Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:97–101

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:97–101

3:97Page 62

فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it [i.e., the Ḥaram] shall be safe. And [due] to Allāh from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves [i.e., refuses] - then indeed, Allāh is free from need of the worlds.1

﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ .

حُكْمٌ أعْقَبَ بِهِ الِامْتِنانَ: لِما في هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ. والتَّقْدِيرُ: مُبارَكًا، وهُدًى، وواجِبًا حَجُّهُ. فَهو عَطْفٌ عَلى الأحْوالِ.

والحَجُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ لُغَتانِ - فَتْحُ الحاءِ وكَسْرُها - ولَمْ يُقْرَأْ في جَمِيعِ مَواقِعِهِ في القُرْآنِ - بِكَسْرِ الحاءِ - إلّا في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ الحاءِ - .

ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي فُرِضَ بِها الحَجُّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقَدِ اسْتَدِلَّ بِها عُلَماؤُنا عَلى فَرْضِيَّةِ الحَجِّ، فَما كانَ يَقَعُ مِن حَجِّ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قَبْلَ نُزُولِها، فَإنَّما كانَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ، واسْتِصْحابًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَجَّ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ووَقَفَ مَعَ النّاسِ»، فَأمّا إيجابُ الحَجِّ في الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَلا دَلِيلَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا هَذِهِ الآيَةَ وقَدْ تَمالَأ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُوبِ الحَجِّ، فَلا يُعَدُّ ما وقَعَ مِنَ الحَجِّ قَبْلَ نُزُولِها، وبَعْدَ البَعْثَةِ إلّا تَحَنُّثًا وتَقَرُّبًا، وقَدْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ الحَجُّ فُرِضَ يَوْمَئِذٍ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ الِاخْتِلافَ في وقْتِ فَرْضِيَّةِ الحَجِّ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ، ولَمْ يَعْزُ الأقْوالَ إلى أصْحابِها، سِوى أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدٍ الواقِدِيِّ أنَّهُ فُرِضَ

صفحة ٢٢

عامَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ انْصِرافِ الأحْزابِ، وكانَ انْصِرافُهم آخِرَ سِنَةِ خَمْسٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ووَلِيَ تِلْكَ الحَجَّةَ المُشْرِكُونَ. وفي مُقَدِّماتِ ابْنِ رُشْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: إنَّ الحَجَّ وجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ، وأظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلٌ رابِعٌ تَمالَأ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ وهو أنَّ دَلِيلَ وُجُوبِ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِها عَلى أنَّ وُجُوبَهُ عَلى التَّراخِي، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ عَلى المُسْلِمِينَ قَدْ تَقَرَّرَ سَنَةَ ثَلاثٍ، وأصْبَحَ المُسْلِمُونَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ مُحْصَرِينَ عَنْ أداءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ ووَقَعَتْ حَجَّةُ سَنَةِ تِسْعٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن صِيَغِ الوُجُوبِ صِيغَتانِ: لامُ الِاسْتِحْقاقِ، وحَرْفُ عَلى الدّالُّ عَلى تَقَرُّرِ حَقٍّ في ذِمَّةِ المَجْرُورِ بِها. وقَدْ تَعَسَّرَ أوْ تَعَذَّرَ قِيامُ المُسْلِمِينَ بِأداءِ الحَجِّ عَقِبَ نُزُولِها، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَسْمَحُونَ لَهم بِذَلِكَ، فَلَعَلَّ حِكْمَةَ إيجابِ الحَجِّ يَوْمَئِذَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ عَلى اسْتِعْدادٍ لِأداءِ الحَجِّ مَهْما تَمَكَّنُوا مِن ذَلِكَ، ولِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَمْنَعُونَ هَذِهِ العِبادَةَ، ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَمْنَعُونَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ لِتَقْيِيدِ حالِ الوُجُوبِ، وجَوَّزَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلَ حَجُّ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَصِيرُ الكَلامُ: لِلَّهِ عَلى سائِرِ النّاسِ أنْ يَحُجَّ المُسْتَطِيعُ مِنهم، ولا مَعْنى لِتَكْلِيفِ جَمِيعِ النّاسِ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ، والحَقُّ أنَّ هَذا الرَّدَّ لا يَتَّجِهُ لِأنَّ العَرَبَ تَتَفَنَّنُ في الكَلامِ لِعِلْمِ السّامِعِ بِأنَّ فَرْضَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فَرْضٌ مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ فاعِلُ حَجَّ، ولَيْسَ هو كَقَوْلِكَ: اسْتَطاعَ الصَّوْمَ، أوِ اسْتَطاعَ حَمْلَ الثِّقْلِ، ومَعْنى اسْتَطاعَ سَبِيلًا وجَدَ سَبِيلًا وتَمَكَّنَ مِنهُ، والكَلامُ بِأواخِرِهِ. والسَّبِيلُ هُنا مَجازٌ فِيما يَتَمَكَّنُ بِهِ المُكَلَّفُ مِنَ الحَجِّ.

ولِلْعُلَماءِ في تَفْسِيرِ السَّبِيلِ في قوله تعالى (﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾) أقْوالٌ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُها، واتَّحَدَتْ أغْراضُها، فَلا يَنْبَغِي بَقاءُ الخِلافِ بَيْنَهم لِأجْلِها مُثْبَتًا في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وغَيْرِها، فَسَبِيلُ القَرِيبِ مِنَ البَيْتِ الحَرامِ سَهْلٌ جِدًّا، وسَبِيلُ البَعِيدِ الرّاحِلَةُ والزّادُ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: السَّبِيلُ القُدْرَةُ والنّاسُ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ وسَيْرِهِمْ وجَلَدِهِمْ. واخْتُلِفَ فِيمَن

صفحة ٢٣

لا زادَ لَهُ ويَسْتَطِيعُ الِاحْتِرافَ في طَرِيقِهِ: فَقالَ مالِكٌ: إذا كانَ ذَلِكَ لا يُزْرِي فَلْيُسافِرْ ويَكْتَسِبْ في طَرِيقِهِ، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ. وعَنْ مالِكٍ كَراهِيَةَ السَّفَرِ في البَحْرِ لِلْحَجِّ إلّا لِمَن لا يَجِدُ طَرِيقًا غَيْرَهُ كَأهْلِ الأنْدَلُسِ، واحْتَجَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] ولَمْ أجِدْ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا تَأْنِيسٌ مِن مالِكٍ ولَيْسَتِ الآيَةُ بِالَّتِي تَقْتَضِي سُقُوطَ سَفَرِ البَحْرِ. وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزاةً في سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ» وهَلِ الجِهادُ إلّا عِبادَةٌ كالحَجِّ، وكَرِهَ مالِكٌ لِلْمَرْأةِ السَّفَرَ في البَحْرِ لِأنَّهُ كَشَفَةٌ لَها، وكُلُّ هَذا إذا كانَتِ السَّلامَةُ هي الغالِبَ وإلّا لَمْ يَجُزِ الإلْقاءُ إلى التَّهْلُكَةِ، وحالُ سَفَرِ البَحْرِ اليَوْمَ أسْلَمُ مِن سَفَرِ البَرِّ إلّا في أحْوالٍ عارِضَةٍ في الحُرُوبِ إذا شَمِلَتِ البِحارَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أنَّ الخِطابَ بِالحَجِّ والِاسْتِطاعَةَ لِلْمَرْءِ في عَمَلِهِ لا في عَمَلِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: لا تَصِحُّ النِّيابَةُ في الحَجِّ في الحَياةِ لِعُذْرٍ، فالعاجِزُ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَجُّ عِنْدَهُ ولَمْ يَرَ فِيهِ إلّا أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يُوصِيَ بِأنْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَجَّ التَّطَوُّعِ، إذا أوصى به الرجل بعد موته وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ مانِعٌ مِنَ الحَجِّ وكانَ لَهُ مَن يُطِيعُهُ لَوْ أمَرَهُ بِأنْ يَحُجَّ عَنْهُ، أوْ كانَ لَهُ مالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَن يَحُجُّ عَنْهُ، صارَ قادِرًا في الجُمْلَةِ، فَيَلْزَمُهُ الحَجُّ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةً مِن خَثْعَمَ سَألَتِ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ أفَيُجْزِئُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهُ أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَتِهِ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى» . وأجابَ عَنْهُ المالِكِيَّةُ بِأنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَدُلَّ عَلى الوُجُوبِ بَلْ أجابَها بِما فِيهِ حَثٌّ عَلى طاعَةِ أبِيها، وطاعَةِ رَبِّها.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ المُبارَكِ. لا تُجْزِئُ إلّا إنابَةٌ دُونَ إنابَةِ الطّاعَةِ.

صفحة ٢٤

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَتِ الِاسْتِطاعَةُ وجَبَ الحَجُّ عَلى المُسْتَطِيعِ عَلى الفَوْرِ، وذَلِكَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَسْألَةِ اقْتِضاءِ الأمْرِ الفَوْرِ أوْ عَدَمِ اقْتِضائِهِ إيّاهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في أنَّ الحَجَّ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ أوْ عَلى التَّراخِي. فَذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى الفَوْرِ البَغْدادِيُّونَ مِنَ المالِكِيَّةِ: ابْنُ القَصّارِ، وإسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ، وغَيْرُهُما، وتَأوَّلُوهُ مِن قَوْلِ مالِكٍ، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ. وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ عَلى التَّراخِي وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ ورِوايَةُ ابْنِ نافِعٍ وأشْهَبَ عَنْهُ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِأنَّ الحَجَّ فُرِضَ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيءِ ﷺ بِسِنِينَ، فَلَوْ كانَ عَلى الفَوْرِ لَما أخَّرَهُ، ولَوْ أخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَبَيَّنَهُ أيْ لِأنَّهُ قُدْوَةٌ لِلنّاسِ. وقالَ جَماعَةٌ: إذا بَلَغَ المَرْءُ السِّتِّينَ وجَبَ عَلَيْهِ الفَوْرُ بِالحَجِّ إنْ كانَ مُسْتَطِيعًا خَشْيَةَ المَوْتِ، وحَكاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ.

ومَعْنى الفَوْرِ أنْ يُوقِعَهُ المُكَلَّفُ في الحَجَّةِ الَّتِي يَحِينُ وقْتُها أوَّلًا عِنْدَ اسْتِكْمالِ شَرْطِ الِاسْتِطاعَةِ.

وقَوْلُهُ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالِمَيْنِ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِ مَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الإخْبارَ عَنْهُ بِالكُفْرِ هُنا تَغْلِيظٌ لِأمْرِ تَرْكِ الحَجِّ. والمُرادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ تَشْوِيهُ صُنْعِهِ بِأنَّهُ كَصَنِيعِ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وفَضِيلَةِ حَرَمِهِ. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ ومَن كَفَرَ بِفَرْضِ الحَجِّ، وقالَ قَوْمٌ بِظاهِرِهِ: إنَّ تَرَكَ الحَجِّ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ كَفَرَ. ونُسِبَ لِلْحَسَنِ. ولَمْ يَلْتَزِمْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ لِلْمُقابَلَةِ وجَعَلُوها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً. كالتَّذْيِيلِ، بَيَّنَ بِها عَدَمَ اكْتِراثِ اللَّهِ بِمَن كَفَرَ بِهِ.

وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ مَن كَفَرَ مَن كَفَرَ بِالإسْلامِ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِأنَّهُ لا اعْتِدادَ بِحَجِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَحُجَّ المُؤْمِنُونَ بِهِ والمُوَحِّدُونَ لَهُ.

صفحة ٢٥

وفِي قَوْلِهِ ﴿غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ رَمْزٌ إلى نَزْعِهِ وِلايَةَ الحَرَمِ مِن أيْدِيهِمْ: لِأنَّهُ لَمّا فَرَضَ الحَجَّ وهم يَصُدُّونَ عَنْهُ، وأعْلَمَنا أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ النّاسِ، فَهو لا يُعْجِزُهُ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ مُرادِهِ تَعالى.

3:98–99Page 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .

ابْتِداءُ كَلامٍ رَجَعَ بِهِ إلى مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومَوْعِظَتِهِمْ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] الآيَةَ.

أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالصَّدْعِ بِالإنْكارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ دَلائِلَ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ولِذَلِكَ افْتَتَحَ بِفِعْلِ (قُلْ) اهْتِمامًا بِالمَقُولِ، وافْتَتَحَ المَقُولَ بِنِداءِ يا أهْلَ الكِتابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: إمّا القُرْآنُ، وإمّا دَلائِلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . والكُفْرُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ واضِحٌ، وإمّا آياتُ فَضِيلَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى غَيْرِهِ، والكُفْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَجَحْدُهم لِآياتِهِ مَعَ ذَلِكَ اليَقِينِ أشَدُّ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مُجَرَّدَ خَبَرٍ إلّا إذا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ تَوْبِيخٌ ثانٍ وإنْكارٌ عَلى مُجادَلَتِهِمْ لِإضْلالِهِمُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم في نُفُوسِهِمْ، وفُصِلَ بِلا عَطْفٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالقَصْدِ، ولَوْ عُطِفَ لَصَحَّ العَطْفُ.

صفحة ٢٦

والصَّدُّ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا: يُقالُ صَدَّهُ عَنْ كَذا فَصَدَّ عَنْهُ. وقاصِرُهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فَمُتَعَدِّيهِ بِمَعْنى جَعْلِ المَصْدُودِ مُعْرَضًا أيْ صَرْفُهُ، ويُقالُ: أصُدُّهُ عَنْ كَذا، وهو ظاهِرٌ.

وسَبِيلُ اللَّهِ مَجازٌ في الأقْوالِ والأدِلَّةِ المُوصِلَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إمّا مُحاوَلَةُ إرْجاعِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ بِإلْقاءِ التَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى يُلاقِي مَعْنى الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ عَلى وجْهَيْهِ الرّاجِعَيْنِ لِلْمَعْنى الشَّرْعِيِّ. وإمّا صَدُّ النّاسِ عَنِ الحَجِّ أيْ صَدُّ أتْباعِهِمْ عَنْ حَجِّ الكَعْبَةِ، وتَرْغِيبِهِمْ عَنْ حَجِّ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِتَفْضِيلِهِ عَلى الكَعْبَةِ، وهَذا يُلاقِي الكُفْرَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ المُتَقَدِّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إنْكارِهِمُ القِبْلَةَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ صَدُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.

وقَوْلُهُ تَبْغُونَها عِوَجًا أيْ تَبْغُونَ السَّبِيلَ فَأنَّثَ ضَمِيرَهُ لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والبَغْيُ الطَّلَبُ أيْ تَطْلُبُونَ. والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ - ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ عَوِجَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُهُ العَوَجُ كالفَرَحِ. وقَدْ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ غالِبًا المَصْدَرَ بِالِاعْوِجاجِ في الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، كالحائِطِ والقَناةِ. وخَصَّ إطْلاقَ اسْمِ المَصْدَرِ بِالِاعْوِجاجِ الَّذِي لا يُشاهَدُ كاعْوِجاجِ الأرْضِ والسَّطْحِ، وبِالمَعْنَوِيّاتِ كالدِّينِ.

ومَعْنى ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا باقِيًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ﴿عِوَجًا﴾ مَفْعُولَ ﴿تَبْغُونَها﴾، ويَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما قالُوا: شَكَرْتُكَ وبِعْتُكَ كَذا: أيْ شَكَرْتُ لَكَ وبِعْتُ لَكَ، والتَّقْدِيرُ: وتَبْغُونَ لَها عِوَجًا، أيْ تَتَطَلَّبُونَ نِسْبَةَ العِوَجِ إلَيْها، وتُصَوِّرُونَها باطِلَةً زائِلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا وصْفًا لِلسَّبِيلِ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ تَبْغُونَها عَوْجاءَ شَدِيدَةَ العِوَجِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها مَفْعُولَ تَبْغُونَ، ويَكُونُ عِوَجًا حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ أيْ تَرُومُونَها مُعْوَجَّةً أيْ تَبْغُونَ سَبِيلًا مُعْوَجَّةً وهي سَبِيلُ الشِّرْكِ.

صفحة ٢٧

والمَعْنى: تَصُدُّونَ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وتُرِيدُونَ السَّبِيلَ المُعْوَجَّ فَفي ضَمِيرِ تَبْغُونَها اسْتِخْدامٌ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ المَصْدُودَ عَنْها هي الإسْلامُ، والسَّبِيلُ الَّتِي يُرِيدُونَها هي ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ بَعْدَ نَسْخِهِ وتَحْرِيفِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ أيْضًا تُوازِنُ الحالَ في قَوْلِهِ قَبْلَها ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ومَعْناهُ وأنْتُمْ عالِمُونَ أنَّها سَبِيلُ اللَّهِ. وقَدْ أحالَهم في هَذا الكَلامِ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن وخْزِ قُلُوبِهِمْ، وانْثِنائِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ وتَذْكِيرٌ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُّدُورَ وهو بِمَعْنى قَوْلِهِ في مَوْعِظَتِهِمُ السّابِقَةِ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ إلّا أنَّ هَذا أغْلَظُ في التَّوْبِيخِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ اعْتِقادِ غَفْلَتِهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ حالَهم كانَتْ بِمَنزِلَةِ حالِ مَن يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.

3:100–101Page 62

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ دُعائِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ خاطَبَهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ خِلافَ خِطابِهِ أهْلَ الكِتابِ إذْ قالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولَمْ يَقُلْ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وأشارَ بِهِ هُنا إلى فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ وهم شاسُ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهُ، أوْ أرادَ شاسًا وحْدَهُ، وجَعَلَهُ فَرِيقًا كَما جَعَلَ أبا سُفْيانَ ناسًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وسِياقُ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها جَرَتْ

صفحة ٢٨

عَلى حادِثَةٍ حَدَثَتْ وأنَّ لِنُزُولِها سَبَبًا. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا حَتّى تَفانَوْا، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ وآخِرُها يَوْمُ بُعاثٍ الَّتِي انْتَهَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عَلى الإسْلامِ زالَتْ تِلْكَ الأحْقادُ مِن بَيْنِهِمْ وأصْبَحُوا عُدَّةً لِلْإسْلامِ، فَساءَ ذَلِكَ يَهُودَ يَثْرِبَ فَقامَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وهو شَيْخٌ قَدِيمٌ مِنهم، فَجَلَسَ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن جَلَسَ إلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم حُرُوبَ بُعاثٍ، فَكادُوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ونادى كُلُّ فَرِيقٍ: يا لَلْأوْسِ ! ويا لَلْخَزْرَجِ ! وأخَذُوا السِّلاحَ، فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهم وقالَ: «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ وفي رِوايَةٍ: أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» ؟ أيْ أتَدْعُونَ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَما فَرَغَ مِنها حَتّى ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ طالِعٌ أكْرَهَ إلَيْنا مِن طُلُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَنا ما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.

وأصْلُ الرَّدِّ الصَّرْفُ والإرْجاعُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَغَيُّرِ الحالِ بَعْدَ المُخالَطَةِ فَيُفِيدُ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فِيما أنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ:

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا

وكافِرِينَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ والقَصْدُ مِنَ التَّصْرِيحِ تَوْضِيحُ فَواتِ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كانُوا فِيها لَوْ يَكْفُرُونَ.

وقَوْلُهُ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ اسْتِبْعادًا لِكُفْرِهِمْ ونَفْيٌ لَهُ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

صفحة ٣٩

وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ حالِيَّةٌ، وهي مَحَطُّ الِاسْتِبْعادِ والنَّفْيِ لِأنَّ كُلًّا مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ وإقامَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ وازِعٌ لَهم عَنِ الكُفْرِ، وأيُّ وازِعٍ، فالآياتُ هُنا هي القُرْآنُ ومَواعِظُهُ.

والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ حَقِيقِيَّةٌ ومُؤْذِنَةٌ بِمَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ، ومِنَّةٍ جَلِيلَةٍ، وهي وُجُودُ هَذا الرَّسُولِ العَظِيمِ بَيْنَهم، تِلْكَ المَزِيَّةُ الَّتِي فازَ بِها أصْحابُهُ المُخاطَبُونَ، وبِها يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» النَّصِيفُ نِصْفُ مُدٍّ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ الصَّحابَةِ وأنَّ لَهم وازِعَيْنِ عَنْ مُواقَعَةِ الضَّلالِ: سَماعُ القُرْآنِ، ومُشاهَدَةُ أنْوارِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ وُجُودَهُ عِصْمَةٌ مِن ضَلالِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: أمّا الرَّسُولُ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.

وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ مَن يَتَمَسَّكُ بِالدِّينِ فَلا يُخْشى عَلَيْهِ الضَّلالُ. فالِاعْتِصامُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلتَّمَسُّكِ.

وفِي هَذا إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِكِتابِ اللَّهِ ودِينِهِ لِسائِرِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском