Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:68–74

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:68–74

3:68Page 58

إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينِ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ عَنْ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا المُشْرِكُونَ بِأوْلى النّاسِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أوْلى بِدِينِكم.

و”أوْلى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ أيْ أشَدُّ ولْيًا أيْ قُرْبًا مُشْتَقٌّ مِن ولِيَ إذا صارَ ولِيًّا، وعُدِّيَ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ أيْ أخَصُّ النّاسِ بِإبْراهِيمَ وأقْرَبُهم مِنهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ”أوْلى“ هُنا بِمَعْنى أجْدَرَ فَيَضْطَرُّ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ قَوْلِهِ ”بِإبْراهِيمَ“ أيْ بِدِينِ إبْراهِيمَ.

والَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في حَياتِهِ: مِثْلَ لُوطٍ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولا اعْتِدادَ بِمُحاوَلَةِ الَّذِينَ حاوَلُوا اتِّباعَ الحَنِيفِيَّةِ ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْها، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِيهِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِي قَيْسٍ صِرْمَةَ بْنِ أبِي أنَسٍ مِن بَنِي النَّجّارِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «كادَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ» وهو لَمْ يُدْرِكِ الإسْلامَ فالمَعْنى كادَ أنْ يَكُونَ حَنِيفًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشّامِ يَسْألُ عَنِ الدِّينِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عَنْ دِينِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّك لا تَكُونُ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، قالَ زَيْدٌ: أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللَّهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا ؟ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا أنْ تَكُونَ حَنِيفًا، قالَ: وما الحَنِيفُ ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا

صفحة ٢٧٧

نَصْرانِيًّا لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَّصارى فَقاوَلَهُ مِثْلَ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، غَيْرَ أنَّ النَّصْرانِيَّ قالَ: أنْ تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وهَذِهِ أُمْنِيَّةٌ مِنهُ لا تُصادِفُ الواقِعَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ: قالَتْ: رَأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الإسْلامِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ وهو يَقُولُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَيْسَ مِنكم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرِي وفِيهِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأسْفَلَ بَلْدَحٍ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ الوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إلى النَّبِيءِ سُفْرَةٌ فَأبى زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو أنْ يَأْكُلَ مِنها وقالَ: إنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمّا تَذْبَحُونَ عَلى أنْصابِكم ولا آكُلُ إلّا ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» وهَذا تَوَهُّمٌ مِنهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَفْعَلُ كَما تَفْعَلُ قُرَيْشٌ. وإنَّ زَيْدًا كانَ يَعِيبُ عَلى قُرَيْشٍ ذَبائِحَهم ويَقُولُ: الشّاةُ خَلَقَها اللَّهُ وأنْزَلَ لَها مِنَ السَّماءِ الماءَ وأنْبَتَ لَها مِنَ الأرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَها عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ.

واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ وهَذا النَّبِيءُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في المُشْتَهِرِ بِوَصْفٍ بَيْنَ المُخاطَبِينَ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «فَجَعَلَ الفَراشُ وهَذِهِ الدَّوابُّ تَقَعُ في النّارِ» فالإشارَةُ اسْتُعْمِلَتْ في اسْتِحْضارِ الدَّوابِّ المَعْرُوفَةِ بِالتَّساقُطِ عَلى النّارِ عِنْدَ وقُودِها، والنَّبِيءُ لَيْسَ بِمُشاهَدٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِالآيَةِ حِينَئِذٍ، ولا قُصِدَتِ الإشارَةُ إلى ذاتِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةً في حُضُورِ التَّكَلُّمِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ النَّبِيءِ هو النّاطِقَ بِهَذا الكَلامِ، فَهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ

أيْ والمُتَكَلِّمُ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ. والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، بَدَلًا مِنهُ، هو الَّذِي يُعَيِّنُ جِهَةَ الإشارَةِ ما هي. وعُطِفَ النَّبِيءُ عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُتابَعَتَهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مُتابَعَةً عامَّةً فَكَوْنُ الإسْلامِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ أنَّهُ مُوافِقٌ لَها في أُصُولِها. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُسْلِمُونَ. فالمَقْصُودُ مَعْناهُ اللَّقَبِيُّ، فَإنَّ وصْفَ الَّذِينَ آمَنُوا صارَ لَقَبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ كَثُرَ خِطابُهم في القُرْآنِ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

ووَجْهُ كَوْنِ هَذا النَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، مِثْلَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، أنَّهم قَدْ تَخَلَّقُوا بِأُصُولِ شَرْعِهِ، وعَرَفُوا قَدْرَهُ، وكانُوا لَهُ لِسانَ صِدْقٍ دائِبًا بِذِكْرِهِ،

صفحة ٢٧٨

فَهَؤُلاءِ أحَقُّ بِهِ مِمَّنِ انْتَسَبُوا إلَيْهِ لَكِنَّهم نَقَضُوا أُصُولَ شَرْعِهِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ومِنَ الَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَيْهِ وأُنْسُوا ذِكْرَ شَرْعِهِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لَمّا سَألَ عَنْ صَوْمِ اليَهُودِ يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالُوا: هو يَوْمٌ نَجّى اللَّهُ فِيهِ مُوسى فَقالَ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنهم» وصامَهُ وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِصَوْمِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ هَؤُلاءِ هم أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، واللَّهُ ولِيُّ إبْراهِيمَ، والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وهَذا النَّبِيءُ، والَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَشْمَلُ المُذَيَّلَ قَطْعًا، ثُمَّ يَشْمَلُ غَيْرَهُ تَكْمِيلًا كالعامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ لَيْسَ مِنهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.

3:69Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مُناسَبَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨] إلَخْ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا اليَهُودُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانَتْ مَعَهُمُ المُحاجَّةُ في الآياتِ السّابِقَةِ.

والمُرادُ بِالطّائِفَةِ جَماعَةٌ مِنهم مِن قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، دَعَوْا عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، إلى الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ لَوْ يُضِلُّونَكم مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ”ودَّتْ“ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. فَـ ”لَوْ“ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي مَجازًا لِأنَّ التَّمَنِّيَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ ”ودَّتْ“ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُضِلُّونَكم لَحَصَلَ مَوْدُودُهم، والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّمَنِّيَ عارِضٌ مِن عَوارِضِ ”لَوِ“ الِامْتِناعِيَّةِ في بَعْضِ المَقاماتِ. ولَيْسَ هو مَعْنًى أصْلِيًّا مِن مَعانِي ”لَوْ“ . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٧٩

وقَوْلُهُ لَوْ يُضِلُّونَكم أيْ ودُّوا إضْلالَكم وهو يَحْتَمِلُ أنَّهم ودُّوا أنْ يَجْعَلُوهم عَلى غَيْرِ هُدًى في نَظَرِ أهْلِ الكِتابِ: أيْ يُذَبْذِبُوهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإضْلالُ في نَفْسِ الأمْرِ، وإنْ كانَ وِدُّ أهْلِ الكِتابِ أنْ يُهَوِّدُوهم. وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم إذا أضَلُّوا النّاسَ فَقَدْ صارُوا هم أيْضًا ضالِّينَ؛ لِأنَّ الإضْلالَ ضَلالٌ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ ضالِّينَ بِرِضاهم بِالبَقاءِ عَلى دِينٍ مَنسُوخٍ. وقَوْلُهُ وما يَشْعُرُونَ يُناسِبُ الِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّ العِلْمَ بِالحالَتَيْنِ دَقِيقٌ.

3:70–71Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

التِفاتٌ إلى خِطابِ اليَهُودِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والآياتُ: المُعْجِزاتُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . وإعادَةُ نِدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ثانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وتَسْجِيلِ باطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. ولَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِما أدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الأكاذِيبِ والخُرافاتِ والتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، حَتّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وكِتْمانُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أماتُوها وعَوَّضُوها بِأعْمالِ أحْبارِهِمْ وآثارِ تَأْوِيلاتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها.

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] .

عَطْفٌ عَلى ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٦٩] . فالطّائِفَةُ الأُولى حاوَلَتِ الإضْلالَ بِالمُجاهَرَةِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ حاوَلَتْهُ بِالمُخادَعَةِ. قِيلَ أُشِيرَ إلى طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ،

صفحة ٢٨٠

ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وغَيْرِهِما مِن يَهُودِ خَيْبَرَ، أغْواهُمُ العُجْبُ بِدِينِهِمْ فَتَوَهَّمُوا أنَّهم قُدْوَةٌ لِلنّاسِ، فَلَمّا أعْيَتْهُمُ المُجاهَرَةُ بِالمُكابَرَةِ دَبَّرُوا لِلْكَيْدِ مَكِيدَةً أُخْرى، فَقالُوا لِطائِفَةٍ مِن أتْباعِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ مُظْهِرِينَ أنَّكم صَدَّقْتُمُوهُ ثُمَّ اكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ لِيَظْهَرَ أنَّكم كَفَرْتُمْ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وتَجْرِبَةٍ فَيَقُولَ المُسْلِمُونَ ما صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنّا إلّا ما انْكَشَفَ لَهم مِن حَقِيقَةِ أمْرِ هَذا الدِّينِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو الدِّينَ المُبَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن لَفْظِ الحِكايَةِ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَنْوِيهًا بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِنَ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ أطْلَقُوا هَذِهِ الصِّلَةَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ إذْ صارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ. و﴿وجْهَ النَّهارِ﴾ أوَّلُهُ وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] .

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] مِن كَلامِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا بِهِ الِاحْتِراسَ ألّا يَظُنُّوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أنَّهُ إيمانٌ حَقٌّ، فالمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا إيمانًا حَقًّا ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فَأمّا مُحَمَّدٌ فَلا تُؤْمِنُوا بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ دِينَكم. فَهَذا تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.

وهَذا اعْتِذارٌ عَنْ إلْزامِهِمْ بِأنَّ كُتُبَهم بَشَّرَتْ بِمَجِيءِ رَسُولٍ مُقَفٍّ فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ لا يَجِيءُ إلّا بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وضَلُّوا عَنْ عَدَمِ الفائِدَةِ في مَجِيئِهِ بِما في التَّوْراةِ لِأنَّهُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَيَتَنَزَّهُ فِعْلُ اللَّهِ عَنْهُ، فالرَّسُولُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ مُوسى لا يَكُونُ إلّا ناسِخًا لِبَعْضِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَجَمْعُهم بَيْنَ مَقالَةِ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبَيْنَ مَقالَةِ ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ [آل عمران: ٧٣] مِثْلَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] .

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] كَلامٌ مُعْتَرِضٌ، أُمِرَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهم. كِنايَةٌ عَنِ اسْتِبْعادِ حُصُولِ اهْتِدائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِهِمْ، لِأنَّ هُدى غَيْرِهِ أيْ مُحاوَلَتَهُ هُدى النّاسِ لا يَحْصُلُ مِنهُ المَطْلُوبُ، إذا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ. فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ: لِأنَّ ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ فَهو صُورَةُ الهُدى ولَيْسَ بِهُدًى وهو مُقابِلُ قَوْلِهِمْ:

صفحة ٢٨١

﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، إذْ أرادُوا صُورَةَ الإيمانِ، وما هو بِإيمانٍ، وفي هَذا الجَوابِ إظْهارُ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ.

3:73–74Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

أشْكَلَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها وصْفَ نَظْمِها، ومَصْرِفَ مَعْناها إلى أيِّ فَرِيقٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّها أشْكَلُ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا ثَمانِيَةً. تَرْجِعُ إلى احْتِمالَيْنِ أصْلِيَّيْنِ.

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنَّها تَكْمِلَةٌ لِمُحاوَرَةِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ ذَلِكَ الحِوارِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَأْتِي وُجُوهٌ نَقْتَصِرُ مِنها عَلى وجْهَيْنِ واضِحَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَعْلِيلَ قَوْلِهِمْ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَتَهُمُ اسْتِحالَةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، واسْتِحالَةَ بَعْثَةِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، وأنَّهُ يُقَدَّرُ لامُ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ إمّا أنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ نَفْيٍ بَعْدَ أنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”أحَدٌ“ المُرادُ مِنهُ شُمُولُ كُلِّ أحَدٍ: لِأنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ مُرادًا مِنهُ الشُّمُولُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ، وما في مَعْنى النَّفْيِ مِثْلَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ ”أحَدٌ“ في الكَلامِ المُوجِبِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُناسِبٍ في هَذِهِ الآيَةِ.

فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَأنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا.

والمَعْنى: أنَّ قَصْدَهم مِن هَذا الكَلامِ تَثْبِيتُ أنْفُسِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ دِينِ اليَهُودِيَّةِ، لِأنَّ اليَهُودَ لا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ أحْكامِ اللَّهِ ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي البَداءَ.

صفحة ٢٨٢

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم أرادُوا إنْكارَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ النُّبُوَّةَ كَما أُوتِيَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ السِّياقِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَحَرْفُ ”أوْ“ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ مِثْلَ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وما بَعْدَ ”أوْ“ مَعْطُوفٌ عَلى النَّفْيِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ، والمَعْنى: ولا يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أوْ وكَيْفَ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ.

واوُ الجَمْعِ في يُحاجُّوكم ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”أحَدٌ“ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الإنْكارِ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ كَلامِهِمُ المُبادَرَةُ بِما يُفِيدُ ضَلالَهم لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.

الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم بَقِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ .

والكَلامُ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ قُلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا مِن ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ مُرادُكُمُ التَّنَصُّلُ مِن أنْ يُحاجُّوكم أيِ الَّذِينَ آمَنُوا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَمَعْتُمْ بَيْنَ الإيمانِ بِما آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، حَتّى إذا كانَ لَهُمُ الفَوْزُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُحاجُّونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِأنَّكم كافِرُونَ، وإذا كانَ الفَوْزُ لَكم كُنْتُمْ قَدْ أخَذْتُمْ بِالحَزْمِ إذْ لَمْ تُبْطِلُوا دِينَ اليَهُودِيَّةِ، وعَلى هَذا فَواوُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ نَظْمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ لِيَكُونَ لِكُلِّ كَلامٍ حُكِيَ عَنْهم تَلْقِينُ جَوابٍ عَنْهُ: فَجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] الآيَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ . وجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ إلَخْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾

صفحة ٢٨٣

إلَخْ. فَهَذا مِلاكُ الوُجُوهِ، ولا نُطِيلُ بِاسْتِيعابِها إذْ لَيْسَ مِن غَرَضِنا في هَذا التَّفْسِيرِ.

وكَلِمَةُ ”أحَدٌ“ اسْمُ نَكِرَةٍ غَلَبَ اسْتِعْمالُها في سِياقِ النَّفْيِ ومَعْناها شَخْصٌ أوْ إنْسانٌ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ العُمُومَ مِثْلَ عَرِيبٍ ودِيارٍ ونَحْوِهِما ونَدَرَ وُقُوعُهُ في حَيِّزِ الإيجابِ، وهَمْزَتُهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ وأصْلُهُ ”وحَدَ“ بِمَعْنى واحِدٍ ويَرِدُ وصْفًا بِمَعْنى واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ أُولاهُما هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ والثّانِيَةُ جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ.

* * *

﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

زِيادَةُ تَذْكِيرٍ لَهم وإبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم عَلى طَرْحِ الحَسَدِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَما أعْطى اللَّهُ الرِّسالَةَ مُوسى كَذَلِكَ أعْطاها مُحَمَّدًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] .

وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ إنَّ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ومَن يَحْسَبُ أنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِشَهَواتِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ وهو لا يَخْفى عَلَيْهِ مَن هو أهْلٌ لِنَوالِ فَضْلِهِ.

و”واسِعٌ“ اسْمُ فاعِلِ المَوْصُوفِ بِالسِّعَةِ.

وحَقِيقَةُ السِّعَةِ امْتِدادُ فَضاءِ الحَيِّزِ مِن مَكانٍ أوْ ظَرْفٍ امْتِدادًا يَكْفِي لِإيواءِ ما يَحْوِيهِ ذَلِكَ الحَيِّزُ بِدُونِ تَزاحُمٍ ولا تَداخُلٍ بَيْنَ أجْزاءِ المَحْوِيِّ، يُقالُ أرْضٌ واسِعَةٌ وإناءٌ

صفحة ٢٨٤

واسِعٌ وثَوْبٌ واسِعٌ، ويُطْلَقُ الِاتِّساعُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى وفاءِ شَيْءٍ بِالعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ نَوْعُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ. يُقالُ: فُلانٌ واسِعُ البالِ، وواسِعُ الصَّدْرِ، وواسِعُ العَطاءِ. وواسِعُ الخُلُقِ، فَتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ أوْ كَثْرَةِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ أوْ يُوصَفُ بِهِ أوْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أشْياءَ ومَعانٍ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مَعْنًى ثانِيًا.

و”واسِعٌ“ مِن صِفاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى وهو بِالمَعْنى المَجازِيِّ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في شَأْنِهِ تَعالى، ومَعْنى هَذا الِاسْمِ عَدَمُ تَناهِي التَّعَلُّقاتِ لِصِفاتِهِ ذاتِ التَّعَلُّقِ فَهو واسِعُ العِلْمِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ العَطاءِ، فَسِعَةُ صِفاتِهِ تَعالى أنَّها لا حَدَّ لِتَعَلُّقاتِها، فَهو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِوَصْفِ واسِعٍ، لِأنَّهُ الواسِعُ المُطْلَقُ.

وإسْنادُ وصْفِ واسِعٍ إلى اسْمِهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ أيْضًا لِأنَّهُ الواسِعُ صِفاتُهُ ولِذَلِكَ يُؤْتى بَعْدَ هَذا الوَصْفِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن فِعْلِ السِّعَةِ بِما يُمَيِّزُ جِهَةَ السِّعَةِ مِن تَمْيِيزٍ نَحْوَ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . فَوَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ واسِعٌ، هو سِعَةُ الفَضْلِ لِأنَّهُ وقَعَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

وأحْسَبُ أنَّ وصْفَ اللَّهِ بِصِفَةِ ”واسِعٍ“ في العَرَبِيَّةِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ ”عَلِيمٌ“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ أيْ كَثْرَةِ مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ عِلْمِهِ تَعالى.

ووَصْفُهُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ هُنا لِإفادَةِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يُؤْتِيَهُ فَضْلَهُ ويَدُلَّ عَلى عِلْمِهِ بِذَلِكَ ما يَظْهَرُ مِن آثارِ إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ مَتى ظَهَرَ لِلنّاسِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ مِن فَضائِلَ في بَعْضِ خَلْقِهِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

وجُمْلَةُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَإنَّ رَحْمَتَهُ بَعْضٌ مِمّا هو فَضْلُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском