Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:86–92
3:86Page 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُناسِبُ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَرَفِ الإسْلامِ.
وكَيْفَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ والمَقْصُودُ إنْكارُ أنْ تَحْصُلَ لَهم هِدايَةٌ خاصَّةٌ وهي إمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَبْدِ ولُطْفِهِ بِهِ، وإسْنادُها إلى اللَّهِ ظاهِرٌ؛ وإمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ إعْمالِ الأدِلَّةِ والِاسْتِنْتاجِ مِنها، وإسْنادُها إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُوجِدُ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهم آمَنُوا وعَلِمُوا ما في كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْبِيائِهِمْ، إذْ عَبَدَ اليَهُودُ الأصْنامَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَبَدَ النَّصارى المَسِيحَ، وقَدْ شَهِدُوا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ لِقِيامِ دَلائِلِ الصِّدْقِ، ثُمَّ كابَرُوا، وشَكَّكُوا النّاسَ. وجاءَتْهُمُ الآياتُ فَلَمْ يَتَّعِظُوا، فَلا مَطْمَعَ في هَدْيِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنَّما تَسْرِي الهِدايَةُ لِمَن أنْصَفَ وتَهَيَّأ لِإدْراكِ الآياتِ دُونَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً. وقِيلَ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ العَرَبِ أسْلَمُوا ثُمَّ كَفَرُوا ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ نَدِمُوا فَراسَلُوا قَوْمَهم مِنَ المُسْلِمِينَ يَسْألُونَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ فَنَزَلَتْ، ومِنهُمُ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ.
وقَوْلُهُ وشَهِدُوا عَطْفٌ عَلى إيمانِهِمْ أيْ وشَهادَتُهم، لِأنَّ الِاسْمَ الشَّبِيهَ بِالفِعْلِ في الِاشْتِقاقِ يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الفِعْلِ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ.
3:87–89Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
صفحة ٣٠٤
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
3:90Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.
﴿إنَّ الَّذِي كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .
قالَ قَتادَةُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ، وعَلَيْهِ فالمَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، فاليَهُودُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِمُوسى كَفَرُوا بِعِيسى وازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى: فاليَهُودُ كَما عَلِمْتَ، والنَّصارى آمَنُوا بِعِيسى ثُمَّ كَفَرُوا فَعَبَدُوهُ وألَّهُوهُ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وتَأْوِيلُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إمّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَتُوبُونَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا شَفاعَةَ لَها فَتُقْبَلُ وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
أيْ لا مَنارَ لَهُ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ ودَلِيلُهُ الحَصْرُ المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ . وإمّا أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُظْهِرُونَهُ
صفحة ٣٠٥
مِنَ الإسْلامِ نِفاقًا، فالمُرادُ بِعَدَمِ القَبُولِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ في إيمانِهِمْ، وإمّا الإخْبارُ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ رَسَخَ في قُلُوبِهِمْ فَصارَ لَهم سَجِيَّةً لا يُحَوَّلُونَ عَنْها، فَإذا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَهم كاذِبُونَ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ بِمَعْنى عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لَهم، وأسْرارُهم مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ اليَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأسْلَمَ بَعْضُهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ.
وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ المُسْلِمِينَ وماتُوا عَلى الكُفْرِ، فالمُرادُ بِالِازْدِيادِ الِاسْتِمْرارُ وعَدَمُ الإقْلاعِ. والقَوْلُ في مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا﴾ [آل عمران: ٩١] تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] وأيًّا ما كانَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ مُتَعَيِّنٌ: لِأنَّ ظاهِرَها تُعارِضُهُ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ إسْلامَ الكافِرِ مَقْبُولٌ. ولَوْ تَكَرَّرَ مِنهُ الكُفْرُ، وأنَّ تَوْبَةَ العُصاةِ مَقْبُولَةٌ، ولَوْ وقَعَ نَقْضُها عَلى أصَحِّ الأقْوالِ وسَيَجِيءُ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] .
3:91Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، نَشَأ عَنْ حُكْمِ فَرِيقٍ مِنَ الكُفّارِ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرُ حَتّى رَسَخَ فِيهِمْ وصارَ لَهم دَيْدَنًا. وإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْأُولى أُعِيدَتْ لِيُبْنى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا العُمُومُ مِثْلُ المُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ مُؤْذِنَةٌ بِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْتَرِنْ خَبَرُ المَوْصُولِ بِالفاءِ في الجُمْلَةِ
صفحة ٣٠٦
الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] لِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ولَمْ يَمُوتُوا كافِرِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم، بِخِلافِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ فَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم مُصَرَّحٌ بِهِ، وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهُ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها مُقْتَرِنَةً بِالفاءِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ خَبَرَ إنَّ.
ومَعْنى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لَنْ يُقْبَلَ مِنهم بِشَيْءٍ يَفْتَدُونَ بِهِ في الآخِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ قَبُولِ الِافْتِداءِ في الدُّنْيا. ضَرُورَةً أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم ماتُوا وهم كُفّارٌ. والمِلْءُ بِكَسْرِ المِيمِ ما يَمْلَأُ وِعاءً، ومِلْءُ الأرْضِ في كَلامِهِمْ كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ المُتَعَذِّرَةِ، لِأنَّ الأرْضَ لا يَمْلَؤُها شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُقَدَّرَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ عَدَدُ رِمالِ الدَّهْناءِ، وعَدَدُ الحَصى، ومُيِّزَ هَذا المِقْدارُ (بِذَهَبًا) لِعِزَّةِ الذَّهَبِ وتَنافُسِ النّاسِ في اقْتِنائِهِ وقَبُولِ حاجَةِ مَن بَذَلَهُ قالَ الحَرِيرِيُّ:
وقارَنَتْ نُجْحَ المَساعِي خَطْرَتُهُ
وقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهم ولَوْ في حالِ فَرْضِ الِافْتِداءِ بِهِ، وحَرْفُ (لَوْ) لِلشَّرْطِ وحَذْفُ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولِكَثْرَتِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ لَوْ وإنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ في مِثْلِهِ مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ بِهِما إلّا المُبالَغَةُ، ولَقَّبُوهُما بِالوَصْلِيَّتَيْنِ: أيْ أنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وتَرَدَّدُوا أيْضًا في إعْرابِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هَذا المَوْقِعَ، وفي الواوِ المُقْتَرِنَةِ بِها، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها واوُ الحالِ وإلَيْهِ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ جِنِّيٍّ، والمَرْزُوقِيُّ. ومِنَ النُّحاةِ مَن جَعَلَ الواوَ عاطِفَةً عَلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هو ضِدُّ الشَّرْطِ المَذْكُورِ: كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] . ومِنَ النُّحاةِ مَن جَعَلَ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ رادًّا عَلَيْهِ، ولَيْسَ حَقِيقًا بِالرَّدِّ: فَإنَّ لِلِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ مَوْقِعًا مَعَ هَذِهِ الواوِ.
صفحة ٣٠٧
هَذا وإنَّ مَواقِعَ هَذِهِ الواوِ تُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّرْطَ الَّذِي بَعْدَها شَرْطٌ مَفْرُوضٌ هو غايَةُ ما يُتَوَقَّعُ مَعَهُ انْتِفاءُ الحُكْمِ الَّذِي قَبْلَها، فَيَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُ لِقَصْدِ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في سائِرِ الأحْوالِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ ∗∗∗ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا
ولِذاكَ جَرَتْ عادَةُ النُّحاةِ أنْ يُقَدِّرُوا قَبْلَها شَرْطًا هو نَقِيضُ الشَّرْطِ الَّذِي بَعْدَها فَيَقُولُونَ في مِثْلِ قَوْلِهِ: وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا - إنْ لَمْ تُرَدَّ بُرْدًا بَلْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا - وكَذا قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَأكْعَمُ كَلْبِي أنْ يَرِيبَكَ نَبْحُهُ ∗∗∗ ولَوْ كُنْتُ أرْعى مُسْحَلانِ فَحامِرا
ولِأجْلِ ذَلِكَ، ورَدَ إشْكالٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: لِأنَّ ما بَعْدَ (( ولَوْ) ) فِيها هو عَيْنُ ما قَبْلَها، إذِ الِافْتِداءُ هو عَيْنُ بَذْلِ مِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَلا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِهِ بَلْ ولَوِ افْتَدى بِهِ، ولِذَلِكَ احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبا يُنْفِقُهُ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ في الآخِرَةِ، أيْ لا يَفْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ، وهَذا الوَجْهُ بِعِيدٌ، إذْ لا يُقَدَّرُ أنَّ في الآخِرَةِ افْتِداءً حَتّى يُبالَغَ عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وقالَ في الكَشّافِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ تُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، يُرِيدُ أنَّ كَلِمَةَ مِلْءِ الأرْضِ في قُوَّةِ كَلِمَةِ فِدْيَةٍ واخْتُصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالضَّمِيرِ، قالَ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَلِمَةٌ (مِثْلُ)، قَبْلَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ: أيْ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ أيْ ولَوْ زادَ ضِعْفَهُ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الزمر: ٤٧] .
وعِنْدِي أنَّ مَوْقِعَ هَذا الشَّرْطِ في الآيَةِ جارٍ عَلى اسْتِعْمالٍ غَفَلَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ عَنْ ذِكْرِهِ وهو: أنْ يَقَعَ الشَّرْطُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ، مُحَقَّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ، يَتَوَهَّمُهُ المُتَكَلِّمُ مِنَ المُخاطَبِ فَيُرِيدُ تَقْدِيرَهُ، فَلا يَقْتَضِي أنَّ شَرْطَها هو غايَةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ السُّؤالُ مُجَرَّدَ اسْتِغْرابٍ مِنَ الحُكْمِ فَيَقَعُ بِإعادَةِ ما تَضَمَّنَهُ الحُكْمُ تَثْبِيتًا عَلى المُتَكَلِّمِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: (( ادْرِ ما تَقُولُ) ) فَيُجِيبُ المُتَكَلِّمُ بِإعادَةِ السُّؤالِ تَقْرِيرًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ تَكَلَّمَ عَنْ بَيِّنَةٍ، نَعَمْ إنَّ الغالِبَ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الغايَةِ وذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ، وهو مِن شَواهِدِ هَذا:
قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدِمًا قالَتْ وإنْ
صفحة ٣٠٨
وقَدْ يُحْذَفُ السُّؤالُ ويَبْقى الجَوابُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ ∗∗∗ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ
وقَدْ يُذْكَرُ السُّؤالُ ولا يُذْكَرُ الجَوابُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] فَلَوْ ذُكِرَ الجَوابُ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ لَأجابُوا بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جَوابُ سُؤالِ مُتَعَجِّبٍ مِنَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ولَوِ افْتَدى بِهِ فَأُجِيبَ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ عَلى حَدِّ بَيْتِ كَعْبٍ. فَمُفادُ هَذا الشَّرْطِ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ افْتَدى: أيْ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا يَجْعَلُهُ رَهِينَةً. ولَوْ بَذَلَهُ فِدْيَةً، لِأنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّ المَطْلُوبَ بِحَقٍّ قَدْ يُعْطِي فِيهِ رَهْنًا إلى أنْ يَقَعَ الصُّلْحُ أوِ العَفْوُ، وكَذَلِكَ في الدُّيُونِ، وكانُوا إذا تَعاهَدُوا عَلى صُلْحٍ أعْطَتِ القَبائِلُ رَهائِنَ مِنهم كَما قالَ الحارِثُ:
واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُدِّ ∗∗∗ مَ فِيهِ العُهُودُ والكُفَلاءُ
ووَقَعَ في حَدِيثِ أبِي رافِعٍ اليَهُودِيِّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قالَ لِأبِي رافِعٍ: نَرْهَنُكَ السِّلاحَ واللّامَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] الآيَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَكْمِيلٌ لِنَفْيِ أحْوالِ الغَناءِ عَنْهم وذَلِكَ أنَّ المَأْخُوذَ بِشَيْءٍ قَدْ يُعْطِي فِدْيَةً مِن مالٍ، وقَدْ يَكْفُلُهُ مَن يُوثَقُ بِكَفالَتِهِمْ، أوْ يَشْفَعُ لَهُ مَن هو مَسْمُوعُ الكَلِمَةِ، وكُلٌّ مِنَ الكَفِيلِ والشَّفِيعِ ناصِرٌ.
3:92Page 62
لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢
Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.
صفحة ٥
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
اسْتِئْنافٌ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١] الآيَةَ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِبَيانِ بَعْضِ وسائِلِ البِرِّ إيذانٌ بِأنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ تَدُورُ عَلى مِحْوَرِ البِرِّ، وأنَّ البِرَّ مَعْنًى نَفْسانِيٌّ عَظِيمٌ لا يَخْرِمُ حَقِيقَتَهُ إلّا ما يُفْضِي إلى نَقْضِ أصْلٍ مِن أُصُولِ الِاسْتِقامَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أمْرانِ: أوَّلُهُما التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ والتَّنْوِيهُ بِأنَّهُ مِنَ البِرِّ، وثانِيهِما التَّنْوِيهُ بِالبِرِّ الَّذِي الإنْفاقُ خَصْلَةٌ مِن خِصالِهِ.
ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ تِلْوَ سابِقَتِها أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ لَمّا بَيَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ أعْظَمُ ما يُنْفِقُهُ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةَ ما يَنْفَعُ أهْلَ الإيمانِ مِن بَذْلِ المالِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ مَرْتَبَةَ البِرِّ، فَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ قَدْ عَلِمَها الفُطَناءُ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن كُلِّ خِطابٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ ما يُعَيِّنُ المَقْصُودَ مِنهُ.
والبِرُّ كَمالُ الخَيْرِ وشُمُولُهُ في نَوْعِهِ: إذِ الخَيْرُ قَدْ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ، وبِالكَمِّيَّةِ، وبِهِما مَعًا، فَبَذْلُ النَّفْسِ في نَصْرِ الدِّينِ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ في مُلاقاةِ العَدُوِّ الكَثِيرِ بِالعَدَدِ القَلِيلِ، وكَذَلِكَ إنْقاذُ الغَرِيقِ في حالَةِ هَوْلِ البَحْرِ، ولا يُتَصَوَّرُ في مِثْلِ ذَلِكَ تَعَدُّدٌ، وإطْعامُ الجائِعِ يَعْظُمُ بِالتَّعَدُّدِ، والإنْفاقُ يَعْظُمُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والجَزاءُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ إذا بَلَغَ كَمالَ الجَزاءِ وشُمُولَهُ كانَ بَرًّا أيْضًا.
صفحة ٦
ورَوى النَّوّاسُ بْنُ سِمْعانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» رَواهُ مُسْلِمٌ.
ومُقابَلَةُ البِرِّ بِالإثْمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ البِرَّ ضِدُّ الإثْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وقَدْ جُعِلَ الإنْفاقُ مِن نَفْسِ المالِ المُحَبِّ غايَةً لِانْتِفاءِ نَوالِ البِرِّ، ومُقْتَضى الغايَةِ أنَّ نَوالَ البِرِّ لا يَحْصُلُ بِدُونِها، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ قَبْلَ الإنْفاقِ مَسافاتٍ مَعْنَوِيَّةً في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى البِرِّ، وتِلْكَ هي خِصالُ البِرِّ كُلُّها، بَقِيَتْ غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، وأنَّ البِرَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِنِهايَتِها وهو الإنْفاقُ مِنَ المَحْبُوبِ، فَظَهَرَ لِحَتّى هُنا مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يَخْلُفُها فِيهِ غَيْرُها: لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ إلّا أنْ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المُحَبِّ وحْدَهُ يُوجِبُ نَوالَ البِرَّ، وفاتَتِ الدَّلالَةُ عَلى المَسافاتِ والدَّرَجاتِ الَّتِي أشْعَرَتْ بِها حَتّى الغائِيَّةُ.
وتَنالُوا مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوالِ وهو التَّحْصِيلُ عَلى الشَّيْءِ المُعْطى.
والتَّعْرِيفُ في البِرِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ: لِأنَّ هَذا الجِنْسَ مُرَكَّبٌ مِن أفْعالٍ كَثِيرَةٍ مِنها الإنْفاقُ المَخْصُوصُ، فَبِدُونِهِ لا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ.
والإنْفاقُ: إعْطاءُ المالِ والقُوتِ والكُسْوَةِ.
وماصَدَقَ (ما) في قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ المالَ: أيِ النَّفِيسَ المالَ العَزِيزَ عَلى النَّفْسِ، وسَوَّغَ هَذا الإبْهامَ هُنا وُجُودُ تُنْفِقُوا إذِ الإنْفاقُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ بَذْلِ المالِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ لا غَيْرَ، ومَن جَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْيِينِ فَقَدْ سَها لِأنَّ التَّبْيِينِيَّةَ لابُدَّ أنْ تُسْبَقَ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ.
والمالُ المَحْبُوبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُتَصَدِّقِينَ، ورَغَباتِهِمْ، وسَعَةِ ثَرَواتِهِمْ، والإنْفاقُ مِنهُ أيِ التَّصُدُّقُ دَلِيلٌ عَلى سَخاءٍ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وفي ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ مِن بَقِيَّةِ ما فِيها مِنَ الشُّحِّ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وفي ذَلِكَ صَلاحٌ عَظِيمٌ لِلْأُمَّةِ إذْ تَجُودُ أغْنِياؤُها عَلى فُقَرائِها بِما تَطْمَحُ إلَيْهِ نُفُوسُهم مِن نَفائِسِ الأمْوالِ فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ أواصِرُ الأُخُوَّةِ، ويَهْنَأُ عَيْشُ الجَمِيعِ.
صفحة ٧
رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مالًا، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ بِئْرَ حاءٍ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ جاءَ أبُو طَلْحَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي بِئْرُ حاءٍ وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ وأرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ فَبَخٍ ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ، فَقالَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَجَعَلَها لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» .
وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ خِصالَ البِرِّ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيئِينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فالبِرُّ هو الوَفاءُ بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِمّا يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ في أفْعالِهِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْوى في قَوْلِهِ ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سِمْعانَ المُتَقَدِّمِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ تَعْمِيمُ أنْواعِ الإنْفاقِ، وتَبْيِينُ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مَقاصِدِ المُنْفِقِينَ، وقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ القَلِيلُ نَفِيسًا بِحَسْبِ حالِ صاحِبِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] .
صفحة ٨
وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ مُرادٌ بِهِ صَرِيحُهُ أيْ يَطَّلِعُ عَلى مِقْدارِ وقْعِهِ مِمّا رَغَّبَ فِيهِ، ومُرادٌ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences