Ibn 'AshurAr‑Rum · 30:27–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:27–29

30:27Page 407

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وهْوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهْوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وأُعِيدَ هُنا لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ تَكْمِلَةً لِلدَّلِيلِ إذْ لَمْ تُذْكَرْ هَذِهِ التَّكْمِلَةُ هُناكَ.

فَهَذا ابْتِداءٌ بِتَوْجِيهِ الكَلامِ إلى المُشْرِكِينَ لِرُجُوعِهِ إلى نَظِيرِهِ المَسُوقِ إلَيْهِمْ. وهَذا أشْبَهُ بِالتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في المُناظَرَةِ، ذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو بادِئُ خَلْقِ الإنْسانِ، وأنْكَرُوا إعادَتَهُ بَعْدَ المَوْتِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ هُنالِكَ بِقِياسِ المُساواةِ، ولَمّا كانَ إنْكارُهُمُ الإعادَةَ بَعْدَ المَوْتِ مُتَضَمِّنًا تَحْدِيدَ مَفْعُولِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ جاءَ التَّنازُلُ في الِاسْتِدْلالِ إلى أنَّ تَحْدِيدَ مَفْعُولِ القُدْرَةِ لَوْ سَلَمَ لَهم لَكانَ يَقْتَضِي إمْكانَ البَعْثِ بِقِياسِ الأحْرى فَإنَّ إعادَةَ المَصْنُوعِ مَرَّةً ثانِيَةً أهْوَنُ عَلى الصّانِعِ مِن صَنْعَتِهِ الأُولى وأُدْخِلَ تَحْتَ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فِيما تَعارَفَهُ النّاسُ في مَقْدُوراتِهِمْ.

فَقَوْلُهُ (﴿أهْوَنُ﴾) اسْمُ تَفْضِيلٍ، ومَوْقِعُهُ مَوْقِعَ الكَلامِ المُوَجَّهِ، فَظاهِرُهُ أنَّ (﴿أهْوَنُ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُفاضَلَةِ عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانَ والتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أيِ الخَلْقُ الثّانِي أسْهَلُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . ومُرادُهُ: أنَّ إعادَةَ الخَلْقِ مَرَّةً ثانِيَةً مُساوِيَةٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، فَتَحْمِلُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْنى قُوَّةِ الفِعْلِ المَصُوغَةِ لَهُ كَقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] .

صفحة ٨٤

ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ﴾ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ تَقْرِيبٍ لِأفْهامِهِمْ عَقَّبَ بِقَولِهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ أيْ ثَبُتَ لَهُ واسْتَحَقَّ الشَّأْنَ الأتَمَّ الَّذِي لا يُقاسُ بِشُئُونِ النّاسِ المُتَعارَفَةِ وإنَّما لِقَصْدِ التَّقْرِيبِ لِأفْهامِكم.

والأعْلى: مَعْناهُ الأعْظَمُ البالِغُ نِهايَةَ حَقِيقَةِ العَظَمَةِ والقُوَّةِ. قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ في الإحْياءِ: لا طاقَةَ لِلْبَشَرِ أنْ يَنْفُذُوا غَوْرَ الحِكْمَةِ كَما لا طاقَةَ لَهم أنْ يَنْفُذُوا بِأبْصارِهِمْ ضَوْءَ الشَّمْسِ ولَكِنَّهم يَنالُونَ مِنها ما تَحْيا بِهِ أبْصارُهم وقَدْ تَأنَّقَ بَعْضُهم في التَّعْبِيرِ عَنْ وجْهِ اللُّطْفِ في إيصالِ مَعانِي الكَلامِ المَجِيدِ إلى فَهْمِ الإنْسانِ لِعُلُوِّ دَرَجَةِ الكَلامِ المَجِيدِ وقُصُورِ رُتْبَةِ الأفْهامِ البَشَرِيَّةِ فَإنَّ النّاسَ إذا أرادُوا أنْ يُفْهِمُوا الدَّوابَّ ما يُرِيدُونَ مِن تَقْدِيمِها وتَأْخِيرِها ونَحْوِهِ ورَأوْها تُقَصِّرُ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ العُقُولِ مَعَ حُسْنِهِ وتَرْتِيبِهِ نَزَلُوا إلى دَرَجَةِ تَمْيِيزِ البَهائِمِ وأوْصَلُوا مَقاصِدَهم إلَيْها بِأصْواتٍ يَضَعُونَها لائِقَةً بِها مِنَ الصَّفِيرِ ونَحْوِهِ مِنَ الأصْواتِ القَرِيبَةِ مِن أصْواتِها اهــ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٦] صِفَةٌ لِلْمَثَلِ أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ كانَ اسْتِحْقاقُهُ المَثَلَ الأعْلى مُسْتَقِرًّا في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ في كائِناتِ السَّماواتِ والأرْضِ، فالمُرادُ: أهْلُها، عَلى حَدِّ واسْألِ القَرْيَةَ، أيْ هو مَوْصُوفٌ بِأشْرَفِ الصِّفاتِ وأعْظَمِ الشُّئُونِ عَلى ألْسِنَةِ العُقَلاءِ وهي المَلائِكَةُ والبَشَرُ المُعْتَدُّ بِعُقُولِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِالمُعَطَّلِينَ مِنهم لِسَخافَةِ عُقُولِهِمْ وفي دَلائِلِ الأدِلَّةِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، فَكُلُّ تِلْكَ الأدِلَّةِ شاهِدَةٌ بِأنَّ لِلَّهِ المَثَلَ الأعْلى.

ومِن جُمْلَةِ المَثَلِ الأعْلى عِزَّتُهُ وحِكْمَتُهُ تَعالى؛ فَخُصّا بِالذِّكْرِ هُنا لِأنَّهُما الصِّفَتانِ اللَّتانِ تَظْهَرُ آثارُهُما في الغَرَضِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو بَدْءُ الخَلْقِ وإعادَتُهُ؛ فالعِزَّةُ تَقْتَضِي الغِنى المُطْلَقَ فَهي تَقْتَضِي تَمامَ القُدْرَةِ. والحِكْمَةُ تَقْتَضِي عُمُومَ العِلْمِ. ومِن آثارِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ أنَّهُ يُعِيدُ الخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وأنَّ الغايَةَ مِن ذَلِكَ الجَزاءُ وهو مِن حِكْمَتِهِ.

30:28Page 407

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.

صفحة ٨٥

﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

أُتْبِعَ ضَرْبُ المَثَلِ لِإمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ عَقِبَ دَلِيلِ بَدْئِهِ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِإبْطالِ الشِّرْكِ عَقِبَ دَلِيلَيْهِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ١٩] لِيَنْتَظِمَ الدَّلِيلُ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ المُهِمَّيْنِ: أصْلِ الوَحْدانِيَّةِ، وأصْلِ البَعْثِ، ويَنْكَشِفَ بِالتَّمْثِيلِ والتَّقْرِيبِ بَعْدَ نُهُوضِهِ بِدَلِيلِ العَقْلِ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ.

وضَرْبُ المَثَلِ: إيقاعُهُ ووَضْعُهُ، وعَلَيْهِ فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ يُرادُ بِضَرْبِهِ جَعْلُهُ ضَرْبًا، أيْ مَثَلًا ونَظِيرًا، وعَلَيْهِ فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّ مَثَلًا حِينَئِذٍ يُرادِفُ ضَرْبًا مَصْدَرَ ضَرَبَ بِهَذا المَعْنى. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَكم لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ ضَرَبَ مَثَلًا لِأجْلِكم، أيْ لِأجْلِ إفْهامِكم.

و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (ضَرَبَ)، أيْ جَعَلَ لَكم مَثَلًا مُنْتَزَعًا مِن أنْفُسِكم، والأنْفُسُ هُنا جِنْسُ النّاسِ كَقَوْلِهِ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم، أيْ مَثَلًا مِن أحْوالِ جَماعَتِكم إذْ لا تَخْلُو الجَماعَةُ عَنْ ناسٍ لَهم عَبِيدٌ وهم يَعْرِفُونَ أحْوالَ العَبِيدِ مَعَ سادَتِهِمْ سَواءٌ مِنهم مَن يَمْلِكُ عَبِيدًا ومَن لا عَبِيدَ لَهُ. فالخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ وُجُودِ فَرِيقٍ فِيهِمْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ هَذا المَثَلُ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ ومَناطُ الإنْكارِ قَوْلُهُ فِيما رَزَقْناكم إلى آخِرِهِ، أيْ مِن شُرَكاءَ لَهم هَذا الشَّأْنُ.

و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] تَبْعِيضِيَّةٌ، و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن شُرَكاءَ﴾) زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فالجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الحُرُوفِ في كَلامٍ واحِدٍ مِن قَبِيلِ الجِناسِ التّامِّ.

صفحة ٨٦

والشُّرَكاءُ: جَمْعُ شَرِيكٍ، وهو المُشارِكُ في المالِ لِقَوْلِهِ فِيما رَزَقْناكم، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الشَّرِكَةِ، أيْ فَتَكُونُوا مُتَساوِينَ فِيما أنْتُمْ فِيهِ شُرَكاءُ.

وجُمْلَةُ (﴿تَخافُونَهُمْ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَواءٌ) .

والخَوْفُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَنْشَأُ مِن تَوَقُّعِ إصابَةِ مَكْرُوهٍ يَبْقى، وهو هُنا التَّوَقِّي مِنَ التَّفْرِيطِ في حُظُوظِهِمْ مِنَ الأرْزاقِ ولَيْسَ هو الرُّعْبَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، أيْ كَما تَتَوَقُّونَ أنْفُسَكم مِن إضاعَةِ حُقُوقِكم عِنْدَهم.

والأنْفُسُ الثّانِي بِمَعْنى: أنْفُسُ الَّذِينَ لَهم شُرَكاءُ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُهم مِنَ المُخاطَبِينَ لِأنَّهم بَعْضُ المُخاطَبِينَ.

وهَذا المَثَلُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِهَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ؛ شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِن زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ في التَّصَرُّفِ ودافِعُونَ عَنْ أوْلِيائِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِن تَسَلُّطِ عِقابٍ أوْ نَحْوِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ (لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ) . هَذِهِ الهَيْئَةُ شُبِّهَتْ بِهَيْئَةِ ناسٍ لَهم عَبِيدٌ صارُوا شُرَكاءَ في أرْزاقِ سادَتِهِمْ شَرِكَةً عَلى السَّواءِ فَصارَ سادَتُهم يَحْذَرُونَ إذا أرادُوا أنْ يَتَصَرَّفُوا في تِلْكَ الأرْزاقِ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهم غَيْرَ مُرْضٍ لِعَبِيدِهِمْ. وهَذا التَّشْبِيهُ وإنْ كانَ مُنْصَرِفًا لِمَجْمُوعِ المُرَكَّبِ مِنَ الهَيْئَتَيْنِ قَدْ بَلَغَ غايَةَ كَمالِ نَظائِرِهِ إذْ هو قابِلٌ لِلتَّفْرِيقِ في أجْزاءِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ بِتَشْبِيهِ مالِكِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالَّذِينَ يَمْلِكُونَ عَبِيدًا، وتَشْبِيهِ الأصْنامِ الَّتِي هي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِمَمالِيكِ النّاسِ، وتَشْبِيهِ تَشْرِيكِ الأصْنامِ في التَّصَرُّفِ مَعَ الخالِقِ في مُلْكِهِ بِتَشْرِيكِ العَبِيدِ في التَّصَرُّفِ في أرْزاقِ سادَتِهِمْ، وتَشْبِيهِ زَعْمِهِمْ عُدُولَ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ ما يُرِيدُهُ في الخَلْقِ لِأجْلِ تِلْكَ الأصْنامِ، وشَفاعَتِها بِحَذَرِ أصْحابِ الأرْزاقِ مِنَ التَّصَرُّفِ في حُظُوظِ عَبِيدِهِمُ الشُّرَكاءِ تَصَرُّفًا يَأْبَوْنَهُ. فَهَذِهِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها هَيْئَةٌ قَبِيحَةٌ مُشَوَّهَةٌ في العادَةِ لا وُجُودَ لِأمْثالِها في عُرْفِهِمْ فَكانَتِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَنفِيَّةً مُنْكَرَةً، ولِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْها اسْتِفْهامُ الإنْكارِ والجُحُودِ لِيَنْتُجَ أنَّ الصُّورَةَ المَزْعُومَةَ لِلْأصْنامِ صُورَةٌ باطِلَةٌ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ والتَّشْكِيلِ إبْرازًا لِذَلِكَ المَعْنى الِاعْتِقادِيِّ الباطِلِ في الصُّورَةِ المَحْسُوسَةِ المُشَوَّهَةِ الباطِلَةِ.

صفحة ٨٧

ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ نُفَصِّلُ الدَّلائِلَ عَلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ تَفْصِيلًا كَهَذا التَّفْصِيلِ وُضُوحًا بَيِّنًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ هُمُ المُتَنَزِّهُونَ عَنِ المُكابَرَةِ والإعْراضِ، والطّالِبُونَ لِلْحَقِّ والحَقائِقِ لِوَفْرَةِ عُقُولِهِمْ، فَيَزْدادُ المُؤْمِنُونَ يَقِينًا ويُؤْمِنُ الغافِلُونَ والَّذِينَ تُرَوَّجُ عَلَيْهِمْ ضَلالاتُ المُشْرِكِينَ ثُمَّ تَنْكَشِفُ عَنْهم بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ.

وفِي ذِكْرِ لَفْظِ قَوْمٍ وإجْراءِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن كانَ العَقْلُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَتْ لَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ.

والقَوْلُ في إيثارِ وصْفِ العَقْلِ هُنا دُونَ غَيْرِهِ مِن أوْصافِ النَّظَرِ والفِكْرِ كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] إلى قَوْلِهِ يَعْقِلُونَ.

وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُتَصَلِّبِينَ في شِرْكِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ العُقُولِ، ولَيْسُوا مِمَّنْ يَنْتَفِعُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] .

وقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

30:29Page 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ إضْرابٌ إبْطالِيٌّ لِما تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيضُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] إذِ اقْتَضى أنَّ الشَّأْنَ أنْ يَنْتَفِعَ النّاسُ بِمِثْلِ هَذا المَثَلِ فَيُقْلِعَ المُشْرِكُونَ مِنهم عَنْ إشْراكِهِمْ ويَلِجُوا حَظِيرَةَ الإيمانِ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا أهْواءَهم وما تُسَوِّلُهُ لَهم نُفُوسُهم ولَمْ يَطْلُبُوا الحَقَّ ويَتَفَهَّمُوا دَلائِلَهُ فَهم عَنِ العِلْمِ بِمَنأى. فالتَّقْدِيرُ: فَما نَفَعَتْهُمُ الآياتُ المُفَصَّلَةُ بَلِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم.

صفحة ٨٨

والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وتَقْيِيدُ اتِّباعِ الهَوى بِأنَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ تَشْنِيعٌ لِهَذا الِاتِّباعِ فَإنَّهُ اتِّباعُ شَهْوَةٍ مَعَ جَهالَةٍ، فَإنَّ العالِمَ إذا اتَّبَعَ الهَوى كانَ مُتَحَرِّزًا مِنَ التَّوَغُّلِ في هَواهُ لِعِلْمِهِ بِفَسادِهِ، ولَيْسَ ما هُنا مُماثِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] في أنَّهُ قَيْدٌ كاشِفٌ مِن حَيْثُ إنَّ الهَوى لا يَكُونُ إلّا مُلْتَبِسًا بِمُغايَرَةِ هُدى اللَّهِ.

والفاءُ في فَمَن يَهْدِي لِلتَّفْرِيعِ، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى اتِّباعِهِمْ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ انْتِفاءُ الهُدى عَنْهم أبَدًا.

و(مَن) اسْمُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ بِمَعْنى النَّفْيِ فَيُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ الهادِي لَهم، إذِ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ لا غَيْرُهم ولا أنْفُسُهم، فَإنَّهم مِن عُمُومِ ماصَدَقَ مَن يَهْدِي.

ومَعْنى مَن أضَلَّ اللَّهُ: مَن قَدَّرَ لَهُ الضَّلالَ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ، فَإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ لِتَكْوِينِهِ عَلى ذَلِكَ لا لِلْأمْرِ بِهِ وذَلِكَ بَيِّنٌ. ومَعْنى انْتِفاءُ هادِيهِمْ: أنَّ مَن يُحاوِلُهُ لا يَجِدُ لَهُ في نُفُوسِهِمْ مَسْلَكًا.

ثُمَّ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ نَفْيِ هُداهم خَبَرٌ آخَرُ عَنْ حالِهِمْ وهو ما لَهم مِن ناصِرِينَ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الزّاعِمِينَ أنَّهم إذا أصابُوا خَطِيئَةً عِنْدَ اللَّهِ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском