Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:37–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:37–44

3:37Page 54

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

صفحة ٢٣٥

﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى الدُّعاءِ مُؤْذِنٌ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، وضَمائِرُ النَّصْبِ لِمَرْيَمَ. ومَعْنى تَقَبَّلَها: تَقَبَّلَ تَحْرِيرَها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أيْ أقامَ اللَّهُ مَرْيَمَ مَقامَ مُنْقَطِعٍ لِلَّهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوعًا مِن قَبْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الباءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: فَتَقَبَّلَها قَبُولًا حَسَنًا، فَأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِيَصِيرَ كالآلَةِ لِلتَّقَبُّلِ فَكَأنَّهُ شَيْءٌ ثانٍ، وهَذا إظْهارٌ لِلْعِنايَةِ بِها في هَذا القَبُولِ، وقَدْ عُرِفَ هَذا القَبُولُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلى زَكَرِيّاءَ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكْفُلَها زَكَرِيّاءُ أعْظَمُ أحْبارِهِمْ، وأنْ يُوحى إلَيْهِ بِإقامَتِها بَعْدَ ذَلِكَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلنِّساءِ قَبْلَها، وكُلُّ هَذا إرْهاصٌ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنها رَسُولٌ ناسِخٌ لِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ خِدْمَةَ النِّساءِ لِلْمَسْجِدِ المُقَدَّسِ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً.

ومَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أنْشَأها إنْشاءً صالِحًا. وذَلِكَ في الخُلُقِ ونَزاهَةِ الباطِنِ، فَشُبِّهَ إنْشاؤُها وشَبابُها بِإنْباتِ النَّباتِ الغَضِّ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ونَباتٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ ”أنْبَتَ“ وهو مَصْدَرُ ”نَبَتَ“ وإنَّما أُجْرِيَ عَلى ”أنْبَتَ“ لِلتَّخْفِيفِ.

* * *

﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾ .

عُدَّ هَذا في فَضائِلِ مَرْيَمَ، لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَزِيدُ فَضْلَها؛ لِأنَّ أبا التَّرْبِيَةِ يُكْسِبُ خُلُقَهُ وصَلاحَهُ مُرَبّاهُ.

وزَكَرِيّاءُ كاهِنٌ إسْرائِيلِيٌّ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن بَنِي أبِيّا بْنِ باكِرِ بْنِ بِنْيامِينَ مِن كَهَنَةِ اليَهُودِ، جاءَتْهُ النُّبُوءَةُ في كِبَرِهِ وهو ثانِي مَنِ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مُتَزَوِّجًا امْرَأةً مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ اسْمُها (اليَصاباتُ) وكانَتِ امْرَأتُهُ نَسِيبَةَ مَرْيَمَ كَما في إنْجِيلِ لُوقا قِيلَ: كانَتْ أُخْتَها. والصَّحِيحُ أنَّها كانَتْ خالَتَها، أوْ مِن قَرابَةِ أُمِّها، ولَمّا وُلِدَتْ مَرْيَمُ كانَ أبُوها قَدْ ماتَ فَتَنازَعَ كَفالَتَها جَماعَةٌ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ حِرْصًا

صفحة ٢٣٦

عَلى كَفالَةِ بِنْتِ حَبْرِهِمُ الكَبِيرِ، واقْتَرَعُوا عَلى ذَلِكَ كَما يَأْتِي، فَطارَتِ القُرْعَةُ لِزَكَرِيّاءَ، والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ كَفالَتِها لِلْأحْبارِ لِأنَّها مُحَرَّرَةٌ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَيَلْزَمُ أنْ تُرَبّى تَرْبِيَةً صالِحَةً لِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ - بِتَخْفِيفِ الفاءِ مِن كَفَلَها - أيْ تَوَلّى كَفالَتَها، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ أيْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ زَكَرِيّاءَ كافِلًا لَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ زَكَرِيّاءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ، مَمْدُودًا وبِرَفْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: بِالقَصْرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالهَمْزَةِ في آخِرِهِ، ونَصَبَ الهَمْزَةَ.

* * *

﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .

دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَكانَتْ مَرْيَمُ مُلازِمَةً لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَتْ تَتَعَبَّدُ بِمَكانٍ تَتَّخِذُهُ لَها مِحْرابًا، وكانَ زَكَرِيّاءُ يَتَعَهَّدُ تَعَبُّدَها فَيَرى كَرامَةً لَها أنَّ عِنْدَها ثِمارًا في غَيْرِ وقْتِ وُجُودِ صِنْفِها.

و”كُلَّما“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”كُلَّ“ الَّذِي هو اسْمٌ لِعُمُومِ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، ومِن ”ما“ الظَّرْفِيَّةِ وصِلَتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّ وقْتِ دُخُولِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا.

وانْتَصَبَ ”كُلَّ“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فَجُمْلَةُ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ حالٌ مِن زَكَرِيّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾ .

صفحة ٢٣٧

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ.

والمِحْرابَ بِناءٌ يَتَّخِذُهُ أحَدٌ لِيَخْلُوَ فِيهِ بِتَعَبُّدِهِ وصَلاتِهِ، وأكْثَرُ ما يُتَّخَذُ في عُلُوٍّ يُرْتَقى إلَيْهِ بِسُلَّمٍ أوْ دَرَجٍ، وهو غَيْرُ المَسْجِدِ، وأُطْلِقَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ إطْلاقاتٍ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ أوِ التَّوَسُّعِ، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

دُمْيَةٌ عِنْدَ راهِـبٍ قِـسِّـيسٍ صَوَّرُوها في مَذْبَحِ المِحْرابِ

أرادَ في مَذْبَحِ البَيْعَةِ، لِأنَّ المِحْرابَ لا يُجْعَلُ فِيهِ مَذْبَحٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِحْرابَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَرْبِ؛ لِأنَّ المُتَعَبِّدَ كَأنَّهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ فِيهِ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ المَكانَ آلَةً لِمِحْرَبِ الشَّيْطانِ.

ثُمَّ أُطْلِقَ المِحْرابُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ عَلى مَوْضِعٍ كَشَكْلِ نِصْفِ قُبَّةٍ في طُولِ قامَةٍ ونِصْفٍ، يُجْعَلُ بِمَوْضِعِ القِبْلَةِ لِيَقِفَ فِيهِ الإمامُ لِلصَّلاةِ. وهو إطْلاقٌ مُوَلَّدٌ وأوَّلُ مِحْرابٍ في الإسْلامِ مِحْرابُ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ صُنِعَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، مُدَّةَ إمارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَلى المَدِينَةِ. والتَّعْرِيفُ في ”المِحْرابِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ويُعْلَمُ أنَّ المُرادَ مِحْرابٌ جَعَلَتْهُ مَرْيَمُ لِلتَّعَبُّدِ.

وأنّى اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ، أيْ مِن أيْنَ لَكِ هَذا، فَلِذَلِكَ كانَ جَوابُ اسْتِفْهامِهِ قَوْلَها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

واسْتِفْهامُ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ عَنِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ في غَيْرِ إبّانِهِ ووَقْتِ أمْثالِهِ، قِيلَ: كانَ عِنَبًا في فَصْلِ الشِّتاءِ. والرِّزْقُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِن كَلامِ مَرْيَمَ المَحْكِيِّ.

والحِسابُ في قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] بِمَعْنى الحَصْرِ؛ لِأنَّ الحِسابَ يَقْتَضِي حَصْرَ الشَّيْءِ المَحْسُوبِ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، فالمَعْنى إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يُرِيدُ رِزْقَهُ بِما لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ لِأنَّهُ مَوْكُولٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ.

3:38Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

صفحة ٢٣٨

﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّاءُ رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .

أيْ في ذَلِكَ المَكانِ، قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ، وقَدْ نَبَّهَهُ إلى الدُّعاءِ مُشاهَدَةُ خَوارِقِ العادَةِ مَعَ قَوْلِ مَرْيَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] والحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ، وأهْلُ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ يَعْتَبِرُونَ بِما يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ، فَلِذَلِكَ عَمَدَ إلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ الوَلَدِ في غَيْرِ إبّانِهِ، وقَدْ كانَ في حَسْرَةٍ مِن عَدَمِ الوَلَدِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ حِينَئِذٍ في مَكانٍ شَهِدَ فِيهِ فَيْضًا إلَهِيًّا. ولَمْ يَزَلْ أهْلُ الخَيْرِ يَتَوَخَّوْنَ الأمْكِنَةَ بِما حَدَثَ فِيها مِن خَيْرٍ، والأزْمِنَةَ الصّالِحَةَ كَذَلِكَ، وما هي إلّا كالذَّواتِ الصّالِحَةِ في أنَّها مَحالُّ تَجَلِّياتِ رِضا اللَّهِ.

وسَألَ الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ لِأنَّها الَّتِي يُرْجى مِنها خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِحُصُولِ الآثارِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ. ومُشاهَدَةُ خَوارِقِ العاداتِ خَوَّلَتْ لِزَكَرِيّاءَ الدُّعاءَ بِما هو مِنَ الخَوارِقِ، أوْ مِنَ المُسْتَبْعَداتِ، لِأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، لا سِيَّما في زَمَنِ الفَيْضِ أوْ مَكانِهِ، فَلا يُعَدُّ دُعاؤُهُ بِذَلِكَ تَجاوُزًا لِحُدُودِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَهُ القَرافِيُّ في الفَرْقِ بَيْنَ ما يَجُوزُ مِنَ الدُّعاءِ وما لا يَجُوزُ. وسَمِيعٌ هُنا بِمَعْنى مُجِيبٍ.

3:39–41Page 55

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ.

صفحة ٢٣٩

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ.

ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ.

ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] .

ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ.

وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

صفحة ٢٤٠

ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا شَكَّ أنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ، ومَعْرِفَةَ كَوْنِهِ صادِقًا بِدُونِ تَرَدُّدٍ - هُدًى عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ التَّأمُّلِ السَّرِيعِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وقَدْ فازَ بِهَذا الوَصْفِ يَحْيى في الأوَّلِينَ، وخَدِيجَةُ وأبُو بَكْرٍ في الآخِرِينَ، قالَ تَعالى: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا التَّوْراةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها الكَلِمَةُ لِأنَّ الكَلِمَةَ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ، وأنَّ الكَلِمَةَ هي التَّوْراةُ.

والسَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ: إذا فاقَ قَوْمَهُ في مَحامِدِ الخِصالِ حَتّى قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ. فالسُّؤْدُدُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُ كِفايَةَ مُهِمّاتِ القَبِيلَةِ والبَذْلَ لَها وإتْعابَ النَّفْسِ لِراحَةِ النّاسِ، قالَ الهُذَلِيُّ:

وإنَّ سِيادَةَ الأقْوامِ فَـاعْـلَـمْ لَها صُعَداءُ مَطْلَبُها طَـوِيلُ

أتَرْجُو أنْ تَسُودَ ولَنْ تُعَنَّـى ∗∗∗ وكَيْفَ يَسُودُ ذُو الدَّعَةِ البَخِيلُ

وكانَ السُّؤْدُدُ عِنْدَهم يَعْتَمِدُ خِلالًا مَرْجِعُها إلى إرْضاءِ النّاس عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، ومِلاكُهُ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وأصْلُهُ الرَّأْيُ، وفَصاحَةُ اللِّسانِ.

والسَّيِّدُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ مَن يَقُومُ بِإصْلاحِ حالِ النّاسِ في دُنْياهم وأُخْراهم مَعًا، وفي الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» وفِيهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدْ كانَ الحَسَنُ جامِعًا خِصالَ السُّؤْدُدِ الشَّرْعِيِّ، وحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ تَنازَلَ عَنْ حَقِّ الخِلافَةِ لِجَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ، ولِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - فَقِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أشارَ إلى أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الِاسْتِصْلاحِ وإقامَةِ الحُقُوقِ بِمَنزِلَةٍ هُما فِيها خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ولَكِنْ مَعَ تَتَبُّعِ الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضا النّاسِ يَنْخَرِمُ فِيهِ كَثِيرٌ مِن خِصالِ السُّؤْدُدِ

صفحة ٢٤١

ومُعاوِيَةُ قَدْ بَرَّزَ في خِصالِ السُّؤْدُدِ الَّتِي هي الِاعْتِمالُ في إرْضاءِ النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ ولَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا.

ووَصَفَ اللَّهُ يَحْيى بِالسَّيِّدِ لِتَحْصِيلِهِ الرِّئاسَةَ الدِّينِيَّةَ فِيهِ مِن صِباهُ، فَنَشَأ مُحْتَرَمًا مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٢]، وقَدْ قِيلَ السَّيِّدُ هُنا الحَلِيمُ التَّقِيُّ مَعًا. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ الحَلِيمُ فَقَطْ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: السَّيِّدُ هُنا الشَّرِيفُ. قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ السَّيِّدُ هُنا العالِمُ: قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ أيْضًا.

وعَطْفُ سَيِّدًا عَلى مُصَدِّقًا، وعَطْفُ حَصُورًا وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ العَلِيمِ، ولا التَّقِّيِّ، وغَيْرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. والحَصُورُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. أيْ حَصُورٌ عَنْ قُرْبانِ النِّساءِ.

وذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ في أثْناءِ صِفاتِ المَدْحِ إمّا أنْ يَكُونَ مَدْحًا لَهُ، لِما تَسْتَلْزِمُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ البُعْدِ عَنِ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ، بِأصْلِ الخِلْقَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ بَراءَتِهِ مِمّا يُلْصِقُهُ أهْلُ البُهْتانِ بِبَعْضِ أهْلِ الزُّهْدِ مِنَ التُّهَمِ، وقَدْ كانَ اليَهُودُ في عَصْرِهِ في أشَدِّ البُهْتانِ والِاخْتِلاقِ، وإمّا ألّا يَكُونَ المَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ مَدْحًا لَهُ لِأنَّ مَن هو أفْضَلُ مِن يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُسْتَكْمِلِينَ المَقْدِرَةَ عَلى قُرْبانِ النِّساءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ لِيَحْيى إعْلامًا لِزَكَرِيّاءَ بِأنَّ اللَّهَ وهَبَهُ ولَدًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، إذْ قالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وأنَّهُ قَدْ أتَمَّ مُرادَهُ تَعالى مِنِ انْقِطاعِ عَقِبِ زَكَرِيّاءَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، وذَلِكَ إظْهارٌ لِكَرامَةِ زَكَرِيّاءَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

ووُسِّطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بَيْنَ صِفاتِ الكَمالِ تَأْنِيسًا لِزَكَرِيّاءَ وتَخْفِيفًا مِن وحْشَتِهِ لِانْقِطاعِ نَسْلِهِ بَعْدَ يَحْيى.

وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾: اسْتِفْهامٌ مُرادٌ مِنهُ التَّعَجُّبُ، قُصِدَ مِنهُ تَعَرُّفُ إمْكانِ الوَلَدِ، لِأنَّهُ لَمّا سَألَ الوَلَدَ فَقَدْ تَهَيَّأ لِحُصُولِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ إلّا

صفحة ٢٤٢

تَطَلُّبًا لِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُحَقِّقُ لَهُ البِشارَةَ، ولَيْسَ مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ الوَعْدِ، وهو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأُجِيبَ بِأنَّ المُمْكِناتِ داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإنْ عَزَّ وُقُوعُها في العادَةِ.

وأنّى فِيهِ بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ بِمَعْنى المَكانِ، لِتَعَذُّرِ عَمَلِ المَكانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما سَبَبُ التَّناسُبِ وهُما الكِبَرُ والعُقْرَةُ. وهَذا التَّعَجُّبُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ عَلى هَذِهِ المِنَّةِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الشُّكْرِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن زَوْجِهِ العاقِرِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ أُخْرى وهَذِهِ كَرامَةٌ لِامْرَأةِ زَكَرِيّاءَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ جاءَ عَلى طَرِيقِ القَلْبِ، وأصْلُهُ وقَدْ بَلَغْتُ الكِبَرَ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ تَمَكُّنِ الكِبَرِ مِنهُ كَأنَّهُ يَتَطَلَّبُهُ حَتّى بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] .

والعاقِرُ المَرْأةُ الَّتِي لا تَلِدُ عَقَرَتْ رَحِمَها أيْ قَطَعَتْهُ. ولِأنَّهُ وصْفٌ خاصٌّ بِالأُنْثى لَمْ يُؤَنَّثْ كَقَوْلِهِمْ حائِضٌ ونافِسٌ ومُرْضِعٌ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ في غَيْرِ صِيغَةِ الفاعِلِ فَمِنهُ قَوْلُهم عَقْرى دُعاءً عَلى المَرْأةِ، وفي الحَدِيثِ عَقْرى حَلْقى وكَذَلِكَ نُفَساءُ.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كَهَذا الفِعْلِ العَجِيبِ وهو تَقْدِيرُ الحَمْلِ مِن شَيْخٍ هَرِمٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ولَدٌ وامْرَأةٌ عاقِرٌ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا التَّكْوِينَ حَصَلَ بِكَوْنِ زَكَرِيّاءَ كانَ قَبْلَ هِرَمِهِ ذا قُوَّةٍ زائِدَةٍ لا تَسْتَقِرُّ بِسَبَبِها النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ فَلَمّا هَرِمَ اعْتَدَلَتْ تِلْكَ القُوَّةُ فَصارَتْ كالمُتَعارَفِ، أوْ كانَ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ في رَحِمِ امْرَأتِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا التَّكْوِينِ بِجُمْلَةِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ هو تَكْوِينُ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَما قالَهُ في جانِبِ تَكْوِينِ عِيسى.

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً﴾ أرادَ آيَةً عَلى وقْتِ حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ، وهَلْ هو قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، فالآيَةُ هي العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى ابْتِداءِ حَمْلِ زَوْجِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ: آيَةُ تَحَقُّقِ كَوْنِ الخِطابِ الوارِدِ عَلَيْهِ وارِدًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما في إنْجِيلِ لُوقا. وعِنْدِي في هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الخِطابُ الوارِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعْلَمُونَهُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ.

صفحة ٢٤٣

وقَوْلُهُ ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ جَعَلَ اللَّهُ حُبْسَةَ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ آيَةً عَلى الوَقْتِ الَّذِي تَحْمِلُ فِيهِ زَوْجَتُهُ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ ما لَهُ مِنَ القُوَّةِ في أعْصابِ الكَلامِ المُتَّصِلَةِ بِالدِّماغِ إلى أعْصابِ التَّناسُلِ بِحِكْمَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْرُبُ مِنها ما يُذْكَرُ مِن سُقُوطِ بَعْضِ الإحْساسِ لِمَن يَأْكُلُ البَلاذِرَ لِقُوَّةِ الفِكْرِ. أوْ أمَرَهُ بِالِامْتِناعِ مِنَ الكَلامِ مَعَ النّاسِ إعانَةً عَلى انْصِرافِ القُوَّةِ مِنَ المَنطِقِ إلى التَّناسُلِ، أيْ مَتى تَمَّتْ ثَلاثَةُ الأيّامِ كانَ ذَلِكَ أمارَةَ ابْتِداءِ الحَمْلِ. قالَ الرَّبِيعُ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ عُقُوبَةً لِتَرَدُّدِهِ في صِحَّةِ ما أخْبَرَهُ بِهِ المَلَكُ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهُ سَألَ آيَةً فَأُعْطِيَ غَيْرَها.

وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أمْرٌ بِالشُّكْرِ، والذِّكْرُ المُرادُ بِهِ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ والصَّلاةِ إنْ كانَ قَدْ سُلِبَ قُوَّةَ النُّطْقِ، أوِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ إنْ كانَ قَدْ نُهِيَ عَنْها فَقَطْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَمْزًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

3:42–44Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمُ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] . انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ أُمِّ مَرْيَمَ إلى ذِكْرِ مَرْيَمَ.

(ومَرْيَمُ) عَلَمٌ عِبْرانِيٌّ، وهو في العِبْرانِيَّةِ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ قَدِيمٌ سُمِّيَتْ بِهِ أُخْتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَيْسَ في كُتُبِ النَّصارى ذِكْرٌ لِاسْمِ أبِي مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى ولا لِمَوْلِدِها ولَكِنَّها تَبْتَدِئُ فَجْأةً بِأنَّ عَذْراءَ في بَلَدِ النّاصِرَةِ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ، قَدْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ زَوْجٍ.

صفحة ٢٤٤

والعَرَبُ يُطْلِقُونَ اسْمَ مَرْيَمَ عَلى المَرْأةِ المُتَرَجِّلَةِ الَّتِي تُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرِّجالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:

قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ

.

والزِّيرُ: بِكَسْرِ الزّايِ الَّذِي يُكْثِرُ زِيارَةَ النِّساءِ. وقالَ في الكَشّافِ: مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ أيْ لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العابِدَةِ.

وتَكَرَّرَ فِعْلُ (اصْطَفاكِ) لِأنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ ذاتِيٌّ، وهو جَعْلُها مُنَزَّهَةً زَكِيَّةً، والثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى الغَيْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ الأوَّلُ إلى مُتَعَلِّقٍ، وعُدِّيَ الثّانِي. ونِساءُ العالَمِينَ نِساءُ زَمانِها، أوْ نِساءُ سائِرِ الأزْمِنَةِ. وتَكْلِيمُ المَلائِكَةِ والِاصْطِفاءُ يَدُلّانِ عَلى نُبُوءَتِها والنُّبُوءَةُ تَكُونُ لِلنِّساءِ دُونَ الرِّسالَةِ.

وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ لِقَصْدِ الإعْجابِ بِحالِها، لِأنَّ النِّداءَ الأوَّلَ كَفى في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ مِن إقْبالِها لِسَماعِ كَلامِ المَلائِكَةِ، فَكانَ النِّداءُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في مُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ الَّذِي يُنْتَقَلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ وهو التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ الحالَةِ والإعْجابُ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ

فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ المُنْتَقَلِ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ.

والقُنُوتُ مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدَّمَ السُّجُودَ، لِأنَّهُ أدْخَلُ في الشُّكْرِ والمَقامُ هُنا مَقامُ شُكْرٍ.

وقَوْلُهُ مَعَ الرّاكِعِينَ إذْنٌ لَها بِالصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ، وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لَها مِن بَيْنِ نِساءِ إسْرائِيلَ إظْهارٌ لِمَعْنى ارْتِفاعِها عَنْ بَقِيَّةِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ جِيءَ في الرّاكِعِينَ بِعَلامَةِ جَمْعِ التَّذْكِيرِ.

وهَذا الخِطابُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخِطابِ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] لِقَصْدِ تَأْنِيسِها بِالخَبَرِ المُوالِي لِأنَّهُ لَمّا كانَ حاصِلُهُ يَجْلِبُ لَها حُزْنًا وسُوءَ قالَةٍ بَيْنَ النّاسِ، مَهَّدَ لَهُ بِما يَجْلِبُ إلَيْها مَسَرَّةً، ويُوقِنُها بِأنَّها بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَعْلَمَ بِأنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَها مَخْرَجًا وأنَّهُ لا يُخْزِيها.

صفحة ٢٤٥

وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ إيماءٌ إلى خُلُوِّ كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وإلّا لَقالَ: وما كُنْتَ تَتْلُو كُتُبَهم مِثْلَ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ إنَّكَ تُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمْ كَأنَّكَ كُنْتَ لَدَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ وهي الأقْلامُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِها في المُشْكِلاتِ: بِأنْ يَكْتُبُوا عَلَيْها أسْماءَ المُقْتَرِعِينَ أوْ أسْماءَ الأشْياءِ المُقْتَرَعِ عَلَيْها، والنّاسُ يَصِيرُونَ إلى القُرْعَةِ عِنْدَ انْعِدامِ ما يُرَجِّحُ الحَقَّ، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِالأزْلامِ وجَعَلَ اليَهُودُ الِاقْتِراعَ بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ في المِدْراسِ رَجاءَ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُها مُرْشِدَةً إلى ما هو الخَيْرُ. ولَيْسَ هَذا مِن شِعارِ الإسْلامِ ولَيْسَ لِإعْمالِ القُرْعَةِ في الإسْلامِ إلّا مَواضِعُ تَمْيِيزِ الحُقُوقِ المُتَساوِيَةِ مِن كُلِّ الجِهاتِ وتَفْصِيلُهُ في الفِقْهِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّهم تَنازَعُوا في كَفالَةِ مَرْيَمَ حِينَ ولَدَتْها أُمُّها حِنَّةُ، إذْ كانَتْ يَتِيمَةً كَما تَقَدَّمَ فَحَصَلَ مِن هَذا الِامْتِنانِ إعْلامٌ بِأنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الِاسْتِقْسامِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَنافُسِهِمْ في كَفالَتِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском