَهم فِيما بَيْنَهم: أيِ اخْتِلافَ أهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ في أُمُورِ دِينِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ ”اخْتَلَفَ“ كاخْتِلافِ اليَهُودِ بَعْدَ مُوسى غَيْرَ مَرَّةٍ، واخْتِلافِهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ إلى مَمْلَكَتَيْنِ: مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ، ومَمْلَكَةِ يَهُوذا، وكَيْفَ صارَ لِكُلِّ مَمْلَكَةٍ مِنَ المَمْلَكَتَيْنِ تَدَيُّنٌ يُخالِفُ تَدَيُّنَ الأُخْرى، وكَذَلِكَ

صفحة ١٩٩

اخْتِلافُ النَّصارى في شَأْنِ المَسِيحِ، وفي رُسُومِ الدِّينِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”بَيْنَهم“ حالًا لِـ ”بَغْيًا“: أيْ بَغْيًا مُتَفَشِّيًا بَيْنَهم، بِأنْ بَغى كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ.

ويَشْمَلُ أيْضًا الِاخْتِلافَ بَيْنَهم في أمْرِ الإسْلامِ؛ إذْ قالَ قائِلٌ مِنهم: هو حَقٌّ، وقالَ فَرِيقٌ: هو مُرْسَلٌ إلى الأُمِّيِّينَ، وكَفَرَ فَرِيقٌ، ونافَقَ فَرِيقٌ. وهَذا الوَجْهُ أوْفى مُناسَبَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”بَيْنَهم“ عَلى هَذا وصْفًا لِـ ”بَغْيًا“: أيْ بَغْيًا واقِعًا بَيْنَهم.

ومَجِيءُ العِلْمِ هو الوَحْيُ الَّذِي جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم وأنْبِياؤُهم؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”جاءَ“ مُؤْذِنَةٌ بِعِلْمٍ مُتَلَقًّى مِنَ اللَّهِ تَعالى، يَعْنِي أنَّ العِلْمَ الَّذِي جاءَهم كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَنِ الِاخْتِلافِ في المُرادِ، إلّا أنَّهم أساءُوا فَكانُوا عَلى خِلافِ مُرادِ اللَّهِ مِن إرْسالِ الهُدى.

وانْتَصَبَ ”بَغْيًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وعامِلُ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: هو الفِعْلُ الَّذِي تَفَرَّغَ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، فالِاسْتِثْناءُ كانَ مِن أزْمانٍ وعِلَلٍ مَحْذُوفَةٍ. والتَّقْدِيرُ: ما اخْتَلَفُوا إلّا في زَمَنِ بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ وما كانَ إلّا بَغْيًا بَيْنَهم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”بَغْيًا“ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، وهو إنْ كانَ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مَنفِيًّا في اللَّفْظِ إلّا أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُفَرَّغَ جَعَلَهُ في قُوَّةِ المُثْبَتِ، فَجاءَ الحالُ مِنهُ عَقِبَ ذَلِكَ، أيْ حالَ كَوْنِ المُخْتَلِفِينَ باغِينَ، فالمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِالمُشْتَقِّ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ مِنِ ”اخْتَلَفَ“ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ صارَ مُثْبَتًا كَما قَرَّرْنا.

وقَدْ لَمَّحَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ والبَغْيَ كُفْرٌ؛ لِأنَّهُ أفْضى بِهِمْ إلى نَقْضِ قَواعِدِ أدْيانِهِمْ، وإلى نُكْرانِ دِينِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إلَخْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ سَرِيعَ الحِسابِ إنَّما يَبْتَدِئُ بِحِسابِ مَن يَكْفُرُ بِآياتِهِ، والحِسابِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] .

وفِي ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ مِن أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَقَعُوا في مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، والمُسْلِمُونَ وإنِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم إلّا

صفحة ٢٠٠

اخْتِلافًا عِلْمِيًّا فَرْعِيًّا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا اخْتِلافًا يَنْقُضُ أُصُولَ دِينِهِمْ بَلْ غايَةُ الكُلِّ الوُصُولُ إلى الحَقِّ مِنَ الدِّينِ، وخِدْمَةُ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ. فَبَنُو إسْرائِيلَ عَبَدُوا العِجْلَ والرَّسُولُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وعَبَدُوا آلِهَةَ الأُمَمِ غَيْرَ مَرَّةٍ، والنَّصارى عَبَدُوا مَرْيَمَ والمَسِيحَ، ونَقَضُوا أُصُولَ التَّوْحِيدِ، وادَّعَوْا حُلُولَ الخالِقِ في المَخْلُوقِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ لَمّا قالَ أحَدُ أهْلِ التَّصَوُّفِ مِنهم كَلامًا يُوهِمُ الحُلُولَ حَكَمَ عُلَماؤُهم بِقَتْلِهِ.

3:20Page 52

فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.

﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] الآيَةَ. فَإنَّ الإسْلامَ دِينٌ قَدْ أنْكَرُوهُ، واخْتِلافُهم في أدْيانِهِمْ يُفْضِي بِهِمْ إلى مُحاجَّةِ الرَّسُولِ في تَبْرِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى أقَلِّ مِمّا جاءَ بِهِ دِينُ الإسْلامِ.

والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ ولَمْ يَجِئْ فِعْلُها إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ومَعْنى المُحاجَّةِ المُخاصَمَةُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ فِعْلِ ”حاجَّ“ في مَعْنى المُخاصَمَةِ بِالباطِلِ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالمَعْنى: فَإنْ خاصَمُوكَ خِصامَ مُكابَرَةٍ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ .

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، وهو مَقامُ نُزُولِ السُّورَةِ، أعْنِي قَضِيَّةَ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَمَّوْا بِالمُحاجَّةِ حِينَئِذٍ. فَأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ تَباعَدَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فانْقَطَعَتْ مُحاجَّتُهم، وأمّا اليَهُودُ فَقَدْ تَظاهَرُوا بِمُسالَمَةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ.

ولَقَدْ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ مُجادَلَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والوَجْهُ أُطْلِقَ عَلى النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ ذاتَهُ.

صفحة ٢٠١

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ مِن هَذا القَوْلِ طَرائِقُ ثَلاثٌ: إحْداها أنَّهُ مُتارَكَةٌ وإعْراضٌ عَنِ المُجادَلَةِ أيِ اعْتَرَفْتُ بِأنْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى أنْ أزِيدَكم بَيانًا، أيْ: إنِّي أتَيْتُ بِمُنْتَهى المَقْدُورِ مِنَ الحُجَّةِ فَلَمْ تَقْتَنِعُوا، فَإذْ لَمْ يُقْنِعْكم ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في الزِّيادَةِ مِنَ الأدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ، فَلَيْسَتْ مُحاجَّتُكم إيّايَ إلّا مُكابَرَةً وإنْكارًا لِلْبَدِيهِيّاتِ والضَّرُورِيّاتِ، ومُباهَتَةً، فالأجْدَرُ أنْ أكُفَّ عَنِ الِازْدِيادِ. قالَ الفَخْرُ: فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ يَقُولُ: أمّا أنا فَمُنْقادٌ إلى الحَقِّ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ مالَ القُرْطُبِيُّ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ إفادَةُ قَطْعِ المُجادَلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وقَوْلِهِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَأعْرِضْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ - ضَرْبًا مِنَ الإدْماجِ؛ إذْ أدْمَجَ في قَطْعِ المُجادَلَةِ إعادَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، بِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ الدِّينَيْنِ.

والقَصْدُ مِن ذَلِكَ الحِرْصُ عَلى اهْتِدائِهِمْ، والإعْذارُ إلَيْهِمْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ خارِجٌ عَنِ الحاجَةِ، وإنَّما هو تَكَرُّرٌ لِلدَّعْوَةِ، أيِ اتْرُكْ مُحاجَّتَهم ولا تَتْرُكْ دَعْوَتَهم.

ولَيْسَ المُرادُ بِالحِجاجِ الَّذِي حاجَّهم بِهِ خُصُوصَ ما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ، وإنَّما المُرادُ ما دارَ بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ الحِجاجِ الَّذِي عَلِمُوهُ فَمِنهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ في الآياتِ السّابِقَةِ، ومِنهُ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ.

الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ تَلْخِيصٌ لِلْحُجَّةِ، واسْتِدْراجٌ لِتَسْلِيمِهِمْ إيّاها، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ مَآلُها إلى أنَّ هَذا اسْتِدْلالٌ عَلى كَوْنِ الإسْلامِ حَقًّا، وأحْسَنُها ما قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى أحَقِّيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا زِياداتٍ زادَتْها شَرائِعُهم، فَكَما أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] أمَرَهُ هُنا أنْ يُجادِلَ النّاسَ بِمِثْلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ فَإبْراهِيمُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ فَقَدْ قُلْتُ ما قالَهُ اللَّهُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنِّي عَلى الحَقِّ، قالَ: وهَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .

صفحة ٢٠٢

الطَّرِيقَةُ الثّالِثَةُ ما قالَهُ الفَخْرُ وحاصِلُهُ مَعَ بَيانِهِ أنْ يَكُونَ هَذا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أيْ فَإنْ حاجُّوكَ في أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَقُلْ: إنِّي بِالإسْلامِ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ فَلا ألْتَفِتُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ مِثْلَكم، فَدِينَيِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ هو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ هو الدِّينُ الحَقُّ وما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ دِينًا عِنْدَ اللَّهِ.

وعَلى الطَّرِيقَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ خارِجًا عَنِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِ الإسْلامِ هو مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ويَكُونُ مُرادًا مِنهُ الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ مَرَّةً أُخْرى بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّحْضِيضِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ: أتُسْلِمُونَ.

وعِنْدِي أنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَمّا اقْتَضى أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ فالمُرادُ بِفِعْلِ حاجُّوكَ الِاسْتِمْرارُ عَلى المُحاجَّةِ: أيْ فَإنِ اسْتَمَرَّ وفْدُ نَجْرانَ عَلى مُحاجَّتِهِمْ فَقُلْ لَهم قَوْلًا فَصْلًا جامِعًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ دِينِكَ الَّذِي أُرْسِلْتَ بِهِ وبَيْنَ ما هم مُتَدَيِّنُونَ بِهِ. فَمَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أخْلَصْتُ عُبُودِيَّتِي لَهُ لا أُوَجِّهُ وجْهِي إلى غَيْرِهِ، فالمُرادُ أنَّ هَذا كُنْهُ دِينِ الإسْلامِ، وتَبَيَّنَ أنَّهُ الدِّينُ الخالِصُ، وأنَّهم لا يُلْفُونَ تَدَيُّنَهم عَلى هَذا الوَصْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُفَرَّعَةِ عَلى ما قَبْلَها، فَيَدْخُلُ المَعْطُوفُ في التَّفْرِيعِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩] فَقُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾، أيْ فَكَرِّرْ دَعْوَتَهم إلى الإسْلامِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْطاءِ والتَّحْضِيضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . وجِيءَ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ أتُسْلِمُونَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَرْجُو تَحَقُّقَ إسْلامِهِمْ، حَتّى يَكُونَ كالحاصِلِ في الماضِي.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانِي كُنْهِ الإسْلامِ وأُصُولِهِ أُلْقِيَتْ إلى النّاسِ لِيَتَدَبَّرُوا مَطاوِيَها فَيَهْتَدِيَ الضّالُّونَ، ويَزْدادَ المُسْلِمُونَ يَقِينًا بِدِينِهِمْ؛ إذْ قَدْ عَلِمْنا أنَّ مَجِيءَ قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ وتَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ جامِعِ مَعانِي الإسْلامِ حَتّى

صفحة ٢٠٣

تَسْهُلَ المُجادَلَةُ وتُخْتَصَرَ المُقاوَلَةُ، ويَسْهُلَ عَرْضُ المُتَشَكِّكِينَ أنْفُسَهم عَلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ، لِيَعْلَمُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّيانَةِ. بَيَّنَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أنَّ هَذا الدِّينَ يُتَرْجِمُ عَنْ حَقِيقَةِ اسْمِهِ؛ فَإنَّ اسْمَهُ الإسْلامُ، وهو مُفِيدٌ مَعْنًى مَعْرُوفًا في لُغَتِهِمْ يَرْجِعُ إلى الإلْقاءِ والتَّسْلِيمِ، وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ ونُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَعُلِمَ أنَّ المَفْعُولَ حُذِفَ لِدَلالَةِ مَعْنى الفاعِلِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أسْلَمْتُنِي أيْ أسْلَمْتُ نَفَسِي، فَبَيَّنَ هُنا هَذا المَفْعُولَ المَحْذُوفَ مِنِ اسْمِ الإسْلامِ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ التِباسٌ أوْ تَأْوِيلٌ لِما لا يُطابِقُ المُرادَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وجْهِيَ أيْ نَفْسِي. لِظُهُورِ ألّا يَحْسُنَ مَحْمَلُ الوَجْهِ هُنا عَلى الجُزْءِ المَعْرُوفِ مِنَ الجَسَدِ، ولا يُفِيدُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ما هو المَقْصُودُ، بَلِ المَعْنى البَيِّنُ هو أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ كامِلُ الذّاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .

وإسْلامُ النَّفْسِ لِلَّهِ مَعْناهُ إسْلامُها لِأجْلِهِ وصَيْرُورَتُها مِلْكًا لَهُ، بِحَيْثُ يَكُونُ جَمِيعُ أعْمالِ النَّفْسِ في مَرْضاةِ اللَّهِ، وتَحْتَ هَذا مَعانٍ جَمَّةٌ هي جِماعُ الإسْلامِ: نَحْصُرُها في عَشَرَةٍ: المَعْنى الأوَّلُ: تَمامُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِألّا يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ، وهَذا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ لِأنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يُسْلِمْ نَفْسَهُ بَلْ أسْلَمَ بَعْضَها.

المَعْنى الثّانِي: إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى فَلا يَلْحَظُ في عَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَلا يُرائِي ولا يُصانِعُ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ ولا يُقَدِّمُ مَرْضاةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: إخْلاصُ القَوْلِ لِلَّهِ تَعالى فَلا يَقُولُ ما لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ، ولا يَصْدُرُ عَنْهُ قَوْلٌ إلّا فِيما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ أنْ يُقالَ، وفي هَذا المَعْنى تَجِيءُ الصَّراحَةُ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، عَلى حَسَبِ المَقْدِرَةِ والعِلْمِ، والتَّصَدِّي لِلْحُجَّةِ لِتَأْيِيدِ مُرادِ الله تَعالى، وهي صِفَةٌ امْتازَ بِها الإسْلامُ، ويَنْدَفِعُ بِهَذا المَعْنى النِّفاقُ والمَلَقُ، قالَ تَعالى في ذِكْرِ رَسُولِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ساعِيًا لِتَعَرُّفِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، لِيُجْرِيَ أعْمالَهُ عَلى وفْقِهِ، وذَلِكَ بِالإصْغاءِ إلى دَعْوَةِ الرُّسُلِ المُخْبِرِينَ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ، وتَلَقِّيها بِالتَّأمُّلِ في وُجُودِ صِدْقِها، والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ الدَّعاوى الباطِلَةِ، بِدُونِ تَحَفُّزٍ لِلتَّكْذِيبِ، ولا

صفحة ٢٠٤

مُكابَرَةٍ في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، ولا إعْراضٍ عَنْها بِداعِي الهَوى، وهو الإفْحامُ، بِحَيْثُ يَكُونُ عِلْمُهُ بِمُرادِ اللَّهِ مِنَ الخَلْقِ هو ضالَّتُهُ المَنشُودَةُ.

الخامِسُ: امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ الصّادِقِينَ، والمُحافَظَةُ عَلى اتِّباعِ ذَلِكَ بِدُونِ تَغْيِيرٍ ولا تَحْرِيفٍ، وأنْ يَذُودَ عَنْهُ مَن يُرِيدُ تَغْيِيرَهُ.

السّادِسُ: ألّا يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ حُكْمًا مَعَ اللَّهِ فِيما حَكَمَ بِهِ، فَلا يَتَصَدّى لِلتَّحَكُّمِ في قَبُولِ بَعْضِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَبْذِ البَعْضِ. كَما حَكى اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] وقَدْ وصَفَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فَقَدْ أعْرَضَ الكُفّارُ عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا مَيِّتًا بُعِثَ.

السّابِعُ: أنْ يَكُونَ مُتَطَلِّبًا لِمُرادِ اللَّهِ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ فِيهِ، واحْتاجَ إلى جَرْيِهِ فِيهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ، بِتَطَلُّبِهِ مِن إلْحاقِهِ بِنَظائِرِهِ التّامَّةِ التَّنْظِيرِ بِما عُلِمَ أنَّهُ مُرادُ اللَّهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ولِهَذا أدْخَلَ عُلَماءُ الإسْلامِ حُكْمَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ والِاجْتِهادِ تَحْتَ التَّقْوى المَأْمُورِ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .

الثّامِنُ: الإعْراضُ عَنِ الهَوى المَذْمُومِ في الدِّينِ، وعَنِ القَوْلِ فِيهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .

التّاسِعُ: أنْ تَكُونَ مُعامَلَةُ أفْرادِ الأُمَّةِ بَعْضِها بَعْضًا، وجَماعاتِها، ومُعامَلَتُها الأُمَمَ كَذَلِكَ - جارِيَةً عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن تِلْكَ المُعامَلاتِ.

العاشِرُ: التَّصْدِيقُ بِما غُيِّبَ عَنّا، مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ بِهِ: مِن صِفاتِهِ، ومِنَ القَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ إبْطالٌ لِكَوْنِهِمْ حاصِلِينَ عَلى هَذا المَعْنى، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَبُعْدُهمْ عَنْهُ أشَدَّ البُعْدِ ظاهِرٌ، وأمّا النَّصارى فَقَدْ ألَّهُوا عِيسى، وجَعَلُوا مَرْيَمَ صاحِبَةً لِلَّهِ تَعالى. فَهَذا أصْلٌ لِبُطْلانِ أنْ يَكُونُوا أسْلَمُوا وُجُوهَهم

صفحة ٢٠٥

لِلَّهِ؛ لِأنَّهم عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وصانَعُوا الأُمَمَ الحاكِمَةَ والمُلُوكَ، فَأسَّسُوا الدِّينَ عَلى حَسَبِ ما يَلِذُّ لَهم ويُكْسِبُهُمُ الحُظْوَةَ عِنْدَهم.

وأمّا اليَهُودُ فَإنَّهم - وإنْ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ - قَدْ نَقَضُوا أُصُولَ التَّقْوى، فَسَفَّهُوا الأنْبِياءَ وقَتَلُوا بَعْضَهم، واسْتَهْزَءُوا بِدَعْوَةِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ، وغَيَّرُوا الأحْكامَ اتِّباعًا لِلْهَوى، وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقَتَلُوا الأحْبارَ، فَأنّى يَكُونُ هَؤُلاءِ قَدْ أسْلَمُوا لِلَّهِ، وأكْبَرُ مُبْطِلٍ لِذَلِكَ هو تَكْذِيبُهم مُحَمَّدًا ﷺ دُونَ النَّظَرِ في دَلائِلِ صِدْقِهِ.

ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ مَعْناهُ: فَإنِ التَزَمُوا النُّزُولَ إلى التَّحَقُّقِ بِمَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]، ولَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَتَّبِعُوكَ لِتَلَقِّي ما تُبْلِغُهم عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ مَعانِي إسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ، وإنْ تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا عَنْ قَوْلِكَ لَهم: آسْلَمْتُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن إعْراضِهِمْ تَبِعَةٌ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ وقَعَ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ، وهو في المَعْنى عِلَّةُ الجَوابِ، فَوُقُوعُهُ مَوْقِعَ الجَوابِ إيجازٌ بَدِيعٌ، أيْ لا تَحْزَنْ، ولا تَظُنَّنَّ أنَّ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ، وخَيْبَتَكَ في تَحْصِيلِ إسْلامِهِمْ، كانَ لِتَقْصِيرٍ مِنكَ؛ إذْ لَمْ تُبْعَثْ إلّا لِلتَّبْلِيغِ، لا لِتَحْصِيلِ اهْتِداءِ المُبَلَّغِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ أتَمَّ الِاطِّلاعِ، فَهو الَّذِي يَتَوَلّى جَزاءَهم وهو يَعْلَمُ أنَّكَ بَلَّغْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”اتَّبَعَنِي“ بِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والباقُونَ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا.

3:21–22Page 52

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ اليَهُودِ المُنافِيَةِ إسْلامَ الوَجْهِ لِلَّهِ، فالمُرادُ بِأصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ خُصُوصُ اليَهُودِ، وهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلاتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ

صفحة ٢٠٦

مِنَ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ: جَرَيانُ الجِدالِ مَعَ النَّصارى وأنْ جُعِلُوا جَمِيعًا في قَرَنِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] .

وجِيءَ في هاتِهِ الصِّلاتِ بِالأفْعالِ المُضارِعَةِ لِتَدُلَّ عَلى اسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إفادَةَ التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ تَأتّى في قَوْلِهِ: يَكْفُرُونَ لا يَتَأتّى في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْتُلُونَ﴾ لِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ في زَمَنٍ مَضى. والمُرادُ مِن أصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ يَهُودُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ، وإنَّما حَمَلَ هَؤُلاءِ تَبِعَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّهم مُعْتَقِدُونَ سَدادَ ما فَعَلَهُ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا زَكَرِيّا لِأنَّهُ حاوَلَ تَخْلِيصَ ابْنِهِ يَحْيى مِنَ القَتْلِ، وقَتَلُوا يَحْيى لِإيمانِهِ بِعِيسى، وقَتَلُوا النَّبِيءَ إرْمِياءَ بِمِصْرَ، وقَتَلُوا حَزْقِيالَ النَّبِيءَ لِأجْلِ تَوْبِيخِهِ لَهم عَلى سُوءِ أفْعالِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو مَعْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِإقْرارِهِمْ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، وقَتَلَ مَنشا بْنُ حَزْقِيالَ، مَلِكُ إسْرائِيلَ، النَّبِيءَ أشْعِياءَ: نَشَرَهُ بِالمِنشارِ لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَحْمُوهُ، فَكانَ هَذا القَتْلُ مَعْدُودًا عَلَيْهِمْ، وكَمْ قَتَلُوا مِمَّنْ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، وكُلُّ تِلْكَ الجَرائِمِ مَعْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِها، وألَحُّوا في وُقُوعِها.

وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ يَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ إذْ لا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيئِينَ إلّا بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ لِظُهُورِ عَدَمِ إرادَةِ التَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ؛ فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ نَبِيءٌ بِحَقٍّ، فَذِكْرُ القَيْدِ في مِثْلِهِ لا إشْكالَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَجِيءُ الإشْكالُ في القَيْدِ الواقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ تَسَلُّطَ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] . وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ زِيادَةُ تَشْوِيهِ فِعْلِهِمْ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ مُومِئًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ: وهو أنَّهم إنَّما قَتَلُوهم لِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ أيْ بِالحَقِّ، فَقَدِ اكْتُفِيَ بِها في الدَّلالَةِ عَلى الشَّناعَةِ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلى زِيادَةِ التَّشْنِيعِ.

صفحة ٢٠٧

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”يَقْتُلُونَ“ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ - بِسُكُونِ القافِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ”ويُقاتِلُونَ“ - بِفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ - بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ وهي مُبالَغَةٌ في القَتْلِ.

والفاءُ في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ فاءُ الجَوابِ المُسْتَعْمَلَةُ في شَرْطٍ، دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ لِأنَّ اسْمَ إنَّ وهو مَوْصُولٌ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ فَجَزاؤُهُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ عَذابًا ألِيمًا. واسْتَعْمَلَ ”بَشِّرْهم“ في مَعْنى ”أنْذِرْهم“ تَهَكُّمًا.

وحَقِيقَةُ التَّبْشِيرِ: الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ - بِفَتْحِ الباءِ - وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في ضِدِّ حَقِيقَتِهِ، إذْ أُرِيدَ بِهِ الإخْبارُ بِحُصُولِ العَذابِ، وهو مُوجِبٌ لِحُزْنِ المُخْبَرِينَ، فَهَذا الِاسْتِعْمالُ في الضِّدِّ مَعْدُودٌ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ، ويُسَمُّونَها تَهَكُّمِيَّةً لِأنَّ تَشْبِيهَ الضِّدِّ بِضِدِّهِ لا يَرُوجُ في عَقْلِ أحَدٍ إلّا عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ، أوِ التَّمْلِيحِ، كَما أطْلَقَ عَمْرُو ابْنُ كُلْثُومٍ اسْمَ الأضْيافِ عَلى الأعْداءِ، وأطْلَقَ القِرى عَلى قَتْلِ الأعْداءِ، في قَوْلِهِ:

نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا

قالَ السَّكّاكِيُّ: وذَلِكَ بِواسِطَةِ انْتِزاعِ شَبَهِ التَّضادِّ وإلْحاقِهِ بِشَبَهِ التَّناسُبِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِهَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صِلاتُ المَوْصُولِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، وقِيلَ هو خَبَرُ ”إنَّ“ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو الجارِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ الفاءِ في الخَبَرِ مُطْلَقًا.

وحَبَطُ الأعْمالِ إزالَةُ آثارِها النّافِعَةِ مِن ثَوابِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وحَياةٍ طَيِّبَةٍ في الدُّنْيا. وإطْلاقُ الحَبَطِ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلٌ بِحالِ الإبِلِ الَّتِي يُصِيبُها الحَبَطُ وهو انْتِفاخٌ في بُطُونِها مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، يَكُونُ سَبَبَ مَوْتِها، في حِينِ أكَلَتْ ما أكَلَتْ لِلِالتِذاذِ بِهِ.

صفحة ٢٠٨

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى هُنا أنَّ اليَهُودَ لَمّا كانُوا مُتَدَيِّنِينَ يَرْجُونَ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ النَّفْعَ بِها في الآخِرَةِ بِالنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، والنَّفْعَ في الدُّنْيا بِآثارِ رِضا اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَلَمّا كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وجَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَوَّبُوا الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، فَقَدِ ارْتَدَّوْا عَنْ دِينِهِمْ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . فَلا جَرَمَ تَحْبَطُ أعْمالُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِثَوابِها في الآخِرَةِ، ولا بِآثارِها الطَّيِّبَةِ في الدُّنْيا، ومَعْنى ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ما لَهم مَن يُنْقِذُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ.

وجِيءَ بِـ ”مِنِ“ الدّالَّةِ عَلى تَنْصِيصِ العُمُومِ لِئَلّا يُتْرَكَ لَهم مَدْخَلٌ إلى التَّأْوِيلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском