Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:28–30

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:28–30

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ عُقِّبَ بِهِ الآيُ المُتَقَدِّمَةُ، المُتَضَمِّنَةُ عَداءَ المُشْرِكِينَ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وحَسَدَ اليَهُودِ لَهم، وتَوَلِّيَهم عَنْهُ: مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] إلى هُنا.

فالمُناسَبَةُ أنَّ هَذِهِ كالنَّتِيجَةِ لِما تَقَدَّمَها: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم بَغْيَ المُخالِفِينَ وإعْراضَهم - أنْ يَتَّخِذُوا الكُفّارَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ - بَعْدَ أنْ سَفَّهَ الآخَرُونَ دِينَهم وسَفَّهُوا أحْلامَهم في اتِّباعِهِ - يُعَدُّ ضَعْفًا في الدِّينِ وتَصْوِيبًا لِلْمُعْتَدِينَ.

صفحة ٢١٦

وشاعَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ إطْلاقُ وصْفِ الكُفْرِ عَلى الشِّرْكِ، والكافِرِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ، ولَعَلَّ تَعْلِيقَ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِالكافِرِينَ بِهَذا المَعْنى هُنا لِأنَّ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُهاجِرِينَ صِلاتٌ، وأنْسابٌ، ومَوَدّاتٌ، ومُخالَطاتٌ مالِيَّةٌ، فَكانُوا بِمَظِنَّةِ المُوالاةِ مَعَ بَعْضِهِمْ. وقَدْ عَلِمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ مَن يُشابِهُ المُشْرِكِينَ في مَوْقِفِهِ تُجاهَ الإسْلامِ يَكُونُ تَوَلِّي المُؤْمِنِينَ إيّاهُ كَتَوَلِّيهِمُ المُشْرِكِينَ. وقَدْ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِينَ جَمِيعَ المُخالِفِينَ في الدِّينِ: مِثْلَ المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكانَ مِن أفاضِلِ المُهاجِرِينَ وخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّهُ تَأوَّلَ فَكَتَبَ كِتابًا إلى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهم بِتَجَهُّزِ النَّبِيءِ ﷺ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ ابْنَةِ أبِي بَكْرٍ لَمّا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بِرِّ والِدَتِها وصِلَتِها، أيْ قَبْلَ أنْ تَجِيءَ أُمُّها إلى المَدِينَةِ راغِبَةً؛ فَإنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَها: «صِلِي أُمَّكِ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في فَرِيقٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا مُتَوَلِّينَ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأبِي رافِعِ ابْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وهُما يَهُودِيّانِ بِيَثْرِبَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وهم مِمَّنْ يَتَوَلّى اليَهُودَ؛ إذْ هم كُفّارُ جِهَتِهِمْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وكانَ لَهُ حِلْفٌ مَعَ اليَهُودِ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ «قالَ عُبادَةُ لِلنَّبِيءِ ﷺ: إنَّ مَعِي خَمْسَمائَةِ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ لَمّا أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ عَذابًا شَدِيدًا، فَقالَ ما أرادُوهُ مِنهُ، فَكَفُّوا عَنْهُ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ، قالَ: مُطَمْئِنًّا بِالإيمانِ، فَقالَ: فَإنْ عادُوا فَعُدْ» .

وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ”مِن“ لِتَأْكِيدِ الظَّرْفِيَّةِ.

والمَعْنى: مُباعِدِينَ المُؤْمِنِينَ أيْ في الوَلايَةِ، وهو تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَيَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ اتِّخاذَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ دُونَ المُؤْمِنِينَ، أيْ ولايَةَ المُؤْمِنِ الكُفّارَ الَّتِي تُنافِي ولايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ عِنْدَما يَكُونُ في تَوَلِّي الكافِرِينَ إضْرارٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ القُيُودِ أنْ تَكُونَ لِلِاحْتِرازِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِوُصْلَةِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأحْوالِ، والعَرَبُ (تَقُولُ أنْتَ

صفحة ٢١٧

مِنِّي وأنا مِنكَ) في مَعْنى شِدَّةِ الِاتِّصالِ حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما جُزْءٌ مِنَ الآخَرِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مِنهُ، ويَقُولُونَ في الِانْفِصالِ والقَطِيعَةِ: لَسْتَ مِنِّي ولَسْتُ مِنكَ؛ قالَ النّابِغَةُ:

فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

فَقَوْلُهُ: في شَيْءٍ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ النَّفْيِ في جَمِيعِ الأحْوالِ لِرَفْعِ احْتِمالِ تَأْوِيلِ نَفْيِ الِاتِّصالِ بِأغْلَبِ الأحْوالِ فالمَعْنى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ عَنِ الِانْتِماءِ إلى اللَّهِ، وهَذا يُنادِي عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الكُفْرِ، وهو الحالُ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُنافِقُونَ، وكانُوا يَظُنُّونَ تَرْوِيجَها عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها نَظِيرُ الآيَةِ الأُخْرى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .

وقِيلَ: لا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ آياتٍ كَثِيرَةً دَلَّتْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ولايَةِ الكافِرِينَ مُطْلَقًا: كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] وقَوْلِهِ: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥٧]) وإلى هَذا الوَجْهِ مالَ الفَخْرُ.

واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ بِمَعْنى ذَلِكَ المَذْكُورِ، وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.

والآيَةُ نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ دُونَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ القَيْدِ أوْ مُطْلَقًا، والمُوالاةُ تَكُونُ بِالظّاهِرِ والباطِنِ وبِالظّاهِرِ فَقَطْ، وتَعْتَوِرُها أحْوالٌ تَتْبَعُها أحْكامٌ، وقَدِ اسْتَخْلَصْتُ مِن ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أحْوالٍ:

الحالَةُ الأُولى: أنْ يَتَّخِذَ المُسْلِمُ جَماعَةَ الكُفْرِ أوْ طائِفَتَهُ، أوْلِياءَ لَهُ في باطِنِ أمْرِهِ، مَيْلًا إلى كُفْرِهِمْ، ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الحالَةُ كُفْرٌ، وهي حالُ المُنافِقِينَ، وفي حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ قائِلًا قالَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ) فَقالَ آخَرُ: ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: لا تَقُلْ ذَلِكَ أما سَمِعْتَهُ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ ؟ فَقالَ القائِلُ

صفحة ٢١٨

اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . فَجَعَلَ هَذا الرَّجُلُ الِانْحِيازَ إلى المُنافِقِينَ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ لَوْلا شَهادَةُ الرَّسُولِ لِمالِكٍ بِالإيمانِ، أيْ في قَلْبِهِ مَعَ إظْهارِهِ بِشَهادَةِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

الحالَةُ الثّانِيَةُ: الرُّكُونُ إلى طَوائِفِ الكُفْرِ ومُظاهَرَتُهم لِأجْلِ قَرابَةٍ ومَحَبَّةٍ دُونَ المَيْلِ إلى دِينِهِمْ، في وقْتٍ يَكُونُ فِيهِ الكُفّارُ مُتَجاهِرِينَ بِعَداوَةِ المُسْلِمِينَ، والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ وأذاهم كَما كانَ مُعْظَمُ أحْوالِ الكُفّارِ، عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ مَعَ عَدَمِ الِانْقِطاعِ عَنْ مَوَدَّةِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ حالَةٌ لا تُوجِبُ كُفْرَ صاحِبِها، إلّا أنَّ ارْتِكابَها إثْمٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ صاحِبَها يُوشِكُ أنْ يُوالِيَهم عَلى مَضَرَّةِ الإسْلامِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الواجِبِ إظْهارُ الحَمِيَّةِ لِلْإسْلامِ، والغَيْرَةِ عَلَيْهِ، كَما قالَ العَتّابِيُّ:

تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَـزْعُـمُ أنَّـنِـي ∗∗∗ صَدِيقُكَ إنَّ الرَّأْيَ عَنْكَ لَعازِبُ

وفِي مِثْلِها نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥٧]) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، جِوارٌ وحِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَدامُوا عَلَيْهِ في الإسْلامِ فَكانُوا يَأْنَسُونَ بِهِمْ ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ومِنهم أصْحابُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأبِي رافِعِ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وكانا يُؤْذِيانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .

الحالَةُ الثّالِثَةُ: كَذَلِكَ، بِدُونِ أنْ يَكُونَ طَوائِفُ الكُفّارِ مُتَجاهِرِينَ بِبُغْضِ المُسْلِمِينَ ولا بِأذاهم، كَما كانَ نَصارى العَرَبِ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] وكَذَلِكَ كانَ حالُ الحَبَشَةِ فَإنَّهم حَمَوُا المُؤْمِنِينَ، وآوَوْهم، قالَ الفَخْرُ: وهَذِهِ واسِطَةٌ، وهي لا تُوجِبُ الكُفْرَ، إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، إذْ قَدْ يَجُرُّ إلى اسْتِحْسانِ ما هم عَلَيْهِ وانْطِلاءِ مَكائِدِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ.

الحالَةُ الرّابِعَةُ: مُوالاةُ طائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ لِأجْلِ الإضْرارِ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ الِانْتِصارِ بِالكُفّارِ عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ أحْكامُها مُتَفاوِتَةٌ، فَقَدْ قالَ

صفحة ٢١٩

مالِكٌ في الجاسُوسِ يَتَجَسَّسُ لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ: إنَّهُ يُوكَلُ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ التَّجَسُّسَ يَخْتَلِفُ المَقْصِدُ مِنهُ إذْ قَدْ يَفْعَلُهُ المُسْلِمُ غُرُورًا، ويَفْعَلُهُ طَمَعًا، وقَدْ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الفَلْتَةِ، وقَدْ يَكُونُ لَهُ دَأْبًا وعادَةً، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: ذَلِكَ زَنْدَقَةٌ لا تَوْبَةَ فِيهِ، أيْ لا يُسْتَتابُ ويُقْتَلُ كالزِّنْدِيقِ، وهو الَّذِي يُظْهِرُ الإسْلامَ ويُسِرُّ الكُفْرَ، إذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: رِدَّةٌ ويُسْتَتابُ، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ.

وقَدِ اسْتَعانَ المُعْتَمِدُ ابْنُ عَبّادٍ صاحِبُ إشْبِيلِيَةَ بِالجَلالِقَةِ عَلى المُرابِطِينَ اللَّمْتُونِيِّينَ، فَيُقالُ: إنَّ فُقَهاءَ الأنْدَلُسِ أفْتَوْا أمِيرَ المُسْلِمِينَ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تاشَفِينَ، بِكُفْرِ ابْنِ عَبّادٍ، فَكانَتْ سَبَبَ اعْتِقالِهِ ولَمْ يَقْتُلْهُ ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ اسْتَتابَهُ.

الحالَةُ الخامِسَةُ: أنْ يَتَّخِذَ المُؤْمِنُونَ طائِفَةً مِنَ الكُفّارِ أوْلِياءَ لِنَصْرِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، في حِينِ إظْهارِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَحَبَّةَ المُسْلِمِينَ وعَرْضِهِمُ النُّصْرَةَ لَهم، وهَذِهِ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِها: فَفي المُدَوَّنَةِ قالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُسْتَعانُ بِالمُشْرِكِينَ في القِتالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكافِرٍ تَبِعَهُ يَوْمَ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ «ارْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» ورَوى أبُو الفَرَجِ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: أنَّ مالِكًا قالَ: لا بَأْسَ بِالِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وحَدِيثُ لَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ مُخْتَلَفٌ في سَنَدِهِ، وقالَ جَماعَةٌ: هو مَنسُوخٌ، قالَ عِياضٌ: حَمَلَهُ بَعْضُ عُلَمائِنا عَلى أنَّهُ كانَ في وقْتٍ خاصٍّ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِغَزْوِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في حُنَيْنٍ، وفي غَزْوَةِ الطّائِفِ، وهو يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُسْلِمٍ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ أبا سُفْيانَ يَجْمَعُ الجُمُوعَ لِيَوْمِ أُحُدٍ قالَ لِبَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ «إنّا وأنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ وإنَّ لِأهْلِ الكِتابِ عَلى أهْلِ الكِتابِ النَّصْرَ، فَإمّا قاتَلْتُمْ مَعَنا، وإلّا أعَرْتُمُونا السِّلاحَ» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا نَطْلُبُ مِنهُمُ المَعُونَةَ، وإذا اسْتَأْذَنُونا لا نَأْذَنُ لَهم: لِأنَّ الإذْنَ كالطَّلَبِ، ولَكِنْ إذا خَرَجُوا مَعَنا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ لَمْ نَمْنَعْهم، ورامَ بِهَذا الوَجْهِ التَّوْفِيقَ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ القاسِمِ ورِوايَةِ أبِي الفَرَجِ، قالَهُ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ مِن كِتابِ الجِهادِ، ونَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ الطَّحاوِيِّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ أجازَ الِاسْتِعانَةَ بِأهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ، قالَ ابْنُ رُشْدٍ: وهَذا لا وجْهَ لَهُ، وعَنْ أصْبَغَ المَنعُ مُطْلَقًا بِلا تَأْوِيلٍ.

صفحة ٢٢٠

الحالَةُ السّادِسَةُ: أنْ يَتَّخِذَ واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واحِدًا مِنَ الكافِرِينَ بِعَيْنِهِ ولِيًّا لَهُ، في حُسْنِ المُعاشَرَةِ أوْ لِقَرابَةٍ، لِكَمالٍ فِيهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ إضْرارٌ بِالمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، فَقَدْ قالَ تَعالى في الأبَوَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] واسْتَأْذَنَتْ أسْماءُ النَّبِيءَ ﷺ في بِرِّ والِدَتِها وصِلَتِها، وهي كافِرَةٌ، فَقالَ لَها: «صِلِي أُمَّكِ» وفي هَذا المَعْنى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] قِيلَ نَزَلَتْ في والِدَةِ أسْماءَ، وقِيلَ في طَوائِفَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ: وهم كِنانَةُ، وخُزاعَةُ، ومُزَيْنَةُ، وبَنُو الحارْثِ بْنِ كَعْبٍ، كانُوا يَوَدُّونَ انْتِصارَ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ. وعَنْ مالِكٍ تَجُوزُ تَعْزِيَةُ الكافِرِ بِمَن يَمُوتُ لَهُ. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَرْتاحُ لِلْأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، لِما يُبْدِيهِ مِن مَحَبَّةِ النَّبِيءِ، والتَّرَدُّدِ عَلَيْهِ، وقَدْ نَفَعَهم يَوْمَ الطّائِفِ إذْ صَرَفَ بَنِي زُهْرَةَ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةِ فارِسٍ، عَنْ قِتالِ المُسْلِمِينَ، وخَنَسَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤] الآيَةَ.

الحالَةُ السّابِعَةُ: حالَةُ المُعامَلاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ: كالتِّجاراتِ، والعُهُودِ، والمُصالَحاتِ، أحْكامُها مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَفاصِيلُها في الفِقْهِ.

الحالَةُ الثّامِنَةُ: حالَةُ إظْهارِ المُوالاةِ لَهم لِاتِّقاءِ الضُّرِّ وهَذِهِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ .

والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا﴾ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ لَيْسَ مِمّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الإشارَةِ، لَكِنَّهُ أشْبَهَ الوَلايَةَ في المُعامَلَةِ.

والِاتِّقاءُ: تَجَنُّبُ المَكْرُوهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”مِن“ إمّا لِأنَّ الِاتِّقاءَ تَسَتُّرٌ فَعُدِّيَ بِـ ”مِن“ كَما يُعَدّى فِعْلُ ”تَسَتَّرَ“، وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تَخافُوا.

وتُقاةً قَرَأهُ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ، وهو اسْمُ مَصْدَرِ الِاتِّقاءِ، وأصْلُهُ ”وُقْيَةٌ“ فَحُذِفَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ تَبَعًا لِفِعْلِ ”اتَّقى“ إذْ قُلِبَتْ واوُهُ تاءً لِيَتَأتّى إدْغامُها في تاءِ الِافْتِعالِ، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ كالتُّجاةِ

صفحة ٢٢١

والتُّكْلَةِ والتُّوءَدَةِ والتُّخْمَةِ؛ إذْ لا وجْهَ لِإبْدالِ الفاءِ تاءً في مِثْلِ ”تُقاةٍ“ إلّا هَذا. وشَذَّ تُراثٌ. يَدُلُّ لِهَذا المَقْصِدِ قَوْلُ الجَوْهَرِيِّ: وقَوْلُهم تُجاهَكَ بُنِيَ عَلى قَوْلِهِمُ اتَّجَهَ لَهم رَأْيٌ. وفي اللِّسانِ في تُخْمَةٍ (لِأنَّهم تَوَهَّمُوا التّاءَ أصْلِيَّةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ) ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَرْنُ هَذِهِ الأسْماءِ مَعَ أفْعالِها في نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ القافِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ.

وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ هُنا: الإشارَةُ إلى تَحَقُّقِ كَوْنِ الحالَةِ حالَةَ تَقِيَّةٍ، وهَذِهِ التَّقِيَّةُ مِثْلُ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُسْتَضْعَفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْهِجْرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِثْلُ الحالَةِ الَّتِي لَقِيَها مُسْلِمُو الأنْدَلُسِ حِينَ أكْرَهَهُمُ النَّصارى عَلى الكُفْرِ فَتَظاهَرُوا بِهِ إلى أنْ تَمَكَّنَتْ طَوائِفُ مِنهم مِنَ الفِرارِ، وطَوائِفُ مِنِ اسْتِئْذانِ الكُفّارِ في الهِجْرَةِ إلى بِلادِ الإسْلامِ فَأذِنَ لَهُمُ العَدُوُّ، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ التُّقاةُ غَيْرَ دائِمَةٍ لِأنَّها إذا طالَتْ دَخَلَ الكُفْرُ في الذَّرارِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ المُخالَفَةِ ومِنَ التَّساهُلِ في دَعْوى التَّقِيَّةِ واسْتِمْرارِها أوْ طُولِ زَمانِها.

وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وأصْلُهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ مِن نَفْسِهِ وهَذا النَّزْعُ هو أصْلُ انْتِصابِ الِاسْمَيْنِ في بابِ التَّحْذِيرِ في قَوْلِهِمْ إيّاكَ الأسَدَ، وأصْلُهُ أُحَذِّرُكَ مِنَ الأسَدِ. وقَدْ جُعِلَ التَّحْذِيرُ هُنا مِن نَفْسِ اللَّهِ أيْ ذاتِهِ لِيَكُونَ أعَمَّ في الأحْوالِ، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ غَضَبَهُ لَتُوُهِّمَ أنَّ لِلَّهِ رِضًا لا يَضُرُّ مَعَهُ تَعَمُّدُ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ، والعَرَبُ إذا أرادَتْ تَعْمِيمَ أحْوالِ الذّاتِ عَلَّقَتِ الحُكْمَ بِالذّاتِ؛ كَقَوْلِهِمْ: لَوْلا فُلانٌ لَهَلَكَ فُلانٌ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] ومِن هَذا القَبِيلِ تَعْلِيقُ شَرْطِ ”لَوْلا“ عَلى الوُجُودِ المُطْلَقِ الَّذِي سَوَّغَ حَذْفَ الخَبَرِ بَعْدَ ”لَوْلا“ .

وسَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى صِحَّةِ إطْلاقِ النَّفْسِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ العُقُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .

وهَذا إعْذارٌ ومَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ بِالعِقابِ عَلى مُخالَفَةِ ما نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ.

صفحة ٢٢٢

والمَصِيرُ: هو الرُّجُوعُ، وأُرِيدَ بِهِ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وقَدْ عَلِمَ مُثْبِتُو البَعْثِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا إلى اللَّهِ، فالتَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ: وإلى اللَّهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ أكَّدَ بِهِ صَرِيحَ التَّهْدِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ.

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

انْتِقالٌ مِنَ التَّحْذِيرِ المُجْمَلِ إلى ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ تَفْصِيلِهِ، وهو إشْعارُ المُحَذَّرِ بِاطِّلاعِ اللَّهِ عَلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ الأمْرِ.

وذَكَرَ الصُّدُورَ هُنا والمُرادُ البَواطِنُ والضَّمائِرُ: جَرْيًا عَلى مَعْرُوفِ اللُّغَةِ مِن إضافَةِ الخَواطِرِ النَّفْسِيَّةِ إلى الصَّدْرِ والقَلْبِ، لِأنَّ الِانْفِعالاتِ النَّفْسانِيَّةَ وتَرَدُّداتِ التَّفَكُّرِ ونَوايا النُّفُوسِ كُلَّها يُشْعَرُ لَها بِحَرَكاتٍ في الصُّدُورِ.

وزادَ أوْ تُبْدُوهُ فَأفادَ تَعْمِيمَ العِلْمِ تَعْلِيمًا لَهم بِسِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَقامَ إثْباتِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي الإيضاحَ.

وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“ ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِ الشَّرْطِ: لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثابِتٌ مُطْلَقًا غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى إخْفاءِ ما في نُفُوسِهِمْ وإبْدائِهِ، وما في الجُمْلَةِ مِنَ التَّعْمِيمِ يَجْعَلُها في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ مَعَ العِلْمِ ذُو قُدْرَةٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا مِنَ التَّهْدِيدِ؛ إذِ المُهَدِّدُ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الجَهْلُ بِجَرِيمَةِ المُجْرِمِ، أوِ العَجْزُ عَنْهُ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِعُمُومِ عِلْمِهِ، وعُمُومِ قُدْرَتِهِ، عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يُفْلِتُهم مِن عِقابِهِ.

وإظْهارُ اسْمِ اللَّهِ دُونَ ضَمِيرِهِ فَلَمْ يَقُلْ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، والجُمْلَةُ لَها مَعْنى التَّذْيِيلِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ، الآيَةَ.

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

صفحة ٢٢٣

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أصْلُ نَظْمِ الكَلامِ فِيها: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ أمَدًا بَعِيدًا يَوْمَ تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا. فَقُدِّمَ ظَرْفُها عَلى عامِلِهِ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ مَشْهُورَةِ الِاسْتِعْمالِ في أسْماءِ الزَّمانِ، إذا كانَتْ هي المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ، قَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ بِنَسْجٍ بَدِيعٍ. ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ الزَّمانِ هو الأهَمَّ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ ظَرْفًا لِشَيْءٍ مِن عَلائِقِهِ، جِيءَ بِهِ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وجُعِلَ مَعْنى بَعْضِ ما يَحْصُلُ مِنهُ مَصُوغًا في صِيغَةِ فِعْلٍ عامِلٍ في ذَلِكَ الظَّرْفِ. أوْ أصْلُ الكَلامِ: يُحْضَرُ لِكُلِّ نَفْسٍ في يَوْمِ الإحْضارِ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَتَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ أمَدًا بَعِيدًا، أيْ زَمانًا مُتَأخِّرًا وأنَّهُ لَمْ يُحْضَرْ ذَلِكَ اليَوْمَ. فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”وبَيْنَهُ“ عَلى هَذا يَعُودُ إلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَحُوِّلَ التَّرْكِيبُ، وجُعِلَ ”تَوَدُّ“ هو النّاصِبَ لِـ ”يَوْمَ“ لِيُسْتَغْنى بِكَوْنِهِ ظَرْفًا عَنْ كَوْنِهِ فاعِلًا. أوْ يَكُونُ أصْلُ الكَلامِ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ مُحْضَرًا، تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ أمَدًا بَعِيدًا؛ لِيَكُونَ ضَمِيرُ ”بَيْنَهُ“ عائِدًا إلى ”يَوْمَ“ أيْ تَوَدُّ أنَّهُ تَأخَّرَ ولَمْ يَحْضُرْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] وهَذا التَّحْوِيلُ مِن قَبِيلِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَـلَّـلِ

فَإنَّ مَقْصِدَهُ ما حَصَلَ في اليَوْمِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الِاهْتِمامَ بِنَفْسِ اليَوْمِ، لِأنَّهُ ظَرْفُهُ. ومِنهُ ما يَجِيءُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، ويَكْثُرُ مِثْلُ هَذا في الجُمَلِ المَفْصُولِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ يُشْبِهانِ الرَّوابِطَ، فالجُمْلَةُ المَفْصُولَةُ إذا صُدِّرَتْ بِواحِدٍ مِنها أكْسَبَها ذَلِكَ نَوْعَ ارْتِباطٍ بِما قَبْلَها كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] ونَحْوِهِما، وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْمَأ إلَيْهِ في الكَشّافِ.

صفحة ٢٢٤

وقِيلَ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ . وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ المَصِيرُ وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ، وقِيلَ بِقَوْلِهِ ويُحَذِّرُكم وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحْذِيرَ حاصِلٌ مِن وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ عامِلَ الظَّرْفِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ حَقَّ الِالتِئامِ.

فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قَوْلُهُ ”تَوَدُّ“ هو مَبْدَأُ الِاسْتِئْنافِ، وعَلى الوُجُوهِ الأُخْرى هو جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ الأوَّلِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ:

فَتَنازَعا سَبَطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ ∗∗∗ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْنَـجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ تَحْذِيرًا مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ، والثّانِي تَحْذِيرًا مِن أنْ يَجِدُوا يَوْمَ القِيامَةِ ما عَمِلُوا مِن سُوءٍ مُحْضَرًا.

والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ سَمّى المَوْعِظَةَ تَحْذِيرًا: لِأنَّ المُحَذَّرَ لا يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِالوُقُوعِ في الخَطَرِ، فَإنَّ التَّحْذِيرَ تَبْعِيدٌ مِنَ الوُقُوعِ ولَيْسَ انْتِشالًا بَعْدَ الوُقُوعِ، وذَيَّلَهُ هُنا بِقَوْلِهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ هَذا التَّحْذِيرَ لِمَصْلَحَةِ المُحَذَّرِينَ.

والتَّعْرِيفُ في ”العِبادِ“ لِلِاسْتِغْراقِ: لِأنَّ رَأْفَةَ اللَّهِ شامِلَةٌ لِكُلِّ النّاسِ مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] وما وعِيدُهم إلّا لِجَلْبِ صَلاحِهِمْ، وما تَنْفِيذُهُ بَعْدَ فَواتِ المَقْصُودِ مِنهُ إلّا لِصِدْقِ كَلِماتِهِ، وانْتِظامِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ بِعِبادِهِ فَيَكُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском