Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:54–61
3:54Page 57
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] فَإنَّهُ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وأحَسَّ مِنهم بِالغَدْرِ والمَكْرِ.
وضَمِيرُ مَكَرُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”مِنهم“ وهُمُ اليَهُودُ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] . والمَكْرُ فِعْلٌ يُقْصَدُ بِهِ ضُرُّ أحَدٍ في هَيْئَةٍ تَخْفى عَلَيْهِ، أوْ تَلْبِيسُ فِعْلِ الإضْرارِ بِصُورَةِ النَّفْعِ، والمُرادُ هُنا: تَدْبِيرُ اليَهُودِ لِأخْذِ المَسِيحِ، وسَعْيُهم لَدى وُلاةِ الأُمُورِ لِيُمَكِّنُوهم مِن قَتْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو تَمْثِيلٌ لِإخْفاقِ اللَّهِ تَعالى مَساعِيَهم في حالِ ظَنِّهِمْ أنْ قَدْ نَجَحَتْ مَساعِيهِمْ، وهو هُنا مُشاكَلَةٌ. وجازَ إطْلاقُ المَكْرِ عَلى فِعْلِ
صفحة ٢٥٧
اللَّهِ تَعالى دُونَ مُشاكَلَةٍ كَما في قَوْلِهِ: أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، في سُورَةِ الأعْرافِ. وبَعْضُ أساتِذَتِنا يُسَمِّي مِثْلَ ذَلِكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً.
ومَعْنى ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] أيْ أقْواهم عِنْدَ إرادَةِ مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ بِخِذْلانِهِ إيّاهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى خَيْرُ الماكِرِينَ: أنَّ الإمْلاءَ والِاسْتِدْراجَ الَّذِي يُقَدِّرُهُ لِلْفُجّارِ والجَبابِرَةِ والمُنافِقِينَ، الشَّبِيهَ بِالمَكْرِ في أنَّهُ حَسَنُ الظّاهِرِ سَيِّئُ العاقِبَةِ - هو خَيْرٌ مَحْضٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا الصَّلاحُ العامُّ، وإنْ كانَ يُؤْذِي شَخْصًا أوْ أشْخاصًا، فَهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُجَرَّدٌ عَمّا في المَكْرِ مِنَ القُبْحِ، ولِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى مُنَزَّهَةً عَنِ الوَصْفِ بِالقُبْحِ أوِ الشَّناعَةِ، لِأنَّها لا تُقارِنُها الأحْوالُ الَّتِي بِها تُقَبَّحُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ؛ مِن دَلالَةٍ عَلى سَفاهَةِ رَأْيٍ، أوْ سُوءِ طَوِيَّةٍ، أوْ جُبْنٍ، أوْ ضَعْفٍ، أوْ طَمَعٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أيْ فَإنْ كانَ في المَكْرِ قُبْحٌ فَمَكْرُ اللَّهِ خَيْرٌ مَحْضٌ، ولَكَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ ”خَيْرُ“ بِمَعْنى التَّفْضِيلِ وبِدُونِهِ.
3:55–57Page 57
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ،
صفحة ٢٥٨
وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» .
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ مالِكٌ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ إحْدى وثَلاثِينَ سَنَةً، قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ: ماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ.
وقالَ الرَّبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ إنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، ومُخَلِّصُكَ في السَّماءِ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ. والَّذِي دَعاهم إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَفاةِ ما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا»، فَأفْهَمَ أنَّ لَهُ حَياةً خاصَّةً أخَصَّ مِن حَياةِ أرْواحِ بَقِيَّةِ الأنْبِياءِ، الَّتِي هي حَياةٌ
صفحة ٢٥٩
أخَصُّ مِن حَياةِ بَقِيَّةِ الأرْواحِ؛ فَإنَّ حَياةَ الأرْواحِ مُتَفاوِتَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «أرْواحُ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ» . ورَوَوْا أنَّ تَأْوِيلَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن تَأْوِيلِ الحَدِيثِ في مَعْنى حَياتِهِ وفي نُزُولِهِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى الوَفاةِ فَجَعَلَهُ حَيًّا بِحَياتِهِ الأُولى، ومِنهم مَن أبْقى الوَفاةَ عَلى ظاهِرِها، وجَعَلَ حَياتَهُ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ، فَقالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللَّهُ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ عِنْدَهُ في السَّماءِ، وقالَ بَعْضُهم: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ. وسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولَقَدْ وُفِّقا وسُدِّدا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَياتُهُ كَحَياةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُهُ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ بَعْثًا لَهُ قَبْلَ إبّانِ البَعْثِ عَلى وجْهِ الخُصُوصِيَّةِ، وقَدْ جاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ نُزُولِهِ بِلَفْظِ «يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسى فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ» رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يَخْلُصُ مِن هُنالِكَ إلى الآخِرَةِ.
وقَدْ قِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ عَطْفَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذِ الواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الزَّمانِ أيْ إنِّي رافِعُكَ إلَيَّ ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الدَّهْرِ سِوى أنَّ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «ويَمْكُثُ أيْ عِيسى أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تُؤَوَّلَ الأخْبارُ الَّتِي يُفِيدُ ظاهِرُها أنَّهُ حَيٌّ عَلى مَعْنى حَياةِ كَرامَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَحَياةِ الشُّهَداءِ وأقْوى، وأنَّهُ إذا حُمِلَ نُزُولُهُ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ، أنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ البَعْثِ، وأنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» مُدْرَجٌ مِن أبِي هُرَيْرَةَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَوَوْا حَدِيثَ نُزُولِ عِيسى، وهم جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ وغَيْرُ صَرِيحَةٍ. ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ في عَدِّ مَزاياهُ إلى أنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ.
والتَّطْهِيرُ في قَوْلِهِ ومُطَهِّرُكَ مَجازِيٌّ بِمَعْنى العِصْمَةِ والتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ طَهارَةَ عِيسى هي هي، ولَكِنْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً لَهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”كَفَرُوا“ لِظُهُورِهِ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّ اليَهُودَ ما كَفَرُوا بِاللَّهِ بَلْ كَفَرُوا بِرِسالَةِ عِيسى، لِأنَّ عِيسى لَمْ يُبْعَثْ لِغَيْرِهِمْ فَتَطْهِيرُهُ لا يُظَنُّ أنَّهُ تَطْهِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.
صفحة ٢٦٠
والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَعْنى الظُّهُورِ والِانْتِصارِ، وهي فَوْقِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: الحَوارِيُّونَ ومَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إلى أنْ نُسِخَتْ شَرِيعَتُهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وجُمْلَةُ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذْ مَضْمُونُ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن شَأْنِ جَزاءِ اللَّهِ مُتَّبِعِي عِيسى والكافِرِينَ بِهِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ الحاصِلَ عِنْدَ مَرْجِعِ النّاسِ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ ما يُقارِنُهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ - أعْظَمُ دَرَجَةً وأهَمُّ مِن جَعْلِ مُتَّبِعِي عِيسى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الدُّنْيا.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، وأنَّ ضَمِيرَ ”مَرْجِعُكم“ وما مَعَهُ مِن ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ، عائِدٌ إلى عِيسى والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ ”ثُمَّ“ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، زِيادَةً عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي الزَّمَنِيِّ.
والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْناهُ الرُّجُوعُ. وحَقِيقَةُ الرُّجُوعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ هُنا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ رُجُوعٌ مَجازِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ البَعْثَ لِلْحِسابِ بَعْدَ المَوْتِ، وإطْلاقُهُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ بِلَفْظِهِ وبِمُرادِفِهِ نَحْوَ: المَصِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ انْتِهاءُ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في أجَلٍ أرادَهُ فَيَنْفُذُ فِيهِمْ مُرادُهُ في الدُّنْيا.
ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازَيْهِ، وهو المُناسِبُ لِجَمْعِ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجْرِي تَفْسِيرُ حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم فِيما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم - تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ هو عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ الضَّمائِرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
صفحة ٢٦١
وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَذِكْرُ عَذابِ الدُّنْيا هُنا إدْماجٌ. فَإنْ كانَ هَذا مِمّا خاطَبَ اللَّهُ عِيسى فَهو مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِ مَعْناهُ، وإنْ كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ في القُرْآنِ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، صَحَّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنهُ أيْضًا التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في ظُلْمِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ مُكابَرَةٍ مِنهم وحَسَدٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ إسْنادِ المَحَبَّةِ إلى اللَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ ولا يَجِدُونَ ناصِرِينَ يَنْصُرُونَهم في تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ لا تَقْتَضِي اسْتِمْرارَ العَذابَيْنِ: فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَهو يَجْرِي عَلى نِظامِ أحْوالِ الدُّنْيا: مِن شِدَّةٍ وضَعْفٍ وعَدَمِ اسْتِمْرارٍ، فَمَعْنى انْتِفاءِ النّاصِرِينَ لَهم مِنهُ انْتِفاءُ النّاصِرِينَ في المُدَّةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِتَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا مُتَفاوِتٌ، وقَدْ وجَدَ اليَهُودُ ناصِرِينَ في بَعْضِ الأزْمانِ مِثْلَ قِصَةِ اسْتِيرَ في الماضِي وقَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ في هَذا العَصْرِ.
وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ: فَهو مُطْلَقٌ هُنا، ومُقَيَّدٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالتَّأْبِيدِ، كَما قالَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] .
وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ لِلتَّفْصِيلِ كُلِّهِ فَهي تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا بِصَرِيحِ مَعْناها، أيْ أُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، وتَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلى آخِرِها، بِكِنايَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ انْتِفاءَ مَحَبَّةِ اللَّهِ الظّالِمِينَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلِذَلِكَ يُعْطِيهِمْ ثَوابَهم وافِيًا.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ وظَلَمَ النَّصارى اللَّهَ بِأنْ نَقَصُوهُ بِإثْباتِ ولَدٍ لَهُ وظَلَمُوا عِيسى بِأنْ نَسَبُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، وظَلَمَهُ اليَهُودُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأذاهم.
صفحة ٢٦٢
وعَذابُ الدُّنْيا هو زَوالُ المُلْكِ وضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجِزْيَةِ، والتَّشْرِيدُ في الأقْطارِ، وكَوْنُهم يَعِيشُونَ تَبَعًا لِلنّاسِ، وعَذابُ الآخِرَةِ هو جَهَنَّمُ. ومَعْنى وما لَهم مِن ناصِرِينَ أنَّهم لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ وإنْ حاوَلَهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وأسْنَدَ ”فَنُوَفِّيهِمْ“ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ مَفْعُولِ هَذا الفاعِلِ؛ إذِ العَظِيمُ يُعْطِي عَظِيمًا. والتَّقْدِيرُ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ مُقابِلِهِ في ضِدِّهِمْ مِن قَوْلِهِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ في الدُّنْيا تَظْهَرُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ: مِنها رِضا اللَّهِ عَنْهم، وبَرَكاتُهُ مَعَهم، والحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وحُسْنُ الذِّكْرِ. وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، وفِيها اكْتِفاءٌ: أيْ ويُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ - بِالنُّونِ - وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ.
3:58Page 57
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ .
تَذْيِيلٌ؛ فَإنَّ ﴿الآياتِ والذِّكْرِ﴾ أعَمُّ مِنَ الَّذِي تُلِيَ هُنا، واسْمُ الإشارَةِ إلى الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالكَلامِ أوِ المَذْكُورِ. وجُمْلَةُ ”نَتْلُوهُ“ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى حَدِّ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ وإنْ خالَفَ في صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ بَعْضُ النُّحاةِ.
وقَوْلُهُ مِنَ الآياتِ خَبَرُ ”ذَلِكَ“ أيْ إنَّ تِلاوَةَ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِن آياتِ صِدْقِكَ في دَعْوى الرِّسالَةِ؛ فَإنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ، وهو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلنّاسِ، وهَذا أحْسَنُ مِن جَعْلِ ”نَتْلُوهُ“ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، ومِن وُجُوهٍ أُخْرى. والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ أيِ الحَكِيمُ عالِمُهُ أوْ تالِيهِ.
3:59–60Page 57
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩
Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠
The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.
صفحة ٢٦٣
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ: بَيَّنَ بِهِ ما نَشَأ مِنَ الأوْهامِ عِنْدَ النَّصارى، عَنْ عِيسى بِأنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَضَلُّوا بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ خالِصَ النّاسُوتِ. وهَذا شُرُوعٌ في إبْطالِ عَقِيدَةِ النَّصارى مِن تَأْلِيهِ عِيسى، ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ في الإسْلامِ وهو أقْطَعُ دَلِيلٍ بِطَرِيقِ الإلْزامِ؛ لِأنَّهم قالُوا بِإلَهِيَّةِ عِيسى مِن أجْلِ أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لَهُ أبٌ، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ آدَمَ أوْلى بِأنْ يُدَّعى لَهُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ آدَمُ إلَهًا مَعَ أنَّهُ خُلِقَ بِدُونِ أبَوَيْنِ فَعِيسى أوْلى بِالمَخْلُوقِيَّةِ مِن آدَمَ.
ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ كَوْنُ كِلَيْهِما مِن دُونِ أبٍ، ويَزِيدُ آدَمُ بِكَوْنِهِ مِن دُونِ أُمٍّ أيْضًا، ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، الآيَةَ أيْ خَلَقَهُ دُونَ أبٍ ولا أُمٍّ بَلْ بِكَلِمَةِ كُنْ، مَعَ بَيانِ كَوْنِهِ أقْوى في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو الغالِبُ. وإنَّما قالَ عِنْدَ اللَّهِ أيْ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ لا تَزِيدُ عَلى آدَمَ في كَوْنِهِ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ لَكم لِأنَّهم جَعَلُوا خَلْقَهُ العَجِيبَ مُوجِبًا لِلْمَسِيحِ نِسْبَةً خاصَّةً عِنْدَ اللَّهِ وهي البُنُوَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ - نَفْسَ الأمْرِ الواقِعِ.
والضَّمِيرُ في ”خَلَقَهُ“ لِآدَمَ لا لِعِيسى؛ إذْ قَدْ عَلِمَ الكُلُّ أنَّ عِيسى لَمْ يُخْلَقْ مِن تُرابٍ، فَمَحَلُّ التَّشْبِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وجُمْلَةُ ”خَلَقَهُ“ وما عُطِفَ عَلَيْها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ كَمَثَلِ آدَمَ.
و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ تَكْوِينَهُ بِأمْرِ ”كُنْ“ أرْفَعُ رُتْبَةً مِن خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، وهو أسْبَقُ في الوُجُودِ والتَّكْوِينُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ ”كُنْ“: هو تَكْوِينُهُ عَلى الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: كَوَّنَهُ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَقُلْ: قالَ لَهُ كُنْ مِن تُرابٍ ثُمَّ أحْياهُ، بَلْ قالَ خَلَقَهُ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ. وقَوْلُ ”كُنْ“ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَكْوِينِهِ حَيًّا ذا رُوحٍ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ بِصَنِيعِ يَدٍ، ولا نَحْتٍ بِآلَةٍ، ولَكِنَّهُ بِإرادَةٍ وتَعَلُّقِ قُدْرَةٍ وتَسْخِيرِ الكائِناتِ الَّتِي لَها أثَرٌ في تَكْوِينِ المُرادِ، حَتّى تَلْتَئِمَ وتَنْدَفِعَ إلى إظْهارِ المُكَوَّنِ، وكُلُّ ذَلِكَ
صفحة ٢٦٤
عَنْ تَوَجُّهِ الإرادَةِ بِالتَّنْجِيزِ، فَبِتِلْكَ الكَلِمَةِ كانَ آدَمُ أيْضًا كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ احْتِياجٌ إلى ذَلِكَ لِفَواتِ زَمانِهِ.
وإنَّما قالَ ”فَيَكُونُ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَكانَ“ لِاسْتِحْضارِهِ صُورَةَ تَكَوُّنِهِ، ولا يُحْمَلُ المُضارِعُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَلى هَذا المَعْنى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وحَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا هُنا لا وجْهَ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا الحَقُّ. و”مِن رَبِّكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ. والخِطابُ في فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، والمُعَرَّضُ بِهِمْ هُنا هُمُ النَّصارى المُمْتَرُونَ الَّذِينَ امْتَرُوا في الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ أنْ لا أبَ لِعِيسى.
3:61Page 57
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."
﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] لِما فِيهِ مِن إيماءٍ إلى أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مُمْتَرُونَ في هَذا الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ: أيْ فَإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى مُحاجَّتِهِمْ إيّاكَ مُكابَرَةً في هَذا الحَقِّ أوْ في شَأْنِ عِيسى فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ والمُلاعَنَةِ. ذَلِكَ أنَّ تَصْمِيمَهم عَلى مُعْتَقَدِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنِ العِلْمِ وبَيَّنْتَ لَهم، فَلَمْ يَبْقَ أوْضَحُ مِمّا حاجَجْتَهم بِهِ فَعَلِمْتَ أنَّهم إنَّما يُحاجُّونَكَ عَنْ مُكابَرَةٍ، وقِلَّةِ يَقِينٍ، فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ بِالمُلاعَنَةِ المَوْصُوفَةِ هُنا.
و”تَعالَوْا“ اسْمُ فِعْلٍ لِطَلَبِ القُدُومِ، وهو في الأصْلِ أمْرٌ مِن تَعالى يَتَعالى إذا قَصَدَ العُلُوَّ، فَكَأنَّهم أرادُوا في الأصْلِ أمْرًا بِالصُّعُودِ إلى مَكانٍ عالٍ تَشْرِيفًا لِلْمَدْعُوِّ، ثُمَّ شاعَ
صفحة ٢٦٥
حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِالقُدُومِ أوِ الحُضُورِ، وأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أحْوالُ اسْمِ الفِعْلِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحِ آخِرِهِ، وأمّا قَوْلُ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:
أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
فَقَدْ لَحَّنُوهُ فِيهِ.
ومَعْنى ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ ائْتُوا وادْعُوا أبْناءَكم ونَحْنُ نَدْعُو أبْناءَنا إلى آخِرِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ إلى آخِرِهِ.
و”ثُمَّ“ هُنا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ.
والِابْتِهالُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَهْلِ وهو الدُّعاءُ بِاللَّعْنِ ويُطْلَقُ عَلى الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ مُطْلَقًا لِأنَّ الدّاعِيَ بِاللَّعْنِ يَجْتَهِدُ في دُعائِهِ، والمُرادُ في الآيَةِ المَعْنى الأوَّلُ.
ومَعْنى ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ فَنَدْعُ بِإيقاعِ اللَّعْنَةِ عَلى الكاذِبِينَ. وهَذا الدُّعاءُ إلى المُباهَلَةِ إلْجاءٌ لَهم إلى أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ أوْ يَكُفُّوا. رَوى المُفَسِّرُونَ وأهْلُ السِّيرَةِ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُلاعَنَةِ قالَ لَهُمُ العاقِبُ: لا نُلاعِنُهُ، فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيئًا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ أبَدًا ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا. فَلَمْ يُجِيبُوا إلى المُباهَلَةِ وعَدَلُوا إلى المُصالَحَةِ كَما سَيَأْتِي.
وهَذِهِ المُباهَلَةُ لَعَلَّها مِن طُرُقِ التَّناصُفِ عِنْدَ النَّصارى فَدَعاهم إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وإنَّما جَمَعَ في المُلاعَنَةِ الأبْناءَ والنِّساءَ: لِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مُكابَرَتُهم في الحَقِّ وحُبُّ الدُّنْيا، عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ يَكُونُ أهْلُهُ ونِساؤُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] وأنَّهُ يَخْشى سُوءَ العَيْشِ وفُقْدانَ الأهْلِ، ولا يَخْشى عَذابَ الآخِرَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ أنَّهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والَّذِينَ يَحْضُرُهم لِذَلِكَ وأبْناءُ أهْلِ الوَفْدِ ونِساؤُهُمُ اللّائِي كُنَّ مَعَهم.
صفحة ٢٦٦
والنِّساءُ: الأزْواجُ لا مَحالَةَ، وهو إطْلاقٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا أُضِيفَ لَفْظُ النِّساءِ إلى واحِدٍ أوْ جَماعَةٍ دُونَ ما إذا ورَدَ غَيْرَ مُضافٍ، قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وقالَ: ونِساءِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ النّابِغَةُ:
حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ∗∗∗ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا
والأنْفُسُ أنْفُسُ المُتَكَلِّمِينَ وأنْفُسُ المُخاطَبِينَ أيْ وإيّانا وإيّاكم، وأمّا الأبْناءُ فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ شُبّانُهم، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يَشْمَلُ الصِّبْيانَ، والمَقْصُودُ أنْ تَعُودَ عَلَيْهِمْ آثارُ المُلاعَنَةِ.
والِابْتِهالُ افْتِعالٌ مِنَ البَهْلِ، وهو اللَّعْنُ، يُقالُ: بَهَلَهُ اللَّهُ بِمَعْنى لَعَنَهُ واللَّعْنَةُ بَهْلَةٌ وبُهْلَةٌ بِالضَّمِّ والفَتْحِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الِابْتِهالُ مَجازًا مَشْهُورًا في مُطْلَقِ الدُّعاءِ، قالَ الأعْشى:
لا تَقْعُدَنَّ وقَدْ أكَّلْتَها حَطَبًـا ∗∗∗ تَعُوذُ مِن شَرِّها يَوْمًا وتَبْتَهِلُ
وهُوَ المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ أنَّهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ .
وهَذِهِ دَعْوَةُ إنْصافٍ لا يَدْعُو لَها إلّا واثِقٌ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ. وهَذِهِ المُباهَلَةُ لَمْ تَقَعْ لِأنَّ نَصارى نَجْرانَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا إلَيْها. وقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ أنَّ النَّبِيءَ هَيَّأ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا لِيَصْحَبَهم مَعَهُ لِلْمُباهَلَةِ. ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ إحْضارَ نِسائِهِ ولا إحْضارَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences