Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:79–85
3:79–80Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ: فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَيَّ اليَهُودِ ألْسِنَتَهم بِالتَّوْراةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ التَّحْرِيفِ الَّذِي عِنْدَ النَّصارى لِمُناسَبَةِ التَّشابُهِ في التَّحْرِيفِ إذْ تَقُولُ النَّصارى عَلى المَسِيحِ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ فالمُرادُ بِالبَشَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ تَنْزِيهُ عِيسى عَنْ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، رَدًّا عَلى النَّصارى، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
وفِي الكَشّافِ قِيلَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: «لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيئَكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» . قُلْتُ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَقْبُولًا فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّها قُصِدَ مِنها الرَّدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ. ووَقَعَ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والسَّيِّدَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ نَفْيٌ لِاسْتِحْقاقِ أحَدٍ لِذَلِكَ القَوْلِ واللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقاقِ. وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في الكَلامِ ما كانَ فُلانٌ فاعِلًا كَذا، فَلَمّا أُرِيدَتِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ
صفحة ٢٩٤
عَدَلَ عَنْ نَفْيِ الفِعْلِ إلى نَفْيِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ، وجَعَلَ نَفْيَ الجِنْسِ عَنِ الشَّخْصِ بِواسِطَةِ نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ إذْ لا طَرِيقَةَ لِحَمْلِ اسْمِ ذاتٍ عَلى اسْمِ ذاتٍ إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الحُرُوفِ، فَصارَ التَّرْكِيبُ: ما كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ويُقالُ أيْضًا: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] .
فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ قَوْلُ ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ حَقًّا لِبَشَرٍ أيِّ بَشَرٍ كانَ. وهَذِهِ اللّامُ هي أصْلُ لامِ الجُحُودِ الَّتِي نَحْوَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَتَراكِيبُ لامِ الجَحُودِ كُلِّها مِن قَبِيلِ قَلْبِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، بِحَيْثُ يُنْفى أنْ يَكُونَ وُجُودُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَجْعُولًا لِأجْلِ فِعْلِ كَذا، أيْ فَهو بَرِيءٌ مِنهُ بِأصْلِ الخِلْقَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ جُحُودًا.
والمَنفِيُّ في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إيتاءُ الحُكْمِ والنُّبُوءَةِ، ولَكِنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ مَصَبَّ النَّفْيِ هو المَعْطُوفُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ كُونُوا عِبادًا لِي إذا آتاهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ.
والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ كالعَبِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ لا يُقْصَدُ مَعَهُ التَّحْقِيرُ، والعَبِيدُ يُقْصَدُ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وسَمَّتِ العَرَبُ طَوائِفَ مِنَ العَرَبِ سَكَنُوا الحِيرَةَ ودَخَلُوا تَحْتَ حُكْمِ كِسْرى بِالعِبادِ، وقِيلَ لِأنَّهم تَنَصَّرُوا فَسَمَّوْهم بِالعِبادِ، بِخِلافِ جَمْعِهِ عَلى عَبِيدٍ كَقَوْلِهِمْ: هم عَبِيدُ العَصا، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ المُطَلِّبِ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ لِأنَّهُ تَشْفِيقٌ وإعْلامٌ بِقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطّاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ آنَسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزَةِ فَصاحَةِ القُرْآنِ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ اهـ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قَيْدٌ قُصِدَ مِنهُ تَشْنِيعُ القَوْلِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلْقائِلِ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْسَلَخُوا عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى إلى عُبُودِيَّةِ البَشَرِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ لِمَعْبُودِينَ، فَإنَّ النَّصارى لَمّا جَعَلُوا عِيسى رَبًّا لَهم، وجَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ، قَدْ لَزِمَهم أنَّهُمُ انْخَلَعُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ فَلا جَدْوى لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وعَبِيدُ عِيسى، فَلِذَلِكَ
صفحة ٢٩٥
جُعِلَتْ مَقالَتُهم مُقْتَضِيَةً أنَّ عِيسى أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، والمَعْنى أنَّ الآمِرَ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ عِبادًا لَهُ هو آمِرٌ بِانْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ أيْ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا مَنسُوبِينَ لِلرَّبِّ، وهو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ النَّسَبَ إلى الشَّيْءِ إنَّما يَكُونُ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ المَنسُوبِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ.
ومَعْنى أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ.
والرَّبّانِيُّ نِسْبَةٌ إلى الرَّبِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما يُقالُ اللِّحْيانِيُّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والشَّعْرانِيُّ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ لِأنَّ عِلْمَكُمُ الكِتابَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّكم عَنْ إشْراكِ العِبادَةِ، فَإنَّ فائِدَةَ العِلْمِ العَمَلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ اللّامِ مُضارِعُ عَلِمَ، وقَرَأهُ عامِرٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَلامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ مُضارِعُ عَلَّمَ المُضاعَفِ.
وتَدْرُسُونَ مَعْناهُ تَقْرَءُونَ أيْ قِراءَةً بِإعادَةٍ وتَكْرِيرٍ: لِأنَّ مادَّةَ دَرَسَ في كَلامِ العَرَبِ تَحُومُ حَوْلَ مَعانِي التَّأثُّرِ مِن تَكَرُّرِ عَمَلٍ يُعْمَلُ في أمْثالِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ: دَرَسَتِ الرِّيحُ رَسْمَ الدّارِ إذا عَفَتْهُ وأبْلَتْهُ، فَهو دارِسٌ، يُقالُ مَنزِلٌ دارِسٌ، والطَّرِيقُ الدّارِسُ العافِي الَّذِي لا يَتَبَيَّنُ. وثَوْبٌ دارِسٌ خَلَقٌ، وقالُوا: دَرَسَ الكِتابَ إذا قَرَأهُ بِتَمَهُّلٍ لِحِفْظِهِ، أوْ لِلتَّدَبُّرِ، وفي الحَدِيثِ «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ» إلَخْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ فَعَطَفَ التَّدارُسَ عَلى القِراءَةِ فَعُلِمَ أنَّ الدِّراسَةَ أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ. وسَمَّوْا بَيْتَ قِراءَةِ اليَهُودِ مِدْراسًا كَما في الحَدِيثِ: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى أتى مِدْراسَ اليَهُودِ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهُمُ» إلَخْ. ومادَّةُ دَرَسَ تَسْتَلْزِمُ التَّمَكُّنَ مِنَ المَفْعُولِ فَلِذَلِكَ صارَ دَرْسُ الكِتابِ مَجازًا في فَهْمِهِ وإتْقانِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ في هَذِهِ الآيَةِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ عَلى بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ.
صفحة ٢٩٦
وفِعْلُهُ مِن بابِ نَصَرَ، ومَصْدَرُهُ في غالِبِ مَعانِيهِ الدَّرْسُ، ومَصْدَرُ دَرَسَ بِمَعْنى قَرَأ يَجِيءُ عَلى الأصْلِ دَرْسًا ومِنهُ سُمِّيَ تَعْلِيمُ العِلْمِ دَرْسًا.
ويَجِيءُ عَلى وزْنِ الفِعالَةِ دِراسَةٌ وهي زِنَةٌ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ الفِعْلِ، مِثْلَ الكِتابَةِ والقِراءَةِ، إلْحاقًا لِذَلِكَ بِمَصادِرِ الصِّناعاتِ كالتِّجارَةِ والخِياطَةِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَأْمُرُكم بِالرَّفْعِ عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ، وهَذا الأصْلُ فِيما إذا أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ فِعْلٍ مَنفِيٍّ، ثُمَّ انْتَقَضَ نَفْيُهُ بِلَكِنْ، احْتِيجَ إلى إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ: أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا إلَخْ ولا هو يَأْمُرُهم أنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى أنْ يَقُولَ ولا زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِأنْ: لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ أنْ يَصِيرَ المَعْنى: لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أُوتِيَ الكِتابَ ألا يَأْمُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا، والمَقْصُودُ عَكْسُ هَذا المَعْنى، إذِ المَقْصُودُ هُنا أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْمُرَ، فَلِذَلِكَ اضْطُرَّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى جَعْلِ لا زائِدَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِنَفْيٍ جَدِيدٍ. وقَرَأهُ الدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ الضَّمَّةِ إلى السُّكُونِ.
ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا﴾: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في تَعْظِيمِ بَعْضِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَصَوَّرُوا صُوَرَ النَّبِيئِينَ، مِثْلَ يَحْيى ومَرْيَمَ، وعَبَدُوهُما، وصَوَّرُوا صُوَرَ المَلائِكَةِ، واقْتَرَنَ التَّصْوِيرُ مَعَ الغُلُوِّ في تَعْظِيمِ الصُّورَةِ والتَّعَبُّدِ عِنْدَها، ضَرْبٌ مِنَ الوَثَنِيَّةِ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ قِيلَ نَفْيُ الأمْرِ أعَمُّ مِنَ النَّهْيِ فَهَلّا قِيلَ ويَنْهاكم. والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ دَعْواهم وتَقَوُّلِهِمْ عَلى الرُّسُلِ. وأقُولُ: لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِلا يَأْمُرُكم مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ قالَ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَلَمّا نُفِيَ أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ نُفِيَ ما هو مِثْلُهُ وهو أنْ يَأْمُرَهم بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ أرْبابًا، أوْ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ كانَ سائِرُ أحْوالِهِمْ مَحْمُولَةً عَلى أنَّهم تَلَقَّوْها مِنهُ، أوْ لِأنَّ المَسِيحَ لَمْ يَنْهَهم عَنْ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، إذْ هَذا مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ تَتَلَبَّسَ بِهِ أُمَّةٌ مُتَدَيِّنَةٌ فاقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى الأُمَّةِ، عَلى أنَّ أنْبِياءَهم لَمْ يَأْمُرُوهم بِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وبِالظَّرْفِ المُفِيدِ مَزِيدَ الإنْكارِ عَلى ارْتِكابِهِمْ هَذِهِ الحالَةِ، وهي قَوْلُهُ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
صفحة ٢٩٧
فَهُنالِكَ سَبَبانِ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مُرْضِيًّا أنْبِياءَهُمْ؛ فَإنَّهُ كُفْرٌ، وهم لا يَرْضَوْنَ بِالكُفْرِ. فَما كانَ مِن حَقِّ مَن يَتَّبِعُونَهُمُ التَّلَبُّسَ بِالكُفْرِ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنهُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فالمُواجَهُ بِالخِطابِ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ عِيسى قالَ لَهم: كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ.
فَمَعْنى ﴿أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ والخِطابُ لِلنَّصارى ولَيْسَ دِينُهم يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ إسْلامٌ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالإسْلامِ الإيمانُ أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِالكُفْرِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ بِناءً عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم مُسْلِمُونَ في القُرْآنِ، فَهَذا الَّذِي جَرَّأ مَن قالُوا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ رَجُلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألا نَسْجُدُ لَكَ، ولا أُراهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا أنْ تَكُونَ الآيَةُ قاصِدَةً إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِالسُّجُودِ إلَيْهِ، ولَما عَرَّجَ عَلى الأمْرِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولا بِأنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا.
3:81–82Page 60
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١
And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢
And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
عَطَفَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ عَلى ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أيْ ما أمَرَكُمُ الأنْبِياءُ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أمَرُوكم بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأضَعْتُمُوهُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم لِيُبَلِّغُوهُ إلَيْكم، فالمَعْطُوفُ هو ظَرْفُ إذْ وما تَعَلَّقَ بِهِ.
صفحة ٢٩٨
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بِقَوْلِهِ أأقْرَرْتُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ إذْ بِمَعْنى زَمانٍ غَيْرِ ظَرْفٍ والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، فالمَقْصُودُ الحِكايَةُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ وما مَعَهُ فَيَكُونُ قالَ أأقْرَرْتُمْ مَعْطُوفًا بِحَذْفِ العاطِفِ. كَما هو الشَّأْنُ في جُمَلِ المُحاوَرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ قالُوا أقْرَرْنا.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وما بَعْدَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾: مِن أنَّ النَّبِيِّينَ أعْطَوْا مِيثاقًا لِلَّهِ فَقالَ: أأقْرَرْتُمْ قالُوا: أقْرَرْنا إلَخْ. ويَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ هو صِيغَةُ المِيثاقِ.
وهَذا المِيثاقُ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، يُؤْذُونَهم فِيهِ بِأنَّ رَسُولًا يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِهِ وبِنَصْرِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إعْلامُ أُمَمَهِمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ المِيثاقُ مَحْفُوظًا لَدى سائِرِ الأجْيالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إلَخْ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ التَّوَلِّي والفِسْقُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ أُمَمُهم كَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ عَلى أُمَمِكم. وإلى هَذا يَرْجِعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ. وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَبِيئًا إسْرائِيلِيًّا لَقالَ أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِنهم عَلى ما في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ مِن غُمُوضٍ ولَعَلَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ أصْلَحُ مِن هَذا المُتَرْجَمِ.
والبِشاراتُ في كُتُبِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفي الإنْجِيلِ كَثِيرَةٌ فَفي مَتّى قَوْلُ المَسِيحِ وتَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ أيْ يَبْقى أخِيرًا إلى المُنْتَهى فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الرَّبُّ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم ومَتى جاءَ المُعَزّى رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِن عِنْدِ الأبِ يَنْبَثِقُ فَهو يَشْهَدُ“ لِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
صفحة ٢٩٩
وفِي أخْذِ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ زِيادَةُ تَنْوِيهٍ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا المَعْنى هو ظاهِرُ الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، والسُّدِّيُّ.
ومِنَ العُلَماءِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أنْ يَكُونَ أخْذُ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ حَقِيقَةً نَظَرًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ تَوَهَّمُوهُ مُتَعَيِّنًا لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَن تَوَلّى مِنَ النَّبِيِّينَ المُخاطَبِينَ، وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِن أخْذِ العَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ، وسَلَكُوا مَسالِكَ مُخْتَلِفَةً مِنَ التَّأْوِيلِ فَمِنهم مَن جَعَلَ إضافَةَ المِيثاقِ لِلنَّبِيِّينَ إضافَةً تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ أيْ أخَذَ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ مِيثاقَ أنْبِيائِهِمْ مِنهم، ومِنهم مَن قَدَّرَ حَذْفَ المُضافِ أيْ أُمَمِ النَّبِيِّينَ أوْ أوْلادِ النَّبِيِّينَ وإلَيْهِ مالَ قَوْلُ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ، واحْتَجُّوا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، هَذِهِ الآيَةَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ، ولَمْ يَقْرَأْ: مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، وزادَمُجاهِدٌ فَقالَ: إنَّ قِراءَةَ أُبَيٍّ هي القُرْآنُ، وإنَّ لَفْظَ النَّبِيئِينَ غَلَطٌ مِنَ الكُتّابِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ والأُمَّةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ.
وقَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِفَتْحِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ فاللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، ولِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ في مَعْنى اليَمِينِ وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وآتَيْناكم صِلَتُهُ وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ جَرى عَلى الغالِبِ في مِثْلِهِ ومِن كِتابٍ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ، وعُطِفَ ثُمَّ جاءَكم عَلى آتَيْناكم أيِ الَّذِي آتَيْناكُمُوهُ وجاءَكم بَعْدَهُ رَسُولٌ. ولَتُؤْمِنُنَّ اللّامُ فِيهِ لامُ جَوابِ القَسَمِ والجَوابُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِ المُبْتَدَأِ كَما هو المَعْرُوفُ وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ وحُذِفَ ما يَعُودُ عَلى ما آتَيْناكم لِظُهُورِهِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ لامِ لَما فَتَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ لِتُؤْمِنُنَّ بِهِ أيْ شُكْرًا عَلى ما آتَيْتُكم وعَلى أنْ بَعَثْتُ إلَيْكم رَسُولًا مُصَدِّقًا لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها فَأخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا ثُمَّ عَلَّلَ جَوابَ القَسَمِ بِأنَّهُ مِن شُكْرِ نِعْمَةِ الإيتاءِ والتَّصْدِيقِ، ولا يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَعْنى تَعْلِيقُ لَما آتَيْناكم بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ الشُّكْرَ عِلَّةٌ لِلْجَوابِ، لا لَأخْذِ العَهْدِ.
ولامُ لَتُؤْمِنُنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ومُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.
صفحة ٣٠٠
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: آتَيْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ الباقُونَ آتَيْتُكم بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.
وجُمْلَةُ قالَ أأقْرَرْتُمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
والإقْرارُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْقِيقِ بِالوَفاءِ مِمّا أُخِذَ مِنَ المِيثاقِ.
والإصْرُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، العَهْدُ المُؤَكَّدُ المُوَثَّقُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الإصارِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو ما يُعْقَدُ ويُسَدُّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ فاشْهَدُوا إنْ كانَ شَهادَةً عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي بِمَعْنى التَّوَثُّقِ والتَّحْقِيقِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وإنْ كانَتْ شَهادَةً عَلى أُمَمِهِمْ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ المِيثاقِ فالمَعْنى فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكم بِذَلِكَ، واللَّهُ شاهِدٌ عَلى الجَمِيعِ كَما شَهِدَ النَّبِيئُونَ عَلى الأُمَمِ.
وقَوْلُهُ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ مَن تَوَلّى مِمَّنْ شَهِدْتُمْ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الأُمَمُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم كَما قالَ في الآيَةِ الَّتِي خُوطِبَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] .
ووَجْهُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ فِسْقَهم في هَذِهِ الحالَةِ أشَدُّ فِسْقٍ فَجَعَلَ غَيْرَهُ مِنَ الفِسْقِ كالعَدَمِ.
3:83Page 60
أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣
So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَنِ التَّذْكِيرِ بِما كانَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ تَبْغُونَ بِتاءِ خِطابٍ لِأهْلِ الكِتابِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ،
صفحة ٣٠١
ويَعْقُوبُ: بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى مُخاطَبَةِ المُسْلِمِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وكُلُّهُ تَفْرِيعُ ذِكْرِ أحْوالِ خَلَفِ أُولَئِكَ الأُمَمِ كَيْفَ اتَّبَعُوا غَيْرَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِهِ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ.
ودِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَهُ يَوْمَئِذٍ قَدْ نُسِخَ بِما هو دِينُ اللَّهِ.
ومَعْنى تَبْغُونَ تَطْلُبُونَ يُقالُ بَغى الأمْرَ يَبْغِيهِ بُغاءً - بِضَمِّ الباءِ وبِالمَدِّ، ويُقْصَرُ - والبُغْيَةُ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِها وهاءٍ في آخِرِهِ قِيلَ مَصْدَرٌ، وقِيلَ اسْمٌ، ويُقالُ ابْتَغى بِمَعْنى بَغى، وهو مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِياسُ مَصْدَرِهِ البَغْيُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعِ البَغْيُ إلّا في مَعْنى الِاعْتِداءِ والجَوْرِ، وذَلِكَ فِعْلُهُ قاصِرٌ، ولَعَلَّهم أرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الطَّلَبِ وبَيْنَ الِاعْتِداءِ، فَأماتُوا المَصْدَرَ القِياسِيَّ لِبَغى بِمَعْنى طَلَبَ وخَصُّوهُ بِبَغى بِمَعْنى اعْتَدى وظَلَمَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وتَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] ويُقالُ تَبَغّى بِمَعْنى ابْتَغى.
وجُمْلَةُ ولَهُ أسْلَمَ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى الإسْلامِ لِلَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
ومَعْنى ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أنَّ مِنَ العُقَلاءِ مَن أسْلَمَ عَنِ اخْتِيارٍ لِظُهُورِ الحَقِّ لَهُ، ومِنهم مَن أسْلَمَ بِالجِبِلَّةِ والفِطْرَةِ كالمَلائِكَةِ، أوِ الإسْلامِ كَرْهًا هو الإسْلامُ بَعْدَ الِامْتِناعِ أيْ أكْرَهَتْهُ الأدِلَّةُ والآياتُ أوْ هو إسْلامُ الكافِرِينَ عِنْدَ المَوْتِ ورُؤْيَةُ سُوءِ العاقِبَةِ، أوْ هو الإكْراهُ عَلى الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
والكَرْهُ بِفَتْحِ الكافِ هو الإكْراهُ، والكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ المَكْرُوهِ.
ومَعْنى وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ أنَّهُ يُرْجِعُكم إلَيْهِ فَفِعْلُ رَجَعَ: المُتَعَدِّي أُسْنِدَ إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ فاعِلِهِ، أيْ يُرْجِعُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ المَوْتِ، وعِنْدَ القِيامَةِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذا، عَقِبَ التَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ، أنَّ الرَّبَّ الَّذِي لا مَفَرَّ مِن حُكْمِهِ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ دِينٍ أمَرَهُ بِهِ، وحَقُّهُ أنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ مُخْتارًا قَبْلَ أنْ يُسْلِمَها اضْطِرارًا.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عَلى المُرادِ مِن قَوْلِهِ وكَرْهًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَيْهِ تُرْجَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ بِياءِ الغَيْبَةِ.
3:84Page 61
قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤
Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."
صفحة ٣٠٢
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ المُخاطَبُ بِفِعْلِ قُلْ هو النَّبِيءُ ﷺ، لِيَقُولَ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ: مُسْلِمُهم، وكافِرُهم، ولِذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيَّ لِتَبْلِيغِكم فَجَعَلَ إنْزالَهُ عَلى الرَّسُولِ والأُمَّةِ لِاشْتِراكِهِمْ في وُجُوبِ العَمَلِ بِما أُنْزِلَ، وعَدّى فِعْلَ أُنْزِلَ هُنا بِحَرْفِ عَلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَقْتَضِي عُلُوًّا فَوُصُولُ الشَّيْءِ المُنَزَّلِ وُصُولُ اسْتِعْلاءٍ وعُدِّيَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِحَرْفِ إلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَتَضَمَّنُ الوُصُولَ وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ إلى. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، واسْتِئْنافٌ: لِتَلْقِينِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُسْلِمِينَ كَلامًا جامِعًا لِمَعْنى الإسْلامِ لِيَدُومُوا عَلَيْهِ، ويُعْلِنُ بِهِ لِلْأُمَمِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] .
ومَعْنى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أنَّنا لا نُعادِي الأنْبِياءَ، ولا يَحْمِلُنا حُبُّ نَبِيئِنا عَلى كَراهَتِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى، وحُذِفَ المَعْطُوفُ وتَقْدِيرُهُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ وآخَرَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ شِعارُ الإسْلامِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
وهُنا انْتَهَتِ المُجادَلَةُ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.
3:85Page 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهْوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَما عَلِمْتَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّجاةِ في الآخِرَةِ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَنَحْنُ
صفحة ٣٠٣
ناجُونَ عَلى كُلِّ حالٍ. والمَعْنى مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ بَعْدَ مَجِيءِ الإسْلامِ. وقَرَأهُ الجَمِيعُ بِإظْهارِ حَرْفَيِ الغَيْنِ مِن كَلِمَةِ مَن يَبْتَغِ وكَلِمَةِ غَيْرَ ورَوى السُّوَسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامَ إحْداهُما في الأُخْرى وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences