Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:31–36

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:31–36

3:31Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

انْتِقالٌ إلى التَّرْغِيبِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ أنَّ التَّرْهِيبَ المُتَقَدِّمَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والرَّأْفَةُ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ المَرْءُوفِ بِهِ الرَّءُوفَ، فَجَعْلُ

صفحة ٢٢٥

مَحَبَّةِ اللَّهِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ في مَقامِ تَعْلِيقِ الأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ - مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الرَّأْفَةِ تَسْتَلْزِمُ المَحَبَّةَ، أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ، فالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ، ثُمَّ رُتِّبَ عَلى الجَزاءِ مَشْرُوطٌ آخَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ لِكَوْنِهِ أيْضًا مَقْطُوعَ الرَّغْبَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِنُ غايَةُ قَصْدِهِ تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ ومَحَبَّتِهِ إيّاهُ.

والمَحَبَّةُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَنْشَأُ عِنْدَ الشُّعُورِ بِحُسْنِ شَيْءٍ: مِن صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ، أوْ إحْسانٍ، أوِ اعْتِقادٍ أنَّهُ يُحِبُّ المُسْتَحْسِنَ ويَجُرُّ إلَيْهِ الخَيْرَ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ الِانْفِعالُ عَقَبَهُ مَيْلٌ وانْجِذابٌ إلى الشَّيْءِ المَشْعُورِ بِمَحاسِنِهِ، فَيَكُونُ المُنْفَعِلُ مُحِبًّا، ويَكُونُ المَشْعُورُ بِمَحاسِنِهِ مَحْبُوبًا، وتُعَدُّ الصِّفاتُ الَّتِي أوْجَبَتْ هَذا الِانْفِعالَ جَمالًا عِنْدَ المُحِبِّ، فَإذا قَوِيَ هَذا الِانْفِعالُ صارَ تَهَيُّجًا نَفْسانِيًّا، فَسُمِّيَ عِشْقًا لِلذَّواتِ، وافْتِنانًا بِغَيْرِها.

والشُّعُورُ بِالحُسْنِ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ يُسْتَمَدُّ مِنَ الحَواسِّ في إدْراكِ المَحاسِنِ الذّاتِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالجَمالِ، ويُسْتَمَدُّ أيْضًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الكَمالاتِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْها بِالعَقْلِ وهي المَدْعُوَّةُ بِالفَضِيلَةِ، ولِذَلِكَ يُحِبُّ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ تَعالى، ويُحِبُّونَ النَّبِيءَ ﷺ تَعْظِيمًا لِلْكِمالاتِ، واعْتِقادًا بِأنَّهُما يَدْعُوانِهِمْ إلى الخَيْرِ، ويُحِبُّ النّاسُ أهْلَ الفَضْلِ الأوَّلِينَ كالأنْبِياءِ والحُكَماءِ والفاضِلِينَ، ويُحِبُّونَ سُعاةَ الخَيْرِ مِنَ الحاضِرِينَ وهم لَمْ يَلْقَوْهم ولا رَأوْهم.

ويَرْجِعُ الجَمالُ والفَضِيلَةُ إلى إدْراكِ النَّفْسِ ما يُلائِمُها: مِنَ الأشْكالِ، والأنْغامِ، والمَحْسُوساتِ، والخِلالِ. وهَذِهِ المُلاءَمَةُ تَكُونُ حِسِّيَّةً لِأجْلِ مُناسَبَةِ الطَّبْعِ كَمُلاءَمَةِ البُرُودَةِ في الصَّيْفِ، والحَرِّ في الشِّتاءِ، ومُلاءَمَةِ اللَّيِّنِ لِسَلِيمِ الجِلْدِ، والخَشِنِ لِمَن بِهِ داعِي حَكَّةٍ، أوْ إلى حُصُولِ مَنافِعَ كَمُلاءَمَةِ الإحْسانِ والإغاثَةِ. وتَكُونُ فِكْرِيَّةً لِأجْلِ غاياتٍ نافِعَةٍ كَمُلاءَمَةِ الدَّواءِ لِلْمَرِيضِ، والتَّعَبِ لِجانِي الثَّمَرَةِ، والسَّهَرِ لِلْمُتَفَكِّرِ في العِلْمِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الإلْفِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الِاعْتِقادِ المَحْضِ، كَتَلَقِّي النّاسِ أنَّ العِلْمَ فَضِيلَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذَيْنِ مَحَبَّةُ الأقْوامِ عَوائِدَهم مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في صَلاحِها، وقَدْ تَكُونُ مَجْهُولَةَ السَّبَبِ كَمُلاءَمَةِ الأشْكالِ المُنْتَظِمَةِ لِلنُّفُوسِ ومُلاءَمَةِ الألْوانِ اللَّطِيفَةِ.

صفحة ٢٢٦

وفِي جَمِيعِ ذَلِكَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَزِيدَ اتِّضاحًا بِأضْدادِها كالأشْكالِ الفاسِدَةِ، والأصْواتِ المُنْكَرَةِ، والألْوانِ الكَرِيهَةِ، دائِمًا، أوْ في بَعْضِ الأحْوالِ، كاللَّوْنِ الأحْمَرِ يَراهُ المَحْمُومُ.

ولَمْ يَسْتَطِعِ الفَلاسِفَةُ تَوْضِيحَ عِلَّةِ مُلاءَمَةِ بَعْضِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالجَمالِ لِلنُّفُوسِ: كَكَوْنِ الذّاتِ جَمِيلَةً أوْ قَبِيحَةَ الشَّكْلِ، وكَوْنِ المُرَبَّعِ أوِ الدّائِرَةِ حَسَنًا لَدى النَّفْسِ، والشَّكْلِ المُخْتَلِّ قَبِيحًا، ومَعَ الِاعْتِرافِ بِاخْتِلافِ النّاسِ في بَعْضِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالجَمالِ والقُبْحِ كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

ضُرُوبُ النّاسِ عُشّاقٌ ضُرُوبا

وأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَسْتَجِيدُ مِنَ المَلابِسِ ما لا يَرْضى بِهِ الآخَرُ ويَسْتَحْسِنُ مِنَ الألْوانِ ما يَسْتَقْبِحُهُ الآخَرُ، ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فالمُشاهَدُ أنَّ مُعْظَمَ الأحْوالِ لا يَخْتَلِفُ فِيها النّاسُ السّالِمُو الأذْواقِ.

فَأمّا المُتَقَدِّمُونَ فَقالَ سُقْراطُ: سَبَبُ الجَمالِ حُبُّ النَّفْعِ، وقالَ أفْلاطُونُ: (الجَمالُ أمْرٌ إلَهِيٌّ أزَلِيٌّ مَوْجُودٌ في عالَمِ العَقْلِ غَيْرُ قابِلٍ لِلتَّغَيُّرِ قَدْ تَمَتَّعَتِ الأرْواحُ بِهِ قَبْلَ هُبُوطِها إلى الأجْسامِ فَلَمّا نَزَلَتْ إلى الأجْسامِ صارَتْ مَهْما رَأتْ شَيْئًا عَلى مِثالِ ما عَهِدَتْهُ في العَوالِمِ العَقْلِيَّةِ وهي عالَمُ المِثالِ مالَتْ إلَيْهِ لِأنَّهُ مَأْلُوفُها مِن قَبْلِ هُبُوطِها) . وذَهَبَ الطَّبائِعِيُّونَ: إلى أنَّ الجَمالَ شَيْءٌ يَنْشَأُ عِنْدَنا عَنِ الإحْساسِ بِالحَواسِّ. ورَأيْتُ في كِتابِ جامِعِ أسْرارِ الطِّبِّ لِلْحَكِيمِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُهْرٍ القُرْطُبِيِّ (العِشْقُ الحِسِّيُّ إنَّما هو مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَحْسِنُهُ وتَسْتَلِذُّهُ، وذَلِكَ أنَّ الرُّوحَ النَّفْسانِيَّ الَّذِي مَسْكَنُهُ الدِّماغُ قَرِيبٌ مِنَ النُّورِ البَصَرِيِّ الَّذِي يُحِيطُ بِالعَيْنِ ومُتَّصِلٌ بِمُؤَخَّرِ الدِّماغِ وهو الذُّكْرُ، فَإذا نَظَرَتِ العَيْنُ إلى الشَّيْءِ المُسْتَحْسَنِ انْضَمَّ النُّورِيُّ البَصَرِيُّ وارْتَعَدَ، فَبِذَلِكَ الِانْضِمامِ والِارْتِعادِ يَتَّصِلُ بِالرُّوحِ النَّفْسانِيِّ فَيَقْبَلُهُ قَبُولًا حَسَنًا ثُمَّ يُودِعُهُ الذُّكْرَ فَيُوجِبُ ذَلِكَ المَحَبَّةَ. ويَشْتَرِكُ أيْضًا بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ الَّذِي مَسْكَنُهُ القَلْبُ لِاتِّصالِهِ بِأفْعالِهِ في الجَسَدِ كُلِّهِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الفِكْرَةُ والهَمُّ والسَّهَرُ) .

صفحة ٢٢٧

والحَقُّ أنَّ مَنشَأ الشُّعُورِ بِالجَمالِ قَدْ يَكُونُ عَنِ المُلائِمِ، وعَنِ التَّأثُّرِ العَصَبِيِّ، وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ أيْضًا كَتَأثُّرِ المَحْمُومِ بِاللَّوْنِ الأحْمَرِ، وعَنِ الإلْفِ والعادَةِ بِكَثْرَةِ المُمارَسَةِ، وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ كَما قالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:

وحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجالِ إلَيْهِـمُ ∗∗∗ مَآرِبُ قَضّاها الشَّبابُ هُنالِكَ

إذا ذَكَرُوا أوْطانَهم ذَكَّرَتْهُـمُ ∗∗∗ عُهُودَ الصِّبا فِيها فَحَنُّوا لِذَلِكَ

وعَنْ تَرَقُّبِ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ، وعَنِ اعْتِقادِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ وهو يَرْجِعُ إلى المَأْلُوفِ الرّاجِعِ إلى المُمارَسَةِ بِسَبَبِ تَرَقُّبِ الخَيْرِ مِن صاحِبِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ.

ووَراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ مِنَ الجَمالِ ومِنَ المَحَبَّةِ لا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وهو اسْتِحْسانُ الذَّواتِ الحَسَنَةِ واسْتِقْباحُ الأشْياءِ المُوحِشَةِ فَنَرى الطِّفْلَ الَّذِي لا إلْفَ لَهُ بِشَيْءٍ يَنْفِرُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَراها وحِشَةً.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ في أنَّ المَحَبَّةَ والجَمالَ هَلْ يُقْصَرانِ عَلى المَحْسُوساتِ: فالَّذِينَ قَصَرُوهُما عَلى المَحْسُوساتِ لَمْ يُثْبِتُوا غَيْرَ المَحَبَّةِ المادِّيَّةِ، والَّذِينَ لَمْ يَقْصُرُوهُما عَلَيْها أثْبَتُوا المَحَبَّةَ الرَّمْزِيَّةَ، أعْنِي المُتَعَلِّقَةَ بِالأكْوانِ غَيْرِ المَحْسُوسَةِ كَمَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا هو الحَقُّ، وقالَ بِهِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أفْلاطُونُ، ومِنَ المُسْلِمِينَ الغَزّالِيُّ وفَخْرُ الدِّينِ وقَدْ أُضِيفَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ إلى أفْلاطُونَ، فَقِيلَ مَحَبَّةٌ أفْلاطُونِيَّةٌ: لِأنَّهُ بَحَثَ عَنْها وعَلَّلَها فَإنَّنا نَسْمَعُ بِصِفاتِ مَشاهِيرِ الرِّجالِ مِثْلِ الرُّسُلِ وأهْلِ الخَيْرِ والَّذِينَ نَفَعُوا النّاسَ، والَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَحامِدِ الصِّفاتِ كالعِلْمِ والكَرَمِ والعَدْلِ، فَنَجِدُ مِن أنْفُسِنا مَيْلًا إلى ذِكْرِهِمْ، ثُمَّ يَقْوى ذَلِكَ المَيْلُ حَتّى يَصِيرَ مَحَبَّةً مِنّا إيّاهم مَعَ أنَّنا ما عَرَفْناهم، ألا تَرى أنَّ مُزاوَلَةَ كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيرَةِ مِمّا يُقَوِّي مَحَبَّةَ المُزاوِلِ في الرَّسُولِ ﷺ وكَذَلِكَ صِفاتُ الخالِقِ تَعالى، لَمّا كانَتْ كُلُّها كَمالاتٍ وإحْسانًا إلَيْنا وإصْلاحًا لِفاسِدِنا، أكْسَبَنا اعْتِقادُها إجْلالًا لِمَوْصُوفِها، ثُمَّ يَذْهَبُ ذَلِكَ الإجْلالُ يَقْوى إلى أنْ يَصِيرَ مَحَبَّةً وفي الحَدِيثِ «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النّارِ» فَكانَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ مِن قَبِيلِ المَحَبَّةِ ولِذَلِكَ جُعِلَ عِنْدَها وِجْدانُ حَلاوَةِ الإيمانِ أيْ وِجْدانُهُ جَمِيلًا عِنْدَ مُعْتَقِدِهِ.

صفحة ٢٢٨

فَأصْحابُ الرَّأْيِ الأوَّلِ يَرَوْنَ تَعْلِيقَ المَحَبَّةِ بِذاتِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَجازًا بِتَشْبِيهِ الرَّغْبَةِ في مَرْضاتِهِ بِالمَحَبَّةِ، وأصْحابُ الرَّأْيِ الثّانِي يَرَوْنَهُ حَقِيقَةً وهو الصَّحِيحُ.

ومِن آثارِ المَحَبَّةِ تَطَلُّبُ القُرْبِ مِنَ المَحْبُوبِ والِاتِّصالِ بِهِ واجْتِنابُ فِراقِهِ. ومِن آثارِها مَحَبَّةُ ما يَسُرُّهُ ويُرْضِيهِ، واجْتِنابُ ما يُغْضِبُهُ، فَتَعْلِيقُ لُزُومِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الرَّسُولَ دَعا إلى ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وإلى إفْرادِ الوِجْهَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ كَمالُ المَحَبَّةِ.

وأمّا إطْلاقُ المَحَبَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ المَحَبَّةِ وهو الرِّضا وسَوْقُ المَنفَعَةِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَجَلِّياتٍ لِلَّهِ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ. وهُما المُعَبَّرُ عَنْهُما بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ المَحَبَّةِ وفي القُرْآنِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] .

وتَعْلِيقُ مَحَبَّةِ اللَّهِ إيّاهم عَلى ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ المُعَلَّقِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ يَنْتَظِمُ مِنهُ قِياسٌ شَرْطِيٌّ اقْتِرانِيٌّ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الحُبَّ المَزْعُومَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اتِّباعُ الرَّسُولِ فَهو حُبٌّ كاذِبٌ، لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعٌ، ولِأنَّ ارْتِكابَ ما يَكْرَهُهُ المَحْبُوبُ إغاضَةٌ لَهُ وتَلَبُّسٌ بِعَدُوِّهِ وقَدْ قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

أأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فِيهِ مَـلامَةً ∗∗∗ إنَّ المَلامَةَ فِيهِ مِن أعْدائِهِ

فَعُلِمَ أنَّ حُبَّ العَدُوِّ لا يُجامِعُ الحُبَّ وقَدْ قالَ العِتابِيُّ:

تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَـزْعُـمُ أنَّـنِـي ∗∗∗ صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] المُتَقَدِّمَةِ. ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقٌ لِلصِّفَتَيْنِ لِيَكُونَ النّاسُ ساعِينَ في تَحْصِيلِ أسْبابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

3:32Page 54

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ عَوْدٌ إلى المَوْعِظَةِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ البَحْتِ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ، وحِرْصًا عَلى الإجابَةِ، فابْتَدَأ المَوْعِظَةَ أوَّلًا بِمُقَدِّمَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ثُمَّ شَرَعَ في المَوْعِظَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيَةَ

صفحة ٢٢٩

وهُوَ تَرْهِيبٌ، ثُمَّ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَأْيِيدِ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةَ، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ. ثُمَّ جاءَ بِطَرِيقِ المُجادَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَرْهِيبٍ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ صَرِيحٍ ولَكِنْ بِالإيماءِ إلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] ثُمَّ بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ والإنْذارِ التَّعْرِيضِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآياتِ. ثُمَّ أمَرَ بِالقَطِيعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] . ثُمَّ انْتَقَلَ إلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الكافِرِينَ﴾ وخَتَمَ بِذِكْرِ عَدَمِ مَحَبَّةِ الكافِرِينَ رَدًّا لِلْعَجُزِ عَلى الصَّدْرِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] الآيَةَ، لِيَكُونَ نَفْيُ المَحَبَّةِ عَنْ جَمِيعِ الكافِرِينَ، نَفْيًا عَنْ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ المُعَيَّنِينَ.

3:33–34Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

انْتِقالٌ مِن تَمْهِيداتِ سَبَبِ السُّورَةِ إلى واسِطَةِ التَّمْهِيدِ والمَقْصِدِ، كَطَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ، فَهَذا تَخَلُّصٌ لِمُحاجَّةِ وفْدِ نَجْرانَ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فابْتُدِئَ هُنا بِذِكْرِ آدَمَ ونُوحٍ وهُما أبَوا البَشَرِ أوْ أحَدُهُما وذِكْرِ إبْراهِيمَ وهو أبُو المَقْصُودِينَ بِالتَّفْضِيلِ وبِالخِطابِ. فَأمّا آدَمُ فَهو أبُو البَشَرِ بِاتِّفاقِ الأُمَمِ كُلِّها إلّا شُذُوذًا مِن أصْحابِ النَّزَعاتِ الإلْحادِيَّةِ الَّذِينَ ظَهَرُوا في أُورُوبّا واخْتَرَعُوا نَظَرِيَّةَ تَسَلْسُلِ أنْواعِ الحَيَوانِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي نَظَرِيَّةٌ فاشِلَةٌ.

وآدَمُ اسْمُ أبِي البَشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، وهو عَلَمٌ عَلَيْهِ وضَعَهُ لِنَفْسِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما وضَعَ مَبْدَأ اللُّغَةِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ هو وزَوْجُهُ أنْ يُعَبِّرَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ أسْماهُ بِهَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ خُرُوجِهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ المَخْصُوصُ لِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ اللَّوْنِ بِالأُدْمَةِ خاصٌّ بِكَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّ العَرَبَ وضَعُوا اسْمَ ذَلِكَ اللَّوْنِ أخْذًا مِن وصْفِ لَوْنِ آدَمَ أبِي البَشَرِ.

صفحة ٢٣٠

وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن كِتابِ العَهْدِ عِنْدَ اليَهُودِ ما يَقْتَضِي: أنَّ آدَمَ وُجِدَ عَلى الأرْضِ في وقْتٍ يُوافِقُ سَنَةَ ٣٩٤٢ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وأنَّهُ عاشَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَكُونُ وفاتُهُ في سَنَةِ ٣٠١٢ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى هَذا ما تَقَبَّلَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَّبِعُونَ لِضَبْطِ السِّنِينَ. والمَظْنُونُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ النّاظِرِينَ في شَواهِدِ حَضارَةِ البَشَرِيَّةِ أنَّ هَذا الضَّبْطَ لا يُعْتَمَدُ، وأنَّ وُجُودَ آدَمَ مُتَقادِمٌ في أزْمِنَةٍ مُتَرامِيَةِ البُعْدِ هي أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمّا حَدَّدَهُ سِفْرُ التَّكْوِينِ.

وأمّا نُوحٌ فَتَقُولُ التَّوْراةُ: إنَّهُ ابْنُ لامَكَ وسُمِّيَ عِنْدَ العَرَبِ لَمَكَ بْنَ مُتُوشالِخَ بْنِ أخْنُوخَ (وهو إدْرِيسُ عِنْدَ العَرَبِ) ابْنِ يارِدَ - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ - بْنِ مَهْلَئِيلَ - بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَهاءٍ ساكِنَةٍ فَلامٍ مَفْتُوحَةٍ - بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. وعَلى تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ سِنِيِّ أعْمارِهِمْ يَكُونُ قَدْ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى والقَوْلُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ضَبْطِ تارِيخِ وُجُودِ آدَمَ.

وفِي زَمَنِ نُوحٍ وقَعَ الطُّوفانُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ ونَجّاهُ اللَّهُ وأوْلادَهُ وأزْواجَهم في الفُلْكِ، فَيَكُونُ أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَعُمَّ الأرْضَ وعَلى هَذا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُؤَرِّخُو الصِّينِ، وزَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَشْمَلْ قُطْرَهم، فَلا يَكُونُ نُوحٌ عِنْدَهم أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. وعَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فالبَشَرُ كُلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبْناءِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ سامٍ، وحامٍ، ويافِثَ، وهو أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ حَسَبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وعُمِّرَ نُوحٌ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، فَهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وفي التَّوْراةِ: أنَّ الطُّوفانَ حَدَثَ وعُمْرُ نُوحٍ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وأنَّ نُوحًا صارَ بَعْدَ الطُّوفانِ فَلّاحًا وغَرَسَ الكَرْمَ واتَّخَذَ الخَمْرَ. وذَكَرَ الألُوسِيُّ صِفَتَهُ بِدُونِ سَنَدٍ فَقالَ: كانَ نُوحٌ دَقِيقَ الوَجْهِ، في رَأْسِهِ طُولٌ، عَظِيمَ العَيْنَيْنِ، غَلِيظَ العَضُدَيْنِ، كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ، ضَخْمَ السُّرَّةِ، طَوِيلَ القامَةِ، جَسِيمًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ. قِيلَ: إنَّ مَدْفَنَهُ بِالعِراقِ في نَواحِي الكُوفَةِ، وقِيلَ في ذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ الطُّوفانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وذِكْرُ شَرِيعَتِهِ في سُورَةِ الشُّورى، وفي سُورَةِ نُوحٍ.

صفحة ٢٣١

والآلُ: الرَّهْطُ، وآلُ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وحَفِيدُهُ وأسْباطُهُ، والمَقْصُودُ تَفْضِيلُ فَرِيقٍ مِنهم. وشَمَلَ آلُ إبْراهِيمَ الأنْبِياءَ مِن عَقِبِهِ كَمُوسى، ومَن قَبْلَهُ، ومَن بَعْدَهُ، وكَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإسْماعِيلَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ.

وأمّا آلُ عِمْرانَ: فَهم مَرْيَمُ، وعِيسى، فَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماتانَ كَذا سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ، وكانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وصالِحِيهِمْ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ عِمْرامُ بِمِيمٍ في آخِرِهِ، فَهو أبُو مَرْيَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو خَطَأٌ، والحَقُّ أنَّهُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. وفي كُتُبِ النَّصارى: أنَّ اسْمَهُ يُوهاقِيمُ، فَلَعَلَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ولَيْسَ المُرادُ هُنا عِمْرانَ والِدَ مُوسى وهارُونَ؛ إذِ المَقْصُودُ هُنا التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى احْتِمالِ مَعْنى الآلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكِنَّ الآلَ هُنا مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى رَهْطِ الرَّجُلِ وقَرابَتِهِ.

ومَعْنى اصْطِفاءِ هَؤُلاءِ عَلى العالَمِينَ اصْطِفاءُ المَجْمُوعِ عَلى غَيْرِهِمْ، أوِ اصْطِفاءُ كُلِّ فاضِلٍ مِنهم عَلى أهْلِ زَمانِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ. والذَّرِّيَّةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ أُجْمِلَ البَعْضُ هُنا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ، فَـ ”مِن“ لِلِاتِّصالِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ اتِّصالُ القَرابَةِ، فَكُلُّ بَعْضٍ فِيها هو مُتَّصِلٌ بِالبَعْضِ الآخَرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] .

والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ تَذْكِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى بِشِدَّةِ انْتِسابِ أنْبِيائِهِمْ إلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلُوا مُوجِبَ القَرابَةِ مُوجِبَ عَداوَةٍ وتَفْرِيقٍ. ومِن هُنا ظَهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ بَعْضِكم في بَعْضِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ: كَقَوْلِ اليَهُودِ في عِيسى وأُمِّهِ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِ اليَهُودِ والنَّصارى لِمُحَمَّدٍ ﷺ .

3:35–36Page 54

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

صفحة ٢٣٢

﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ .

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”إذْ“ في أمْثالِ هَذا المَقامِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَوْقِعُها هُنا أظْهَرُ في أنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِعامِلٍ، فَهي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) هُنا زائِدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ ”اصْطَفى“: لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِفَضْلِ آدَمَ ونُوحٍ وآلِ إبْراهِيمَ.

وامْرَأةُ عِمْرانَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. قِيلَ: ماتَ زَوْجُها وتَرَكَها حُبْلى فَنَذَرَتْ حَبْلَها ذَلِكَ مُحَرَّرًا أيْ مُخَلَّصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانُوا يَنْذِرُونَ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْلُودُ ذَكَرًا. وإطْلاقُ المُحَرَّرِ عَلى هَذا المَعْنى إطْلاقُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلُصَ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَأنَّهُ حُرِّرَ مِن أسْرِ الدُّنْيا وقُيُودِها إلى حُرِّيَّةِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَظُنُّهُ ذَكَرًا فَصَدَرَ مِنها النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ وصْفِ الذُّكُورَةِ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إذا جاءَ ذَكَرًا فَهو مُحَرَّرٌ. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ وهو عائِدٌ إلى ﴿ما في بَطْنِي﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ انْكَشَفَ ما صَدَّقَهُ عَلى أُنْثى.

وقَوْلُها: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحْذِيرِ لِظُهُورِ كَوْنِ المُخاطَبِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ مُراعاةٌ لِأصْلِ الخَبَرِيَّةِ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِ المَوْلُودِ أُنْثى؛ إذْ هو بِوُقُوعِهِ عَلى خِلافِ المُتَرَقَّبِ لَها كانَ بِحَيْثُ تَشُكُّ في كَوْنِهِ أُنْثى وتُخاطِبُ نَفْسَها بِنَفْسِها بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، فَلِذا أكَّدَتْهُ. ثُمَّ لَمّا اسْتَعْمَلَتْ هَذا الخَبَرَ في الإنْشاءِ اسْتَعْمَلَتْهُ بِرُمَّتِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرَكَّبِ المُرْسَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرَكَّبَ يَكُونُ مَجازًا بِمَجْمُوعِهِ لا

صفحة ٢٣٣

بِأجْزائِهِ ومُفْرَداتِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ يَحْكِي ما تَضَمَّنَهُ كَلامُها في لُغَتِها مِنَ المَعانِي: وهي الرَّوْعَةُ والكَراهِيَةُ لِوِلادَتِها أُنْثى، ومُحاوَلَتُها مُغالَطَةَ نَفْسِها في الإذْعانِ لِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ تَحْقِيقُها ذَلِكَ لِنَفْسِها وتَطْمِينُها بِها، ثُمَّ التَّنَقُّلُ إلى التَّحْسِيرِ عَلى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أوْدَعَ حِكايَةَ كَلامِها خُصُوصِيّاتٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَتْها في مُناجاتِها بِلُغَتِها.

وأنَّثَ الضَّمِيرَ في ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ بِاعْتِبارِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ اللّازِمَةُ في قَوْلِها ”أُنْثى“ إذْ بِدُونِ الحالِ لا يَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا فَلِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: وضَعَتْ - بِسُكُونِ التّاءِ - فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى امْرَأةِ عِمْرانَ، وهو حِينَئِذٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِنَفاسَةِ ما وضَعَتْ، وأنَّها خَيْرٌ مِن مُطْلَقِ الذَّكَرِ الَّذِي سَألَتْهُ، فالكَلامُ إعْلامٌ لِأهْلِ القُرْآنِ بِتَغْلِيطِها، وتَعْلِيمٌ بِأنَّ مَن فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَقَّبَ تَدْبِيرَهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، عَلى أنَّها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمَةِ امْرَأةِ عِمْرانَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، وعَلَيْهِ فاسْمُ الجَلالَةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ لِفَواتِ ما قَصَدَتْهُ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ ذَكَرًا، فَتُحَرِّرُهُ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ.

وتَعْرِيفُ الذَّكَرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِما هو مُرْتَكِزٌ في نُفُوسِ النّاسِ مِنَ الرَّغْبَةِ في مَوالِيدِ الذُّكُورِ، أيْ لَيْسَ جِنْسُ الذَّكَرِ مُساوِيًا لِجِنْسِ الأُنْثى.

وقِيلَ: التَّعْرِيفُ في ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ تَعْرِيفُ العَهْدِ لِلْمَعْهُودِ في نَفْسِها. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِراضِ المَبْدُوءِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ والمَعْنى: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي رَغِبَتْ فِيهِ بِمُساوٍ لِلْأُنْثى الَّتِي أُعْطِيَتْها لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِ هاتِهِ الأُنْثى، وجَعَلُوا نَفْيَ المُشابَهَةِ عَلى بابِهِ مِن نَفْيِ مُشابَهَةِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ، وإلى هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

صفحة ٢٣٤

ونَفْيُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى يُقْصَدُ بِهِ مَعْنى التَّفْضِيلِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وذَلِكَ في قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ سَواءً كَذا وكَذا، ولَيْسَ كَذا مِثْلَ كَذا، ولا هو مِثْلَ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقَوْلِ السَّمَوْألِ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ، وقَوْلِهِمْ: (مَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وماءٌ ولا كَصَدّى) .

ولِذَلِكَ لا يَتَوَخَّوْنَ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ في مِثْلِهِ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلتَّشْبِيهِ أثَرٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ هُنا: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾، ولَوْ قِيلَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ لَفُهِمَ المَقْصُودُ. ولَكِنْ قَدَّمَ الذَّكَرَ هُنا لِأنَّهُ هو المَرْجُوُّ المَأْمُولُ فَهو أسْبَقُ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ يَجِيءُ النَّفْيُ عَلى مَعْنى كَوْنِ المُشَبَّهِ المَنفِيِّ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الرّابِعَةِ (غَدَوْتُ قَبْلَ اسْتِقْلالِ الرِّكابِ، ولا اغْتِداءَ اغْتِداءَ الغُرابِ) وقالَ في الحادِيَةَ عَشْرَةَ: (وضَحِكْتُمْ وقْتَ الدَّفْنِ، ولا ضَحِكَكم ساعَةَ الزَّفْنِ) وفي الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: (وقُمْتُ لِلَّهِ ولا كَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ) . فَجاءَ بِها كُلِّها عَلى نَسَقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّها أرادَتْ تَسْمِيَتَها بِاسْمِ أفْضَلِ نَبِيئَةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ وهي مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى وهارُونَ، وخَوَّلَها ذَلِكَ أنَّ أباها سَمِيُّ أبِي مَرْيَمَ أُخْتِ مُوسى.

وتَكَرَّرَ التَّأْكِيدُ في ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها﴾ و﴿وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ: لِأنَّ حالَ كَراهِيَتِها يُؤْذِنُ بِأنَّها سَتُعْرِضُ عَنْها فَلا تَشْتَغِلُ بِها، وكَأنَّها أكَّدَتْ هَذا الخَبَرَ إظْهارًا لِلرِّضا بِما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتْ إلى الدُّعاءِ لَها الدّالِّ عَلى الرِّضا والمَحَبَّةِ، وأكَّدَتْ جُمْلَةَ ﴿أُعِيذُها﴾ مَعَ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في إنْشاءِ الدُّعاءِ: لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْشاءِ بِرُمَّتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ الخَبَرِيَّةِ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وكَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: إنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском