Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:75–78

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:75–78

3:75–76Page 59

۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

صفحة ٢٨٥

﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والمُناسَبَةُ بَيانُ دَخائِلِ أحْوالِ اليَهُودِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةِ عَنْ حَسَدِهِمْ وفي انْحِرافِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِهِ، فَقَدْ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَةَ فَرِيقٍ مِنهم.

وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هُنا في أهْلِ الكِتابِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُؤَدِّي الأمانَةَ تَعَفُّفًا عَنِ الخِيانَةِ وفَرِيقًا لا يُؤَدِّي الأمانَةَ مُتَعَلِّلِينَ لِإباحَةِ الخِيانَةِ في دِينِهِمْ، قِيلَ: ومِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومِنَ الفَرِيقِ الثّانِي فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وكِلاهُما مِن يَهُودِ يَثْرِبَ.

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الفَرِيقِ الثّانِي إذْ كانَ مِن دِينِهِمْ في زَعْمِهِمْ إباحَةُ الخَوْنِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ إلَخْ ولِذَلِكَ طَوَّلَ الكَلامَ فِيهِ. وإنَّما قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ إنْصافًا لِحَقِّ هَذا الفَرِيقِ، لِأنَّ الإنْصافَ مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ الإسْلامُ، وإنْ كانَ في زَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم يُبِيحُ لَهم خِيانَةَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ صارَ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا القَوْلِ لازِمًا لِجَمِيعِهِمْ أِمِينِهِمْ وخائِنِهِمْ، لِأنَّ الأمِينَ حِينَئِذٍ لا مَزِيَّةَ لَهُ إلّا في أنَّهُ تَرَكَ حَقًّا يُبِيحُ لَهُ دِينُهُ أخْذَهُ، فَتَرَفَّعَ عَنْ ذَلِكَ كَما يَتَرَفَّعُ المُتَغالِي في المُرُوءَةِ عَنْ بَعْضِ المُباحاتِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ مِن مَضْمُونِ صِلَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِما: فَفي الأوَّلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأمانَةِ، مَعَ إمْكانِ الخِيانَةِ ووُجُودِ العُذْرِ لَهُ في عادَةِ أهْلِ دِينِهِ، وفي الثّانِي لِلتَّعْجِيبِ مِن أنْ يَكُونَ الخَوْنُ خُلُقًا لِمُتَّبِعِ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ يَزِيدُ التَّعْجِيبُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾: فَيُكْسِبُ المُسْنَدَ إلَيْهِما زِيادَةَ عَجَبِ حالٍ.

صفحة ٢٨٦

وعُدِّيَ ”تَأْمَنُهُ“ بِالباءِ مَعَ أنَّ مِثْلَهُ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تُعامِلُهُ بِقِنْطارٍ لِيَشْمَلَ الأمانَةَ بِالوَدِيعَةِ، والأمانَةَ بِالمُعامَلَةِ عَلى الِاسْتِيمانِ، وقِيلَ الباءُ فِيهِ بِمَعْنى ”عَلى“ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ أوْ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ

وهُوَ مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ الباءَ في البَيْتِ لِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهِ“ عَلى الأصْلِ في الضَّمائِرِ.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِإسْكانِ هاءِ الضَّمِيرِ في ”يُؤَدِّهِ“ فَقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُكْسَرَ في الوَصْلِ، هَكَذا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ أنَّ جَزْمَ الجَوابِ لا يَظْهَرُ عَلى هاءِ الضَّمِيرِ بَلْ عَلى آخِرِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ ولا يَجُوزُ تَسْكِينُها في الوَصْلِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ الَّتِي سَكَّنُوا فِيها الهاءَ. وقِيلَ هو إجْراءٌ لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ وهو قَلِيلٌ، قالَ الزَّجّاجُ: وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأُراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَ فَغَلَطَ عَلَيْهِ مَن نَقَلَهُ. وكَلامُ الزَّجّاجُ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ راعى فِيهِ المَشْهُورَ مِنَ الِاسْتِعْمالِ المَقِيسِ، واللُّغَةُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ. وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِاخْتِلاسِ الكَسْرِ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ العَرَبِ يَجْزِمُونَ الهاءَ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها يَقُولُونَ ضَرَبْتُهْ كَما يُسَكِّنُونَ مِيمَ أنْتُمْ وقُمْتُمْ وأصْلُهُ الرَّفْعُ وهَذا كَما قالَ الرّاجِزُ:

لَمّا رَأى ألّا دَعَـهْ ولا شِـبَـعْ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ

والقِنْطارُ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] .

والدِّينارُ اسْمٌ لِلْمَسْكُوكِ مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي وزْنُهُ اثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً مِنَ الشَّعِيرِ المُتَوَسِّطِ وهو مُعَرَّبُ ”دِنّارٍ“ مِنَ الرُّومِيَّةِ.

وقَدْ جُعِلَ القِنْطارُ والدِّينارُ مَثَلَيْنِ لِلْكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والمَقْصُودُ ما يُفِيدُهُ الفَحْوى مِن أداءِ الأمانَةِ فِيما هو دُونَ القِنْطارِ، ووُقُوعِ الخِيانَةِ فِيما هو فَوْقَ الدِّينارِ.

صفحة ٢٨٧

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أُطْلِقَ القِيامَ هُنا عَلى الحِرْصِ والمُواظَبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ لا يَفْعَلُ إلّا العَدْلَ.

وعُدِّيَ ”قائِمًا“ بِحَرْفِ ”عَلى“ لِأنَّ القِيامَ مَجازٌ عَلى الإلْحاحِ والتَّرْدادِ فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ قَرِينَةٌ وتَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ.

و”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ يَصِيرُ الفِعْلُ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، ويَكْثُرُ أنْ يُقَدَّرَ مَعَها اسْمُ زَمانٍ مُلْتَزَمٍ حَذْفُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ فَحِينَئِذٍ يُقالُ: ”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ. ولَيْسَتِ الظَّرْفِيَّةُ مَدْلُولَها بِالأصالَةِ ولا هي نائِبَةٌ عَنِ الظَّرْفِ، ولَكِنَّها مُسْتَفادَةٌ مِن مَوْقِعِ ”ما“ في سِياقِ كَلامٍ يُؤْذِنُ بِالزَّمانِ، ويَكْثُرُ ذَلِكَ في دُخُولِ ”ما“ عَلى الفِعْلِ المُتَصَرِّفِ مِن مادَّةِ ”دامَ“ ومُرادِفِها.

و”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ فالمَعْنى: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا في مُدَّةِ دَوامِ قِيامِكَ عَلَيْهِ أيْ إلْحاحِكَ عَلَيْهِ. والدَّوامُ حَقِيقَتُهُ اسْتِمْرارُ الفِعْلِ وهو هُنا مَجازٌ في طُولِ المُدَّةِ، لِتَعَذُّرِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ وُجُودِ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّهُ إذا انْتَهى العُمْرُ لَمْ يَحْصُلِ الإلْحاحُ بَعْدَ المَوْتِ.

والِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِن أوْقاتٍ يَدُلُّ عَلَيْها مَوْقِعُ ”ما“ والتَّقْدِيرُ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأزْمانِ إلّا زَمانًا تَدُومُ عَلَيْهِ فِيهِ قائِمًا. فَيَكُونُ ما بَعْدَ ”إلّا“ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّغًا مِن مَصادِرَ يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ لِأنَّ المَصْدَرَ يَقَعُ حالًا.

وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ قائِمًا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَعْنى المَجْرُورِ، فَفي تَقْدِيمِهِ مَعْنى الإلْحاحِ، أيْ إذا لَمْ يَكُنْ قِيامُكَ عَلَيْهِ لا يُرْجِعُ لَكَ أمانَتَكَ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو ﴿إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ.

والباءُ لِلسَّبَبِ أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنْ أقْوالٍ اخْتَلَقُوها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ، لِأنَّ القَوْلَ يَصْدُرُ عَنِ الِاعْتِقادِ، فَلِذا نابَ مَنابَهُ فَأُطْلِقَ عَلى الظَّنِّ في مَواضِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ.

وأرادُوا بِالأُمِّيِّينَ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ في القَدِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الأُمِّيِّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٨٨

وحَرْفُ ”في“ هُنا لِلتَّعْلِيلِ. وإذْ قَدْ كانَ التَّعْلِيلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”في“ والتَّقْدِيرُ: في مُعامَلَةِ الأُمِّيِّينَ.

ومَعْنى ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْنا في أكْلِ حُقُوقِهِمْ حَرَجٌ ولا إثْمٌ، فَتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأُمِّيِّينَ أيْ ذَواتِهِمْ مُرادٌ مِنهُ أعْلَقُ أحْوالِهِمْ بِالغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ.

فالسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المُؤاخَذَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ السَّبِيلُ في كَلامِ العَرَبِ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى المُؤاخَذَةِ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] ورُبَّما عَبَّرَ عَنْهُ العَرَبُ بِالطَّرِيقِ قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:

وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ

وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ أنْ يُحَقِّرُوا المُسْلِمِينَ، ويَتَطاوَلُوا بِما أُوتُوهُ مِن مَعْرِفَةِ القِراءَةِ والكِتابَةِ مِن قَبْلِهِمْ. أوْ أرادُوا الأُمِّيِّينَ بِمَعْرِفَةِ التَّوْراةِ، أيِ الجاهِلِينَ: كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن أتْباعِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أنْبَأ هَذا عَنْ خُلُقٍ عَجِيبٍ فِيهِمْ، وهو اسْتِخْفافُهم بِحُقُوقِ المُخالِفِينَ لَهم في الدِّينِ، واسْتِباحَةُ ظُلْمِهِمْ مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الجاهِلَ أوِ الأُمِّيَّ جَدِيرٌ بِأنْ يُدْحَضَ حَقُّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا سُوءُ فَهْمِهِمْ في التَّوْراةِ، فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ أحْكامًا فَرَّقَتْ فِيها بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّ وغَيْرِهِ في الحُقُوقِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَرْجِعُ إلى المُؤاساةِ والمُخالَطَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ: في آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إبْراءً يُبْرِئُ كُلُّ صاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمّا أقْرَضَ صاحِبَهُ. الأجْنَبِيَّ تُطالِبُ، وأمّا ما كانَ لَكَ عِنْدَ أخِيكَ فَتُبْرِئُهُ. وجاءَ في الإصْحاحِ ٢٣ مِنهُ (لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ ولِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا) ولَكِنْ شَتّانَ بَيْنَ الحُقُوقِ وبَيْنَ المُؤاساةِ فَإنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا إنَّما كانَ لِقَصْدِ المُؤاساةِ، والمُؤاساةُ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ مَعَ غَيْرِ أهْلِ المِلَّةِ الواحِدَةِ. وعَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا، فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا، وإنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهم. وهَذانِ الخُلُقانِ الذَّمِيمانِ اللَّذانِ حَكاهُما اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ قَدِ اتَّصَفَ بِهِما كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فاسْتَحَلَّ بَعْضُهم حُقُوقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وتَأوَّلُوها بِأنَّهم صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، في حِينِ لا حَرْبَ ولا ضَرْبَ.

صفحة ٢٨٩

وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الزَّعْمِ فَقالَ ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» .

وقَوْلُهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ أيْ يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ إمّا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ما قاسُوهُ عَلى ما في كِتابِهِمْ لَيْسَ القِياسُ فِيهِ بِصَحِيحٍ، وإمّا لِأنَّ التَّأْوِيلَ الباطِلَ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالكَذِبِ، إذِ الشُّبْهَةُ الضَّعِيفَةُ كالعَهْدِ.

وبَلى حَرْفُ جَوابٍ وهو مُخْتَصٌّ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَهو هُنا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ .

وبَلى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِجَوابِ اسْتِفْهامِ المَنفِيِّ بَلْ يُجابُ بِها عَنْ قَصْدِ الإبْطالِ، وأكْثَرُ مَواقِعِها في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ المَنفِيِّ، وجِيءَ في الجَوابِ بِحُكْمٍ عامٍّ لِيَشْمَلَ المَقْصُودَ وغَيْرَهُ: تَوْفِيرًا لِلْمَعْنى، وقَصْدًا في اللَّفْظِ، فَقالَ ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ أيْ لَمْ يَخُنْ، لِأنَّ الأمانَةَ عَهْدٌ، واتَّقى رَبَّهُ فَلَمْ يَدْحَضْ حَقَّ غَيْرِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى، والمَقْصُودُ نَفْيُ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَنْ ضِدِّ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ في خِيانَةِ الأمانَةِ إبْطالًا لِلْعَهْدِ، ولِلْحِلْفِ الَّذِي بَيْنَهم، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وقُرَيْشٍ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ ذِكْرُ الخُلُقِ الجامِعِ لِشَتاتِ مَساوِئِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، دَعا إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٦٩] وما بَعْدَهُ.

وقَدْ جَرَتْ أمْثالُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى اليَهُودِ مُفَرَّقَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] . ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ

صفحة ٢٩٠

القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤] . فَعَلِمْنا أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ هُنا. وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ تَسْمِيَةِ دِينِهِمْ بِالعَهْدِ وبِالمِيثاقِ في مَواضِعَ، لِأنَّ مُوسى عاهَدَهم عَلى العَمَلِ بِهِ، وبَيَّنا مَعانِيَ هَذِهِ الأوْصافِ والأخْبارِ.

ومَعْنى ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ إذْ قَدْ شاعَ نَفْيُ الكَلامِ في الكِنايَةِ عَنِ الغَضَبِ، وشاعَ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في الإقْبالِ والعِنايَةِ، ونَفْيُ النَّظَرِ في الغَضَبِ فالنَّظَرُ المَنفِيُّ هُنا نَظَرٌ خاصٌّ. وهاتانِ الكِنايَتانِ يَجُوزُ مَعَهُما إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ لا يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ ولا يُقْلِعُونَ عَنْ آثامِهِمْ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن رِقَّةِ الدِّيانَةِ إلى حَدِّ أنْ يَشْتَرِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُرْجى لَهُ صَلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولا يُنَمِّيهِمْ أيْ لا يُكْثِرُ حُظُوظَهم في الخَيْراتِ.

وفِي مَجِيءِ هَذا الوَعِيدِ، عَقِبَ الصِّلَةِ، وهي ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، إيذانٌ بِأنَّ مَن شابَهَهم في هَذِهِ الصِّفاتِ فَهو لاحِقٌ بِهِمْ، حَتّى ظَنَّ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن حَلَفَ يَمِينًا باطِلَةً، وكُلٌّ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ فِيما يَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ يَمِينٍ فاجِرَةٍ، فَفي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن حَلْفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ الآيَةَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْنا: كَذا وكَذا. قالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كانَتْ لِي بِئْرٌ في أرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيِّنَتَكَ أوْ يَمِينَهُ قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ» الحَدِيثَ.

وفِي البُخارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ.

وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ هاتِهِ الآيَةَ في قِصَّةٍ وجَبَتْ فِيها يَمِينٌ لِرَدِّ دَعْوى.

3:78Page 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.

صفحة ٢٩١

﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

أيْ مِنَ اليَهُودِ طائِفَةٌ تُخَيِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ أشْياءَ أنَّها مِمّا جاءَ في التَّوْراةِ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، إمّا في الِاعْتِذارِ عَنْ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الذَّمِيمَةِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وإمّا لِلتَّخْلِيطِ عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى يُشَكِّكُوهم فِيما يُخالِفُ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ القُرْآنُ، أوْ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ في بَعْضِ ما نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ، فاللَّيُّ مُجْمَلٌ، ولَكِنَّهُ مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

واللَّيُّ في الأصْلِ: الإراغَةُ أيْ إدارَةُ الجِسْمِ غَيْرِ المُتَصَلِّبِ إلى غَيْرِ الصَّوْبِ الَّذِي هو مُمْتَدٌّ إلَيْهِ: فَمِن ذَلِكَ لَيُّ الحَبْلِ، ولَيُّ العِنانِ لِلْفَرَسِ لِإدارَتِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ صَوْبِ سَيْرِهِ، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ولَيُّ الرَّأْسِ بِمَعْنى الِالتِفاتِ الشَّزْرِ أوِ الإعْراضِ قالَ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] .

واللَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِمَعْنى تَحْرِيفِ اللِّسانِ عَنْ طَرِيقِ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ إلى طَرِيقِ حَرْفٍ آخَرَ يُقارِبُهُ لِتُعْطِيَ الكَلِمَةُ في أُذُنِ السّامِعِ جَرْسَ كَلِمَةٍ أُخْرى، وهَذا مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِمْ راعِنا وفي الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِمْ في السَّلامِ عَلى النَّبِيءِ السّامُ عَلَيْكَ أيِ المَوْتُ أوِ السِّلامُ - بِكَسْرِ السِّينِ - عَلَيْكَ وهَذا اللَّيُّ يُشابِهُ الإشْمامَ والِاخْتِلاسَ ومِنهُ إمالَةُ الألِفِ إلى الياءِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ الكَلِماتُ بِالتَّرْقِيقِ والتَّفْخِيمِ وبِاخْتِلافِ صِفاتِ الحُرُوفِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ التَّوْراةُ فَلَعَلَّهم كانُوا إذا قَرَءُوا بَعْضَ التَّوْراةِ بِالعَرَبِيَّةِ نَطَقُوا بِحُرُوفٍ مِن كَلِماتِها بَيْنَ بَيْنَ لِيُوهِمُوا المُسْلِمِينَ مَعْنًى غَيْرَ المَعْنى المُرادِ، وقَدْ كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ ومِراسٌ في هَذا.

وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ أنَّ بَعْضَ الأزارِقَةِ أعادَ بَيْتَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ في مَجْلِسِ ابْنِ عَبّاسٍ.

رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ

صفحة ٢٩٢

فَجَعَلَ يَضْحى يَحْزى وجَعَلَ يَخْصَرُ يَخْسَرُ بِالسِّينِ لِيُشَوِّهَ المَعْنى لِأنَّهُ غَضِبَ مِن إقْبالِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى سَماعِ شِعْرِهِ. وفي الأحاجِي والألْغازِ مِن هَذا كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلّاهِي إلَهًا فَوْقَهُ فَيَقُولُها أحَدٌ بِحَضْرَةِ ناسٍ ولا يُشْبِعُ كَسْرَةَ اللّاهِي يَخالُها السّامِعُ لِلَّهِ فَيَظُنُّهُ كَفَرَ. أوْ لَعَلَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ ما لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ بِالكَيْفِيّاتِ أوِ اللُّحُونِ الَّتِي كانُوا يَقْرَءُونَ بِها التَّوْراةَ لِيُخَيِّلُوا لِلسّامِعِينَ أنَّهم يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيُّ هُنا مَجازًا عَنْ صَرْفِ المَعْنى إلى مَعْنًى آخَرَ كَقَوْلِهِمْ: لَوى الحُجَّةَ أيْ ألْقى بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها، وهو تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ: بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، والأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ، والمَوْضُوعاتِ الكاذِبَةِ، ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا اللَّيُّ يَقْصِدُونَ مِنهُ التَّمْوِيهَ عَلى المُسْلِمِينَ لِغَرَضٍ، كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيّا في إخْفاءِ حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي في التَّوْراةِ وقَوْلِهِ: نُحَمِّمُ وجْهَهُ.

والمُخاطَبُ بِتَحْسَبُوهُ المُسْلِمُونَ دُونَ النَّبِيءِ ﷺ، أوْ هو والمُسْلِمُونَ في ظَنِّ اليَهُودِ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في هاتِهِ الأفْعالِ: يَلْوُونَ، يَقُولُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وأنَّهُ دَأْبُهم.

وتَكْرِيرُ الكِتابِ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ، واسْمُ الجَلالَةِ أيْضًا مَرَّتَيْنِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ يَجُرُّ إلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ المُتَعَلِّقِ بِهِما، والمُتَعَلِّقِينَ بِهِ، قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ في بابِ الأدَبِ عِنْدَ قَوْلِ يَحْيى بْنِ زِيادٍ:

ولَمّا رَأيْتُ الشَّيْبَ لاحَ بَياضُهُ ∗∗∗ بِمَفْرِقِ رَأْسِي قُلْتُ لِلشَّيْبِ مَرْحَبًا

كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: قُلْتُ لَهُ مَرْحَبًا لَكِنَّهم يُكَرِّرُونَ الأعْلامَ وأسْماءَ الأجْناسِ كَثِيرًا والقَصْدُ بِالتَّكْرِيرِ التَّفْخِيمُ قُلْتُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ∗∗∗ قَهَرَ المَوْتَ ذا الغِنى والفَقِيرا

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

صفحة ٢٩٣

والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ يَلْوُونَ: بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ الواوِ مُضارِعُ لَوى، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأهُ: يُلَوُّونَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَواوٍ مُشَدَّدَةٍ مُضارِعُ لَوّى بِوَزْنِ فَعَّلَ لِلْمُبالِغَةِ ولَمْ أرَ نِسْبَةَ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي جَعْفَرٍ في كُتُبِ القِراءاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском