Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:23–27
3:23–25Page 53
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالَةِ اليَهُودِ في شِدَّةِ ضَلالِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”ألَمْ تَرَ“ لِلتَّقْرِيرِ والتَّعْجِيبِ، وقَدْ جاءَ الِاسْتِعْمالُ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ الفِعْلِ والمُرادُ حُصُولُ الإقْرارِ بِالفِعْلِ لِيَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِهِ مُحَرِّضًا لِلْمُخاطَبِ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٠٩
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ ”إلى“ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ النَّظَرِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] في سُورَةِ النِّساءِ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وتَكُونَ ”إلى“ داخِلَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ وانْتِهائِهِ المَجازِيِّ إلَيْهِ، فَتَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
وعُرِفَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ دُونَ لَقَبِهِمْ، أعْنِي اليَهُودَ، لِأنَّ في الصِّلَةِ ما يَزِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عَلى عِلْمٍ مِنَ الكِتابِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَمّا أخْبَرَ بِهِ عَنْهم. عَلى ما في هَذِهِ الصِّلَةِ أيْضًا مِن تَوْهِينِ عِلْمِهِمُ المَزْعُومِ.
والكِتابِ: التَّوْراةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو لِلْجِنْسِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوهُ هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: أُرِيدَ النَّصارى، أيْ أهْلُ نَجْرانَ.
والنَّصِيبُ: القِسْطُ والحَظُّ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْكِيرُ نَصِيبًا لِلنَّوْعِيَّةِ، ولَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهاوُنٍ بِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ.
و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، كَما هو الظّاهِرُ مِن لَفْظِ النَّصِيبِ، فالمُرادُ بِـ الكِتابِ جِنْسُ الكُتُبِ، والنَّصِيبُ هو كِتابُهم، والمُرادُ: أُوتُوا بَعْضَ كِتابِهِمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن كِتابِهِمْ إلّا حَظًّا يَسِيرًا، ويَجُوزُ كَوْنُ مِن لِلْبَيانِ. والمَعْنى: أُوتُوا حَظًّا مِن حُظُوظِ الكَمالِ، هو الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما عُطِفَ عَلَيْها، وهو قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو العَجِيبُ لا أصْلَ دَعْوَتِهِمْ إلى كِتابِ اللَّهِ، وإذا جَعَلْتَ ”تَرَ“ قَلْبِيَّةً فَجُمْلَةُ ”يُدْعَوْنَ“ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ.
و﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] فَهو غَيْرُ الكِتابِ المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ كَما يُنْبِئُ بِهِ تَغْيِيرُ
صفحة ٢١٠
الأُسْلُوبِ. والمَعْنى: يُدْعَوْنَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والنَّظَرِ في مَعانِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فَيَأْبَوْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كِتابِ اللَّهِ“ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الكِتابِ، وإنَّما غُيِّرَ اللَّفْظُ تَفَنُّنًا وتَنْوِيهًا بِالمَدْعُوِّ إلَيْهِ، أيْ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِهِمْ لِيَتَأمَّلُوا مِنهُ، فَيَعْلَمُوا تَبْشِيرَهُ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدُ، وتَلْمِيحَهُ إلى صِفاتِهِ.
رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مِدْراسَ اليَهُودِ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةَ فَهَلُمُّوا إلَيْها. فَأبَيا» .
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ﴿يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”يُدْعَوْنَ“ فالمَعْطُوفُ هُنا في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَدَلَّتْ ”ثُمَّ“ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم مُسْتَمِرٌّ في أزْمانٍ كَثِيرَةٍ تَبْعُدُ عَنْ زَمانِ الدَّعْوَةِ، أيْ أنَّهم لا يَرْعَوُونَ فَهم يَتَوَلَّوْنَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يُعْرِضُ غَضَبًا، أوْ لِعِظَمِ المُفاجَأةِ بِالأمْرِ غَيْرِ المُتَرَقَّبِ، ثُمَّ يَثُوبُ إلَيْهِ رُشْدُهُ، ويُراجِعُ نَفْسَهُ، فَيَرْجِعُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ تَوَلِّيَهم إثْرَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَراخٍ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ.
فَدُخُولُ ”ثُمَّ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّهم قَدْ يَتَوَلَّوْنَ إثْرَ الدَّعْوَةِ، ولَكِنْ أُرِيدَ التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ أنْ أُوتُوا الكِتابَ ونَقَلُوهُ، فَإذا دُعُوا إلى كِتابِهِمْ تَوَلَّوْا. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَتَوَلَّوْنَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُـرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
والتَّوَلِّي مَجازٌ عَنِ النُّفُورِ والإباءِ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”يَتَوَلّى فَرِيقٌ“ إذِ التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، ولَمّا كانَتْ حالًا لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَكانَتْ دالَّةً عَلى تَجَدُّدِ الإعْراضِ مِنهُمُ، المُفادُ أيْضًا مِنَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ .
وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الإشارَةُ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا بِسَبَبِ زَعْمِهِمْ أنَّهم في أمانٍ مِنَ العَذابِ إلّا أيّامًا قَلِيلَةً،
صفحة ٢١١
فانْعَدَمَ اكْتِراثُهم بِاتِّباعِ الحَقِّ؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ النَّجاةَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ جَرَّأهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا الإعْراضِ. وهَذا الِاعْتِقادُ مَعَ بُطْلانِهِ مُؤْذِنٌ أيْضًا بِسَفالَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَكانُوا لا يُنافِسُونَ في تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ. وعَبَّرَ عَنِ الِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِقادَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ مُفْتَرًى مُدَلَّسٌ، وهَذِهِ العَقِيدَةُ عَقِيدَةُ اليَهُودِ، كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ما تَقَوَّلُوهُ عَلى الدِّينِ وأدْخَلُوهُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِـ ”في“ الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، ومِن جُمْلَةِ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكانُوا أيْضًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَ يَعْقُوبَ ألّا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ.
وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مَفاسِدِ هَذا الغُرُورِ والِافْتِراءِ بِإيقاعِها في الضَّلالِ الدّائِمِ، لِأنَّ المُخالَفَةَ إذا لَمْ تَكُنْ عَنْ غُرُورٍ فالإقْلاعُ عَنْها مَرْجُوٌّ، أمّا المَغْرُورُ فَلا يُتَرَقَّبُ مِنهُ إقْلاعٌ. وقَدِ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ بِغُرُورٍ كَثِيرٍ في تَفارِيعِ دِينِهِمْ وافْتِراءاتٍ مِنَ المَوْضُوعاتِ عادَتْ عَلى مَقاصِدِ الدِّينِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ بِالإبْطالِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَجالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ غُرُورًا فَكَيْفَ حالُهم أوْ جَزاؤُهم إذا جَمَعْناهم ووَفَّيْناهم جَزاءَهم، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والتَّفْظِيعِ مَجازًا.
و”كَيْفَ“ هُنا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلى نَوْعِهِ السِّياقُ، و”إذا“ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِالَّذِي عَمِلَ في مَظْرُوفِهِ: وهو ما في ”كَيْفَ“ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّفْظِيعِيِّ كَقَوْلِكَ: كَيْفَ أنْتَ إذا لَقِيتَ العَدُوَّ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ في سُورَةِ النِّساءِ.
3:26–27Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
صفحة ٢١٢
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّ إعْراضَهم إنَّما هو حَسَدٌ عَلى زَوالِ النُّبُوَّةِ مِنهم، وانْقِراضِ المُلْكِ مِنهم، بِتَهْدِيدِهِمْ وبِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّهُ لا عَجَبَ أنْ تَنْتَقِلَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى العَرَبِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ شَرِيعَةٌ مُقارِنَةٌ لِلسُّلْطانِ والمُلْكِ.
و”اللَّهُمَّ“ في كَلامِ العَرَبِ خاصٌّ بِنِداءِ اللَّهِ تَعالى في الدُّعاءِ، ومَعْناهُ يا اللَّهُ. ولَمّا كَثُرَ حَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ مَعَهُ قالَ النُّحاةُ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ يُرِيدُونَ أنَّ لِحاقَ المِيمِ بِاسْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لَمّا لَمْ يَقَعْ إلّا عِنْدَ إرادَةِ الدُّعاءِ صارَ غَنِيًّا عَنْ جَلْبِ حَرْفِ النِّداءِ اخْتِصارًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المِيمَ تُفِيدُ النِّداءَ. والظّاهِرُ أنَّ المِيمَ عَلّامَةُ تَنْوِينٍ في اللُّغَةِ المَنقُولِ مِنها كَلِمَةُ ”اللَّهُمَّ“ مِن عِبْرانِيَّةٍ أوْ قَحْطانِيَّةٍ وأنَّ أصْلَها ”لاهم“ مُرادِفُ إلَهٍ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ العَرَبَ نَطَقُوا بِهِ هَكَذا في غَيْرِ النِّداءِ كَقَوْلِ الأعْشى:
كَدَعْوَةٍ مِن أبِي رَباحٍ يَسْمَعُها اللَّهُمُ الكَبِيرُ
وأنَّهم نَطَقُوا بِهِ كَذَلِكَ مَعَ النِّداءِ كَقَوْلِ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ:
إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّـا ∗∗∗ أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا
وأنَّهم يَقُولُونَ يا اللَّهُ كَثِيرًا. وقالَ جُمْهُورُ النُّحاةِ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّداءِ المَحْذُوفِ، وإنَّهُ تَعْوِيضٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ وإنَّ ما وقَعَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ شُذُوذٌ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ ”اللَّهُمَّ“ مُخْتَزَلٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وجُمْلَةٍ أصْلُها: ”يا اللَّهُ أُمَّ“ أيْ أقْبِلْ عَلَيْنا بِخَيْرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٣
والمالِكُ هو: المُخْتَصُّ بِالتَّصَرُّفِ في شَيْءٍ بِجَمِيعِ ما يَتَصَرَّفُ في أمْثالِهِ مِمّا يُقْصَدُ لَهُ مِن ذَواتِها، ومَنافِعِها، وثَمَراتِها، بِما يَشاءُ. فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالِانْفِرادِ، وهو الأكْثَرُ، وقَدْ يَكُونُ بِمُشارَكَةٍ واسِعَةٍ، أوْ ضَيِّقَةٍ.
و المُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ اللّامِ نَوْعٌ مِنَ المِلْكِ - بِكَسْرِ المِيمِ - فالمِلْكُ بِالكَسْرِ جِنْسٌ والمُلْكُ - بِالضَّمِّ - نَوْعٌ مِنهُ وهو أعْلى أنْواعِهِ، ومَعْناهُ التَّصَرُّفُ في جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ، أوْ أُمَّةٍ عَدِيدَةٍ تَصَرُّفَ التَّدْبِيرِ لِلشُّئُونِ، وإقامَةِ الحُقُوقِ، ورِعايَةِ المَصالِحِ، ودَفْعِ العُدْوانِ عَنْها، وتَوْجِيهِها إلى ما فِيهِ خَيْرُها، بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فَمَعْنى مالِكِ المُلْكِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في نَوْعِ المُلْكِ - بِالضَّمِّ - بِما يَشاءُ، بِأنْ يُرادَ بِـ المُلْكِ هَذا النَّوْعُ. والتَّعْرِيفُ في المُلْكِ الأوَّلِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ: أيْ كُلُّ مُلْكٍ هو في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ المُلْكُ ماهِيَّةً مِنَ المَواهِي، كانَ مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ مالِكَ المُلْكِ أنَّهُ المالِكُ لِتَصْرِيفِ المُلْكِ، أيْ لِإعْطائِهِ، وتَوْزِيعِهِ، وتَوْسِيعِهِ، وتَضْيِيقِهِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في المَعْنى.
والتَّعْرِيفُ في المُلْكَ الثّانِي والثّالِثِ لِلْجِنْسِ، دُونَ اسْتِغْراقِ أيِّ طائِفَةٍ وحِصَّةٍ مِن جِنْسِ المُلْكِ، والتَّعْوِيلُ في الفَرْقِ بَيْنَ مِقْدارِ الجِنْسِ عَلى القَرائِنِ. ولِذَلِكَ بُيِّنَتْ صِفَةُ مالِكِ المُلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ فَإنَّ إيتاءَهُ ونَزْعَهُ مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ: إيجابًا وسَلْبًا، وكَثْرَةً وقِلَّةً.
والنَّزْعُ - حَقِيقَةً -: إزالَةُ الجِرْمِ مِن مَكانِهِ: كَنَزْعِ الثَّوْبِ، ونَزْعِ الماءِ مِنَ البِئْرِ، ويُسْتَعارُ لِإزالَةِ الصِّفاتِ والمَعانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، بِتَشْبِيهِ المَعْنى المُتَمَكِّنِ بِالذّاتِ المُتَّصِلَةِ بِالمَكانِ، وتَشْبِيهِ إزالَتِهِ بِالنَّزْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: تَنْزِعُ المُلْكَ أيْ تُزِيلُ وصْفَ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّصَرُّفِ في الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتَصَرِّفَ يَكُونُ أقْوى تَصَرُّفِهِ بِوَضْعِ شَيْءٍ بِيَدِهِ، ولَوْ كانَ لا يُوضَعُ في اليَدِ، قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ الأخْرَسِ المَعْنِيُّ الطّائِيُّ:
فَما بِـيَدَيْكَ خَـيْرٌ أرْتَـجِـيهِ ∗∗∗ وغَيْرُ صُدُودِكَ الخَطْبُ الكَبِيرُ
وهَذا يُعَدُّ مِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّ فِيهِ إضافَةَ اليَدِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ولا تَشابُهَ فِيهِ لِظُهُورِ
صفحة ٢١٤
المُرادِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الكَلامِ العَرَبِيِّ. والِاقْتِصارُ عَلى الخَيْرِ في تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى اكْتِفاءٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ، أيْ والبَرْدَ.
وكانَ الخَيْرُ مُقْتَضًى بِالذّاتِ أصالَةً والشَّرُّ مُقْتَضًى بِالعَرَضِ قالَ الجَلالُ الدِّوانِيُّ في شَرْحِ دِيباجَةِ هَياكِلِ النُّورِ: وخُصَّ الخَيْرُ هُنا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرَجِّي المُسْلِمِينَ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ خَيْرَهم شَرٌّ لِضِدِّهِمْ كَما قِيلَ:
مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ
أيِ الخَيْرُ مُقْتَضى الذّاتِ والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ خَيْراتٍ كَثِيرَةً هو مُسْتَلْزِمٌ لِشَرٍّ قَلِيلٍ، فَلَوْ تُرِكَتْ تِلْكَ الخَيْراتُ الكَثِيرَةُ لِذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ، لَصارَ تَرْكُها شَرًّا كَثِيرًا، فَلَمّا صَدَرَ ذَلِكَ الخَيْرُ لَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ.
وحَقِيقَةُ ”تُولِجُ“ تُدْخِلُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِتَعاقُبِ ضَوْءِ النَّهارِ وظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّ أحَدَهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ، ولِازْدِيادِ مُدَّةِ النَّهارِ عَلى مُدَّةِ اللَّيْلِ وعَكْسِهِ في الأيّامِ والفُصُولِ عَدا أيّامِ الِاعْتِدالِ وهي في الحَقِيقَةِ لَحَظاتٌ قَلِيلَةٌ، ثُمَّ يَزِيدُ أحَدُهُما لَكِنَّ الزِّيادَةَ لا تُدْرَكُ في أوَّلِها فَلا يَعْرِفُها إلّا العُلَماءُ، وفي الظّاهِرِ هي يَوْمانِ في كُلِّ نِصْفِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: كانَ بَعْضُهم يَقُولُ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى ألْفاظٍ يَفْهَمُها العَوامُّ، وألْفاظٍ يَفْهَمُها الخَواصُّ، وما يَفْهَمُهُ الفَرِيقانِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَإنَّ الإيلاجَ يَشْمَلُ الأيّامَ الَّتِي لا يَفْهَمُها إلّا الخَواصُّ، والفُصُولَ الَّتِي يُدْرِكُها سائِرُ العَوامِّ.
وفِي هَذا رَمْزٌ إلى ما حَدَثَ في العالَمِ مِن ظُلُماتِ الجَهالَةِ والإشْراكِ، بَعْدَ أنْ كانَ النّاسُ عَلى دِينٍ صَحِيحٍ كَدِينِ مُوسى، وإلى ما حَدَثَ بِظُهُورِ الإسْلامِ مِن إبْطالِ الضَّلالاتِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾، لِيَكُونَ الِانْتِهاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، فَهو نَظِيرُ التَّعْرِيضِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ. والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الرَّمْزِ افْتِتاحُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ.
وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ كَخُرُوجِ الحَيَوانِ مِنَ المُضْغَةِ، ومِن مُحِّ البَيْضَةِ، وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ في عَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ:
صفحة ٢١٥
﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وهَذا رَمْزٌ إلى ظُهُورِ الهُدى والمُلْكِ في أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وظُهُورِ ضَلالِ الكُفْرِ في أهْلِ الكِتابَيْنِ، وزَوالِ المُلْكِ مِن خَلْفِهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ شِعارَ أسْلافِهِمْ، بِقَرِينَةِ افْتِتاحِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ: المَيِّتِ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. وهُما وجْهانِ في لَفْظِ المَيِّتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هو كالتَّذْيِيلِ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
والرِّزْقُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ فَيُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ والثِّمارِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ [الكهف: ١٩]، ويُطْلَقُ عَلى أعَمِّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] . ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبإ: ٢٤] ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ رِزْقًا: لِأنَّ بِها يُعَوَّضُ ما هو رِزْقٌ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِما أُخْبِئَ لَهم مِن كُنُوزِ المَمالِكِ الفارِسِيَّةِ والقَيْصَرِيَّةِ وغَيْرِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences